islamaumaroc

درس من حدث الهجرة

  دعوة الحق

161 العدد

عندما اختار سيدنا الخليفة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه العام الذي وقعت فيه هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، فسنه كبداية لحساب التاريخ الإسلامي،  كان هذا القرار الحكيم انعكاس لعمق شعور المسلمين بقيمة حدث الهجرة في تاريخ الإسلام،  وما كانوا ينيطون به من أهمية في مضمون هذا التقدير، باعتبار أن ذلك الحدث شكل نقطة الحسم في جهاد النبي صلى الله عليه وسلم ضد الشرك والطاغوت، وفتح أمام الدعوة المحمدية عهدا جديدا، كان منه منطلقا إلى العالم كله.


نعم، لقد كان لحدث هجرة نبينا المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم أبعد الأثر في ترسيخ قدم الدعوة المحمدية وتركيزها في يثرب، وهي المدينة التي كان فيها الجو ملائما لنشر عقيدة التوحيد أكثر مما كانت عليه مكة التي جعلت قريش منها، في عهد الجاهلية، معقلا للوثنية والربا والطغيان، وتمادى جل سادتها في العناد وإظهار العداء الشديد لجماعة المسلمين والبطش والتنكيل بالمستضعفين منهم.


إن كل من حلل أبعاد الهجرة النبوية من النواحي السياسية والنفسية والجغرافية ليجد أنها تمثل عملا رائعا بما صاحبه من توفيق وما أسفر عنه من نتائج، يتمثل ذلك في طبيعة المراحل التي تلته وسير الأحداث التي تعاقبت بعده، وخصوصا عندما دخلت قبائل الأوس والخزرج في دين الله أفواجا، مستنجدة بدين الإسلام في نزاعها التقليدي مع القبائل اليهودية المتساكنة معها في أحياء المدينة.


وعندما صارت يثرب قلعة منيعة للمؤمنين، وأصبحت دار هجرة للمسلمين المضطهدين في مكة ليلتفوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم بجموعهم المتصاعدة، أحسن أهل العناد من قريش بالخطر الذي يهدد مصالحهم الحيوية، المتصلة بتجارتهم مع الشام، ونفوذهم السياسي والمالي المتسلط على قبائل الجزيرة العربية، فلم يبق لأهل العناد من قريش، والحالة هذه إلا أن يعلنوا الحرب على المسلمين، ويجعلوا من يهود ويثرب وخيبر حلفاء لهم ضد المهاجرين والأنصار، محاولين بكل وسائل الكيد والأذى والخديعة للقضاء على هذه القلعة الأولى، قلعة الإيمان والتوحيد والمجتمع الفاضل المتعاطف، التي أسسها رسول الهداية في مدينة يثرب بما خصه الله به من حكمة وتدبير.


ومرت على هذه الحالة سنوات كانت كلها حافلة بالأحداث والتطورات، وأظهر المسلمون خلال مواقف رائعة من التضامن، وألوانا نادرة من الصمود والتضحية، وصورا خارقة من البطولات. وهكذا انتصر الحق في نهاية المطاف، على باطل قريش وحلفائهم، وجاء نصر الله والفتح، فعاد الرسول إلى مكة، مسقط رأسه، فدخلها نهارا بعد أن خرج منها ليلا، مكة، مسقط رأسه، فدخلها نهارا بعد أن خرج منها ليلا، مكة التي نزل بها الوحي لأول مرة، والتي كانت تحبه ويحبها، عاد إليهم محمد مظفرا يقود ألوية النصر ومعه صحابته رضوان الله عليهم حامدا ربه عز وجل الذي أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.


وتم تحطيم الأصنام وطرد الشرك، وتطهرت جنبات الكعبة المشرفة غداة ذلك الفتح المبين وحلت الرأفة والرحمة محل الطيش. والظلم والفساد: " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتهم حريص عايكم بالمؤمنين رؤوف رحيم".


