islamaumaroc

محمد إقبال الشاعر الحكيم

  دعوة الحق

159 العدد

في ربيع سنة 1952 كانت تطوان تستقبل وفدا باكستانيا مؤلفا من عضوين هما السيد إكرام الله خان والأستاذ سعيد رمضان. وكانت دولة باكستان حديثة عهد بالوجود يومئذ، إذ لم يكن عمرها يزيد على أربع سنوات وبضعة أشهر، وكان إن اشتركت في حفل تكريم الوفد بإلقاء قصيدة لا بأس بترديد بعض أبياتها الآن :
هي ذي دولة الباكستان هبت
                     فرنت نحوها الدنا بذعور :
أين كان العملاق ؟ في مقمقم الجـ
                     ن حبيسا ؟ أم في خفي الجحور ؟
في السما برقب النزول ويحنو
                     لحياة . . ؟ أم من وراء الستور ؟
بهت العالم الغرير بهذا
                     ورأى أن سينتهي من غرور
فليدع جانبا تجاهله قو
                     ما أرادوا الحياة لا كالأسير
إلى أن قلت :
أيها الشرق حان وقتك فانهض
                     وتسلم زمام كون غرير
أيها المسلمون في المشارق والغر
                     ب، تعالوا إلى كلام القدير :
"كنتم خير أمة أخرجت المنا
                     س، كنتمو – مهابة – كالهصور
مجدكم لن يفنى وعزكم الخا
                     لد باق، كما باء الدهور
فاستعبدوا المجد التليد وخطوا
                    صفحة العز فوق هام العصور
أجل، لقد اعتز جانب الإسلام بميلاد دولة باكستان، بنت أفكار الشاعر الحكيم محمد إقبال الذي تحتفل تطوان اليوم – مع مدن أخرى مغربية – بذكرى ميلاده المئوية. لقد نادى إقبال بوجوب انفصال المسلمين عن الهندوس، وبتكوين دولة إسلامية مستقلة منذ سنة 1930.
وفي يناير 1933 اقترح طلبة الهند المسلمون الدارسون بانكلترا اسما للدولة الجديدة هو تركيب مزجي لطيف مؤلف من أحرف المقاطعات الهندية التي كانت تقطنها أغلبية مسلمة : فالياء لمقاطعة بنجاب(1)، والألف ترمز لمقاطعة باتان الواقعة على الحدود الشمالية الغربية للهند، والكاف رمز لكشمير، أما السين فرمز للسند، في حين أن "ستان" رمزت لمقاطعة بلوخستان.  
 وجدير بالملاحظة أن اسم (باكستان) اقترح للمولود الجديد قبل ميلاده بنحو خمس عشرة سنة، وإن مجموع الاسم يعني بلاد الطهر لأن "باك" تعني الطهر، و"ستان" بمعنى مكان أو بلاد.
 يعتبر شاعرنا الحكيم من تلاميذ السيد أحمد خان (1817 – 1899) الذي يعتبر الرائد والأب الروحي لزعماء مسلمي الهند ومفكريها المصلحين، ومنهم :
 1- ألطاف حسين حالي المتوفى سنة 1333 هـ/ 1914م والذي اكتسبت إشعاره شعبية كبيرة، لأنها كانت تبكي وتتعاطف مع مظاهر البؤس، وترثى لحال البائسين، كما كانت تذكر الأجيال الحاضرة بأمجاد الماضي.
 2- نظير أحمد الذي كانت رواياته المكتوبة بلغة الأردو(2) تقرأ على نطاق واسع، وكانت في الوقت ذاته تدافع عن أفكار تقليدية (كلاسيكية) أكثر مما كان يفعله أستاذه السيد أحمد خان.
 3- محمد شيلي نعماني المتوفى سنة 1333 هـ/ 1914 م: كان مؤرخا وشاعرا، وكان يرى أن تمحص قيم الحضارة الغربية، وإن تفحص فحصا جيدا بمعيار إسلامي صميم، كما كان يسعى في سبيل الإصلاح الديني بالهند عن طريق قوات الإسلام الداخلية الخاصة به.
