islamaumaroc

مالك بن المرحل: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره.-5-

  دعوة الحق

159 العدد

- 5 -
 
 الزهد :
 رغم اتصال هذا الغرض بالغرض الديني السابق، فإن ارتباطه بنفس قائله وعواطفه كاختيار ارتآه صاحبه لحياته تلك التي حاولت قطع كل اتصال لها بالشهوات بعد أن خدمت فيه فورة الحياة وأصبح منقادا لها عن ضعف جسمي بعد أن كان يقاومها بعنف الشباب وهكذا يأتي هذا الاتجاه عند ابن المرحل بعد أن أصبح يحس أواخر أيامه وبعد أن تجمعت عليه العلل، فنجد له قصائد الخوف من المصير الرهيب والأسى الذي يغمره بعد إحساسه بنهاية المطاف وذلك ما تترجمه هذه الأبيات التي يول فيها :
 بأي دواء أم بأي طبيب
                 بدواي عذرا من بياض مشيب ؟
 بياض كما لاحت كواكب سحرة
                 تريك طلوعا مؤذنا بغروب
 وهول هذا الواقع يسيطر عليه ويعتبره نهاية تستدعي أن يطلب من ابنه البكاء عليه وعلى غروره بدنياه التي لم يتزود فيها بما يطعمه في النجاة.
 بني ابك لي أن البكا يبعث البكا
                  وليس جوابي منك غير وجيب
 بحارا ركبناها بغير سفائن
                  غرورا فإن نهلك فغير عجيب
 ولعل تجربة قرن من حياة عاشها قد تركت خطوطها على حياته بمثل هذه السلبية الغريبة من رجل عاش بذخ القصور حين يردد :
 بني الدهر ! إما الدهر فهو عدوكم
                   وإن لاح يوما في ثياب حبيب
 إلى قوله :
 بعيد من التوفيق من بات ساهرا 
                   رجاء بعيد لا مخاف قريب
 ولا يكتفي، بل أنه لا يجد غير البكاء على نفسه مخلصا له من آلامه في انطوائية وتفكر وتأمل الفلاسفة أو الزهاد السائلين عن جدوى الحياة، وكان لسان حال كل الناس يعبر عن أساهم بمثل هذه الأبيات :
 جدير بأن يبكي على نفسه أسى
                    فتى كلما ترجى له ثوبة ترجا
 جبان عن التقوى جرئ على الهوى
                    قريب من المهوى بعيد عن الملجا                   

 جرى في مجال اللهو ملء عنانه
                     إلى الآن ما ألقى لجاما ولا سرجا
 جنى ما جنى واستسهل الأمر في الصبا
                    فلما نهاه الشيب عن فعله لجا(1) 
 أبيات صادقة من نفس تحاسب نفسها بعد غفلة وتقف عند دقائق الأفعال وخفاياها تبرزها في صنعة صارخة متجلية في هذا التقابل وهذا الجناس وأطباق الذي لا يخلو منه بيت في كلمات الأسى والرجا والهوى والمهوى والريب والبعيد والجبان والجرئ والأبصار والبصائر وبرتني وبراءة وبلاكم وأبلاكم، مؤكدا بذلك شاعريته القوية في ضعفه الإنساني بعد شيخوخته.
 ومن زهديات شاعرنا كذلك هذه المقطوعة التي يذكر فيها بالموت والحساب مندهشا من غفلة الغنسان بقوله يخاطبه :
 تنام وهذا الدهر إما مصبح
                    بجيش الردى يوما وإما مبيت
 تقوت بذكر الله تقو فإنه
                    حقيق بأن يقوى الذي يتقوت
 تنافس في غير النفيس سفاهة
                    فقدك هوى أن السفاهة تمقت
 وهو في كل هذه المقطعات يلتقي بأبي العتاهية في روحه الزهدية حين يردد :
 أبت طرقات كل قرير عين
                   بها إلا اضطربا وانقلابا
 كان محاسن الدنيا سراب
                  وأي يد تناولت الرابا
 فيا عجبا تموت وأنت تبني
                  وتتخذ المصانع والقبابا
 ألم تر أن كل صباح يوم
                   يزيدك من منيتك اقترابا
 وفي حديثه عن الدنيا وغرورها :
 ولقد أقام لي المشيب نعاته
                  يفضي إلي بمفرق وقذال
 وإذا تناسبت الرجال فما أرى
                   نسبا يقاس بصالح الأعمال
 كما يذكرنا بأبي نواس في لحظات توبته التي كانت تنتابه أواخر أيامه حين يردد أمثال هذه   التأملات :
 أفنيت عمرك والذنوب تزيد
                    والكاتب المحصي عليك شهيد
 كم قلت لست بعائد في نورة
                     ونذرت فيها ثم صرت تعود
 حتى متى لا ترعوي عن لذة
                     وحسابها يوم الحساب تعود

