islamaumaroc

كتاب عن الشعر الروائي العربي والملحمة الاسبانية عناصر عربية في أصول الملحمة الاسبانية، لفرانشسكو ماركس مارين(1)

  دعوة الحق

159 العدد

                                                - أ -
" إن اخواتي في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلاسفة المسلمين لا ليردوا عليها ويتقضوها، وانما ليكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلا صحيحا...يا للحسرة ! ان الموهوبين من شباب النصارى لا يعرفون اليوم الا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون اموالا طائلة في جمع كتبها ويصرحون في كل مكان بأن هذه الآداب حقيقة بالاعجاب...يا للالم !  لقد أنى النصارى حتى لغتهم...فأما عن الكتابة في لغة العرب فانك واحد فيهم عددا عظيما يجيدونها في أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربي ما يفوق شعر العرب أنفسهم فنا وجمالا" (2)
تلك مقتطفات من اعتراف أحد رجال الكنيسة بإسبانيا على عهد الحكم العربي، هو المطران آلبور القرطبيAlvaro Cordubense  ( القرن التاسع الميلادي)، على ما قد يكون فيها من مبالغة فانها بالفعل تعكس "الصورة المجملة" لحقيقة يقرها المنطق وتقرها طبيعة الاشياء تمخض عنها تعايش سلمي حينا وحربي آخر، بين أمتين، ولغتين، وأدبين، كان لاحدهما الغلبة  والتفوق على الآخر في وجهات، ومستويات، وآفاق شتى...شتى، وتلك الحقيقة، بالاحرى: تلك "الصورة المجملة" لها – استنتاجا من اعتراف المطران ألبور- تقفنا على انبهار الاسبان بالادب والفكر العربيين واعجابهم الذي ليس له من حد، بألوان ذلك الادب وانماط ذلك الفكر، هذا أمر طبيعي، لكن بالود الاشارة الى ان الانبهاران: انبهار "خلاق" وانبهار "قتال"، أولهما "ضوء أخضر" يؤذن لاصحابه بالمرور في طريق البعث والخصب والنماء، أي أن هذا النوع من الانبهار لا يزال بصاحبه - فردا كان أو جماعة أو أمة – يلح عليه ألوانا من الالحاح تمس فكره وتمس وجدانه حتى يسلمه أو يحمله حملا ليس يجد معه، منه مفرا أو خلاصا في لحظة وعي تام بالذات فكرا ووجدانا، على نبشها واجراء حفريات في طواياها، واستيحاء ذلك واستلهامه في كل ما يأتي وما يدع، والتالي: في كل ما يمارس من نشاط فكري ووجداني، والنوع الثاني، عنيت: الانبهار "القتال" هو غير النوع الاول بالطول والعرض والعمق أيضا، وبحسبنا أن نقول بأن علينا_ وأغلبيتنا منبهرة بلغات أجنبية وآداب أجنبية- أن نحذر الوقوع فيه!.  

                                                -ب-
تلك " الحقيقة" أردت: " صورتها المجملة" التي تبدو في اعتراف المطران ألبور، تكتنفها حرة لافتة، كان لا بد أن تستثير اهتمام الدارسين وانتباههم، فاذا بهم ينهضون يحدوهم شوق الى تفصيل الصورة المجملة و"تمطيطها" لتبرز (الحقيقة) بملامحها وسماتها التي انتهى بهم بحثهم عنها، اليها، ولعل من أوائل هؤلاء الدارسين رجل كنيسة أيضا، هو الاب اليسوعي خوان اندريس، فلقد ألف في أواخر القرن الثامن عشر كتابا عن :" أصول الادب عامة وتطوراته وحالته الراهنة " Origen progresse
Y est ado actual de la lite ratura  طوق فيه عنق الادب الاسباني بدين كبير للادب العربي في الشعر والقصة...وأجناس أخرى، وفي أواخر القرن الماضي جاء فرناديت أي جنثالث، ف، ليسهم بدوره في تجلية مدى ما أفاده الادب الاسباني من لغات الشرف ودابه وقدم أمثلة وأخرى على تلك الافادة في خطابه الاكاديمــــــي (104 صفحة) الذي سماه: "تأثير اللغات والآداب الشرقية في ثقافة شعوب شبه الجزيرة الابيرية" Influencia de las lengyas y letras orientales en la cultura de los puerios de la peninsula Ibérica  