 4- سيد أمير علي المتوفى سنة 1347 هـ/ 1928 م: كان مؤرخا له كتاب "مختصر تاريخ العرب"، كما كان مصلحا دينيا واجتماعيا، له كتاب "روح الإسلام". كلا الكتابين كتب بالانكليزية وترجم إلى العربية.
 5 – محمد إقبال : شاعر الإسلام الممجد، وحكيمه النابه، وصاحب فكرة تأسيس دولة إسلامية بالهند الحديثة، والمتفطن – منذ وت مبكر – إلى استحالة معايشة الهندوس الوثنيين، فد كتب سنة 1909 يقول :
 "كنت أرى وأعتقد أن الخلافات الدينية ينبغي أن تمحى في هذه البلاد. ولا أزال أعمل لذلك في حياتي الخاصة، ولكني أجد اليوم أن محافظة كل من الأمتين على كيانها مطلوبة بين المسلمين والهندستانيين، وإن الوطن الموحد في الهند لمن الأحلام الجميلة التي تروق الأمزجة الشعرية، ولكنه عند النظر إلى الأحوال الحاضرة، والنزعات الباطنة يبدو غير ابل للتحقيق".
 يعد "سير" محمد إقبال ثالث ثلاثة شعراء كبار، أحدهم الشاعر (حاالي) الآلف الذكر، والآخر هو الشاعر غالب الذي قام في شعر لغة الأردو يدور يشبه ما قام به محمود سامي البارودي في الشعر العربي الحديث : كلاهما عمل عل تحسين الشعر، وإقالته من عثرته، وإكساب الشعر القديم طابعا عصريا جديدا.
 كان إقبال في شبابه مثال الطالب المجد النشيط. زاول تعليمه العالي في الكلية الاسكتلندية بمدينة لاهور في باكستان، وأحرز على شهادتها بدرجة ممتاز، ثم حصل على درجتين علميتين من كلية الحكومة في لاهور، حيث تتلمذ على المستشرق المعروف سير توماس أرنولد. وفي سنة 1905 انتل إلى انكلترا قدرس بجامعة كمبردج ثم إلى ألمانيا فدرس بجامعة هيدلبرك وجامعة ميونيخ، وتوج دراساته تلك بإحرازه على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وكان موضوع أطروحته "الفكرة العقلية بإيران". ولكن هذا كله لم يمنعه من متابعة نشاطه العلمي، وإشباع نهمه في مجال الفلسفة والتصوف.
 وقد أتقن إقبال عدة لغات منها الغربية، غير أن إنتاجه المعروف لدينا هو – في ميدان الشعر – بإحدى اللغتين : لغة الأردو الوطنية أو اللغة الفارسية التي كانت سائدة بالهند، وخاصة قبل الاحتلال، إما إنتاجه العقلي الفلسفي فكان باللغة الإنكليزية التي فرضها الاحتلال الإنجليزي لغة رسمية للبلاد.    
يعتقد الباحثون إن أكبر شاعر هندي كتب شعره باللغة الفارسية هو الدكتور محمد إقبال الذي يعتبر أحد الشعراء المحدثين القلائل الذين تسود أشعارهم روح المبادئ الإسلامية في محالات الأخلا والسياسة وشؤون الكون. وقد يلاحظ المطلع على أشعار إقبال أنها تثير في قارئها الإعجاب بروح الشاعر، أكثر مما تثيره فيه بالشكل أو الأسلوب، ذلك أن اللغة الفارسية التي كتب بها كثيرا من أشعاره، والتي درسها وتمكن منها تمام التمكن، تعتبر في الواقع شيئا مكتسبا بالنسبة إليه.
ومن أعماله الأدبية وقصائده الشعرية ما يلي :
1- أسرار خودي
 أي أسرار "الأنا" أو أسرار الذات، وقد كتبها بالفارسية سنة 1334 هـ الموافقة لسنة 1915 م.
