islamaumaroc

في الثقافة الإسلامية

  دعوة الحق

159 العدد

القرآن الكريم ابن الأزل، كانت مبادؤه وتعاليمه، وما فتئت، نبراسا للحقيقة يجلوها مهما تلاحقت السنون والأحقاب، والاسلام بما عهد فيه من سماحة واستيعاب لضرورات الحياة دين الخلود والبقاء حيث لا بقاء لايديولوجيات الأفراد والشعوب.
وروح التجدد في الاسلام طابعه الخاص يميزه عن بقية الدعوات، وتلك مزيته الفضلى في احلال الفكر والحضارة الاسلاميين محلهما البارز في مصطرع التيارات والمذاهب الهدامة التي سيطرت على العقول والأفكار منذ أن ثاب الانسان الى رشده وأخذ يبحث عن عقيدة تملأ ضميره وتشيع الطمأنينة في نفسه وتهديه طريق الخلاص.
وروح التجدد في الدين تسمح له أن يستسيغ كل ما هو طبيعي، أي كل ما هو علمي وما هو جديد، وهذا الالتقاء في الدين بين المعطيات الطبيعية والعلمية هو التقاء جدلي بين الطبيعة والله، الطبيعة ضرورة ونظامية صيرورة والله حرية وخلق وكينونة، ويقدر ما يستمر الالتقاء في الدين بين الضرورة والحرية بقدر ما يظل معبرا عما هو كائن دون أن ينفصل عما هو صائر، ويقدر ما يتجدد في الدين أو خلاله هذا الالتقاء بقدر ما يبقى قاعدة الحوار اللانهائي بين الله والانسان.
ومن هنا رأينا كيف أن علماء الاسلام ومفكريه وفلاسفته اعتمدوا مختلف الطرق العقلية في سبيل التوصل الى الحقيقة بقدر اعتمادهم مختلف الطرق النقلية، وكان ما نشأ من توتر بين مختلف أتباع هذه الطرق سببا رئيسيا من أسباب التجدد في الاسلام، فظل خلاقا ومتجددا ما فتئت جميع الطرق والمناهج متجددة وخلاقة، وجمد حين طغت طريقة واحدة من هذه الطرق على الطرق الاخرى.
وهكذا فان التجربة الاسلامية التي يتحقق كمال رؤياها في الوحي وتبلغ ذروتها في حقيقة الله، تتخذ الملكات الحية والعقلية والالهامية درجات في سلم الصعود نحو هذه الذروة، وفي اعتقاد المفكر الاسلامي العظيم محمد اقبال أن القرآن يرى أن الموقف التجريبي ضرورة من حياة الانسان الروحية، ولذلك فانه يعلق نفس الأهمية على جميع ميادين التجربة الانسانية، كطرق لمعرفة الحق الذي يكشف عن وجوده بآيات خفية وظاهرة.
ومن هذه التوطئة نخلص الى ذكر مظاهر الثقافة الاسلامية فنجد أن البصرة لعبت دورا طلائعيا في غاية الاهمية اذ أنها كانت مهدا لتيارات الفكر الاسلامي الاولى، اذ المسجد الجامع فيها هو المركز الرئيسي للثقافة الدينية والفلسفية، بنى بالقصب إبان ولاية عتبة بن غزوان، قال البلاذري: كان المسلمون اذا غزوا نزعوا ذاك القصب وحزموه ووضعوه حتى يرجعوا من الغزو، فاذا رجعوا أعادوا بناءه.
وفي هذا المسجد كان يجتمع جلة فقهاء المسلمين فيتناقشون في الدين وتفسير القرآن الكريم والى جانبهم حلقات لدراسة اللغة والشعر ورواية أخبار العرب وأنسابهم، وظهر المعتزلة في البصرة أيضا والسبب في هذا الاسم هو أن فريقا من الفقهاء والفلاسفة اختلفوا مع زملائهم في القضاء والقدر وهل الانسان مسيرا أم مخير وغير ذلك، فجلسوا في حلقة منفردة واعتزلوا بقية المتحدثين.
