islamaumaroc

الإسلام دين ودولة

  دعوة الحق

160 العدد

ترجع فكرة فصل الدين عن الدولة إلى العهود التي سيطرت فيها الكنيسة على الحياة المسيحية في في أوربا، واستعملت في سيطرتها أنواعا من الاضطهاد والتنكيل مدعية الحق الإلهي المزعوم، ذلك الحق الذي اتخذته سلاحا حادا لمطاهدة الفكر والثقافة والمفاهيم العلمية الجديدة التي خالف مفاهيمها.
وكان من الضروري أن يكون رد فعل فقام "مارتن لوتر" يدعو إلى رفض الديكتاتورية البابوية وصكوك الغفران فوصفها بأنها عبودية ورق، ورأى أن خير إصلاح لهذا الوضع الفاسد هو الرجوع إلى الكتاب المقدس والنظر فيه بالعقل، وجاء بعده "كالفن" فأيده فيما ذهب إليه، وتكونت حينذاك جبهة لمواجهة التسلط الكنسي الذي ذهب ضحيته المفكرون ومن بينهم جاليلو.
وأصبح الصراع دائر بين الكهانة والطبقة المعادية لها إلى أن تبلور هذا الصراع في صورة "فصل الدين عن الدولة" وسيادة العقل واتخاذه مرجعا للمعرفة الإنسانية، ومن فلاسفة  عصر (التنوير) (النصف الثاني من القرن الثامن عشر) الذين تميز طابعه الفكري بإسراف العقل على كل نزعة سياسة ودينية، ولف ((Christian Wolif الألماني ولوك  (Lock John) الانجليزي، وفولتير (Voltair) الفرنسي.
وأمسى تصورا يختلف عما سبق وحددوا له دائرته التي يمكن أن يتحرك داخلها، وبهذه النظرة الجزئية، أخذ الغربيون، ومنهم المستشرقون، ينظرون إلى الإسلام نظرتهم إلى المسيحية، بل منهم من ينكر الروحية ويحصره في المادية، وينعته بالوحشية كالمستشرق الانجليزي ر. أ نيكلون(1).
وكان من البديهي أن يعادي الناس الكنيسة ويلتجئوا إلى العلم مؤمنين بنظرياته أيما إيمان حتى ولو كان فرضيات لا يساندها برهان، وتوالت –بطبيعة الحال – في أتون هذا الصراع آراء تنسف الوجود الكنسي فظهرت نظرية داروين في أصل الأنواع، ونشأت فلسفة مادية لا تؤمن إلا بما يقع تحت الحواس كنظرية ماركس في الاقتصاد ونظرية فرويد في علم النفس ونظرية دركايم في علم الاجتماع.
وهكذا أصبحت الجفوة واضحة بين الدين والعلم وانتقلت كل هذه الأفكار التي يقول عنها كتاب بروتوكولات حكماء صهيون (لقد رتبنا نجاح دراوين وماركس ونيتشيه بالترويج لآرائهم، وأن الأثر الهدام للأخلاق الذي تنشئه علومهم في الفكر غير اليهودي واضح لنا بكل تأكيد)(2) إلى الوطن الإسلامي فأخذ المنبهرون بثقافة الغرب يدعون بحماس للعلمانية، ويجهرون بالطعن في المقدسات الإسلامية في الصحف والمجلات والكتب غير ناظرين للظروف التي عاشتها أوربا في ظل الطغيان الكنيسي، ولا لتباين البيئات، واختلاف الرؤية العقدية بيننا وبين المسيحيين المضطهدين، رغم ذلك تمادوا في الصياح، صياح من استولت عليه سورة من الصرع لا يدري ما يقول منادين بفصل الدين عن الدولة كما لو كانوا يحيون تحت رحمة الجبروت الكنسي.
ويحضرني هنا بهذه المناسبة قول الشاعر عزيز أباظة رحمه الله في مسرحيته الشعرية (غروب الأندلس) على لسان السلطان قايتباي مبرزا مناقضة هذا الدين للبابوية.
