islamaumaroc

علاج فريد

  دعوة الحق

159 العدد

هذا الإسلام حرص على تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن صيانة للمجتمع الذي يعيش في ظلاله من الابتذال، ووقاية له من التردي في مهاوي الرذائل وحماية له من كل الموبقات الأخلاقية على اختلاف أنواعها التي كانت وما زالت هي السبب الأساسي الذي يقوض صرح الحضارة الإنسانية، فأهداف الإسلام الأولى تطهير المجتمع البشري من كل النقائض، ومقاصده الأساسية نشر الفضائل بتشريعاته الحكيمة التي تحفظ النوع الإنساني من كل تحون يناقض إنسانيته وتقيه من كل تعفن لا يليق به.
وهو لكي يوجد هذا المجتمع الفاضل في عالم الواقع، هذا المجتمع الأخلاقي الذي ينعم بالإنسانية المتحققة التي تنأى عن كل تصرف حيواني وتبتعد عن كل سلوك بهيمي، قدم هذا الإسلام شتى العلاجات الناجعة المستأصلة لكل الانحرافات التي تصيب الناس وأوجد جميع الحلول لكل المشاكل التي يتعرض لها المجتمع البشري متى انحرف عن سبيل الله أو أعرض عن وجهة الإسلام. ولعمري إن الفرق الوحيد بين إنسان الجاهلية وإنسان الإسلام يتمثل في أساسين جوهريين ما فتئ الصراع الدائم من أجلها بين المادية والإيمان وهما : عبادة النفس التي ترمز إلى إنسان الجاهلية وعبادة الله التي تدل على إنسان الإسلام، فإنسان المادية إنما يعبد هواه ويتمتع بوحي من شيطانه، لا يؤمن بمعنى للحلال والحرام في دنياه ولا يؤمن بوجود لهما في قاموس حياته، لأن الإنسان حفيد جده الأعلى القرد كما تقول نظرية(1) (داروين) ! فهو والحيوان شيآن، لسان واقعه يردد بإيمان قول الشاعر الضال في الإنسان :
هو القرد وابن القرد والقرد جده
                          فلا خير في قرد تناسل من قرد
وإذا كانت هذه عقيدة إنسان الجاهلية الأخيرة، وذلك إيمانه بحقيقة الإنسان فلا خير فيه ولا حياة له، وهو خليق دون ريب بأن ينطبق عليه وعلى أمثاله من الجاهليين قول الله : (أرأيت من اتخذ ألهه هواه أفاتت تكون عليه وكيلا، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون أن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا).
أما عن إنسان الإيمان فيعبد ربه ويعيش بوحي من قرآنه ويصور نفسه بمبدأ : أ وإما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)، (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).             
 وإنسان الإيمان هذا يومن عن عقيدة صحيحة بحقيقة الإنسان من القرآن الذي جعل له كل التكريم وأنعم عليه بكل التفضيل :
 (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ...).
 (ولقد كرمنا بني آدم . . .).
 وبهذا المفهوم الصحيح وبهذا المبدأ الأصيل يؤمن المسلم بأصالة الإنسان ويهتدي لحقيقة الفرق بينه وبين الحيوان على ضوء :
 أقبل على النفس واستكمل فضائلها
                               فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
 وهكذا فإنسان الإسلام يعيش بنجوة مما لا يليق بفطرة الإنسان ولا تقره مبادئ هذا الدين، لأنه يؤمن بأن نظام الإسلام الصالح للعمل به في كل مجال من مجالات الحياة هو الحل الوحيد والدواء الفريد الذي تتجلى فيه كل حقائق الخير الشاملة.
 ففي نظام الإسلام يكمن السر الإلهي الذي يمكن به تحقيق البشرية العاقلة، البشرية الراشدة التي تعرف أدوارها المخططة في هذه الحياة، ويحقق السيادة لها كما أراد رب العزة في حدود المعقول من أجل إسعاد الكل وفي سبيل مصلحة الكل. وهذا الإسعاد الكلي للجنس البشري إنما تحقق ويتحقق بطريقة الإسلام التي يجب أن تطبق في معترك الحياة لصالح مصير الإنسان ولديمومة سعادته، فهي الطريقة التي حافظت على حقيقته وصانت فطرته وحققت بشرية هذا الإنسان الذي يدرك ماله وما عليه، والذي يحيا بمبدأ لا إفراط ولا تفريط، ولا ضرر ولا ضرار، ولا فساد ولا إفساد في ظلال هذا الإسلام.
 هذا الإسلام الذي دعا إلى مكارم الأخلاق، وحض على أحسن الآداب، وحبب كل الفضائل، ونفر من كل الرذائل تحقيقا للكمال والامتياز الإنسانيين.