ونبغ من أبنائها عدد كبير، واليها كان يهرع كل راغب في الاستزادة من الفقه والتشريع والنحو والشعر وصحيح اللغة وكل الفقهاء والشعراء في الصدر الأول من الدولة العباسية حتى عهد المعتصم
من تلامذة حلقاتها، وظلت كذلك محجة للراغبين في العلم الى نحو القرن السادس الهجري، ولم تستطع مدينة ثانية أن تتغلب عليها في هذا المضمار.
وسكنها كذلك في أوائل تخطيطها عدد من الصحابة مثل عمر ابن الحصين، وعدد من القراء ومات فيها أنس بن مالك الصحابي اذ جاء اليها مع أبي موسى الاشعري وسكنها، ومن الذين توفاهم الله فيها حليمة السعدية أم الرسول الله صلى الله عليه وسلم بالرضاعة وابنها رضيع النبي، وأبو بكر الصحابي والامام الحسن البصري سيد التابعين ومحمد ابن سيرين ومحمد بن واسع ومالك بن دينار وغيرهم من أقطاب الشريعة والحديث والفقه، وفي البصرة قبر طلحة رضي الله عنه، أما قبر الزبير بن العوام فيقع في ضواحيها، اذ قتل غيلة في وادي السباع.
يقول ابن بطوطة: " ولأهل البصرة مكارم أخلاق يقومون بحق الغريب فلا يستوحش بينهم، وهم يصلون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي، ثم يسد فلا يأتونه الا في يوم الجمعة التالية، وهذا المسجد من أحسن المساجد وحصنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يؤتي بها من واد السباع، وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان رضي الله عنه يقرأ فيه لما قتل".
وقد ترعرعت الثقافة الاسلامية في كنف الحضارة العربية الاسلامية ذات المنزع العلمي، فكان العلم لحمتها وسداها، وتلك حقيقة لا تخفى على الناقد البصير خلافا للصورة التي ارتسمت في أذهان الغربيين من أن المسلم لا يعرف من الحياة القريض والسراح، وشبيبتنا قلما يدركون هذه الحقيقة، اذ كلما تقدم بنا الزمن واجهنا اغفالا متزايدا في مناهجنا المدرسية وفيما نقدم لهذه الشبيبة من زاد ثقافي- لدور ذلك التراث العريق في اطلاق الشرارة الأساسية التي أوقدت الحضارة الحديثة كلها، شرارة البحث العلمي والتجربة والاستقراء ومدارسة الطبيعة بدلا من الدوران حول الأفكار والبقاء في دائرة العقل كما فعل فلاسفة اليونان القدامى وعلى رأسهم أرسطو.
ويقول الدكتور عبد الله عبد الدائم أن مفتاح الامر في نظرنا أن الحضارة العربية الاسلامية امتازت من دون غيرها من الحضارات بالجمع الوثيق بين العنصرين الاساسيين اللازميين لكل حضارة كاملة متكاملة، نعنى الدراسات الادبية والفكرية من جانب، والدراسات العلمية التجريبية من جانب آخر، على أن أبرز ما فيها ليس العنصر الاول، كما نظن غالبا نتيجة لعناية مدارسنا بأدب العرب وشعرهم وفلسفتهم أكثر من عنايتها بدراساتهم العلمية والتجريبية، والعكس هو الصحيح أي أن السمة المميزة لتلك الحضارة هو اطلاق الروح العلمية التجريبية، ونقل هذه الروح الى العالم الغربي الذي تلقفها وبنى عليها الحضارة الحديثة، والمعجزة العربية كما يريد أن يسميها (ماكس فانتاجو) تمكن أولا وقبل كل شيء في حماستهم للابحاث العلمية ومجازتهم حضارة اليونان في هذا المجال.
