islamaumaroc

مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم حيال أعداء الإسلام بعد الهجرة

  دعوة الحق

161 العدد

لما كانت الدعوة إلى المبادئ القويمة لا يتحقق لها النصر إلا بإعداد قوة تحميها، ولا تتوافر لها هذه القوة إلا إذا آمن بها المجتمع إيمانا عميقا، وأخلص في الدفاع عنها، وتفانى في العمل على نشرها، لذلك حرص الرسول عليه الصلاة والسلام على أن يحقق لدعوته هذه الدعامة، وقد شاء الله تعالى أن يحققها له في المدينة وأهلها من قبيلتي الأوس والخزرج، فأمر المسلمين من أهل مكة بالهجرة إليها، ثم هاجر هو إليها مع صاحبه أبو بكر الصديق، واتخذ من هذا البلد ومن أهله درعا قويا لرسالته، ونقطة ارتكاز يزحف منها الإسلام إلى مختلف بقاع العالم.


ولكن الدعوة الجديدة قد وجت أمامها. بعد هجرة الرسول ثلاثة قوى تتربص بها الدوائر، وتعمل جاهدة على القضاء عليها في مهدها: إحداها فتتمثل في مشركي العرب من سكان مكة وغيرها، وثانيها تتمثل في اليهود من سكان المدينة وضواحيها، وثالثها تتمثل في نصارى الغاسنة والروم، وقد قضت تعاليم الإسلام وشاءت  سماحته أن يكون الأصل في العلاقات بين المسلمين وهذه القوى أن تكون علاقات سليمة يسودها حسن الجوار وعدم الاعتداء، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يقفوا موقفا عدائيا حيال قوة منها إلا إذا بدأ أهلها بالاعتداء على المسلمين، أو نكثوا ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود وظهرت منهم بوادر الخيانة والغدر، أو أحدثوا ما من شأنه أن يثير الفتنة أو يفوق الدعوة الإسلامية أو يهدد سلامة الدولة. فهذه ثلاث حالات لا يجيز الإسلام الحرب فيما عداها، وهي تدل في جملتها على أن الإسلام لا يجيز للمسلمين أن يحاربوا غير المسلمين إلا إذا اضطرهم هؤلاء إلى الحرب اضطرارا، وساقوهم إليها سوقا، وفرضوها عليهم فرضا. وقد حافظ الرسول عليه السلام أيما محافظة على هذه المبادئ بعد هجرته إلى المدينة، فلم تتجاوز حروبه غير المسلمين هذه الحالات الثلاث:
(الحالة الأولى) إذا بدأ غير المسلمين بالاعتداء على المسلمين، فوضعوا في حالة دفاع مشروع من أنفسهم وبلادهم. وفي هذا يقول الله تعالى: "وقاتلو في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"1 ، ويقول : "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين"2  ويقول: "فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وإلقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا"3 ، ويقول: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم"4 ، ويقول: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين  قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"5 .


(والحالة الثانية) إذا نكث غير المسلمين ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود، وظهرت منهم بوادر الخيانة. وفي هذا يقول الله تعالى: "وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم، فقاتلوا أئمة الكفر، إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون"6 ، ويقول: "وإما تخافن من قوم خيانة فأنبذ إليهم على سواء، إن الله لا يحب الخائنين"7 ، أي إن ظهرت بوادر الخيانة من قوم بينكم وبينهم ميثاق فغرم إليهم عهدهم على طريقة مستوية، وذلك بأن تخيرهم بالنقض، وتدع لهم فرصة للاستعداد، ولا تناجزهم بالحرب بغثة، حتى لا تتهم بالخيانة، والله لا يحب الخائنين.


(والحالة الثالثة) إذا حدث من غير المسلمين ما من شأنه أن يثير الفتنة، أو يعوق الدعوة الإسلامية أو يتهدد سلامة الدولة. وفي هذا يقول الله تعالى:" وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين"8 . يقول في آية أخرى:" وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير"9 .


وقد حافظ الرسول عليه السلام على هذه المبادئ أيما محافظة بعد هجرته إلى المدينة، فلم تتجاوز حروبه هذه الحالات الثلاث، سواء في ذلك حروبه مع مشركي العرب وحروبه مع اليهود وحروبه مع النصارى الغساسنة والروم.


أما فيما يتعلق بمشركي العرب فإنهم هم الذين بدؤوا بالاعتداء على الإسلام والمسلمين، وأمعنوا في إيذاء المسلمين وإيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه، حتى إنهم قد هموا بقتله حتى قبل أن يهاجر إلى المدينة، واستمروا بعد هجرته في إيذاء من بقي من المسلمين في مكة، واستمروا في محاولة فتنتهم عن دينهم، وأخذوا يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين المقيمين في المدينة  من المهاجرين والأنصار.