                                                - ج-
وتواردت بعد ذلك على معالجة تأثير الادب العربي في الآداب الاسبانية بخاصة، والاوروبية بعامة عدة أقلام، بحسبنا هنا أن نجتزئ بذكر بعضها، وهي في الآن عينه، اشهرها وأكثرها ذيوع صيت: منديث أي بلايو ومنديث بيدال، ومن المستشرقين اخوليان ريبيرا وآسين بلاثيوس، وجنثالث بالنثيا...هذا في اسبانيا، وفي بلدان أخرى من أوروبا وغير أوروبا شغلت تلك " الحقيقة" – التي رفع بها المطران آلبور-منذ قرون – عقيرته بشيء غير قليل من الالم والحسرة – خلقا كثيرا، على أن من المقطوع به والمفروغ منه في ذات الوقت هو أن كتاب آسين بلاثيوش عن الاسلام والكوميديا الالهية La Escatologia musulma,
En La divina comedia، سيظل من بين الاسهامات في هذا الموضوع، بل ومن الجيد منها
 ( في الطليعة باعتباره احدى المحاولات الجريئة التي تفتح اتجاهات فكرية جديدة في تاريخ الادب العربي، فهو كتاب موضوعي وجدي وواضح ومنسق وغزير في مادته) كما يقول ( فان تيجيم) عالم الآداب المقارن الشهير.

                                                - د-
حمل إلي بريد مدريد، لاسابيع مضت، فيما حمل الي من كتب ومجلات، كتابا، استأثر بي الساعات المتوالية، صرفني فيها، وما استكثرت عليه ذلك، عمن حولي من خلق وعما حولي من كتب، حتى اذا فرغت من قراءته أو كدت افرغ منها، وجدتني واقعا تحت رغبة ملحة في أن أبدا قراءته مرة أخرى من جديد، ليستأثر بي الساعات المتوالية، يصرفني فيها، ولن استكثر عليه ذلك، عمن حولي من خلق وعما حولي من كتب، هذا الكتاب هو: الشعر الروائي العربي والملحمة الاسبانية، " عناصر عربية في أصول الملحمة الاسبانية".
Poesia narrativa arabe y épica hispanica « Elementos Arabes en los origenes de a épica hispanica »