فهم الذين حققوا – كما يقول- المزج بين المعارف اليونانية والهندوكية، بحيث يحق لنا أن نسمى العصر الذي اكتشفوا فيه خصوبة الجبر وروعة الحساب وفائدة الكيمياء عصر المعجزة العربية، والمسلمون والعرب هم الذين بنوا على حد قول ( جورج راندال) في كتابه عن تكوين العقل الحديث، حضارة لم يكن العلم فيها مجرد براعة فحسب بل كان علما طبق على الفنون والصناعات الضرورية للحياة العلمية، وهم الذين كانوا يمثلون اجمالا في القرون الوسطى – على حد قوله أيضا – التفكر العلمي والحياة الصناعية العلمية الذين تمثلهما في أذهاننا اليوم ألمانيا الحديثة، وقد جعلوا العلم- في الطب وعلم الآلة بل في جميع العلوم- في خدمة الحياة الانسانية مباشرة، ولم يحتفظوا به كغاية في حد ذاته، وقد ورثت عنهم أوربا ما ترغب أن تسميه بروح "بيكون" التي تطمح في توسيع نطاق حكم الانسان على الطبيعة.
ومعنى هذا أن روح تقري الطبيعة وملاحظتها والتجريب فيها- تلك الروح التي تنسب الى بيكون ومن جاء بعدهم من المفكرين التجربيين – هي في الأصل روح الحضارة العربية الاسلامية التي انتقلت الى أوربا فأنتجت الحضارة الحديثة كلها، والحضارة العربية اليوم، حين تعاود هذه الروح وتقبل على الاهتمام بالعلم والتقنية والصناعة، انما تعود في الواقع الى أصولها وتتابع عملها الذي بدأته والذي قطعتها عند عهود الانحطاط والتأخر.
والفكر العربي مدين للاسلام بهذه الوئبة الخلاقة، والذين يناقضون هذا القول كما أسلفنا يستندون الى ما خلفته أوضاع أوربا في القرون الوسطى وأوائل عصر النهضة من صراع عنيف بين رجال العلم ورجال الدين في أوربا، اذ وقف هؤلاء من   العلم موقفا سلبيا ناتجا عن تبني الكنيسة لبعض الآراء العلمية التي أثبت العلم الحديث خطأها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها قصة تسطيح الارض وكرويتها اذ لم يجهر العلماء بكرويتها حتى لاقوا العنت والتعذيب فحكموا وأحرقت كتبهم بل لقد أحرق "برونو" مثلا ومن هنا نشأت فكرة مناقضة الدين للعلم وأصبح واجب العلماء الاحرار تجريح أصول الدين وتوهين عراه.
ولكن الامر يختلف بالنسبة للاسلام، ولقد وضع الاسلام العلم والعلماء بمنزلة مكرمة بل لقد جعل طلب العلم بشتى فروعه وميادينه فريضة على كل مسلم وجعل الانشغال بطلب العلم خيرا بالانشغال بالعبادة سواء أكان علما دينيا أم دنيويا لأن الدين الاسلامي عالج ينظمه كل نواحي الحياة ومجالاتها فلا غرابة اذا رأيت كتب الفقه مثلا تشتمل على أحكام الصلاة الى جانب أحكام السياسة والصوم الى جانب أحكام الأحوال الشخصية والى جانبها أحكام الحرب والطب والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والتربية وكافة فروع العلوم- إضافة الى جعل طلب العلم فريضة فقد جاءت كثير من الآيات والأحاديث داعية الى الدراسة والنظر في مخلوقات هذا الكون الفسيح ونظمه وقوانينه الثابتة والمتغيرة.
  " قل انظروا ماذا في السموات و الارض" يونس 101.
  " قل انما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى" العنكبوت 20.
  " قل انما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا" سبأ 46
  " أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها..." الحج 46.
وكثير من الآيات والأحاديث التي تشير الى أن التفكير فريضة اسلامية كما يقول الفقيد العزيز عباس محمود العقاد...اذ أن تلك الكائنات وتلك القوانين قد أوجدها الله لمنفعة هذا الانسان فعليه أن يكتشفها فيشكر الله الذي وهبه اياها: فقوى الطبيعة من حرارة وبرودة ونور ورياح ومياه وخيرات ومعادن وكنوز ونبات وحيوان وقوانين ثابتة كالجاذبية والمغناطيسية والكهربائية والضوء والصوت والذرة الخ وغير ذلك من أمور لا تعد ولا تحصى انما هي لخدمة هذا الانسان.
" هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا" البقرة 28.
وكلما أمعن الانسان في البحث والدراسة تكشفت له أسرارها وحكمتها وفائدتها للانسان: " ربنا ما خلقت هذا باطلا" آل عمران.