 وكأنني وقد أتتك منية
                    لا شك أن سبيلها مورود
 وقوله يخاطب نفسه :
 يا نفس خاف الله واقتدي
                    واسعي لنفسك سعي متئد
 منتك نفسك أن تثوب غدا
                     أو ما تخاف الموت دون غد
 ما حجتي يوم الحساب إذا
                     شهدت علي بما جنت يدي

 النسيب :
 قد يكون مما يثير الاستغراب أن يصدر من ابن المرحل الفقيه المتدين الزاهد شعر في الغزل، ولكن لم لا ؟ أليس ابن المرحل ككل إنسان يكره ويحب ؟ ألم يقل الشاعر :
 إن عشقنا فعذرنا  إن في وجهنا نظر !؟ 
 ورغم ذلك فإن مطوعات شاعرنا في النسيب تنم عن إنسانية في غير فحش أو إفراط، وتصدر في عبارات لا تخرج به عن وقاره الذي اشتهر به، مما يدل على شجاعة فيه وجرأة، وهو الفقيه القاضي المربي من أن يتحدث في مثل هذا الغرض، ومما يدل من جهة أخرى على غلو نقادنا الذين عمموا اتهام الفهاء بالتعصب والتطرف في الدين لحد الرجعية  وكمثال على عفة غزله ونقاء عباراته، رائيته المشهورة التي يقول فيها :
طاف الخيال بوادينا فما زارا
                      إلا وواقع سرب النوم قد طارا
لا ذنب للنوم بل للعين تدفعه
                      بل للحشا بل لمن حشا الحثا نارا
لا آخذ الله أحبابي بما صنعوا
                     إن الحبيب لمحبوب وإن جارا
وما أجمل الصدق في تشريح النفس وتعريتها، إذ لم يمنعه وقاره من عرض نفسه على حقيقتها أو تمثلها كما تكون في مثل هذا الحال حين يحكيها على شكل قصة كما هو حاله في المقطوعة الغنائية التالية :
تملكتم عقلي وطرفي ومسمعي
                        وروحي وأحشائي وكلي بأجمعي
وتيهتموني في بديع جمالكم
                        فلم أدر في بحر الهوى ابن موضعي
وأوصيتموني لا أبوح بسركم
                        فباح بما أخفي تفيض أدمعي
فلما فنى صبري ول تجلدي
                       وفارقني نومي وحرمت مضجعي
شكوت لقاضي الحب قلت أحبتي
                       جفوني وقالوا أنت في الحب مدع
وعندي شهود بالصبابة والأسى
                        يزكون دعواي إذا جئت أدعي
سهادي وشوقي واكتآبي ولوعتي
                       ووجدي وسقمي واصفراري وأدمعي
ومن عجب أني أحن إليهم
                       وأسأل شوقا عنهم وهم معي
وتبكي دما عيني وهو في سوادها
                       ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
ولكن هذا الصدق لا يمنعه من توشيح شعره حتى ليظهر فيه نوع من التصنع وما هو بتصنع ولكنه الطبع الغالب في الرجل يلح عليه فاستمع إليه متغزلا في هذه المقطوعة لتلاحظ ذلك :
يا راحلين ولي في قربهم أمل
                       لو أغنت الحيلتان القول والعمل
سرتم وسار اشتياقي بعدكم أملا
                       من دوته السائران الشعر والمثل
وظل يعذلني في حبكم نفر
                      لا كانت المحنتان الحب والعذل
عطفا علينا ولا تبغوا بنا بدلا
                      فما استوى التابعان العطف والبدل
مذ ذقت فضلكم فضلا فلا وأبي
                      ما طاب لي الأحمران الخمر والعسل
وقد هرمت أسى من هجركم وجوى
                     وشب مني اثنان الحرص والأمل
غدرتم أو مللتم يا ذوي ثقتي
                     لبيست الخصلتان الغدر والملل (2)
وثقافة الشاعر اللغوية لا تخفى من خلال الأبيات في عدم استواء الجمع بين العطف والبدل وفي هذا الازدواج بين القول والعمل والشعر والمثل والحب والعذل والخمر والعسل، شاعرنا لا يتوان في استغلال ثقافته البلاغية في صناعة الكلام واللعب بالجمل والتقابل والتطابق حينا بعد حين كما هو الشأن في هذه المقطوعة الغزلية التي تمتزج فيها الصنعة بهذا المنطق المقنع :
لم يكن الحب وصلا كله
                     لم تكن غايته إلا الملل
أو يكون الحب هجرا كله
                   لم تكن غايته إلا الأجل
إنما الوصل كمثل الماء لا
                   يستطاب الماء إلا بالعلل
 ومن شعره في هذا الموضوع قوله في قصيدة من عروض الدوبيت المجزوء وهو من اختراعه :
 الصب إلى الجمال مائل
                  والحب لصدقه دلائل
 والدمع لسائلي جواب
                 إن روجع سائل بسائل
 والحسن على القلوب وال
                 والقلب إلى الحبيب وائل
 لو ساعد من أحب سعد
                 ما حال عن الحبيب حائل
 يا عاذلي ‘ليك عني
                لا تقرب ساحتي العواذل
 ذا نازل كمثل ظبي
                 يشقى بلحظه المنازل
 ما بين جفون حام
                مخارقه له حمائل (3)
 إلى جانب هذا له مقطوعات في مواضع مختلفة في الطبيعة وأوصف والحكم في أوزان خفيفة رشيقة قصيرة غالبا ما تلحن للغناء فأشعاره سارت حديث الناس في المحافل ومادة للمغتين في شتى المناسبات والأفراح كما ذكر ذلك ابن الخطيب يرددها المتذوقون ففي الوصف نجد له أبياتا في وصف الليل تدل على مساجلات أدبية كانت تنشأ عن لقاءاته بالأدباء والشعراء في مناسبات مختلفة في أمسيات كهذه التي يول   فيها :
 وعشية سب الصباح عشاءها
                    قصرا فما أمسيت حتى أسفرا
 مسكية لبست حلى ذهبية
                    وجلا تبسمها نقابا أحمرا
 وكان شهب الرجم بعض حليها
                    عثرت به من سرعة فتكسرا (4)
 كما يصف نهرا في نزهه جمعته بقربه مع هذا الصنف من الأصداء بقوله :
 والأرض قد ضربت بمرهف نهرها
                    صفحا وأنقى في المكان فصاحا
 فاسمع إلى غريبه في حصبائه
                    كألفين جر على العداة سلاحا (5) 
 وفي طائر القماري الذي كثيرا ما كان يصادفه في منتزهاته يستغل مطالع الجاهليين فيقول :
 رب ربع وقفت فيه وعهد
                   لم أجاوزه والركائب تسري
 أسأل الدار وهي قفر خلاء
                  عن حبيب قد حلها منذ دهر
 حيث لا مسعد على الوجه إلا
                  عين حر تجود أو ساق حر (6)