والمؤلف باحث في ريعان شبابه هو الدكتور فرنثيسكو ماركوس مرين، وهذا اسم جديد يضاف الى قائمة أسماء الشباب الجامعي في اسبانيا الذي شغل ويشغل نفسه بالبحث الجاد والدرس المثمر في الفكر والوجدان العربيين في أمسهما ويومهما، ومن حق هذا الشباب الجامعي في اسبانيا، علينا هنا، في المغرب، وهو يكب على نشر وتحقيق وترجمة ووصف ودراسة تراثنا الفكري والوجداني في أمسه ويومه أن تكبر فيه خلوص نيته، وصفاء طويته، وتجرده، وموضوعيته، وهذه سمات خلقية بكل تقدير وبكل اكبار، وأدنى ما يمكننا أن نصور به هذا الاكبار وذلك التقدير أن نعرف بما يكتبه أولئك الباحثون ويؤلفون، وندعو المرة والمرة، إلى العناية بترجمة دراساتهم فيما يتصل بعطاءاتنا الفكرية والوجدانية، كما قلت وأقول: في أمسها، وهو أمس طويل، حفل بعديد الانماط من الفكر الملتزم والوجدان الشفاف، وفي يومها، وهو يوم، يقوم أكثر من دليل على الإرهاص باستعادة الامة العربية والاسلامية فيه لدورها الريادي والطلعي، في الفكر والوجدان.
    الآن، تعالى نتحدث عن الكتاب.
" الشعر الروائي العربي والملحمة الاسبانية" يمثل مرحلة، فقط، انتهى اليها د. فرنثيسكو ماركوس مرين، في رحلة، كان بدأها ببحثه الذي قدمه لنيل الليسانس في الآداب، وكان حول "قضية العنصر العربي في أصول الملحمة الاسبانية" « El problema »
Del elemento arabe en los origenes de la épica espanoia
ثم تابع رحلة البحث بسلسلة مقالات، تضمنت طريفا وجديدا في الموضوع، واذن، فهذا الكتاب ليس عملا  نهائيا، بمعنى انه برغم نتائجه الباهرة ليس كلمة ختامية للمؤلف في الموضوع، وانما هو "مرحلة استراحة" يغتنمها الباحث الشاب ليعرض على الانظار بقصد النقاش والجدل، النتائج التي ظفر بها بعد دراسة شاقة بذلك عمقها وتدلك سعتها على مدى الجهد الذي بذل من أجل استوائها. 
ان القول فقط بامكان وجود تأثير عربي في جنس من أجناس الادب الاسباني، غنائية أو ملحمة أو قصة أو غيرها، لا يفيد ولا يجدي الا بقدر ما يثير من اهتمام ويلفت من نظر الى الموضوع، من الضروري، لكي يصبح تأثير الادب العربي في الملحمة الاسبانية جليا، أي (علميا) وليس مجرد دعوى أن يكون، وجد في الادب العربي ما يمكن حين جعله موازيا للادب الاسباني والغربي عموما أن يؤثر فيه، هذا أولا، وكان هو الذي حمل الدكتور مرين على العناية البالغة باعداد أرضية صلبة، في غاية الصلابة، لمجموع دراسته، والارضية المذكورة تالفت من عناصر ثلاثة : أولهما، البحث في شعر الملحمة وشعر الرواية أو الحكاية، وايجاد نوع من الترابط والتشابه بين النوعين على مستوى الشكل –بتعريفات متعددة- وعلى مستوى المضمون، وعلى ضوء ذلك وبهديه، عقد الفصل الثاني عن الانواع الروائية (الحكاية) (الفرعية) في الادب العربي، قدم له بالتمليح الى الرأي السائد بين النقاد بأسبقية الشعر الملحمي في الظهور على الشعر الغنائي على أن الناقد الفرنسي كاسطن باريس Gastan Paris  يؤكد على التعايش الملحمي – الغنائي، بل انهما قد يبدأن بداية يمتزج فيها واحد بالآخر، وبالنسبة للادب العربي ظل الشعر الغنائي والشعر الحماسي (الملحمي) ممتزجين، ثم ينتقل المؤلف ليصنف الانواع الروائية (الفرعية) في الادب العربي بقصد الكشف عن مدى الشأن والخطر اللذين لها حين مقارنتها بأغاني الفعال أو القصائد الحماسية الاوربية، وتلك الانواع هي: أيام العرب والحماسة والسيرة، والحق أن هذا الفصل سواه المؤلف عرضا مركزا على جانب من الاهمية المتمثلة في الجدة في الحكم ووجهة النظر، وهو العنصر الثاني من عناصر الارضية الصلبة التي أقام عليها مجموع دراسته، أما العنصر الثالث في الارضية المذكورة، فيطالعنا فيما بحثه المؤلف في الفصل الثالث حول الاغاني (القصائد) التاريخية بوصفها صلة وصل بين الشعر الملحمي والشعر الروائي (الحكائي) وبعد أن بسط القول في الشعر التاريخي العربي (الاراجيز التاريخية)، وختم القسم الاول من كتابه بترجمة النص الكامل لارجوزة ابن عبد ربه المعروفة، وعاد اليها، في الفصل الرابع والاخير من القسم المذكور، دارسا محللا ليقف بعد ذلك كله وقفة غير قصيرة عند أصول الملحمة الاسبانية(3)، ذاكرا اسهامات من سبقه في الميدان من أمثال خوليان ريبيرا (4) الذي يعتبر أول من لفت الانظار الى التأثير العربي في الملحمة الاسبانية، والدكتور لطفي عبد البديع (5)، والدكتور محمد علي مكي (6)، وغيرهم.

