islamaumaroc

أسماء لمعت في أفق الهجرة

  دعوة الحق

161 العدد

" و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، و الله رؤوف بالعباد"
يقترب الإنسان من الكمال بسلوك طريقه، و المجاهد فيه، و الوصول إلى درجة في هذا السلم الرفيع ليس بالأمر السهل و الشيء الهين إنه عزيمة و تحمل و صبر و مصابرة...


 و إنه ليهون على المرء المضي في طريق الكمال ( وقوامه الإيمان ومستلزماته) إنه يرى نماذج قد سلكته قبله و قطعته فيه أشواطا ووصلت فيه مرحلة عالية رفيعة.


وليس هنالك كمال بغير عقيدة و إيمان، و لا عقيدة أرفع من التي ارتضاها لنا خالق الأرض والسماء لقد سلك طريقها رعيل و تحمل مشاقها جيل فكانوا في الأرض أئمة الهدى و نجوم الدجى ومصابيح الظلام وصفهم الله سبحانه بأفضل الصفات واثنى عليهم فأردى: كقوله عليه الصلاة و السلام: مثل أصحابي في أمتي النجوم، فأبيهم أقتديتم أهتديتهم(1)


كانوا نجوما تضيء السبيل أمام ركب المؤمنين والتزامهم برسالتهم التي ضحوا من أجلها بكل ما يملكون حتى بأرواحهم، و في ذكرى الهجرة العطرة التي كانت سبيلا لنصرة الحق، و منعطفا خيرا في تاريخ بني البشر، نجد أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هم  أولو السبق و الفوز في مضمار التضحية والإيمان ولو يحدثنا تاريخ بني البشر عن حواري نبي ما نقله عن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وإني ذاكر نماذج من مظهر إيمانهم الذي لا يدرك غوره مما تصل بأحداث الهجرة الغراء ومما بقي محفوظا تناقله الأجيال عبر السنين و ستتناقله إلى ما شاء الله وسأكتفي بعض الأسماء التي كانت هجرتها موضع عبرة في حياة صاخية كالتي نعيش وكان موضع اعتزاز للإيمان في كل زمان أبو سلمة ابن عبد الأسد: انضوى لركب النبي صلى الله عليه وسلم حين لم يكن معه إلا القليل، فكان من السابقين الأولين أسلم قبله عشرة من الناس ـ على ما ذكره ابن إسحق، و كان يمت للرسول صلى الله عليه وسلم بأخوة الرضاعة، و عاش مع الدعوة أيامها الحوالك في مكة عندما عز النصير، و لما بدأ الثغر المسلمون بالبحث عن مخرج من أزمة الإيمان التي تعيشها دعوتهم، فهاجر من هاجر منهم إلى الحشية، وبدأوا يفكرون في مكان آخر، فكان أبو سلمة أول المتوجهين إلى المدينة، وكان ذلك قبل بيعة العقبة بسنة، و يحكي لنا محمد بن اسحق هجرة أبي  سلمة كيف تمت، عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: لما أجمع أبو سلمة في حجري، ثم خرج يقود بني المغيرة، قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا  عليها أرأيت صاحبتنا هذه علام نترك تسيرها في البلاد فنزعوا خطام البعير من يده و أخذوني منه، قالت: و غضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة وقالوا: و الله لا نترك ابننا عنها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت فتجاذبوا ابني عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.قالت فتجادبوا ابني  سلمة حتى خلصوا يده، و انطلق به بنو عبد الأسد و حبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي إلى المدينة، قالت: فكنت أخرج في كل غذاة  فأجلس إلى الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسى سنة أو قريبا منها حتى مربي رجل من بني عمي  أحد ابن المغيرة، فرأى ما أبى فرحمني، فقال لبني المغيرة،:ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتهم بينها و بين ولدها، و بين زوجها قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: فرد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ولدي، وارتحلت بعيري،ثم وضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة قالت: وما معي أحد من خلق الله حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة(2) فقال: إلى أين يا ابنة أم أمية؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة.فقال: أو معك أحد؟ قلت: ما معي أحد إلا الله و بني هذا فقال: و الله مالك من مترك، فآخذ بخطام البعير وانطلق معي يهوي بي، فوا لله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه أكرم منه.


كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ثم استأ خر حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجر ثم تنحى إلى شجرة فقدمه، ثم استأخر عني وقال: اركبي فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذه بحطامه فقادني حتى ينزل به... حتى أقدمني قباء فقال: زوجك في هذه القربة، أخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعا. فكانت أم سلمة رضي  الله عنها تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة.. إنه الإخلاص لله و رسوله.. هكذا عاشت أسرة أبي سلمة في جهاد دائم قبل الهجرة و بعدها حتى أكرم الله أبا سلمة بشهادة  و أكرم أم سلمة أن تزوجها رسول اله صلى الله عليه وسلم مع كبر وعائلتها لسابقتها في الإسلام و بلها في سبيل الله.