لا تغل مفتينا الجليل فديننا
           أسفى العقول وحرر الأذهانا
ما كان في إشراقه وسموقه
           كالبابوية يعرف الحرمانا
وكان في مقدمة المهاجمين للشريعة الإسلامية عام 1922 محمود عزمي الذي سمى بكل وقاحة البند الذي ينص في الدستور المصري على أن الدين الرسمي لمصر الإسلام بـ (النص المشئوم)(3) ومنصور فهمي الذي هاجم في أطروحة الدكتوراه تحت تأثير أستاذه اليهودي (اليفي بريل) "نظام الزواج في الإسلام"(4) وكذلك طه حسين رحمه الله – وقصته مع الإسلام طويلة ومليئة بكل سخف وغثاء – في رسالته عن ابن خلدون إذ جرح فيها الفكر الإسلامي، كما جرح القرآن في كتابه (الشعر الجاهلي).
وفي إحدى المذكرات التي سجلها طلبته في كراستهم مأخوذة عن المحاضرات التي كان يلقيها في كلية الآداب بقصر الزعفران 1927-1928 يقول –يعني طه حسين – بكل صراحة وهو في لحظة استيلابية مزرية لا يحسد عليها ( وصلنا في المحاضرة الماضية إلى موضوع اختلاف الأساليب القرآنية في القرآن وقررنا أنه ليس على نسق واحد واليوم نوضح هذه الفكرة الخ)(5) .
وليس غريبا عن طه حسين أن يقول هذا البهتان وهو الرجل الذي قولبه أساتذته الأوربيون في قالبهم واستغلوه ببساطة وسهولة كما طفل غرير، وأنا لا أرى فيما أقوله مبالغة أو تعصبا لقيمي، فاستمع إليه يحدثك بنفسه عن ذلك في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) (ولنشعر – هكذا يلام الأمر- كما يشعر الأوربي ... ونصرف الحياة كما يصرفها)(6)
واستمع إليه أيضا يحدثك (ومن المحقق أن تطور الحياة الإنسانية قد قضى منذ عهد بعيد بأن وحدة الدين ووحدة اللغة لا تصلحان أساسا للوحدة السياسية ولا قواما لتكوين الدول).
واستمع إليه أيضا يحدثك (فالمسلمون إذن قد فطنوا منذ عهد بعيد إلى أصل من أصول الحياة الحديثة وهو أن السياسة شيء والدين شيء آخر وأن نظام الحكم وتكوين الدول إنما يقومان على المنافع العلمية قبل أن يقوما على شيء آخر)(7) .
وشارك في هذه التخرصات كذلك الشيخ علي عبد الرزاق غفر الله له حينما أصدر كتابه (الإسلام وأصول الحكم)(8) وقد رحبت الأوساط الأجنبية بهذا الكتاب، لأنه صدر عن رجل من علماء الأزهر وأحد القضاة بالمحاكم الشرعية فترجم إلى الإنجليزية وصار من المراجع في الإسلام بالجامعات الأمريكية.
وقد تآمرت فئات من المناوئين على الإسلام ولغته وثقافته في أوائل القرن العشرين، فئة لمصلحتها السفارة البريطانية، وفئة لمصلحة الحركات التبشيرية والماسونية، وكل ذلك على حساب مقومات الأمة الإسلامية، والمهم أننا لن نجد واحدا من أولئك لم ينطو على دافع من الدوافع أو يتسم بالنزعة العلمية أو يبحث عن الحق من أجل الحق.
ثم برزت مجموعة من الشباب تحمل نفس الفكرة المضادة للإسلام متأثرة في تفكيرها بالمذاهب الإلحادية كالمذهب الشيوعي الصنم المعبود، واذكر من بين هذه المجموعة خالد محمد خالد في كتابه (من هنا نبدأ)(9) ورشدي صالح في كتابه (رجل في القاهرة) والدكتور مصطفى محمود في كتابه (الله والإنسان)، وهذا الأخير –يعني مصطفى محمود- فاء إلى نفسه بعد مرحلة الشك وبين موقفه بوضوح من عقيدته فأصبح من المعادين لحركة الإلحاد والمادية(10)، ومن أجل ذلك سماه بعض الملحدين بالمتدروش، وكأن الرجوع إلى الله (دروشة) كبرت كلمة تخرج من أفواههم.