                                                -و-
ومرة أخرى، لكي يصبح تأثير الادب العربي في الملحمة الاسبانية جليا، أي (علميا) وليس مجرد دعوى، ينبغي الكشف عن سبل الاتصال والالتفاء بين الادبين العربي والاسباني، هذا ثانيا، وهو الذي دفع المؤلف الى اعداد أرضية ثانية، هي الاخرى، في غابة الصلابة لمجموع دراسته، وتألفت الارضية الثانية من عناصر، أحدهما: العلاقات بين الاندلس وشمال اسبانيا، وثانيها: وضعية المستعمرين في الاندلس، وثالثا: اللغات في الاندلس، وقد بحث المؤلف هذه العناصر بحثا فيه طريف وجديد.
ثم في أعقاب تلك التقديمات و"الارضيات"، وقد شغلت من دراسة، وهي تقع في ثلاثمائة وخمسين صفحة، حوالي مائتي صفحة، ولكنها (التقديمات- الارضيات) كانت بما تضمنته من جزئيات وتفصيلات في منتهى الضرورة لبناء بحث  كبحث الدكتور مرين، أي انها ليست بحال، حشوا، أو "وسيلة" مبتذلة لتضخيم الحجم.
في أعقاب تلك (التقديمات – الارضيات) يأتي "بيت القصيد"...
و " بيت القصيد" هو الذي يشكل القسم الثاني من الكتاب أو جله، على الاقل، وهو قسم بقدر ما أعجبت بما فيه من ابتكار وطرافة، تصورت العناء والعسر اللذين وجدهما المؤلف في نسجه، حقا، أن أعسر ما في الامر- كما يشير المؤلف-هو الوصول الى تمييز و "فصل" العناصر الملموسة التي انتقلت من العربية الى الملحمة الرومانية.
ان المؤلف في هذا القسم الثاني المفيد الممتع، يتتبع في شيء غير قليل من الابعاء والتقصي، متعاملا، بالدرجة الاولى مع النصوص، عربية واسبانية، ومبدأ من مختلف الدراسات التي لها صلة ببحثه من قريب أو بعيد، العناصر بجملها في ثلاثة مستويات:
أ‌) المستوى الفردي
ب‌) مستوى الفرد والمجتمع
ج) المستوى المجتمعي، ثم يمضي بعد ذلك يدرس تفريعات هذه المستويات المتمثلة في : أ) البطل (التحدث بضمير المتكلم في الادب وعلاقته بالملحمة الاسبانية، المميزات الشخصية للبطل، السلاح والخيل، الشرف الخاص) .ب) الفرد والمجتمع: (العلاقة بين الفرد والاسرة، الاسرة كهيئة، احترام الكبار، الثأر للدم، المبارزة القضائية، المساعد على تبرئة ساحة شخص بالاشتراك في التسمم، العار، المرأة، الشرف الجماعي). ج) المجتمع ( السحر رباط العالم الشخصي بالعالم المجتمعين الخضوع، الفروسية، الحرب، الجهاد أو الحرب المقدسة).
                                                -ز-
تستوقفك في دراسة الدكتور مرين ثلاث ميزات:
أ‌) أسلوب متفرد عذب وجذاب وشاب، أي والله فيه من شباب صاحبه توثبه وفورته.
ب‌) جرأة بالغة طبع بها المؤلف علاجه لموضوعه والنتائج التي انتهى اليها، انها جرأة "علمية"، لأنها أو لأن صاحبها يسندها على عمق اطلاع وسعة المام بموضوع دراسته وما كتب حولها من قريب أو بعيد وبمختلف اللغات، الامر الذي أوقف المؤلف على عناصر في غاية الجدة، كانت على ما يرجح مجهولة لدى الدارسين الرومانيين، انها جرأة "علمية" جاءت نتاج أكباب على موضوع، نذر له المؤلف نفسه ووقته وجهده...نذر له من العمر أجمله وأزهره.
ج‌) تجرد وموضوعية في البحث، والامثلة عديدة، اذا شئت واحدا قلت لك: اقرأ الكتاب فهو المثال أولا واخيرا.
ثم.....بالاجمال:
ان الدكتور مرين، صوت متميز واعد، وللاستشراق، وللدراسات العربية – الاسبانية، أن برقيا على يديه فتوحات موفقة.

1-عنوان الكتاب «elementos araves en los hispanica » ,
Posia narrativa arabe y épica hispanien, origenes de la épica   -  Editorial gredos-Madrid.  388 page
2- انظر: آنخل جنثالث بالنثيا، تاريخ الفكر الاندلسي، ترجمة الدكتور حسين مؤنس ( القاهرة 1955) الطبعة الاولى: ص، 85-486، وانظر كذلك، 
Simonet, Fco Xavier لمؤلفه  Historin de los Mozarabes de Espana (Madrid, 1897 -1903) p.370-71.
3نشرتها   La librairie des presses de De l’université-1970  بعنوان  ( دراسات ملحمية)(Estudios épicos) 
 Montréal, Montréal 1970.

4- في خطابه الذي ألقاه بمناسبة استقباله عضوا في المجمع الملكي للتاريخ سنة 1915، وكان بعنوان: 
«  Epica andluza romance ada »
5- رسالته للدكتوراه التي قدمها لجامعة مدريد، وكان عنوانها: « la possia épica en la Espana musulmana y adin fluencia en la  épica espanpoia »

6- بدراسات، أهمها، ولعلها، في أحب، رسالته للدكتوراه في مدريد:
« En savo sobre las aportaciones orientales en la espana musulmana y su in flunencia en la formacion de la cultura hispano-arabe

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here