 2- بيام مشرق
 أي رسالة المشرق. كتبها بالفارسية سنة 1342 – 1923، وكانت بمثابة جواب على شاعر ألمانيا العظيم (غوته) الذي كتب بالألمانية كتابه الموسوم : west Ostlicher Diwan
 3- بأنك درا
 وقد ألف هذا الكتاب بلغة الأردو سنة 1343 – 1924، ويحتوي على :
 أي أنشودة التي كانت إلى جانب : باندي ماتارام المؤلفة بالبنغالية، من الأناشيد الوطنية التي كانت تردد أثناء عهود الاضطراب التي سبقت استقلال الهند وتقسيمها إلى دولتين : إسلامية وهندوسية، وتبدأ "أنشودة الهند" هكذا :
 هندنا زينة الدنيا
 نحن البلابل وهي حديقتنا
 4- زبور عجم
 أي زبور العجم أو مزمور العجم، وقد ألفه بالفارسية سنة 1351 – 1932، وبعد قليل سنقتبس منه بعض دوره.
 5- جافيد نامه
 بمعنى "الكتاب الخالد"، يقول المستشرق الإيطالي (الياندرو باوساني) أنه ترجم إلى الإيطالية بعنوان السماوية Poema Celeste ويقول كما قال المستشرق الإنكليزي الأستاذ بجامعة لندن (الفريد غيوم) : إن الكتاب الخالد يعتبر صدى للكوميديا الإلهية التي ألفها الشاعر الإيطالي دانتي اليكيري (1265 – 1321 م).
 ولكنا نقول لهذين الباحثين وغيرهما : لم لا يكون "الكتاب الخالد" وتكون "الكوميديا الإلهية" نفسها صدى لـ "رسالة الغفران" للمعري، أو لقصة المعراج المعروفة جيدا في الأدب الإسلامي؟ فمن الثابت علميا إن دانتي استفاد من رسالة الغفران، فقد ترجمها إلى اللاتينية والفرنسية مواطن لدانتي اسمه Bonaventura da siena سنة 1264 م أي قبل ميلاد دانتي بسنة واحدة، وهذا المترجم الإيطالي نقل عن ترجمة إسبانية، كان نقلها عن العربية مباشرة يهودي أندلوسي يدعى أبراهام وذلك في بلاط الفونسو العاشر المعروف بالحكيم El Sabio.
 جعل إقبال موضوع كتابه الخالد رحلة روحية شبيهة برحلة رسالة الغفران أو الكوميديا الإلهية، إلا أنه جعل مرشده في الرحلة المتصوف العلامة حلال الدين الرومي بدلا من قرجيل أو ابن قارح. ولقد استقبل في الرحلة شخصيات تاريخية مختلفة منها شخصية موقظ الشرق الإسلامي في القرن التاسع عشر السيد جمال الدين الأفغاني الذي قال له :
 لنا عالم ضائع في أعماق قلوبنا
 عالم ينتظر انبعاثه
 عالم يتغاضى عن الجنس واللون
 عالم هو في غسقه أشد إشراقا من فجر أوربا
 عالم خال من المملوك والعبيد
 عالم شبيه بقلب المسلم، لا حدود له 
                                             - * -
عالم زرعت بذوره
لمحة واحدة في قلب عمر
                                             - * -
 عالم خالد بلهب متجددة
 بأوراق وثمار ومبادئ مستجدة
 بباطن ثابت لا يريم
 وظاهر متغير الثورات مستمرها
                                             - * -
ذلك هو عالمك الذي في قلبك
أنظر إليه، إني أنبئك عن جوهره
6- ومن تآليفه أيضا :
The secrets of selflessness
7- The garden of mystery
8- The Gift of hijaz
9- The traveler
10- The Gift of hijaz
11- وأخيرا كتابه الفلسفي :
Six lectures on the reconstruction of religious throught in islam
وقد ترجمه الأستاذ عباس محمود بعنوان : "تجديد التفكير الديني في الإسلام، وصدرت الترجمة في طبعتها الثانية عن (لجنة التأليف والترجمة في طبعتها الثانية عن (لجنة التأليف والترجمة والنشر) بالقاهرة سنة 1968م.