ففكرة فصل الدين عن الدولة في الحقيقة نغمة شاذة عن طبيعة تصور الشريعة الإسلامية التي ترتكز على أرضية عقدية تؤطر المسلم إلى الكون في إطار متميز خاص، ذلك أن الإسلام منهج متكامل جاء معلنا للإنسان حياة جديدة رائعة تقوم على تصميم شامل لكل أنظمة الواقع البشري من سياسية واقتصادية وتعليمية وعسكرية، وكان من الضروري – والمنهج الإلهي يتميز بهذه الشمولية- إقامة حكومة إسلامية ترعى هذا المنهج رعاية تامة من عبث العابثين، وتحكمه في حياة الناس في كل جزئية من جزئياتها، لأنه لا يقبل التبعيض ولا يمكن أن يزهر ويقدم للبشر ثمراته المرجوة إلا إذا اكتملت أجزاؤه في التطبيق وترابطت ترابطا لا يقبل الانفصام.
ولا شك أن هذه الحكومة يرأسها رئيس نسميه الخليفة أو الإمام تشبيها بإمام الصلاة في الاقتداء به، والأصل أن تكون الخلافة للأنبياء عن الله وقد ورد في قوله تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله)، وتكون بالنيابة عن النبوة في تطبيق الأحكام، وقد روى أن أبا بكر رضي الله عنه بعد البيعة قال حين ناداه رجل. يا خليفة الله فقال له (لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ويجوز أن نطلق على الخليفة الإمام أو رئيس الدولة لأن الغاية ليس هو الاسم، وإنما قيام الإمام بتحكيم منهج الله في واقع الناس من غير استثناء أي مرفق من مرافق الحياة قال العلامة المؤرخ ابن خلدون (الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية)(11) .
لهذا كانت مهمة الخليفة في رأي الإسلام دينية ودنيوية، ولا يمكن حصرها في مجال ضيق، لأنه من المستحيل فصل هذا  عن ذلك لأن النصوص القرآنية والسنة وسيرة الصحابة تقطع بخلاف ما يقوله العلمانيون ويتمثل ذلك في قوله تعالى، (وأن احكم بينهم  بما أنزل الله إليك)(12) وقوله تعالى (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما)(13) وقوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم)(14) وقوله تعالى (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)(15).
فما مدلول هذا الحكم بين الناس، أليس هو تطبيق منهج الله كاملا بين العباد في شؤونهم الدنيوية، إذ لا يتصور مفهوم الحكم في العقل إلا إذا اقترن بمفهومه الواقعي وهو الفصل في المنازعات المختلفة التي تحدث بين الأفراد في شتى المجالات الحياتية.
وأما الاستشهاد بقوله تعالى – كما فعل الشيخ عبد الرزاق- (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)(16) ويقول الرسول عليه السلام (أنتم أعلم بشؤون دنياكم) فهو لا يؤيد وجهة نظر الشيخ على من يقول برأيه بتاتا، لأن الآية لا يفهم منها المدلول المسيحي سواء في هذه الآية أو الآيات الأخر، إذ الدين في الرؤية الإسلامية يشمل كل ما نصت عليه الشريعة من عبادات ومعاملات ولاحظ أن الآية قرنت كلمة الدين بكلمة الحق لتؤكد أن هذا الدين الجديد هو دين لا زيف فيه جاء ليمحو كل دين زائف تنقاد إليه البشرية وتدين له بالولاء، إذن فهو عبادة بمعناها الشامل، ويعجبني أن أنقل هنا إجابة الإمام ابن تيمية عن العبادة في كتابه العبودية حين سئل عن قوله تعالى (يأيها الناس اعبدوا ربكم)(17) في قوله (العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة بالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الرحم والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد للكفار والمنافقين والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة وأمثال ذلك من العبادة)(18).
وقول الرسول عليه الصلاة والسلام (أنتم أعلم بأمور دنياكم له قصة معروفة لا أدري كيف لم ينتبه إليها الشيخ على ويستبطن مفهومها الجوهري، كما لا أدري كيف لا يتدبر أنصار فكرة فصل الدين عن الدولة أبعاد الحديث ومراميه، والقصة هي أن الرسول عليه السلام مر في المدينة بقوم يؤبرون النخل –يعني يلقحونها- فقال (لو لم يفعلوا لصلح له) فتوقفت  الجماعة عن عملية التلقيح ظنا منها أن الأمر وحي بيد أن النخل لم ينتج غلا بلحا، وحينما رأى الرسول عليه السلام ذلك سأل عما وقع فقالوا (قلت كذا وكذا) فقال (أنتم أعلم بأمر دنياكم).