 قيمة شعره :
 عن الممتعن في شعر ابن المرحل على العموم لا يفتا بلمس آثار الشعراء الإسلاميين عبر مختلف عصورهم في الأشطار المتشابهة في معانيها أو الإحالات التي ترمز إليها أو الأوزان الواضحة التي تذكر بها، وذلك لا يدل على تقليد بقدر ما يدل على فا الرجل الواسعة وثقافته الكبيرة، وقد وصف تلميذه القاضي ابن عبد الملك المراكشي سهولة نظم وجريان ذلك على لسانه فقال : كان مكثرا من النظم مجيدا مستغرقا لفكره في قرضه، لا يغيب عنه ليلا ولا نهارا، شاهدت ذلك وأخبرني أنه لا يقدر على صرفه من خاطره وإخلاء باله من الخوض فيه، واشتهر نظمه وذاع وكلفت به العامة والخاصة وصار رأسمال المستمعين والمغنين (7) وقال عنه ابن الخطيب السلماني : شاعر المغرب وأديب صقعه الجامع بين سهولة اللفظ وسلامة المغنى وإجادة التوليد وسلامة المريحة وأحكام الاختراع وانقياد القريحة واسترسال الطبع والنفاذ في الأغراض(8) إما كتاب الأدب المغربي فيعده خيره من يمثل هذا الادب بعد ميمون الخطابي في منتصف القرن السابع إلى نهايته(9).
 وهل أعمال النظر في هذه الأحكام كاف لاستخلاص الحكم على أسلوبه الشعري وعلى شاعريته فسهولة النظم وجربانه على لسانه كافية للدلالة على قدرته ومهارته في هذا الميدان وحكم تلميذه ابن عبد الملك يجعلنا نحس أن الرجل وجد ليكون شاعرا لا لطبقة معينة لشدة وضوحه وسيلانه لدرجة أن يكلف به الناس ويغني شعره المغنون.
 أما رأي ابن الخطيب فلا يحتاج إلى تعليق إذ يكفي أن يكون صاحب الحكم هو ابن الخطيب لمعرفة درة ابن المرحل على التنوع والتلاعب والتوليد والاختراع والنفاذ في الأغراض، ونختم كلامنا في الموضوع بما جاء لكتاب الأدب المغربي حين حديثه عن الأدب في العصر المريني إذ يقول نقلا عن كتاب الموجز لحنا فاخوري ص 152 : "ويكفي أن في هذا العصر نبغ ذلك الشاعر الذي يحق أن يقال عنه : أنه شاعر المغرب الأكبر ونعني به مالك بن المرحل الذي طبقت شهرته العالم العربي والذي طبقت شهرته العالم العربي والذي لم يسع ابن خلدون إلا أن يعترف بشاعريته على ما علم من تحفظه الشديد (10).
 وإذا كان أثر الشر في شعر ابن المرحل لا مجال لنكرانه لأن الإقليمية في ميدان الأدب لم تكن نشأت بعد حتى يفر بين نوعين من الأدب، فأثر البلاد التي تلقفت جسمه حين ولادته بالأندلس والتي احتضنته بالمغرب لا يخفى في شتى مظاهر حياته وثقافته وصنعته ووظيفته.
 لقد وهبت الطبيعة الفاتنة الأندلس والمغرب جمالا قل نظيره تجلى في بساتين جمعت من كل زوج بهيج، وامتازت بصورها ومنشآتها المختلفة التي تفنن المهرة من صناعها في نقشها ونحتها وترصيع حيطانها وأرضها بفاخر الزليج والفسيفساء والرخام على مختلف ألوانه وأشكاله، وبقييها ونافوراتها التي تلهب الحسن وتخطف الأبصار، وبأنواع الثقافات الأدبية والفنية العربية منها والإسبانية، فاشتهرت بكل جميل في الموسيقى والأذواق الرقيقة في اللباس والحدائق ومجاس الأنس والشراب التي يؤنس ورادها غزالات رشيقات متفننات في استقبال الضيوف والعناية بهم، أفلا يحق لكل هذا أن يؤثر في شاعرنا ؟ وكيف لا ود عاش بين هذا الجمال المتنوع بصور المرينيين.
 لقد تأثر ابن المرحل بكثير من مظاهر هذه البيئة فجاء ذلك الإنسان المرغوب فيه لما امتاز به من أدب وظرف لا يستغنى عنه في مجالس الأنس والغناء التي تقدم فيها روائع شعره الغناء والسهر والتنكيت في نوادي الأدب ولياليها وصور الأمراء والرفقاء كما سنرى وألهمه هذا الجمال وهذا المحيط إلى جانب ما اشتهر به من مقطعات غنائية في موضوعات الطبيعة والوصف والغزل التي تتعاطف مع النفس ألهمته ذلك الفن الذي اختص به الأندلسيون من الموشحات.