صهيب بن سنان الرومي: عربي النسب، سبى صغيرا فنشأ في الروم، ثم اشتراه رجل من كلب، فباعه بمكة لعبد الله بن جدعان ـ و قيل هرب و حالف عبد الله بن جدعان.


اسلم مع المستضعفين من المؤمنين، أسلم هو و عمار و عذب كعمار في الله فلم يرتد عن دينه، وقد كانت له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحبة قبل مبعثة ـ كما أخرج ذلك ابن عدي.


عاش في مكة كالآخرين وجمع مالا و ثروة، حتى إذا هبت رياح الإيمان تنسمها فأنعشت فؤاده و نقلته إلى الطمأنينة و كان أول من أعلنوا إسلامهم ستة، و سابعهم صهيب(3) و تفيا ظلال دعوة الإسلام إلى أن أعلن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بالمخاطر التي تقربه و لكن فتيانا من قريش صدوه رضي الله عنه،  قال: فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد، فقالوا: قد شغله الله عنكم ببطنه ـ و لم أكن شاكيا ـ فناموا حتى حانت له فرصة فخرج، يقول رضي الله عنه.
فلحقني ناس بعدما سرت يريدوا أيردوني

فقلت لهم: إن أعطيتكم أواقي من ذهب و تخلوا سبيلي و توفون لي؟ فتبعهم إلى مكة فقلت احفروا تحت أسمنة الباب فإن بها أوقى ـ و اذهبوا إلى  فلانة فخذوا الحلتين و خرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء، قبل أن يتحول منها فلما رآني، قال يا أبي يحيى ربح البيع، فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، و ما أخبرك إلا جبريل عليه السلام (4)؟


 و في رواية أخرى: أن صهيبا رضي الله عنه أقبل مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فتبعه
 نفر من قريش مشركون، فنزل و انتشل كنانته، فقال: قد علمتم يا معشر قريش، أني أرماكم رجلا بسهم، بكل سهم في كنانتي ثم اضربكم بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم شأنكم بعد ذلك و إن شئتم دللتكم على مالي بمكة، و تخلوا سبيلي؟ قالوا: نعم، فتعاهدوا على ذلك فدلهم، فأنزل الله على رسول الله ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله...) الآية، فاستقبله عمر بن الخطاب رضي الله عنه و جماعة إلى طرف الحرة فقالوا: ربح البيع يا أبا يحيى فقال: و أنتم لا أخسر الله تجارتكم(5) و إنه لتجرد الإيمان الخالص من متاع الدنيا الفاني فيرتفع عنه.


ويصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بقاء وهو أرمد العينين و يجد الصحابة وهو متجمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يتناولون الرطب و التمر فيمد يده ليأكل فيداعبه النبي صلى الله عليه وسلمك دعابة حب الإيمان و يقول له: يا صهيب أتأكل التمر على عينيك؟ فيجيبه صهيب بفرحة اللقاء و الإيمان كذلك: آكل في شق عيني الصحيحة فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بذت نواجذه.


وعاش مع النبي صلى الله عليه وسلم يشهد المشاهد كلها، وفي خلافة عمر رضي الله عنه أوصى عندما طعن بالخنجر الفادر أن يصلي عليه صهيب ويستمر يصلي بالناس حتى  يجتمعوا على إمام من الستة الذين أوصى لهم عمر رضي الله عنه(6) و بقي صهيب كما كان صابرا مصابرا معلما و مجاهد حتى لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرفيق الأعلى سنة ثمان وثلاثين أو تسع وثلاثين وهو ابن سبعين سنة. ودفن رضي الله عنه بالبقيع(7)


عامر بن فهيرة: كان كذلك من السابقين الأولين للإسلام، اسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، و هو مولد من الأزد، و مملوكا للطائف بن الحارث أخا عائشة رضي الله عنها لأمها أو رومان و لما أسلم اشتراه الصديق فأعتقه، فأصبح مولى عتاقة، و كان يرعى عليه متيحة من غنم له. ونال التعذيب و الإبداء بمكة ليرجع عن دينه، فما نالوا منه إلا الثبات و العزيمة.


ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم و صاحبه كانت مهمة عامر ين فهيرة عظيمة، إنها مسح الأثر و نقل الأخبار إليهما، و مدهما باللبن و الزاد، فكان يرعى منحة الغنم حتى يذهب ساعة عن العشاء ريحها على النبي صلى الله عليه وسلم و يبيت حارسا لهاما، و في الفلس ينعق بغمته انطلق معهما و مع دليلهما عبد الله أريقط(8)


و كان من الذين نزل فيهم قوله تعالى: و الذين هاجروا إلى الله من بعد ما ظلموا، لنبوؤنهم في الدنيا حسنة و في الآخرة أكبر(9)


 و بعد أن هاجر شهد بدرا واحدا و كان أحد القراء الذين قتلوا ببئر معونة سنة أربع من الهجرة و هو ابن أربعين سنة، و عبد الله بن كعب بن مالك و رجال من أهل العلم أن عامر بن فهيرة كان من أولئك الرهط الذين قتلوا  ولم يوجد جسده، ليدفن، و كان يرون أن الملائكة هي التي دفنته.