فالحديث في مدلوله وظروفه يشجب رأي من يزعم بأن الإسلام يتدخل في الشؤون الفنية والعلمية، ويمنح الحرية للناس يتصرفون بمعرفتهم التي يكتسبونها في معاشهم، ذلك أن المسألة علمية تطبيقية تتعلق بالتجارب البشرية التي ليست لها صلة بالعقيدة من حيث الشكل لا الجوهر.
أقول أنها حقيقة عليمة كأي حقيقة أخرى كانقسام الخلية مثلا وجدت منذ القديم واكتشفها الإنسان فيما بعد، والقرآن الكريم يلمح في آيات كثيرة إلى عديد من مسائل العلم ويلفت النظر إليها لنتدبرها، ولكن لا يحدد دقائقها كما يحاول إقحامه في ذلك بعض الناس اليوم، لأنه ليس كتاب فيزياء ولا كيمياء ولا طب يتناول كل ذلك بمصطلحاته ونظرياته، لا ثم لا، ما هذه غاية الكتاب الكريم وهو الخالد بمفاهيمه العامة عن الكون ومركز الإنسان فيه على مر الزمن، والنظريات العلمية تتغير من فترة إلى أخرى، وهو لذلك بفسح المجال للعقل الإنساني ليخوض ميدان الكشف والإبداع في إطار استعداداته  وطاقاته ولنأخذ مثلا واحدا على ذلك فقط ففيه الكفاية  يقول تعالى : "وأرسلنا الرياح لواقح"(19) فالعربي حين سمع هذه الظاهرة الإلهية فهمها بمقدار مستواه العلمي الذي يتلخص في أن السحب تحمل ماء المطر فيقع التلقيح المجازي، في حين فهمنا نحن بمقدار مستوانا العلمي الحالي أن الرياح تقوم بحمل بذرة الإخصاب من أعضاء التذكير إلى أعضاء التأنيث في أزهار النبات، وإذا قارنا بين الفهمين وجدنا أن كلا منهما على جانب واضح من الصحة بحكم ثقافة كل عصر، وذاك إعجاز البيان القرآني الذي تحدى الإنس والجن، من أجل ذلك لم يقطع الرسول عليه الصلاة والسلام بتاتا برأيه في تأبير النخل.
وأما الاستشهاد بالسنة عن تلاحم منهج الإسلام في واقع الناس فقوله عليه السلام : "أن من أحب الناس إلي وأقربهم مني مجلسا يوم القيامة إمام عادل، وأن أبغض الناس إلي يوم القيامة وأشدهم عذابا إمام جائر" وقوله عليه السلام : "السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع  وهو مسؤول عن رعيته الخ".
وحين نستقصي الوقائع العلمية في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نجده قد باشر مهمة الإمامة أو مهمة رئيس الدولة، ذلك أنه كان يعين الولاة والقضاة ويحاسبهم، وفي هذا أحاديث كثيرة رواها البخاري والترمذي وأبو داود فليراجعهما من شاء هناك كما مارس عقد المعاهدات والاتفاقيات الحربية والاتصالات في روايتها الصحيحة.
ومما يتعين أن نذكره هنا أن الإسلام حين استقر بالمدينة المنورة أمر رسول الله عليه السلام بكتابة وثيقة بين المهاجرين والأنصار تكون بمثابة دستور للدولة الإسلامية الجديدة ومن يطلع على بنود هذه الوثيقة المشهورة لا يشك لحظة أن الإسلام دين ودولة.
ونظرا لأهمية رئيس الدولة وقيامه بالرئاسة العليا في الأمة اشترط فيه الإسلام الذكورة والتكليف – يعني أن يكون بالغا عاقلا والعلم والعدالة والكفاية – يعني أن يكون قادرا على القيادة- والسلامة- ويقصد بها سلامة الحواس والأعضاء من العاهة(20) ولا تتم ولاية الإمام في رأي الشريعة الإسلامية إلا بعد اختيار أهل الحل والعقد له.
ونلمس كل ما قلناه عن الخلافة أو الرئاسة العليا للدولة في تولية الخلفاء الراشدين الذين تقلدوا مناصب الإمامة ورعوا المنهج الإلهي خير رعاية وطبقوه في حياة الناس خير تطبيق.
وبجدر التلميح إلى أن تولية الخلافة تمتد بامتداد عمر الخليفة ما لم يستقل كما فعل الإمام الحسن بن علي رضي عنه ومعاوية بن يزيد أو كان هناك سبب لعزله تتفق عليه الأمة، لأن تولية الخليفة مشروطة بشروط معينة، وإذا انتقلت كان مستحقا لأن يقضي عن الإمامة، ويشير إلى هذا الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين يقول في خطبته أثر التولية. (أيها الناس، فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني) إلى أن يقول : (أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإن عصيت فلا طاعة لي عليكم الخ).