فكان إذن بدأ بالاعتداء، ولم يكن ثم مفر من أن يبيح الله تعالى للمسلمين أن يقاتلوا المشركين دفاعا عن أنفسهم وعن عقيدتهم وعن المسلمين المضطهدين في مكة. وفي هذا يقول الله تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وأن الله على نصرهم لقدير"10 ، أي أذن الله تعالى للمسلمين الذين يقاتلهم المشركون، والذين قد بدأ المشركون  بالاعتداء عليهم، أذن الله تعالى لهم بأن يدافعوا عن أنفسهم، لأنهم قد تعرضوا للظلم والاضطهاد، وأن الله على نصرهم لقدير. ويقول في آية أخرى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا"11 ، أي أنه يجب عليكم أن تقاتلوا في سبيل الله وفي سبيل نصرة هؤلاء الضعفاء من الرجال والنساء والولدان الذين يتعرضون للأذى من المشركين في مكة، والذين اشتد بهم العذاب حتى إنهم ليضرعون إلى الله تعالى أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها وأن يجعل لهم من لدنه وليا ويجعل لهم من لدنه نصيرا.


ولكن الإذن للمسلمين في المبدأ بقتال قريش وحدها، لأنها هي التي بدأت بالاعتداء. ولكن بعد أ، ألبت قريش معظم قبائل العرب على المسلمين في غزوة الأحزاب، أصبح معظم قبائل العرب عدوا للمسلمين وأصبح معظم قبائل العرب بادئين بالاعتداء على المسلمين- ولذلك وسع الله تعالى الإذن فسمح للمسلمين أن يقاتلوا جميع قبائل العرب التي ألبتها قريش عليهم في غزوة الأحزاب، فقال تعالى: " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلوكم كافة"12 .


هذا فيما يتعلق بحروب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته مع مشركي العرب، وقد رأينا السبب الذي دعا إليها يرجع المبرر الأول من المبررات التي ذكرناها، وهو حالة الدفاع المشروع.


وأما فيما يتعلق بقتاله مع اليهود، فإن الرسول عليه السلام بعد أن هاجر إلى المدينة عقد معاهدة حسن الجوار وعدم اعتداء على اليهود، سواء في ذلك اليهود الذين كانوا مقيمين في المدينة نفسها كبين قينقاع واليهود الذين كانوا في ضواحيها وعلى مقربة منها مبني النضير وبني قريضة ويهود خيبر وفدك وتيماء. وظل الرسول عليه السلام وظل المسلمين محافظين على عهدهم حتى نكث اليهود بهذا العهد، وتكرر نكثهم، وتكررت خياناتهم، وتآمروا مع أعداء الإسلام، وهذا هو دين اليهود في جميع عصورهم، فلم يجد حينئذ الرسول عليه السلام بدا من أن يدافع عن الإسلام والمسلمين ويرد على هذه الخيانة التي بدأها اليهود. فبعد غزوة بدر تحدى يهود بني قينقاع النبي والمسلمين، وكشفوا عن غدرهم ونكثهم للعهد، فبرز إليهم الرسول عليه السلام واكتفى بإجلائهم عن ديارهم.


وبعد غزوة أحد التي انتصر فيها المشركون، لمخالفة فريق من جيش المسلمين لتعليمات الرسول، نكث يهود بني النظير بعهدهم، وكان زعيمهم كعب بن الأشرف قد خرج قبل ذلك بأربعين فارسا إلى مكة للانضمام إلى قريش، وحينئذ لم تبد منهم بوادر الخيانة فحسب، بل بدت منهم الخيانة نفسها سافرة، فحاصرهم الرسول عليه السلام، واكتفى في عقوبتهم بإجلائهم عن ديارهم، حتى لا يكونوا في هذه البلاد رأس حربة موجهة إلى الإسلام والمسلمين. وفي هذا يقول الله تعالى: "هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحسر، وما ظننتم أن يخرجوا  وظنوا أنهم ما نعتهم حصونهم من الله، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب، ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار. ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب"13 . فهم كما ذكر الله، قد بدؤوا   بالمشاقة والاعتداء والخيانة.


وبعد أن ألبت قريش معظم قبائل العرب على الإسلام والمسلمين لأي أحرج المواقف، لا يحميهم من عدوهم الذي كان يزيد عنهم أضعاف مضاعفة في العدة والعدد إلا خندق صغير حفره الرسول والمسلمون حول المدينة، وكان العدو على وشك اجتيازه، حينئذ انتهز يهود بني قريضة هذا الموقف الحرج، ونكثوا بعهدهم، وكانوا ما يسمى في الوقت الحاضر"طابورا خامسا" يساكن المسلمين في ديارهم ويضربهم من الخلف ويظاهر عليهم المشركين، فبعد أن انتهت غزوة الأحزاب برجوع المشركين إلى ديارهم، وبعد أن ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرا، وكفى المؤمنين القتال، حار الرسول عليه السلام بني قريضة الخونة وتخلص منهم وخلص الإسلام من شرهم. وفي هذا يقول الله تعالى: "وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف على قلوبهم الرعب، وفريقا تقتلون وتأسرون فريقا"14 ، أي أنزل  يهود بني قريضة الذين ساعدوا المشركين في غزوة الأحزاب ناكثين بعهودهم مع المسلمين من حصونهم وقذف في قلوبهم الرعب فتخلص منهم المسلمون.