ونقل ابن سعد عن الواقدي أن جبار بن سلمى الكلبي طعن عامر بن فهيرة فأنفذه، فقال عامر: فزت و الله قال: و ذهب بعامر علوا في السماء حتى ما أراه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم،فإن الملائكة وارت جثته و أنزل في عليين.


 و سأل جبار بن سلمى ما قوله: فزت و الله. قالوا: الجنة قال فأسلم جبار لما رآى من أمر عامر بن فهيرة فحسن إسلامه(10)

 قوم رضي الله عنه، فكانوا الهداة إلى الله أحياء وميتين.
 أبو أيوب الأنصاري: ، خالد بن زيد ـ و تطلق راحة النبي صلى الله عليه وسلم على بركة الله سبحانه وتعالى من بني عوف نحو المدينة و تقف القبائل مرحبة برسول الله صلى اله عليه وسلم طلبة منه النزول كلما مر على جماعة دعوه ويأخذون بخطام الناقة فيقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة حتى  بركت عند مسجده وكان مريدا لغلامين من بني النجار فنول عنها  و تحول مع أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وكم كانت فرحة عظيمة ـ  أن يعلم الله في قلوبهم خيرا يوتيكم خيرا.


ولما نزل عنده النبي  صلى الله عليه وسلم أقام عنده شهرا حتى بنى مسجده وبيوته، وكان لأبي أيوب بيت من طابقين فنزل النبي صلى الله عليه وسلم الدور الأول، وفي ذات ليلة أهريق ماء في الغرفة، فقام هو  وأم أيوب بقطيفته ليتبعان الماء  خشية أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نول إلى  رسول الله صلى الله عليه وسلم مشفقا يسأله أن ينتقل إلى الدور الأعلى (11)


ومن شدة حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حينما يرسل الطعام للنبي و يعاد إليه يتتبع أثر أصابع الرسول صلى الله عليه وسلم و يأكله، و في ذات مرة لم يجد أثر أصابع النبي في الطعام فسأله يا رسول الله مالي لا  أرى أثر أصابعك في الطعام؟ فقال له: أجل، إن فيه بصلا و كرهت أن آكل من أجل الملك،  أما أنتم كلوا و تعلقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم و بآثاره فحفاظ أبو أيوب على شعارات من لحية النبي صلى الله عليه وسلم، و شهد معه بدرا و المشاهد ملها و لم يختلف عن غزوة من غزوات المسلمين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم و بقوا محافظين على العهد الذي فارقهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمر أبو أيوب في الجهاد بعد النبي كذلك و لم يتخلف إلا عاما واحدا استعمل على الجيش شاب(12) فتلهف بعد ذلك للهجرة فقال، ما ضربني من استعمل علي، فغزا بلاد  الروم و على الجيش يزيد بن معاوية، فأتاه يعوده فقال: ما حاجتك ؟ قال: حاجتي إذا أنامت فأركب بي ما وجدت مساغا في أرض العدو، فإذا لم تجد فادفني ثم ارجع، ففعل، وتوفي رضي الله عنه وأرضاه سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين أو اثنين وخمسين وهو الأكثر و دفن عند أصل سور القسطنطينية آنئذ.


إنه جيل الهجرة الذين أصبحوا مرآة للمؤمنين، ومنارا للمساكين صقلتهم الأحداث فخرجوا من الدنيا كما جاؤوا أتقياء أطهارا زهادا، خير أمة أخرجت للناس، أبر الأمر قلوبا، وأعمقها علما وأقلها تطلفا، قوم اختارهم الله لصحبه نبيه صلى الله عليه وسلم، و نقل دينه " و السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار و الذين أتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم، ورضوا عنه، و أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم".

 

1- أخرج الدار قطني و ابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد روى معناه من حديث أنس، و في أسانيدها مقال، لكن بعضها بعضا وحسنة الحفاظ الصاغاني و غيره.
2 ـ اسلم بعد الحديث، و هاجر وهو خالد بن الوليد رضي الله عنهما.
3 ـ ذكره ابن سعد، و ابن عينية في تفسيره.
4 ـ أخرجه البيهقي و أبو القاسم في الحلبة، و الطبراني و غيرهم.
5 ـ أخرجه ابن سعد، و ابن عبد البر، و ابن عاكر، و ابن المنذر و غيرهم.
6 ـ  أخرجه البخاري في التاريخ.
7 ـ الإصابة 2/195.
8 ـ  عيون الأثر.
9 ـ أخرجه ابن سعد في الطبقات و الآية من سورة النمل.
10 ـ الطبقات لابن سعد 3/230.
11 ـ أخرجه أبو بكر بن أبي شبة و ابن أبي عاصم عن أبي رهم.
12 ـ  هو عبد الملك بن مروان.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here