islamaumaroc

التشريع الإسلامي حول تعلم الفروسية والرماية والتدريب العسكري وإعداد القوة لحماية دعوة الإسلام ونشرها بين البشر وما كان للمغرب من دولة وصولة في هذه الميادين

  دعوة الحق

159 العدد

 إن دين الإسلام بما أسس من دول، وبمن استجاب له فأمن به من إتباع وبما شاده من حضارات ومدينة في قارات العالم القديم على أساس الأخلاق الكريمة والعدالة الاجتماعية، كل هذه شواهد صدق على أن هذا الدين الإسلامي يساير الحياة العظيمة في أبهى صورها وأشكالها.
 ومن ذلك إعداد القوة اللازمة لمجابهة الحوادث الطارئة، ولإعلام كل من تحدثه نفسه بخرق سياج أي بلد إسلامي بأنه سيلقى ما يردع غروره، ويقهر جموعه، ولذلك كانت الأمة الإسلامية كلها جنودا يجب على جميع أفرادها الدفاع عن حوزة الإسلام إذا هجم أي عدو عليها، ولكن الأعداد يكون في حالة السلام، وقد قال الله تعالى : "واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم، لله يعلمهم"، وقد قال عز وجل في شأن الأعداد توبيخا لمن لم يتأهبوا : ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة"، وذلك لما عسى أن يفاجئ الأمة في حالة عدم الاستعداد وعلى هذا الأساس تقررت الخدمة العسكرية الإجبارية في الأمم التي تريد أن تحيى سعيدة عزيزة الجانب، وهذا ما تقرر به المغرب بعد تحريره من الاستعمار، فهذه الخدمة العسكرية الوطنية هي خطة مثلى تنم عن حياة، وترمي إلى إحياء شعور كريم في أبناء الجيل لحماية الوطن والدفاع عن القبيل، وتنهج بالأمة السبيل القويم، لتعزيز وحفظ الكيان، ولرد العدوان وقطع دابر الفتن والطغيان، بل التجنيد الإجباري المنظم بعد حدنا عظيما في تاريخ المغرب الحديث، لما له من أثر حميد، وعز وطيد، فهو من جهة تدريب لكل الشباب على أعمال الفروسية يقوي فيهم العزم، ويهيئ نفوسهم لملاقاة أي عدو وخصم، ويجعلهم يقدرون المسؤولية الملقاة على عاتقهم في الميدان العسكري بكل حزم.
 وهو في الأمة النامية أو المتخلفة بعبارة أصرح إنقاذ وعلاج للميوعة التي أخذت تستحوذ على الشبان، فتضعف عزمهم وقوتهم في معترك الحياة.
 زيادة على أن علماء السياسة الحربية يفضلون الجيوش الوطنية التي يكون مبدأ خدمة الوطن عقيدة لها على الجيوش المأجورة التي يهمها قبل كل شيء كسب المال الذي استأجرت نفوسها من أجله، فهذا ميكافيلي في كتابه "الأمير" الذي هو في الواقع كالجيل لسياسة قادة أوربا الاستعمارية يذكر القيمة الكبرى للجيوش الوطنية التي تجعل التربية العسكرية معنوياتها في أعلى درجة.
 كما يذكر المؤرخ الاجتماعي ابن خلدون من جهة أخرى الآفات التي تعتري أهل المدن من قلة الشجاعة أو فقدانها إذا استكانوا إلى الدعة والراحة، وصاروا عالة على الحماية وحراس الأمن بحكم سكناهم داخل المدن والأسوار، وعدم مباشرتهم لأعمال الفروسية  والبطولة حتى شبههم بالتاء والولدان، حيث عقد فصلا في مقدمته قرر فيه أن أهل البادية أقرب إلى الشجاعة من أهل المدن، ثم قال : والسبب في ذلك أن أهل الحضر ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة، وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى وإليهم والحاكم الذي يسوسهم، والحامية التي تولت حراستهم، واستناموا إلى الأسوار التي نحوطهم، والحزز الذي يحول دونهم، فلا تهيجهم هيجة، ولا ينفر لهم صيد، فهم غارون آمنون، قد ألقوا السلاح، وتوالت على ذلك منهم الأجيال، وتنزلوا منزلة النساء والولدان، الذين هم عيال على أبي متواهم، حتى صار ذلك خلقا يتنزل منزلة الطبيعة"
ولا يحمل بالمغرب المتحرر أن يبقى بمعزل عن الأخذ بوسائل الأمم الحية الناهضة من جديد في تنظيم الجند الوطني على أساليب الخدمة العسكرية الإجبارية الشريفة التي تفرضها على شبانها كل الأمم المتمدنة الحديثة حتى يتربى أبناء المغرب على طرق البطولة والمجد، وإحياء النخوة المغربية، والصولة التاريخية التي كانت للمغرب في الميدان الحربي وحماية حوزته وكيانه الخاص، وذلك يقتضي من جديد التدريب على أعمال الفروسية والرماية وتدبير الخطط الحربية والتمرين على استعمال أحدث آلاتها بكل إتقان ودراية، حتى تحفظ أمتنا هيبتها بين الأمم، وتصون أمنها الداخلي والخارجي بسواعد أبنائها في عزة وشمم.
وللمغرب من تاريخه العظيم وشجاعة أبنائه في التعبئة العامة وانتصاراته في معارك البطولة ما يرفع رأسه عاليا، وأسطع دليل على ذلك ما وقع في عهد المرابطين الذين أنقذوا الأندلس عدة قرون، وما تلا ذلك في عهد دولة المرابطين من ظهور الأعداء حتى استطاعوا توحيد الأندلس الإسلامية مع جميع الشمال الإفريقي، وحرروا مهدية من روح صقلية، وما ثبت في عهد السعديين أصحاب وقعة وادي المخازن مع البرتغال ومنصورهم الذهبي الذي وحد المغرب مع أقطار من السودان، كما ظهر المولى إسماعيل فخر الدولة العلوية الذي أعاد للمغرب وحدته، وطهر سواحله من احتلال الأجانب، واستمرت هذه الدولة في حفظ كيان المغرب وشخصيته زهاء ثلاثة قرون، حتى إذا وقعت محنة احتلال الأجانب التي غمرت كثيرا من أقطار الإسلام هيأت الأقدار الإلهية لإنقاذ المغرب بطله الرائد الخالد محمد الخامس طيب الله ثراه حيث وقف في وجه المغتصبين وقفة ذوي العزم، وقاد معركة التحرير بكل حزم حتى حصل على استقلاله وحريته.