 الموشحات :
 هذا فن اختصت به الأندلس رغم ما قد يقال من كلام في انتسابه إلى الشام أو العراق أو مصر، وكان بالأولى أن يشاركها في ذلك المغرب بصفتهما عاشا تحت لواء سياسي واحد أيام المرابطين والموحدين وتبادلا الهجرات منذ الفتح العربي للأندلس.
 ولكننا للأسف لا نجد كثيرا يذكر في هذا الباب للمغاربة، والكلام في هذا الموضوع كثير، وإذا كان ما لا يذكر كله لا يترك جله فيجب أن نثير إلى إن ظاهرة انعدام أي تسجيل للموشحات المغربية أو ذكر لها في مختلف كتب تاريخ الأدب، هي تتمة لاتجاه عدائي شامل لمختلف أوجه الثقافة واجهه المغرب وبالخصوص بعد حادثة سجن المعتمد ابن عباد والتهم التي ألصقت على يد المؤرخين والمستشرقين، كقضية إحراق الكتب، واتهام يوسف ابن تاشفين بالخشونة، وعدم تذوق الشعر حين امتنع من الصفح عن المعتمد، والاحتفاظ برسالة أبي الوليد الشقندي في إظهار فضل الأندلس على المغرب دون رسالة ابن المعلم في فضل المغرب على الأندلس، وحتى نجد صاحب النفح يسجل موشحات المغاربة دون أن ينسبها لأصحابها خلاف ما يفعله مع موشحات الأندلسيين، وإذا أضفنا إهمال تسجيلها باعتبارها عملا لا يبلغ مرتبة الأعمال الأدبية المحترمة كما صرح بذلك عبد الواحد المراكشي في كتابه المعجب معتذرا عن ذلك، فقد أدى ذلك إلى ضياع كثير من أعمال الأدباء المغاربة في فن التوشيح وغيره، ومن ذلك نجد ابن المرحل يذكر من جملة الوشاحين في كتاب توشيح التوشيح للصفدي دون أن يذكر له موشحة واحدة، ولكن هذا لم يمنعنا من إثبات إحدى موشحاته كانت سجلها الأستاذ كنون في مجموعته الذكريات وهي في المدح النبوي وفيها يقول :
   ميم ملائكة الإله تسلم
                           فوجا عليه إذا بدا وتعظم
   ويمر جبريل بها يتقدم
                           فيضاعف التعظيم والتكريما
     صلوا عليه وسلموا تسليما
                          نون نبي جاءنا ببيان
   وبمعجزات أبرزت لعيان
                         وبحسبه إن جاء بالقرآن
 يشفي قلوبا تشتكي وجسوما
                          صلوا عليه وسلموا تسليما(11)
   لام لأجلك فاض دمعي جدولا
                          فاحضر آس أساك إذ يبس الكلا
   يا خير من كلأ المكارم والعلا
 
