islamaumaroc

من مظاهر عبقرية الرسول [صلى الله عليه وسلم]، اجتهاده في عدة قضايا

  دعوة الحق

159 العدد

  أردت بالحديث التالي أن أثير الانتباه وألفت النظر إلى مواقف اجتهادية اتخذها الرسول عليه السلام، وعلى ضوء هذه المواقف ينبغي أن أشير إلى أن استعمال الفكر وفسح المجال للمواهب المتفتحة من أسس ديننا الإسلامي الحنيف، فلو أغلت الأبواب، وفرض على المسلمين أن يعتمدوا في شؤونهم الدينية على ما فهمه فلان دون فلان لتوقفت المسيرة الإسلامية منذ عدة قرون ولا التجأ الشباب المسلم إلى طرق أبواب أخرى تنقذه من حيرته وتأخذ بيده، وإذا كان الأمر هكذا فهل رخص للرسول الذي هو موضوع حديثنا أن يجتهد في الأمور الشرعية وغير الشرعية مع العلم أنه لا اجتهاد مع وجود النص ؟
 ففي صحح مسلم أن النبي عليه السلام مر بوم يؤبرون النخل فسأل ما يصنع هؤلاء فقيل له أنهم يلحون النخل فقال عليه السلام لو لم يفعلوا لصلح، فأخبروا بقوله، فتركوا التلقيح فلم ينضج التمر، فلما علم النبي بذلك قال إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر، أنتم أعلم بأمر دنياكم.
 والصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يعارضون الرسول إلا بعد العلم أنه قال ما قال عن رأي لا عن وحي كما فعلوا يوم بدر إذ جاء النبي إلى أقرب ماء من بدر وأقام به فقال الحباب ابن المنذر يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ليس أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة فقال الرسول هو الرأي قال الحباب يا رسول الله ليس هذا بمنزل فأنهض بالناس حتى نأتي إلى أقرب ماء فننزله ثم نقرر ما وراءه قال عليه السلام ما كان من أمر دينكم فإلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به.
 لعل هذه القصة وما جرى فيها من حوار بين قائد عظيم شأنه أن يخطئ ويصيب وليس ضابط تلقى من مربيه الأول وأستاذه المبلغ عليه السلام أنه لا ضير على تلميذ إذا لاحظ على أستاذه وبين وجهة نظره مؤيدة بالحجة والبرهان.
 أقول لهل هذه القصة هي مستند العلماء حين اتفقوا على أنه يجوز للرسول أن يجتهد في أمور الحرب وسائر أمور الدنيا.
 وهذه امرأة من جهينة جاءت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت أن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت هل أحج عنها ؟ قال صلى الله عليه وسلم نعم حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ أقضوا الله فالله أحق بالوفاء.
 المرأة السائلة تعلم مسبقا أن العبادة إن كانت بدنية أو مشتركة بين البدنية والمالية لا تجوز النيابة فيها لكن لما كانت والدتها نذرت أن تحج وحال الموت بينها وبين الوفاء للنذر جاءت عند الرسول تطلب الجواب عن تساؤلها، فاستعمل سيدنا عليه السلام القياس والحق عمارة الذمة بنذر بعمارة الذمة بدين  وقاس دين الله على دين العباد، وكان جوابه للسائلة تكأة لأولئك الذين لم يجدوا نصا تشريعيا لقضية من القضايا، هؤلاء من حقهم بمقتضى ما حدث أن يلحقوا الفروع بالأصول والجزئيات بالكليات وما لا حكم فيه بما جاء حكمه واضحا مبينا.
 وثم امرأة أخرى قتل صلى الله عليه وسلم أخاها فأنشدت :
 امحمد والنجل نجل كريمة
                    في قدمها والفحل فحل معرق
 ما كان ضرك ولو مننت وربما
                   من الفتى وهو المغيظ المحنق
 فقال عليه السلام لو سمعت شعرها قبل قتله ما قتلته، لأن منصب القضاء يفرض عليه أن يسهر على تنفيذ الحكم، والتراجع عن الحكم لو تم لكان فيما اجتهد فيه، وصاحبة البيتين كشفت عن أصالة القتيل وانحداره من بيت مجد وسؤدد، فهو من الذين قال في شأنهم عليه السلام أكرموا عزيز قوم ذل، وفي حاشية الأمير على مغنى ابن هشام ج.ل. ص 194 إن القتيل يدعى النضر بن الحارث كان يقرأ على العرب أخبار العجم ويقول محمد يأتيكم بأخبار عاد وثمود وأنا آتيكم بأخبار الأكاسرة والقياصرة قتله النبي بعد انصرافه من بدر صبرا بالصفراء وال لا تقتل ريشا أحدا بعد هذا صبرا بالصفراء وقال لا تقتل قريشا أحدا بعد هذا صبرا.
 وإذا تجاوزنا هذا ودخلنا إلى قاعة الحكم وأصغينا إلى السيد القاضي عليه السلام نجده يتوجس خيفة من أولئك الذين حكم لصالحهم، لأن المتقاضين يتفاوتون في الإعراب والإبانة، فهناك أصحاب الحيل الذين يسرون حسوا في ارتقاء، يتظالمون وهم في الواقع ظالمون يدسون، لكن قل من يتفطن لدسائسهم أو لا يوجد أبدا، يحولون الباطل إلى حق والحق إلى باطل، وهناك أصحاب حق لكن الأداة المعبرة ليست بأيديهم فهم عاجزون عن الأداء بالحجة المبينة، لهذا وذاك ال الرسول عليه السلام لمن تحاكموا إليه : إنما أنا بشر وأنكم لتختصمون إلى، ولعل بعضكم أن يكون الحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما اسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار.