فيستطيع استغلالها لمنفعة الأمة والخير العام...
من هذين المصدرين- مصدر جعل طلب العلم فريضة ومصدر توجيه القرآن للناس الى دراسة- انطلق المسلمون يبحثون ويدرسون ويترجمون ويقارنون منذ وقت مبكر فتطورت مبادئ العلوم الموجودة بدافع قرآني فكانت هناك نهضة علمية جبارة في حقول عديدة ومتنوعة من حقول العلم والمعرفة في الطب والرياضيات والفلك والبصريات والطبيعيات (الفيزياء وتطبيقاتها والكيمياء والميكانيكا والذرة والنبات والحيوان والجيولوجيا والانواء) والتربية والسيكولوجيا والتاريخ والجغرافيا والرحلات والاجتماع (العمران) والسياسة واللغة والادب والمنطق والفلسفة والقوانين وغير ذلك...فلم تسمع أن هناك تناقضا بين الدين وهذه العلوم، ولو كان هناك تناقض لمنعت منذ وقت مبكر ولرأينا على الأقل فتاوي العلماء بتحريم ابن سيناء والرازي في الطب مثلا أو تحريم الرياضيات وقوانينها في الهندسة والجبر والمثلثات والتي توصل اليها كل من الخوارزمي والبتاني وابن يونس وغيرهم أو تحريم الفلك وقوانينه التي توصل اليها البوزجاني والبيروني وغيرهم أو الفيزياء أو الكيمياء وغير ذلك...في حين أننا نجد أن الخلفاء أنفسهم كانوا يشجعون تلك الدراسات بل يؤثر عن المأمون أنه أعطى للمترجمين ذهبا يعادل وزن ما ترجموه من الكتب!
فازدهرت تلك العلوم وبلغ ما ألفه العلماء في ذلك أعدادا هائلة من الكتب ولعلها من معجزات هذه الأمة العلمية، في الوقت الذي كانت أوروبا فيه لا تعرف عن تلك العلوم شيئا الا مبادئ بسيطة انحصرت في فئة قليلة من الأكليريوس... وفي الوقت الذي بلغت فيه الحضارة أوجها عند المسلمين كان شارلمان وحاشيته يتعلمون كيف يكتبون أسماءهم، ولما دالت دولة المسلمين لانشغالهم بالخلافات والانشقاقات ولبعدهم عن الاسلام الذي كان سبب رفعتهم ومجدهم شاء الله للغرب بعد أن نهل من مناهلهم العلمية أن يفيق   من الجهل والتأخر فيسطو على نتاج العلماء والمسلمين فلما درسوها دراسة واسعة نسبوا اكتشاف الحقائق العلمية إليهم وتنكروا للمسلمين فاذاقوهم العذاب والحرمان باستعمار بلدانهم وامتصاص خيراتها وأنكروا فضلهم العلمي على الحضارة الذي لا يزال معينا لا ينضب للدارسين والمخترعين.
وحسبنا أن نذكر في هذا المجال "بيت الحكمة" الذي أنشأه الخليفة المأمون ببغداد وأن نذكر مدرسة بغداد التي ترعرعت في كنفه والتي سادت أعمالها العلمية "روح السير من المجهول الى المعلوم، ومن النتائج الى الاسباب وإنكار كل ما لا تثبته الملاحظة والتجربة على حد قول "سيديو" في كتابه الشهير عن تاريخ العرب (طبع باريس 1954)
ورصيد الاسلام في شتى ميادين المعرفة يعلو عن الحصر وقد أثبتنا بعضه في مقال سابق، وحسبنا هنا أن نشير الى أن النشاط العلمي الكبير الذي حققته الحضارة العربية الاسلامية قد استطاعت بفضله أن تكون الرائدة في الأسلوب العلمي الحديث وفي الطريقة التجريبية وفي تطبيق العلم على أمور الحياة.