ويظل لدينا – بعد الاستدلال من القرآن والسنة والواقع التاريخي – سؤال يطرح نفسه وهو لماذا زخر القرآن والسنة بتشريعات في كل حقل من حقول الحياة في السياسة، في التعليم، في الاقتصاد، في الحرب، في المعاهدات، في العلاقات الدولية والعدالة الاجتماعية، في الأخلاق، في الحرية الفكرية؟ الجواب هو أن الإسلام دين ودولة.
ويطول الحديث إذا تعرضنا إلى كل جانب من الجوانب التي عالجها المنهج الإسلامي لحياة الإنسان، ويمكن أن نلمح فقط إلى واحد منها وهو الجانب الاقتصادي في الإسلام، هذا الجانب الذي يزعم المناوئون أنه باهت في المنهج الإسلامي ولا يتمشى مع تطورات الحياة الخاضعة للجبرية الاقتصادية – حسب النظرية الماركسية- التي تملي على الإنسان إرادتها فتكون أفكاره وأخلاقه ومشاعره يلونها، وغير هذا من الفرضيات التي يراد بها استيعاب التاريخ وتفسيره تفسيرا علميا دقيقا، الأمر الذي ناقضه الواقع التاريخي – منه الواقع التاريخي الإسلامي- والواقع الحالي.
والحقيقة أن من جملة أسباب هذا الهجوم أن المذهب الاقتصادي في الإسلام الذي هو جزء لا يتجزأ من المنهج الإسلامي المتكامل القائم على العقيدة السليمة يخالف النظرية الماركسية في ركنين أساسيين هما محو الملكية الخاصة ومحو السلطة يعني زوال الحكومة حسب ما يذهب إليه الماركسيون.
والإسلام بصفته دين الفطرة يواكب الطبيعة البشرية، يعمل على إشباع ميول الإنسان الأصلية في حب التملك بشروط خاصة سواء كان هذا الإنسان يشتغل بالمحراث أو يستعمل الآلات الحديثة، الأمر الذي اضطر معه المجتمع الاشتراكي إلى الاعتراف بالملكية الخاصة –خصوصا للفطرة- قانونا حينا وبشكل غير قانوني أحيانا أخرى(21) .
وشريعة الإسلام حضنت مذهبا –لا علما اقتصاديا لتسير على ضوئه البشرية في مسيرتها الطويلة ويمكن حصر الواجهة العامة لهذا الاقتصاد فيما يلي :
أ‌- مبدأ الملكية المزدوجة.
ب‌- مبدأ الحرية الاقتصادية في دائرة معينة.
ج- مبدأ العدالة الاجتماعية.
ويلاحظ أن الرأسمالية قاعدتها العامة إعطاء الحرية التامة في الملكية الخاصة بدون استثناء، والاشتراكية قاعدتها العامة على نقيض الرأسمالية، في حين مذهب الإسلام ينص على أشكال للملكية الواحدة وهي :
أ‌- الملكية الخاصة.
ب‌- ملكية الدولة.
ج- الملكية العامة.
من أجل ذلك يكون المذهب الإسلامي في الاقتصاد بمعزل عن المذهب الرأسمالي والمذهب الاشتراكي. ومبدأ الحرية فيه مقيد، إذ لا يعترف بتاتا بالاحتكار والربا، لكونهما محرمين في المنهج الإسلامي العام.
والعدالة الاجتماعية تتلخص في التكافل العام والتوازن الاجتماعي والزكاة تدخل في هذا المبدأ، وغير الزكاة إن اقتضى الحال لأن في المال حق غير الزكاة كما يقول الحديث الشريف.
وبالإضافة إلى هذا فالإسلام له أحكامه في ملكية الأرض والمعادن الظاهرة والباطنة والإنتاج والتوزيع والضمان الاجتماعي وغير ذلك.
وهكذا يكون قد بان لنا بالبراهين القرآنية والحديثية والتاريخ أن الإسلام دين ودولة رسم للإنسان صورة كاملة فريدة لحياته على وجه البسيطة لأنعه دين الفطرة يساير تكوينها العضوي والنفسي، ولا يمنع أشكال الحياة من التطور والتغير في إطار أصالة هذه الفطرة التي فطر الله عليها الناس.