 وحمى الحمى ورمى فأعمى الروما
                          صلوا عليه وسلموا تسليما 
 وهي موشحة طويلة تجمع حروف المعجم كلها، وكل ما سبق يؤكد أن ابن المرحل كان وشاحا كبيرا ولكن إنتاجاته في هذا الموضوع ضاعت يدروها كما ضاع ديوان شعره للأسباب التي سبق الحديث عنها.

 جانب الطرافة في ابن المرحل وشعره :
 وهو يتجلى في نكته الأدبية والشعرية التي يقول ابن الخطيب عنها : كانت له قوة العارضة في ميدان المداعبة والمجانة المؤيد ذلك بخفة الروح وذكاء الطبع وحرارة النادرة (12)، من ذلك ما يروي صاحب النفح يقول : مر الدباغ (أبو عبد الله الدباغ المالقي المتطبب) علينا يوما بفاس، فدعاه الشيخ فلباه فقال حديثا بحديث اللطافة فقال نعم. حدثني أبو زكرياء ابن السراح الكاتب السجلماسي أن أبا إسحاق التلمساني صهره اصطحبا في مسير فآواهما الليل إلى مجشر فسالا عن صاحبه فدلا، فاسضافا فأضافهما فبسط قطيفة بيضاء ثم عطف عليهما بخبز ولبن وقال لهما استعملا من هذه اللظافة حتى يحضر عشاؤكما وانصرف، فتحاورا في اسم اللظافة لأي شيء منهما حتى ناما، فلم يرع أبا إسحاق إلا مالك يوقظه ويقول قد وجدت اللظافة، قال كيف، قال : أبعدت في طلبها بما لم يمر قط على مسمع هذا البدوي فضلا عن أن يراه، ثم رجعت القهقرى حتى وعت على قول النابغة :
 بمخضب رخص البنان كأنه
                     عنم يكاد من اللطافة يعقد
 فسنح لبالي أنه وجد اللطافة وعليها مكتوب بالخط الرقيق، اللبن، فجعل إحدى النقطتين للطاء فصارت اللطافة : اللظافة، واللين : اللبن، وإن كان د صحف غنم بغنم، وظن أن يعد جبن، فقد قوى عنده الوهم، فقال أبو إسحاق : ما خرجت عن صوابه، فلما جاء سألاه، فأخبر أنها اللبن واستشهد بالبيت كما قال مالك(13).
 ومن طرائفه وظرفه قوله موريا وقد بلغ الثمانين.
 يا أيها الشيخ الذي عمره
                   قد زاد عشرا بعد سبعينا 
  سكرت من أكواس خمر الصبا
                   فحدك الدهر ثمانينا
 وخير ما يمثل دعابته قصيدته البديعة عن زواج له بامرأة شوهاء على سبيل المجانة وبأبيات منها نختم هذه الحلقة يول فيها :