وبعد صلح الحديبية وظهور بوادر الغدر من يهود خيبر وفدك وتيماء غزاهم الرسول عليه السلام وانتصر عليهم، ولكنه أبقاهم على أرضهم يزرعونها ويأخذون نصف ثمارها على أن تكون ملكيتها للدولة الإسلامية، وبعد أن أذعنوا لجميع ما أملاه عليهم من شروط كانت في صالح الإسلام والمسلمين.


فمن هذا  يتبين أن حروب الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود كان الباعث عليها المبرر الثاني من المبررات الثلاثة التي ذكرناها، وهو نكث العهد وظهور بوادر الخيانة والغدر والكيد للإسلام والمسلمين.


وأما فيما يتعلق بحروب الرسول عليه السلام مع نصارى الغساسنة والروم، فإنه عليه السلام لم يبدأ بقتالهم، ولم يبعث إليهم جيوشه في غزوة مؤتة إلا بعد أن قتل عامل الروم المبعوث الذي بعثه الرسول عليه السلام إلى بصرى، وبعد أن قتل الغساسنة والروم عددا كبيرا ممن أسلمن إلى ديارهم، وبعد أن أخذوا يتربصون بالمسلمين بالدوائر، ويحرضون حلفاءهم ومن كان تحت حمايتهم من أمراء العرب على غزوة المدينة للقضاء على الدولة الإسلامية في مهدها، ويتحرشون بالمسلمين ويظاهرون أعداءهم عليهم.
فحروب الرسول عليه السلام مع نصارى الغساسنة والروم كانت الباعث عليها إذن المبرر الثالث من المبررات التي ذكرناها، وهو القضاء على الفتنة، وتأمين الدعوة، والحفاظ على سلامة الدولة.


وهنا نقف وقفة استطرادية يسيرة لنعرض ما سجله التاريخ لأصحاب الرسول عليه السلام في غزوة مؤتة من صفحات رائعة في مواقف البطولة والفدائية والإخلاص وحسن التدبير الحربي. فقد أوصى الرسول عليه السلام أن يحمل الراية في هذه الغزوة زيد بن الحارث، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليحملها من يختاره الجيش من بين المسلمين.


فحملها زيد بلن حارثة وقاتل في مقدمة جيشه حتى قتل، ثم حملها جعفر بن أبي طالب وأخذ يقاتل كذلك في مقدمة جيشه حتى قطعت يده اليمنى، فحمل اللواء بيده اليسرى وظل يقاتل حتى قطعت يده اليسرى كذلك، فضم اللواء إلى صدره وظل يقاتل حتى قتل، روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: "كنت فيهم في تلك الغزوة، فلتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية ليس فيها شيء في ظهره" أي لم يحاول مطلق أن يولي الأدبار. ثم حملها عبد الله بن رواحة، وظل كذلك يقاتل في مقدمة جيشه حتى قتل، فاختار القوم خالد بن الوليد، فرأى أن لا قبل له بجيوش أعدائه، وأن استمراره في القتال سينتهي إلى إبادة جيشه وما يجره ذلك على سمعة جيوش المسلمين الذين قذف الله الرعب منهم في قلوب أعدائهم، فدبر وسيلة حكيمة للتقهقر، فقام بتغيير مواقع الجيش، وكلف كتيبة من كتائبه بأن تقف خلفه وتثير الغبار ، لتلقى في روعة الأعداء أن مددا جديدا قد وصل إلى جيش المسلمينـ ووقف هو وكتيبة أخرى يقاتل العدو ليحمي انسحاب الجيش الإسلامي إلى المدينة، حتى لا يتقهقر بدون نظام، وحتى لا يتعقبه جيش العدو. وفي هذه المعركة، على منا يروي الإمام البخاري في صحيحه، تكسرت في يد خالد تسعة سيوف، وكان آخر ما ثبت في يده ثماني ظل يقاتل بها حتى تم انسحاب جيشه.

 1آية 190 من سورة البقرة
 2آية  194 من سورة البقرة
 3آية 90من سورة النساء
 4آية 61 من سورة الأنفال
 5آيتي 8 ، 9 من سورة الممتحنة
 6آية 12 من سورة التوبة
 7آية 58 من سورة الأنفال
 8آية 193 من سورة البقرة
 9آية 39 من سورة الأنفال
 10آية 39 من سورة الحج
 11آية 75 من سورة النساء
12آية 36 من سورة التوبة
13آيات 2-4 من سورة الحشر
 14آية 25 من سورة الأحزاب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here