ستظل الهجرة النبوية بالنسبة لنا نحن المسلمين حدثا عظيما ورمزا خالدا ومظهرا من مظاهر الاعتزاز، وستذكرنا دائما كذلك بما قاساه سيد الوجود سنين طوالا من محن واضطهاد، وما تحقق له من المعجزات الكبرى التي أراد الله لها ألا تتم إلا بإتباع الحق ولتحلي بالصبر والثبات والتواضع والحكمة الخارقة والإيمان الصادق، وما هذه الصفات إلا بعض من أخلاق الرسول الأكرم الذي خاطبه الله عز وجل: "وإنك لعلى خلق عظيم".


وإننا نحن نودع سنة ونستقبل أخرى لا يسعنا إلا أن نخلد عامنا الهجري الجديد، وذكرياتنا متصلة أقوى ما يكون الاتصال بالظروف القاسية التي جاءت فيها الهجرة والانتصارات والفتوحات الباهرة التي أعقبتها والتي فتحت للإنسانية عهدا مشرقا جديدا سيبقى خالدا أبدا الدهر.


ولا غرو  أن هده المعاني والعبر ستبقى معالم نور تضئ للأمة الإسلامية الطريق في جهادها الشاق الطويل ؛وسط عالم تسلط فيه طغيان الماديات وأعمته الأطماع و المساومات, وشابت فكرة شوائب الإلحاد ,بما تحمله من تحد المبادئ والمثل السامية. إن هدا المدد الروحي القيم الذي نستمده من الهجرة ليذكرنا
أيضا بان قوة خصمنا المستعمر الدخيل وعناده لا تقدر أن تجابه قوة الحق الذي بجانبنا، والحجج الدامغة المتوفرة لدينا,كما لا تستطيع أن تتحدى إرادة شعبنا الملتف وراء زعيم هده الأمة وقائد مسيرتها جلالة الحسن الثاني أمير المؤمنين الذي يقود البلاد بحسن تدبره وقوة إيمانه وحصافة رأيه من نصر إلى نصر في مختلف القضايا الوطنية وفي مقدمتها قضية أراضينا المغتصبة متخلقا في أعماله ومواقفه واختياراته بأخلاق جده المصطفى، ومستنيرا في كتابه بطريق الله وسنة نبيه عليه السلام، إن تحقيق الظفر العاجل في قضيتنا الوطنية بالصحراء، ليشكل هدفا أساسيا من أهدافنا الكبرى التي تكتمل بتحقيقها عزتنا الإسلامية وتترسخ مقومات سيادتنا التي كانت – على مر الدهر- سند الإسلام والمسلمين، ودرعهم الواقي وحصنهم الحصين.


وإن للوطن في الجهاد الذي يخوضه - لتحقيق هذه الأهداف – تحت لواء الملك الهمام الظافر جلالة الحسن الثاني نصره الله – المثل الأعلى في صمود المسلمين الأول، ومصابرتهم واستماتتهم، حتى تم لهم النصر المؤزر – كما سيتم لنا بحول الله وكانت لهم العقبى الحسنة لقاء ما تحلوا به من جلد في الجهاد، ومثابرتهم في النضال – وصدق الله العظيم ، الذي قال: " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " وقال عز من قائل: " وكان حقا علينا نصر المؤمنين".


إنها ملاحم مجيدة متسلسلة عبر القرون من ملاحم الجهاد الإسلامي، رفعا لكلمة الحق، وإزهاقا للباطل.
وإذ تخوض بلادنا بقيادة ملكها الهمام العظيم، هذه المعركة المقدسة من أجل تحرير الأراضي المغتصبة، فإنها من أجل تحرير الأراضي المغتصبة، فإنها تستمد طاقتها على الصمود من هذا التراث الجهادي المشرق الذي أحل أمة الإسلام أعلى مكانة وأعزها بين الأمم، وتستلهم من حدث الهجرة سبيلها إلى النصر الكامل، وتحقيق رفيع الأهداف في العزة والكرامة والوحدة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here