islamaumaroc

لماذا أحرق "الإحياء"

  دعوة الحق

159 العدد

قرأت مقال الاخ الاستاذ الدكتور عباس الجراري الذي نشر في العدد الاخير من مجلة دعوة الحق الغراء وهو يحث القاه الاستاذ بمناسبة افتتاح السنة الجامعية لسنة 73-74، تحت عنوان: "التيار الفقهي المرابطي ومدى تأثيره على الفكر والادب".
وفي هذا البحث القيم تعرض الاستاذ الجراري لنقد التهم التي وجهت للمرابطين، وألصقت بهم، وخاصة من بعض الحاقدين عليهم قديما وحديثا...وكانت حجة معقولة ومنطقية في غالب الاحيان، الا أنه عندما حاول أن يعلل احراق كتاب الاحياء للعزالي على عهد علي بن يوسف بن تاشفين لم يستطع ان يأتي بحجج مقنعة بل هنا استعمل الاستاذ الالفاظ التي يستعملها عادة أعداء المرابطين بالرغم من أنه نصب نفسه الدفاع عن المرابطين ! فبعد ما استعرض الاسباب والعلل التي رآها سببا في ارتكاب عملية الاحراق بقول: "ويبدو أنهم في هذه المرحلة كونوا بيروقراطية كهنوتية خصت نفسها وبعض الولاة الموالين لها بجميع امتيازات الاستثمار والسيطرة، وكان ذلك سببا من أسباب انهيار هذه الدولة.."(1) ويبدو لي أن الاستاذ الجراري شده أمام اللهب والدخان المتصاعد من أوراق الاحياء وهي تحترق، ولذلك لم يحاول البحث جيدا عن أسباب هذا الاحراق...مع أنه لو رجع الى ظروف هذا الاحراق والى محاولة معرفة الاثر الذي خلفه كتاب الاحياء في معاصريه او فيما بعد معاصريه، لو تمعن في ذلك لما فاته السبب الذي من أجله حكم على كتاب الاحياء بالاحراق.
فالدافع الى الاحراق لم يكن بيروقراطية كهنوتية كما توهم الاخ الاستاذ بل الدافع الى ذلك هو أعمق من أن نحكم عليه في بضع كلمات: تجمع بين بيروقراطية وكهنوت وامتياز واستثمار وسيطرة...
ان الحكم على الكتاب ينبغي أن يرجع فيه الى ما بين المدرستين: المدرسة السلفية والمدرسة الصوفية وما بينهما من خلاف في وجهات النظر...وكيف نظرت المدرسة السلفية الى كتاب الاحياء في ذلك الوقت....؟ بالرغم من أن الغزالي سني أشعري شافعي...وله مواقف مشهورة في الدفاع عن المذهب السني ضد الباطنية، والمذاهب الشيعية المتطرفة، وضد الآراء الفلسفية المتهافتة في نظره...
واذا كان الاحراق يمثل عملا تعصيبا ومزاجا حادا...فان الحكم الذي حكم به شيخ الاسلام ابن تيمية، وابن القيم، والمازري، وغيرهم على كتاب الاحياء هو في نظري أقسى من الاحراق، بالرغم من  ان عملية الاحراق هي عملية مثيرة لها لهب ودخان، لكن وصم الغزالي بالجهل، والعناد، والبعد عن روح الدين الحق...يبقى في نظري أفظع من الاحراق، ويكفي ان ترجع الى كتاب الاخلاق عند الغزالي للدكتور زكي مبارك الذي جمع الكثير من هذه الانتقادات مبينا أصحابها ومصادرها...وهي انتقادات علماء كبار من المحدثين والسلفيين، لتعرف أن تلك الاحكام على الغزالي كانت في الواقع أقسى من احراق كتاب.
فاللجوء الى الاحراق كان لما يتضمنه الكتاب من الدعوة الى الانسياق مع الغيبوبة الصوفية التي تجعل صاحبها ينسى نفسه، وينقاد لروحانية بعيدة عن الاسلام الصحيح في نظر المنتقدين للغزالي من آئمة الحديث والسلفية...
فالمنتقدون يرون ان تلك الميوعة الروحية ينبغي الا تسود بين الجمهور، ولذلك كان من الواجب ان يحذر الجمهور من الكتاب الذي تناقض بعض تعاليمه وتوجيهاته روح الشرع الاسلامي في مسايرته للواقع الانساني، تلك الروح التي تحافظ دائما على الموازنة بين الروح والمادة فلا هذه تطغى ولا تلك...وحفاظا على هذه الموازنة، واشفاقا من أن تفقد...كانت عملية الاحراق، وهي شبيهة اليوم بعملية مصادرة كتاب تراه الدولة مضرا بمصالحها، وهذا يقع في عصرنا الحاضر وفي غير عصرنا...فالاتحاد السوفياتي مثلا يمنع عددا من الكتب ان تدخل الى بلاده، ونرى في كثير من الدول ان الكتاب الفلاني ممنوع، بل الادهي من ذلك ما تعمد اليه بعض المنظمات كالصهيونية مثلا للعمل على اتلاف الكتاب من جذوره لا مطاردته في مكان ما فقط.