وهذا العطاء الخصب قد يسر للحضارة العربية الاسلامية بفعل عوامل أبرزها دون شك تمازج الثقافات الذي تم في أيامها، ولاسيما التمازج الذي حدث بين تراث اليونان وفارس والهند والذي أمكن دمجه دمجا عضويا أصيلا بالثقافة العربية، وهذا الدمج العضوي لتراث الآخرين مع تراث العرب هو الذي استطاع أن يجعل من الحضارة العربية الاسلامية حضارة خصيبا ولودا، وأن يزودها بالقدرة على العطاء والابتكار، فالعرب والمسلمون لم يقفوا من تراث غيرهم موقف الرفض بل نقلوه ووعوه، كما أنهم لم يكتفوا بالنقل بل هضموا وتمثلوا وحققوا التفاعل اللازم بين تراث الآخرين وترائهم، وبذلك ولدت الشرارة الحية الخصبة لحضارة منتجة متحركة، وهم اليوم مدعوون الى أن يقفوا مثل هذا الموقف من الحضارة العالمية وينقلوها ويهضموها ويتمثلوها شريطة أن يحققوا الدمج العضوي بينها وبين تراثهم وحضارتهم وهذا الامر ميسور لهم ما دام تراث الغرب في أصوله هو تراث العرب والمسلمين وما دام هؤلاء يحبون ما خمد ويعيدون ما انقطع حين ينهلون من حضارة العالم العلمية والتقنية، وحين يتابعون رسالتهم التي لحقوا بها العالم، رسالة العلم والتجريد والتأثير في الطبيعة.
وحين يعرض المرء للثقافة الاسلامية تقفز الى الذهن شخصية المفكر الاسلامي الكبير أبي حامد الغزالي صاحب كتاب "تهافت الفلاسفة" وكتاب " احياء علوم الدين" وكتاب "المنقذ من الظلال" وكتاب "القسطاس المستقيم" وكتاب "ميزان العمل" وكتاب "المستظهرين" وغيرها كثير اذ المفقود منها أكثر من المطبوع، وهي تتناول موضوعات مختلفة كالتصوف والعقائد والفقه والأصول والفلسفة والمنطق.
ويرى الغزالي أن أحكام العقل صادقة في العلوم المنطقية والرياضية والطبيعية، وفي كل ما يتعلق بأمور التجربة، أما المعارف الآلهية فان العقل لا يحكم فيها الا بالامكان، واذا كان كلام الفلاسفة في الرياضيات برهانيا، وفي الالهيات تخمينا، فما رد ذلك الى عدم وفائهم في الالهيات بشروط البرهان المنطقي.
وقد اهتدى الغزالي في رده على الفلاسفة الى آراء طريفة سبق بها فلاسفة القرن الثامن عشر فقال عند كلامه عن مسألة قدم العالم: أن الزمان والمكان هما علاقات بين التصورات، تخلق بخلقها أو بالأحرى بخلقها الله بين الصور الذهنية في عقولنا، وهذا قريب من رأي الفيلسوف الألماني الشهير كانت Kant  الذي قال: أن مقولتي الزمان والمكان هما صورتان قبليتان مخالفهما العقل، أو بالاحرى يستخرجهما من داخله ليرتب فيهما ظواهر الطبيعية.
وعند انكاره لفعل الطبيعة قال: "أننا لا نستطيع أن نرد هذا الفعل الى مجرد علاقة زمانية بين شيئين، بل أن مجرد اعتيادنا مشاهدة التعاقب بين ظاهرتين طبيعيتين لا يسمح لنا بأن يقول أن الظاهرة الاولى علة الظاهرة الثانية....وهذا شبيه برأي هيوم Hume  الذي زعم بعد الغزالي بست مائة وخمسين سنة تقريبا " أن اعتيادنا لمشاهدة التعاقب بين حادثتين بانتظام هو الذي جعلنا ندعي أن الحالة الاولى علة الحادثة الثانية".
وبعد، فهذه اطلالة أخرى على خضم الثقافة الاسلامية، استدركنا فيها بعض ما فاتنا أن نجلوه في سابقاتها، ونحن نأمل أن تتاح لنا الفرصة استقبالا لاستكناه المزيد من مجاهل الفكر الاسلامي احقاقا للحق وحتى يعترف الجاحدون لفضل هذه الثقافة بالدور الطلائعي الخلاق الذي كان لها في تاريخ الثقافة الانسانية.               
      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here