النصوص الدينية تأمر بتعلم الفروسية والرماية والتدريب العسكري
وما كان المغرب في تاريخه العسكري واتخاذ الجند من أبنائه البررة إلا متبعا لتوجيهات دينه الإسلامي، وروحه المتوثبة، وإلا عاملا في ماضيه وحاضره بإرشادات نبيه الكريم عليه السلام، فقد ذكر الحافظ ابن عبد البر في ترجمة سمرة بن جندب أن رسول الله (ص) كان يستعرض غلمان الأنصار، في كل عام فمر به غلام فأجازه في البعث (أي بعث سرايا الجهاد) وعرض عليه سمرة من بعده فرده، فقال    سمرة : يا رسول الله، لقد أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعته لصرعته، (أي غلبته في المصارعة) فقال رسول الله (ص) فصارعه قال سمرة فصارعته فصرعته، فأجازني رسول الله في البعث"
وهذا يدل على اهتمام رسول الله بالجيوش واستعراض الشبان لاختيار من فيه أهلية للجهاد كما يدل من جهة أخرى على تسابق الشبان للالتحاق بالجيش والرغبة في الجهاد وعدم رضاهم بالتخلف عن ساحة الشرف والاستشهاد.
وكان النبي (ص) يحض على تعلم الرماية فروى البخاري أن النبي (ص) مر على نفر من أسلم (اسم قبيلة) ينتضلون أي يترامون (والتناضل الترامي للسبق) والسبق بفتح الياء هو الجعل الذي يأخذه الفائز فقال النبي (ص) : أرموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا، أرموا وأنا مع بني فلان قال (أي راوي الحديث) فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله (ص) ما لكم لا ترمون، قالوا كيف نرمي وأنت معهم ؟ فقال النبي أرموا وأنا معكم كلكم".
قال الحافظ ابن حجر والمراد بالمعية معية القصد إلى الخير.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أهل حمص (البلدة الشهيرة بالشام) رسالة يقول فيها : علموا أولادكم رماية والفروسية والسباحة والاختفاء بين الأغراض، وقال اختفوا وتحددوا واخشوشنوا واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم وأنزلوا على الخير نزوا، وكان هو رضي الله عنه يمسك بإذن فرسه ويمسك بإذن نفسه وينزو عليه (أي يثب ويقفز عليه).
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم كل لهو يلهو به المومن باطلا إلا في ثلاث : تأديبه فرسه، ورميه عن كبد قوسه، وملاعبته امرأته فإنه حق" وقال : "من ترك الرمي بعد أن تعلمه فقد عصاني"
وهذا الحديث يدل على طلب الاستقرار في التدريب حتى لا ينسى الرامي فن الرماية.
وروى أن النبي صلى الله وسلم قال : "نهوان تحضرهما الملائكة : الرمي واستباق الخيل" وقد اهتم السلف الصالح بقضية تعلم الفروسية والرماية للشبان حتى جاروا شهادة بعضهم على ما يع بينهم من قتل أو جرح إذا وقع ذلك منهم دون حضور الكبار معهم فقد نقل ابن اليم في كتابه "الطرق الحكمية" قول ابن أبي ملكية قد ندب الشرع إلى تعليم الصبيان الرمي والنقاز والصراع وسائر ما يدربهم على حمل السلاح والضرب والكرب والفر وتصلبة أعضائهم وتقوية أقدامهم وتعليمهم البطش والحمية والأنفة من العار والفرار
ومعلوم أنهم في غالب أحوالهم يخلون بأنفسهم في ذلك وقد يجني بعضهم على بعض فلو لم نقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم، وقد احتاط الشارع بحق الدماء حتى قبل فيها اللون واليمين ولم يقبل ذلك في درهم واحد، وعلى قبول شهادتهم تواطأت مذاهب السلف الصالح فقال به على بن أبي طالب ومعاوية ابن أبي سفيان وعبد الله بن الزبير ومن التابعين سعيد بن المسيب وعروة ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز والشعبي والنخعي وشريح وابن أبي ليلى وابن شهاب وابن أبي ملكية رضي الله عنهم، انتهى . .
نقل الحافظ ابن القيم كما ذكر عدم صحة شهادة الصبيان عن ابن عباس والقاسم وسالم وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة والمشهور في مذهب مالك جوازها بالشروط التي اعتبرها رسمية السلف، وقد نظم ابن عاصم ذلك في فقه المعاملات في التحفة حيث قال :
وبشهادة من الصبيان في
   قتل وجرح بينهم قد اكتفى
ونتيجة هذه الشهادة أداء الدية إما على العاقلة وفي أموال اليتامى حسب الخطأ والعمد كما هو مفصل في كتب الفروع الفقهية.