يقول المؤلف في مقدمة كتابه أنه أعد هذه المحاضرات بناء على طلب الجمعية الإسلامية بمدينة مدارس، وألقاها بهذه المدينة، وفي حيدر أباد وفي كلية عليكرة، حاول شاعرنا الحكيم في هذه المحاضرات أن يبني الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديدا آخذا بعين الاعتبار، المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة، واللحظة مناسبة كل المناسبة لعمل كهذا". (الترجمة : ص 2).
ويعلق البروفسور غيوم على هذا قائلا : "على الرغم من أن إقبال كان له نفوذ كبير في تفكير مسلمي الهند، إلا أن من المشكوك فيه أن يكون ما سماه هو "إعادة بناء Reconstruction يعتبر في الواقع كذلك". (Islam الناشر "ينكوبن بوكس"، الطبعة الرابعة سنة 1962 ص 160).
                                             - * -
إن مسألة إقفال باب الاجتهاد في عصور الانحطاط، شغلت أذهان كثير من المفكرين المسلمين في العصر الحديث، وإن أصحاب المذاهب الفقهية المعروفة لم يزعم واحد منهم لنفسه أن استنتاجاته وتفسيراته، لها – دون غيرها – الكلمة النهائية والأخيرة. من هنا ينطلق الدكتور إقبال ليقول : إن مطالبة الجيل الحاضر من المسلمين الليبراليين بإعادة تفسير المبادئ القانونية الأساسية على ضوء خبراتهم الخاصة، والأحوال المتقلبة للحياة الحديثة، هي في نظري لها ما يبررها تماما.
ذات مرة نشر الشاعر العالم الاجتماعي التركي ضياء كوك ألب قصيدة تساءل فيها كيف أن الشريعة الإسلامية استطاعت أن تحقر من شأن النساء ؟ فيجب أن يكون هناك مساواة في الطلاق، في الانفصال، وفي الميراث. فكتب إقبال يقول : "بالنظر إلى المحافظة الشديدة لمسلمي الهند، فإن القضاة الهنود لا يستطعون إلا  أن يتشبثوا بما يسمى بالكتب المعيارية".
يبدو أن هذا موقف ضعيف – كما قال البروفسور غيوم – بعد كلمات إقبال الشجاعة التي سبت الإشارة إليها أعلاه، وأن من المساواة الضعيفة لامرأة استلمت نصف نصيب أخيها في ميراث والدها أن يقال لها أن القانون " لا يفرض تفوق الرجال على النساء، ففرض كهذا ينبغي أن يكون منافيا لروح الإسلام"، لكن إقبال ظل متمسكا بموقف القرآن الثابت، الذي ينص (في الآية 228 من سورة البقرة) على أن للرجال على النساء درجة. Islam ص، 163).
ويظل إقبال – أمام ظلم المرأة – حيران لا يجد للمشكلة حلا، قال في قصيدة قصيرة :
أنا أيضا أكثر حسرة على اعتاف النساء
ولكن المشكلة معقدة، فلا حل أجده ممكنا
ولكن هل المرأة مهضومة الحقوق في الإسلام حقا ؟ لا أعتقد أن الإسلام الصحيح حرم المرأة العربية حقوقها. بل لقد منحها حقوقا لم تكن تتمتع بها أختها في الدول أو الشعوب المعاصرة لظهور الإسلام، ولا نالتها أختها في بعض الشرائع الغربية الحديثة، وعندما نمعن النظر في القضايا الثلاث المثارة هنا، وهي : الميراث – الطلاق – الدرجة، نجد الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالميراث جعلت المرأة ترث نصيب أخيها واجباته أثقل من واجباتها فهو :    

أ- ملزم عند الزواج بتقديم المهر لمن يريدها شريكة حياته.