 الله أكبر في منار الجامع
                   من سبتة تأذين عبد خاشع
 الحمد لله السلام عليكم
                   آمين لا تفتح لكل مخادع
 إن النساء خدعتني ومكرن بي
                   وملأن من ذكر النساء مسامعي
 حتى وقعت وما وقعت بجانب
                   لكن على رأسي لأمر واقع
 فخطبن لي في بيت حسن قلن لي
                    وكذبن بل هو بيت قبح شائع
 بكرا زعمن صغيرة في سنها
                     حسناء تسفر عن جمال بارع
 خوذ لها شعر أثيث حالك
                    كاللين يجلو عن صباح ساطع
 حوراء يرتاع الغزال إذا رنت
                   بجفون خشف في الخمائل راتع
 أنفاسها كالراح فض ختامها
                   من بعد ما ختمت بمسك رائع
 ووصفن لي من حسنها وجمالها
                   ما البعض منه يقيم عذر الخالع
 وتركنني يوما وعدن وقلن لي
                    خذ في البناء ولا تكن بمدافع
 ولزمنني حتى انفصلت بموعد
                   بعد اليمين إلى النهار الرابع
 فنظرت في أمر البناء معجلا
                   وصنعت عرسا يا لها من صانع
 وطمعت أن تجلى وأبصر وجهها
                   وتقر عيني بالهلال الطالع
 فذكرن لي أن لبس عادة أهلها
                  جلو العروس وتلك خدعة خادع
 

 وحملنني ليلا إلى دار لها
                  في موضع عن كل خير شاسع
 ودخلن بي للبيت واستجلسنني
                  فجلست كالمقرور يوم زعازع
 فنظرت نحو خليلتي متأملا
                   فوجدتها محجوبة ببراقع
 وأتيتها وأردت نزع خمارها
                  فغدت تدافعني بجد وازع
 فوجأتها في صدرها ونزعته
                 وكشفت هامتها بغيض صارع
 فوجدتها قرعاء تحسب أنها
                مقروعة في ٍرأسها بمقارع
 حولاء تنظر قراها في ساقها
                 فتخالها مبهوتة في الشارع
 فطساء تحجو أن روثة أنفها 
                 قطعت فلا شلت يمين القاطع
 صماء تدعى بالبريح وتارة
                 بالطبل أو يوتى لها بمقاطع
 بكماء إن رمت كلاما صوتت
                تصويت معزى نحو جدي راضع
 عرجاء إن قامت تعالج مشيها
                أبصرت مشية ضالع أو خامع
 فلقيتها وجعلت أبصق نحوها
                وافر نحو دجا وغيث هامع
 حيران أعدو في الزقاق كأنني
                 لص أحس بطالب أو تابع
 حتى إذا لاح الصباح وفتحوا
                 باب المدينة كنت أول كاسع(14)     

 

1  الذخيرة السنية ص 108 – 109 والنبوع ج 3 ص 809.
2  جذوة الاقتباس ص 224
3   النبوغ المغربي ج 3 ص 725.
4  رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصور للشريف الغرناطي ص 55.
5  رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصور للشريف الغرناطي ص 90.
6  رفع الحجب المستورة عن محاسن المقصور للشريف الغرناطي ص 49.
7  مطبوعات كلية الآداب بالرباط سنة 1964.
8  مطبوعات كلية الآداب بالرباط نقلا عن الإحاطة المخطوطة.
9  الأدب المغربي للأستاذين بن تاويت وعفيفي ص 221.
10  الأدب المغربي للأستاذين بن تاويت وعفيفي ص 220.
11  أنظر في هذا الموضوع بالعدد 5 و6 من دعوة الحق السنة 15.
12  محاضرة في الأدب المغربي من مطبوعات كلية الآداب بالرباط سنة 1964 نقلا عن الإحاطة المخطوطة
13  نفح الطيب ج 7 ص 168.
14  جذوة الاتباس ص 225 – النبوغ ج 3 ص 914.         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here