إذن كل ما قيل عن الإسلام افتراء من أعدائه الذين يريدون أن ينعزل عن الحياة، ويقبع في المساجد والزوايا للتبرك –على أحسن الفروض- حتى لا يستقطب بمنهجه الفريد الحياة العامة والخاصة للإنسان، لأن في ذلك خطرا داهما على مصالح محترفي الغزو الفكري والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



(1)– هذا المستشرق من محرري دائرة المعارف، درس التصوف الإسلامي وكان عضوا بالمجمع اللغوي المصري من كتبه (متصوفو الإسلام) صدر عام 1910.
(2) – النص المنقول عن كتاب (التطور والثبات في حياة البشرية) للأستاذ الداعية محمد قطب ص57، ط5- 1388.
(3) – راجع أنور الجندي. يقظة الفكر العربي ص 130 مطبعة زهران القاهرة.
(4) – نفس المصدر ص 10.
(5) – راجع أنور الجندي يقظة الفكر الغربي ص 310.
(6) – نحن نذكر هنا الحقائق التاريخية ولا نعرض بطه أو جرحه والرجل قد توفى إلى رحمة الله عملا بأخلاق الشريعة، ولكن الطعنات التي وجهها هو وغيره لمقدسات الإسلام ينبغي الإشارة لها وبيان فسادها لشبابنا الصاعد وقد اقامت جمعية الطالب المغربية بتطوان منذ أشهر تباينا له وكان مما أعجبني في هذا التأبين ما ذكره الأخ الشاعر عبد الواحد أخريف عن انحراف طه وكذلك الأستاذ عزيمان في محاضرته عنه.
(7) – هذه النقول عن كتاب الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي للدكتور محمد البهي ص202 و 204 ط5 -1970 بيروت، وللمفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب رحمه الله كتاب تحت عنوان (نقد كتاب مستقبل الثقافة) يرد فيه على طه.
(8) – ظهر للأستاذ محمد عمارة كتاب (الإسلام وأصول الحكم دراسة ووثائق) ط 1972 وهو يحتوي على قسمين. قسم به دراسة قصيرة لكتاب على عبد الرزاق مصحوبة بالوثائق عن محاكمته واستجوابات المجلات والصحف له والقسم خاص بنص الكتاب. وأشار الأستاذ محمد عمارة في دراسته إلى أن المؤلف قد وقع في تناقضات في الحكم على طبيعة التجربة الإسلامية والنظم الإسلامية التي سادت في تلك الفترات وذلك في ص 43 ويلاحظ في محاكمات علي عبد الرزاق واستجوابات الصحف له أنه حاول شرح أفكار لإزالة الغموض الذي سادها، وقد تولى الرد عليه الشيخ رشيد رضا في (المنار) والشيخ محمد الخضر حسين في كتابه (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) والشيخ نجيب المطبعي في كتابه (حقيقة الإسلام وأصول الحكم) والدكتور منير العجلاني في كتابه (عبقرية الإسلام في أصول الحكم) صدر عام 1949 وأخيرا الدكتور محمد البهي في كتابه آنفا من ص 263 إلى ص 290.
(9)  - تصدى للرد على هذا الكتاب الأستاذ محمد الغزالي في كتابه (من هنا نعلم) وتولى الرد عليهما معا الشيخ عبد المتعال الصعيدي في كتابه (من أين نبدأ)؟
(10) – انظر على سبيل المثال كتابه (الله) ط1 – 1972 – دار العودة بيروت، وكتابه (رحلتي من  الشك إلى الإيمان) ط2 – دار العودة بيروت.
(11) – انظر المقدمة ص 342 ط بيروت 1956، ويستحسن مراجعة ما قاله ابن خلدون عن الخلافة العامة للآدميين ص 343.
(12) – المائدة. 49.
(13) – النساء .105.
(14) – الشورى. 38.
(15) – النساء . 58.
(16) – التوبة. 33.
(17) – البقرة. 21.
(18) – من 38 ط2 – المكتب الإسلامي.
(19) – الحجر . 22.
(20) – وتشترط فيه القرشية وهو شرط مختلف فيه.
(21) – راجع الأستاذ محمد باقر الصدر في كتابه القيم (اقتصادنا) ص 259 ط4 – بيروت.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here