ب – ملزم بإسكان زوجته وكسوتها والإنفاق عليها وعلى أولاده منها وعلى خادمتها وعلى والديه وأقربائه أحيانا.
ج – ملزم بالكد والتعب والبحث عن توفير وسائل العيش والراحة له ولجميع أفراد أسرته.
بينما المرأة ملزمة فقط بما توجبه عليها طبيعتها فهي تدبر شؤون المنزل الداخلية، وتتفرع لشؤون الولادة والسهر على تربية الأولاد تربية حسنة . . . فهي عند التدقيق في النظر والبحث نجدها وافرة الحقوق، وربما كانت أسعد حظا من الرجل.
وفيما يتعلق بالطلاق، نجد الشرع ينظر إليه على أنه علاج لفشل في الحياة الزوجية لم يمكن تفاديه بطرق أخرى . . وأوقعه – وهو أبغض الحلال عند الله – في أحوال :
أ‌- إذا استاء الزوج من معاشرتها وسوء معاملتها له، أمكنه تطليقها بلا مقابل تدفعه، وبلا مقاضاة.
ب‌- إذا ملك الزوج زوجته أمر نفسها، وجعل عصمتها بيدها، فلها أن تطلق نفسها منه إن أرادت.
ج- إذا استاءت الزوجة من معاملة زوجها، واقتنع القاضي بسوء معاملته، طلها عليه.
د- إذا ساءت العشرة وأبى الزوج تطليق زوجته، فلها أن تدفع ما يعرف بـ "الخلع". أما إذا ثبت أن الزوج تحايل على أخذ الخلع، وأكره الزوجة على دفعه، فإن القاضي يوقع الطلاق ويرد للزوجة ما دفعته.
إما فيما يتعلق بزيادة الدرجة، فإن القرآن الكريم قرر المساواة بين الزوجين في الحقوق والواجبات، ولكنه عاد فزاد الزوج مسؤولية الإشراف والقوامة لكي يتسنى له أن يحمي الزوجة ويقيها كل مكروه ويأخذ بيدها إلى المكارم، قال تعالى : "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، وللرجال عليهن درجة". على أن الدرجة – كما يقول الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت في كتابه : الإسلام عقيدة وشريعة ص 163 – هي ليست درجة سلطان أو قهر، وإنما درجة رياسة وتدبير لشؤون المنزل ناشئة عن عقد الزوجية".
لندع جانبا مشاكل الاجتهاد والمساواة في الطلاق والميراث وغيرهما، ولنفتح صفحة من كتاب إقبال "زبور العجم" فنقرأ فيها بعض الحكم البالغة :
أين يكون في قلوبنا
ذلك الهوى المتقد ؟
عندنا جرة
ولكن، أين هي الخمر فيها ؟
حق أننا خلقنا من تراب
والعالم أيضا صنع من تراب
ولكن بالترب هباءات ثائرة تبحث عن النور
                                             - * -
من أين يأتينا ذلك الحافز ؟
ننظر إلى السماء الملأى بالنجوم
وعواصف الحب ملء قلوبنا
من أين تأتي تلك العاصفة ؟
رحلة الحب جد طويلة
ولكنك أحيانا بآهة تستطيع أن تعبر تلك الصحراء الشاسعة
ابحث وابحث أيضا دون أن تفقد أملا
فيمكنك أن تجد يوما ما كنزا في طريقك
                                             - * -
قلبي وعيناي كلها مكرسة للرؤية
هذا الذي نحت من أجله
الأصنام من الصخر
تخفي وجهك وراء براقع خفية
فإذا لم استطع الشكوى
فأي شيء آخر يجب أن أفعله ؟

إن أكثر ما كان يعجب الأجيال الصاعدة من الشباب الهندي المسلم، هذه الفردية القوية في شعر إقبال، وتلك الروح الثورية الشبيهة بما كان عند الفيلسوف الألماني المعاصر فريدريك ويلهلم نيتشه Nietzsche F.W.)1844 – 1900). لنستمع إلى إقبال يقول :
في هذا العجاج القديم أرى حلية للحياة ثمينة
أرى عين كل ذرة ساهرة كالنجوم
والبذرة المستترة بعد في رحم الأرض
أرى النمو في عدة أغصان شابة ملأى بالثمار . .