 وهذه شهادة حق، ودليل إنصاف لمفكر غريب وهو (سديو) يشيد بقيمة الإسلام وينوه بفضائله المتميزة النابعة من تعاليم القرآن، يقول، "ما فرط القرآن في شيء من تلك الآداب التي قوامها الحكمة، وأساسها العدل والإحسان، وغايتها قصد سبيل الحق والصد عن محجة الضلالة والخروج من ظلمات الرذائل إلى أنوار الفضائل والتطهر من شوائب النقص والتحلي برتبة الكمال(2).
 تلك شهادة من بلاد الغرب تعبر أصدق تعبير عن آداب الإسلام وتدل على أخلاق القرآن التي ترمي لخير الإنسان في كل زمان ومكان، فليتمعنها المحسوبون على الإسلام وليستغربها دعاة التغريب وحماة التقليد وعبيد الغرب الذين يجهلون دينهم قصدا ويتجاهلون عمدا كل ما يمت إليه بصلة أو يدل عليه. 
 إن هذا الدين أهاب بكل مسلم إلى اجتناب الفواحش بل رباه على الابتعاد عن المحرمات، لأن فعلهما يصمان خصيصة الإنسان الإدراكية التي تميزه عن سائر المخلوقات، فالتورع عن ارتكاب أو اقتراف النواهي يجعل الإنسان صاحب الجدارة لتحقيق وجوديته الفاضلة.
 ولكي تتحقق هذه الوجودية المقبولة التي تعيش بالتقوى لا الفوضى في عالم المسلم، لا بد من إتباع هدي النبوة المبين لنهج القرآن الذي ضمن له حياة سعيدة وعيشة راضية لا تعرف التلوث من أي صنف.
 فلحظر الفواحش التي كانت منتشرة ومتأصلة في المجتمع الجاهلي لبلاد العرب أو في أي مجتمع تسوده جاهلية أو يعيش في جاهلية، اتخذ الإسلام طريقة سد الذرائع التي تؤدي إليها أو تقرب من الوقوع في شراكها، لأن الإسلام الذي يرى ضرورة تشبث الناس بالفضائل ليحيوا حياة طيبة، رسم لهم الطريق لتلك الحياة بواسطة امتثال الأوامر واجتناب النواهي لكون صلاح العباد لا يتحقق في عالم الإسلام إلا بامتثال تلك الأوامر، وإصلاحهم يكمن في طريقة الإسلام لمعالجة أي انحراف من الانحرافات البشرية بالتي هي أحسن، لأن الله الحكيم الخالق الرحيم خالق الإنسان يعلم ما فيه خيره وشره، لذلك دعاه وهداه لفعل ما فيه فضائل ورباه على نبذ ما فيه رذائل.
 وبما أن الفواحش رذائل فقد حرمتها شريعة الإسلام فكانت منها فاحشة الزنا التي لا تليق بإنسان له عقل يستعمله في دروب الحياة ويسير على ضوئه في عالمه الدنيوي فيفعل ما يرضى الرب ويجتنب ما يغضبه.
 ولكن بما أن هذا الإنسان لا يتصف بالكمال رغم خصيصة العقل التي له لأنه يخطئ، وهذا الخطأ الذي يصدر عنه يدل دلالة قاطعة على عجزه وضعفه، ولهذا فهو لن يستطيع صمودا في الحياة ولن يحظى بتوفيق لخير بدون تأييد وتوجيه له من خالقه.    
 بسبب هذا الضعف الإنساني : (وخلق الإنسان ضعيفا) تداركت الرحمة الإلهية والعناية الربانية هذا المخلوق بكتاب يهديه سواء السبيل :
 (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم).
 قرآن أنزل ليكون دستور الإنسان في حياته الدنيوية لا يحيد عنه ولا يميل إلى غيره، بعث به محمد ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم رحمة الله إلى الناس طبيب البشرية الأول بتعليماته الحكيمة التي تشمل علاجات فريدة لا دواء النفوس وأمراض العقول.
 فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام من يتدبر توجيهاته العلاجية يراها تتميز بالحكمة التي تقضي على تشكك المتشكك وتردد المتردد وتحير المتحير وتنكر النفس البشرية، فهي في رفق وبتوفيق أتت لها بالحلول الجذرية لمشاكلها المستعصية.
 وموقف القرآن ورسول الإسلام من فاحشة الزنا هو التحريم والتنفير منها والبعد عنها والتخلي عن كل وسيلة ترب منها أو تشجع عليها، قال تعالى : (ولا تقربوا الزنا أنه كان فاحشة وساء سبيلا)، فهو موقف صريح لأنها فاحشة وساء سبيلا)، فهو موقف صريح لأنها فاحشة تذهب بكرامة مرتكبها وتقضي على سمعة ضحيتها وتسبب من الأمراض الخطيرة وتجعل الإنسان في شهوانية بهيمية تفسد وتصيب غريزته التي يتحتم عليه أن تكون مهذبة.
 وحرص رسول الله على خير أمته، وحبه لهذه الأمة، واهتمامه بها حيلولة للعنت، وإخلاصه في النصح لها، وتفانيه في التوجيه من أجلها، وتماديه في التنبيه على السر هو الذي جعله ينظر من الزنا كفاحشة، وهو لمحاربتها وتطهير المجتمع منها يدلي بالكيفية القاضية عليها، وحرصه الفريد هذا يدل بحق على رحمته بأمته وصدق الله :