المسابقة بين الخيل
ومن جهة تتميم هذه التعاريف تنظيم المسابقة بين الخيل التي كان فرسان العرب يقيمونها في الكحافل لمشهودة.
وقد ثبت أن النبي (ص) كان يعقد المسابقة بين الخيل فقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باب غاية السباق للخيل المضمرة (أي التي أعدت للسباق بطريقة فنية لتقليل لحمها مع احتفاظها بالقوة) تلكم البخاري في هذا الباب على كيفية هذه المسابقة وتحديد الغاية والمبدأ لها، وفي صحيح الإمام مسلم أن رسول الله (ص) سابق بين الخيل التي اضمرن من الحيفاء وكان أمدها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زويق وكان ابن عمر فيمن سابق بها وتحديد مسافة السباق من ابن يبتدئ وإلى أي محل ينتهي هو ما يجري الآن في ميادين السباق بالخيل ويغيرها.
وهكذا ندرك أن السيرة العملية للرسول وأحاديثه الكريمة ورسالة خليفته العظيم عمر بن الخطاب كل ذلك يحضنا على العناية بالفروسية والرماية والسباحة والتدريب والتمرين على كل ما يعود على حياة الجنود بالتربية العسكرية والحربية بالإعداد الكامل للنجاح والفوز في ميدان المعارك التي على أساسها تهيأت الفتوحات الإسلامية وانبنت عظمة الأمة المحمدية حتى نترك هذه الحياة المهلهلة التي يحياها الكثير من شبابنا، ونأخذ في طريق البطولة والعزة التي ترفع من شأن الأمم، وتحفظ عليهم مقومات الحياة الكريمة من دين ولغة وأخلاق كريمة وتقاليد صالحة عملت على تكوينها قرون وأجيال حتى نصل المجد الحاضر المجد الحاضر بالمجد الغابر.
وننشد بيت الفخار مع الشاعر الحماسي :
نبني كما كانت أوائلنا
         نبني ونفعل مثل ما فعلوا

  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here