أرى، ولا أدري كيف أرى ذلك، ثورة لا يستطيع أن يسعها فضاء السماء . .
في هذه الليالي الليلاء أعطوني بشارة الفجر أطفأوا الشعلة وأعطوا إشارة الشمس المفرحة.
كان الشاعر الحكيم إقبال يؤمن بحرية الإرادة، فلم يفهم من عقيدة القضاء والقدر معنى الاستنامة والتواكل، بقدر ما فهم منها روح العمل والإقدام والابتكار . . ها هو ذا في "رسالة المشرق"، نجده يقول تحت عنوان "أفكار نجوم" :
سمعت نجمة تقول لأختها :
إننا في بحر كبير لا يرى له ساحل قط
نحن مصنوعات من طبيعة رحالة
ولكن قافلتنا لا محطة لها بتاتا
ما أسعد الإنسان ذا النفس العاطفية والمتقلبة !
فارس جواد العصر
فهو مبتكر دائما ومجدد بلا انقطاع
يضبط حسب قامته ثوب الحياة
                                             - * -
ولعل من المناسب في هذا المقام ونحن نكرم ميلاد شاعر باكستاني حكيم، ومفكر إسلامي عظيم، إن نلتفت إلى الوراء ثلاثة عشر قرنا كاملة، لنكرم ذكرى وفاة فاتح السند العظيم، القائد الشاب، البطل الشهيد، محمد بن القاسم الثقفي (73 – 96 هـ) الذي غزا الهند بقوتين برية وبحرية وعمره لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره :
إن المروءة والسماحة والندى
            لمحمد بن القاسم بن محمد
ساس الجيوش لسبع عشرة حجة 
            يا قرب ذلك سؤددا من مولد !
هذا الفاتح الذي ادخل الإسلام إلى شبه القارة الهندية، فأضاف جوهرة ثمينة إلى تاج الخلافة الأموية، جازاه الخليفة سليمان بن عبد الملك جزاء سنمار، ونكبه شر نكبة، كما نكب فاتحي الغرب العظيمين موسى بن نصير وطارق بن زياد. لكأني بسليمان لم يتول الملك بعد أخيه الوليد إلا ليصفي حساب الأبطال، وينكب الفاتحين العظام.
فنرجو أن نعترف لهؤلاء الفاتحين بشيء من الجميل، فنترحم عليهم إلى جانب شاعرنا الحكيم محمد إقبال، ونقرأ على أرواحهم الطاهرة جميعا فاتحة كتاب الله العزيز، ونعم الفاتحة خاتمة !


1- الاسم فارسي مركب من (بنج) بمعنى خمسة ومن (آب) وتعني مياها أي انهار ويقصد بها روافد نهر السند الذي يتجه جنوبا فيصب في البحر العربي جنوب شرقي مدينة كراتشي العاصمة السابقة للدولة.
2- الأردو Urdu لغة آرية (هند – أوروبية) غير سامية، وإن كانت – مثل الفارسية – تكتب بحروف سامية، أي بحروف عربية. الأردو لا تكاد تختلف عن لغة الهند الأخرى (هندو) إلا من حيث الكتابة. في إحصاء أجرى للغات الثلاث والعشرين التي يزيد متكلميها عن 30 مليونا، وحد أن الأردو تحتل المكانة 1، والهندو المرتبة 5، بينما أعطيت اللغتان العربية والفرنسية الدرجتين التاسعة والحادية عشرة على التوالي، يرجع تاريخ الإحصاء إلى سنة 1960.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here