 (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم . . .)
 فهو صلى الله عليه وسلم يؤلمه ما فيه مشقة أو عذاب المؤمنين به ويعز عليه أصابتهم بمحنة أو شر ولذلك فهو كما وصفه رب العالمين :
 ( . . . بالمؤمنين رؤوف رحيم).
 وأمته صلى الله عليه وسلم فاقت كل رأفة عرف بها نبي بشر، ورحمته بذت كل رحمة اشتهر بها رسول إنسان.
 وصفة الرحمة التي تأصلت فيه تدعو إلى التأمل بإعجاب، وصورها الفريدة ومظاهرها المتنوعة تحفز إلى الإقتداء بصاحبها عن حب في الله وطاعة لله.
 ما فائدة لذة عاجلة تعقبها ندامة ؟ وما الفائدة من هذه الجريمة التي تجعل الإنسان والحيوان في درجة واحدة ؟ !
 لم هذا التصرف الأخرق من إنسان يفعل الحرام ويترك الحلال ؟ لم هذا التردي إلى مستوى اللامبالاة بكل فضيلة والكفر بالقيم الأخلاقية ؟
 أو فكر الإنسان المرتكب لفاحشة الزنا في شرف العائلة وكرم السيرة العرض وحسن الأحدوثة، أليس يدسها ويحرص على الإنصاف بما فيه الشرف ؟ فالأولى له أن يرده لكل فرد من أسرته المسلمة، وما أسر الأمة الإسلامية إلا أفراد وما المؤمنون إلا أخوة. تمين به أن يحب لأخيه في الدين ما يحب لنفسه ليكون كامل الإيمان، جدير به أن يريد لغيره ما يريد لنفسه من الأخلاق، الكريمة والصفات الحميدة، فهو كما يحرص على شرف أسرته الصغيرة يجب عليه أن يحرص على أسرته الكبيرة، فلا يريد لها الشر كما لا يريده لنفسه، وكما لا يريد الاعتداء على كرامته لا يريده لغيره من المسلمين.
 وبهذه الطريقة : طريقة التقبيح والتشنيع، طريقة التشخيص للداء على الدواء يجد الرسول الأعظم الحل الناجع لفاحشة الزنا، فهو حل عجيب وعلاج فريد وجه به النبي الحكيم شابا وأرشده إليه فكان مقنعا له منفرا منها فعاش لا يفكر فيها ولا يدنو منها لأنها لا تليق بإنسان الإسلام المهذب الفطرة، المقوم الغريزة، المستقيم الوجهة، فهو خلق لغاية سامية ليبقى في عالم البشرية المكرمة المصون بالتعاليم الإسلامية، فكيف ينسى خصائصه ويضيع مقوماته ؟
 يقول رسول الله – وهو يخاطب الشاب المحتاج للعلاج الراغب في الصلاح – في الحديث الذي رواه ابن جرير عن إمامة أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جالس بين أصحابه وقال : يا نبي الله أتأذن لي في الزنا ؟ فصاح فيه الناس، وأرادوا أن يتناولوه بالأذى، فقال صلى الله عليه وسلم : قربوه مني، وصار يقول له : أدن مني، حتى جلس بين يديه، فقال له صلى الله عليه وسلم : هل تحب ذلك لأمك ؟ فقال : لا، جعلني الله فداك، قال صلى الله  عليه وسلم : كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، ثم قال : أتحبه لابنتك إذا كانت لك ابنة ؟ قال : لا، جعلني الله فداك، قال : كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم.
 ثم قال : هل تحبه لأختك ؟ قال لا، جعلني الله فداك، قال : كذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، ثم قال : أتحبه لعمتك ؟، قال : لا، جعلني الله فداك.
 قال : كذلك الناس لا يحبونه لعماتهم، ثم وضع صلى الله عليه وسلم يده على صدر الشاب وقال : اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وأحصن فرجه.
 قال الغلام : فلم يكن شيء بعد ذلك أبغض إلي من الزنا (3).

 
 
1- هذه النظرية ال عنها أحد المعاجم العلمية بأنها "نظرية قائمة على تفسير بلا برهان" عن كتاب (الإسلام يتحدى) لوحيد الدين خان، صفحة : 67.
وقالت عنها (بروتوكولات حكماء صهيون) ترجمة محمد خليفة التونسي، ط 1951، صفحة : 70 (لا تتصوروا أن تصريحاتنا كلمات جوفاء، ولا حظوا هنا أن نجاح دارون وماركس ونيتشه قد رتبناه من قبل، وإن الأثر غير الأخلاقي لاتجاهات هذه العلوم في الفكر الأممي (غير اليهودي) سيكون واضحا لنا على التأكيد).
2- عن (الجواهر الروحية) جزء 1، ص : 68.
3- حديث رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد ورجاله رجال الصحيح.
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here