فهذا يقع في عصرنا الحاضر ولا أحد منا يسم دولة الاتحاد السوفياتي مثلا بالجمود الفكري وبالكهنوتية...! وانت تعلم كم لهذا النظام في هذا الميدان من مواقف سواء مع الكتاب، أو الكتاب...!
وما يقال عن هذا النظام يقال عن الانظمة المقابلة له...وفي الايام الاخيرة طلعت علينا الصحف وهي تحمل نبأ احراق الاعداد الهائلة من الكتب الاشتراكية في ساحات عمومية بالارجنتين!! هذا ونحن على قاب قوسين أو دنى من نهاية القرن العشرين!!
مع العلم أن كثيرا من الدول لها اهداف محددة لا تقبل دخول بعض النظريات المخالفة، أو التي تحدث البلبلة في الافكار، أو التي تكون مخالفة للتيار العام...فالافكار التي من شأنها أن تعمل على تغيير الخط المرسوم للمضي في تحقيق فكرة ما، تقاوم دائما...!! واذا كانت هناك مثالية تدعو لغير هذا فالواقع هو هذا كان ولا يزال...
وانت يا أخي قدمت بنفسك في مقدمة بحثك ان سبب اختيار المذهب المالكي هو ما يتضمنه من الاعتماد على النص، وان ذلك يحول دون تشعب المذاهب والافكار...فلماذا ننسى ذلك ؟ وهل كان من المعقول ان تقبل الدعوة الاصلاحية الجديدة كل ما يرد عليها من انحرافات خطيرة ؟! 
واذا كانت الدعوة المرابطية قد اتسعت لاحتضان المحدثين والمفسرين والرياضيين والفلاسفة...ثم الادباء والشعراء والكتاب...حسبما هو معلوم وحسبما أثبته أنت بنفسك، اذا كان ذلك كذلك...فلما تضيق هذه الدعوة ذرعا بكتاب الاحياء، وبالاحياء وحده دون غيره ؟! وهنا يجب أن نضع علامة استفهام كبيرة، لماذا الاحياء بالذات دون سائر ضروب المعرفة الاخرى ؟..وكلما كان الجواب عن هذا السؤال دقيقا كلما كان أقرب الى الصحة.
    وهنا ينبغي أن نقول: لعل تلك الضروب من المعرفة التي عرفتها دولة المرابطين، على سعتها وتشعبها كانت لا تشكل أي خطر على الاتجاه العام للدعوة المرابطية، لان تلك  الضروب من المعرفة يتقبلها الناس على أنها ثقافة انسانية من الواجب معرفتها، وتفهمها...لكن الافكار التي يحملها الاحياء هي ليست من هذا القبيل، بل هي دعوة الى تصوف من نوع خاص، ولقد احصيت على الغزالي مسائل كثيرة رآها منتقدوه مخالفة لصميم الدين...في حين أن الغزالي يسمي كتابه "احياء علوم الدين" فهو ليس كتاب فلسفة، ولا كتاب نظريات قابلة للاخذ والرد في نظر صاحبها (2) بل هو شيء من صميم الدين، واحياء له...! ومن هنا كانت خطورة كتاب  الاحياء على ما يبدو، فهو ليس نظرية فلسفية...بل هو يرى أن الدين الحق هو ما فهمه هو، وفهمه المتصوفة أمثال الغزالي..
ومن هنا يكون خطر كتاب "احياء علوم الدين" للغزالي على الاتجاه المعتدل الذي انتهجته الدولة في قضايا الدين بل يكون خطره شديدا لما يحمله من بعض افكار شاذة تحمس لها صاحبها وجعلها من الدين بأسلوب مشوق مغر...فكان من الواجب على ذوي الغيرة على الاتجاه القويم الذي سلكوه في شأن الدين، كان من الواجب في نظرهم أن يعملوا على مصادرة هذا الكتاب.
ومهما يكن من أمر هذه المصادرة والحكم عليها فهي عملية كانت ولا تزال ولن تزال..فلماذا نعييها على المرابطين وحدهم من دون العالمين...!؟
ولعل الرقابة على ما يكتب ويطبع وينشر هي موجودة حاليا في معظم دول العالم أن لم نقل في جميعها...!