 قال الشوكاني أمام علماء اليمن في القرن الثالث عشر المتوفى سنة 1250 في نيل الأوطار، ج 8، ص 279 : في الحديث دليل على إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئا هو في الباطن حرام عليه، وأن من احتال لأمر باطل بوجه من وجوه الحيل حتى يصير حقا في الظاهر ويحكم له به، لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم، وفيه أن المجتهد إذا أخطأ لا يلحقه إثم بل يوجز كما في الحديث الصحيح، وأن اجتهد فأخطأ فله أجر، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يقضي بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه شيء.
 هذا الحديث صريح في الرد على أولئك الذين يقولون بأن النبي لا يحكم بالاجتهاد وفيه أيضا أن النبي ربما أداه اجتهاده إلى أمر فيحكم به ويكون في الباطن بخلاف ذلك، قال الحافظ ابن حجر في افتح لكن مثل ذلك أو وقع لم يقر عليه صلى الله عليه وسلم لثبوت عصمته، وجاء في كتاب الاجتهاد لمؤلفه الدكتور السيد محمد موسى الأفغانستاني ص 239 وقدر بعضهم مدة الانتظار بثلاثة أيام بمعنى أن النبي إذا اجتهد يتربص مرور ثلاثة أيام فإن مضت ولم ينزل وحي مخالف يكون ما اجتهد فيه عليه السلام صوابا، وقالوا أنه صلى الله عليه وسلم لو أخطأ في اجتهاده لما أره الله عليه بل لنهيه وأرشده إلى الصواب، وإن سكت الشارع اعتبر سكوته إقرارا لاجتهاده، وقد عدوا اجتهاده صلى الله عليه وسلم من قبيل الوحي الباطن، فلم يجيزوا مخالفته بحال، ولا كذلك اجتهاده غيره، فإنه لا يلزم الناس العمل به.
 اعتمد صاحب هذا النص كما ورد في مؤلفه على الكتب التالية :
 كشف الأسرار، شرح أصول البزدري 3، ص 925، وشرح مصنف المنار للنسفي، وغاية التحقيق والتوضيح.
 ومن بين القضايا التي ظهر فيها اجتهاده عليه السلام ما يقع مرارا وتكرارا أثناء صيد الصائد بمساعدة الكلب، ففي تفسير القرطبي ج 6 ص 66 : أن الأمة أجمعت على أن الكلب إذا علمه مسلم، يجيب إذا دعى وينزجر بعد ظفره بالصيد إذا زجر، وأن يكون لا يأكل من صيده الذي صاده وأثر فيه بجرح أو تنييب، وصاد به مسلم وذكر اسم الله عليه عند إرساله أن صيده صحيح.
 قال عليه السلام فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، التعبير بأخاف ينبئ أن  الرسول قال ما قال على سبيل الاحتياط الذي يقتضي عدم الأكل.
 ويتضح اجتهاده في إيثار حالة على حالة كقوله : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، لأنه من مصلحة أمته أن تمارس شؤون دينها بدون تكلف، واستعمال السواك كلما أرادت القيام للصلاة يوقعها في حرج والدين بر ولن يشاد أحدكم هذا الدين إلا غلبه.
 بما أن استيعاب البحث يتطلب زمنا غير محدد فإني أختمه بما قاله مؤلف التراتيب الإدارية المتوفى بمدينة نيس بفرنسا عام 1382، قال رحمه الله في ج.ل. ص 251 : أفرد النوازل التي نزلت في حياته عليه السلام وحمك فيها جماعة من الأئمة بالتأليف اشهرها شيخ الفقهاء ابن الطلاع الأندلسي المتوفى سنة 497 ويعرف كتاب ابن الطلاع بكتاب أقضيه رسول الله وفي أوله هذا كتاب أذكر فيه ما انتهى إلى من أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي قضى فيها أو أمر بالقضاء فيها إذ لا يحل لمن تقلد الحكم بين الناس أن يحكم إلا كما الله عز وجل في كتابه أو بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم أو بما أجمع العلماء عليه أو بدليل من هذه الوجوه الثلاثة قال، قال مؤلف التراتيب ورابي في هذا الكتاب أن مطالعته متعينة على كل مسلم وبالأسف فإن أكثر من يمكنه أن يطالعه إذا طالعه اليوم لا ليحكم بما فيه، ولكن يعتبر به كما يعتبر بسائر الماجريات القديمة.
 ومن الذين جمعوا القضايا التي حكم فيها الرسول ظهير الدين علي بن عبد العزيز المتوفى سنة 506.
 ومنهم الإمام أبو جعفر الإشبيلي المتوف 549 بلبلة شهيدا.
 ومنهم أبو علي حسين بن المبارك المتوفى سنة 742 له الفتاوي النبوية في المسائل الدينية والدنيوية.
 ومنهم ابن القيم الحنبلي المتوفى سنة 751 هـ استوعب فتاوي الرسول وأجوبته وأحكامه في ختام كتابه أعلام الموقعين عن رب العالمين.

        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here