واذا كانت عملية الاحراق عملية مثيرة ولافتة فهي لا تخرج عن كونها مصادرة...وهذه مصادرة كانت واجبة في نظر الساهرين على الدعوة الجديدة خوفا عليها من أن يشوبها ما يشينها ....وسنرى أنه عندما فتح الباب على مصراعيه كيف أصبح المغرب زاوية كبيرة من اقصاه الى اقصاه، وهذا ما كانت تخشاه الدعوة المرابطية...
ولعل هذا ما يفسر تشبث الدعوة المرابطية بالمذهب المالكي المعتمد على النصوص والمتشبث بالعقيدة السلفية القويمة، ولعل هذا أيضا هو ما فهمته انت نفسك، عندما حاولت تبرير اتخاذ المذهب المالكي مذهبا رسميا للدولة...
أما جعل عملية الاحراق من أسباب الانهيار، أو من بوادر الضعف الذي يصاحب الانهيار فهذا بعيد كل البعد ولعله يذكر بما نقله المتصوفة من دعاء الغزالي على دولة المرابطين حينما وصله خبر احراق الاحياء، حيث قال: "اللهم مزق ملكم كما مزقوا كتابي هذا" ولست أدري لماذا لم يقل: اللهم أحرق ملكم..؟! وهذه حكاية خيالية بدون شك، ولكننا بالاسف نرى أن ايحاءاتها لا تزال عالقة بالاذهان، ولذلك كان لها علاقة بأواخر عهد المرابطين كما أشرت الى ذلك..!؟
أخي أعجبني والله تحرجك عندما حاولت الكلام في موضوع الاحراق "الاحياء" ولكنك بدلا من أن تعزز تحرجك بالتحفظ أسرعت فحكمت، بل أعطيت رأيك الذي ختمت به الكلام عن هذا الموضوع، ولا شك أن رأيك هذا يثير نقاشا طويلا.
وانا في محاولتي هذه لست اقصد الا لشيء واحد وهو التنبيه الى خطورة البث في هذه القضية بالذات نظرا للضجة الكبيرة والمفتعلة التي تحيط بهذه الحادثة وبغيرها من الاحداث التي سجلت على دولة المرابطين المجاهدة في سبيل الوحدة العقائدية والسياسية.
هذا، ويبدو لي ان قضية الاحراق شوشت عليك كثيرا، ولم تدر كيف تدافع فيها عن المرابطين، مع أن بحثك كله يتركز على فكرة دحض التهم التي الصقت بالمرابطين، ولذلك عندما رأيت أن هذه القضية لا تحتمل دفاعا حكمت بقسوة، وجعلت البيروقراطية والكهنوتية...اسبابا لذلك، والحقيقة يا أخي لم تكن هناك بيروقراطية ولا كهنوتية لكن كان هناك مبدأ، وقضية الحفاظ على هذا المبدأ من أن يشاب ويلوث، وكانت هناك دعوة جديدة تعمل على الحفاظ على التوازن بين الروح والجسد، ذلك التوازن الذي هو من صميم شريعة الاسلام، ومن أجل ذلك كانت محاربة "البرغواطية" والميوعة في جميع مظاهرها...وهذا هو الاتجاه الذي روعيت المحافظة عليه في عملية احراق الاحياء واذا كان الغزالي يحمل تلك اللافتة الضخمة – سني اشعري شافعي مدافع عن المذهب السني..- فان هذه اللافتة لم تصرف الحاكمين على الكتاب من تفخص مضمون الكتاب، والتعرف على ما فيه من أفكار خطيرة على الدعوة التي حملت رأيتها دولة المرابطين.
ونحن اليوم لبعدنا عن القضية زمنيا لا ندرك مقدار الخطر الذي تصوره أولئك من انتشار أفكار الاحياء على مجتمع موحد- بفتح الحاء- سني جاد يعمل للذب عن الزيغ أينما كان وكيفما كان....
وفي الختام أعود فأقول أن بحثك قيم ومركز وهذه هي الفجوة الوحيدة التي أرجوك أن تعيد البحث فيها حتى يبقى دفاعك عن الحقيقة التي حاولت الدفاع عنها دفاعا موضوعيا، ومنهجيا، ولاخوتك أصدق شكري والسلام.   

 

1- دعوة الحق العددان الرابع والخامس- السنة السادسة عشرة – مارس 1974 ص 124.  
2 - كانت حملة الغزالي شديدة على منتقديه في كتابه "الاملاء في اشكالات الاحياء" حيث رمى ناقديه بالغباوة والحسد والكذب...وكان مندفعا في ذلك اندفاعا كبيرا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here