islamaumaroc

قصة أهل الكهف

  دعوة الحق

159 العدد

  قال تعالى:

" أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، اذ أوى الفتية الى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا، نحن نقص عليك نباهم بالحق، أنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والارض لن ندعو من دونه الها لقد قلنا اذا شططا، أهؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة اولا يأتون عليهم بسلطان بين، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا، وان اعتزلتموهم وما يعبدون الا الله فأووا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا ". صدق الله العظيم.
ويذكر المفسرون عن أسباب نزول قصة الكهف أن قريشا بعثت النضر بن الحارث وعقبة بن معيط الى اخبار اليهود في يثرب ليسألوهم عن النبي ودعوته الجديدة، لانهم أهل كتاب يعلمون ما يتصل بخبر السماء، فعسى أن يخبروهم عن حقيقة دعوة النبي محمد وعندما وصلا الى يثرب واتصلا بأخبار اليهود، وأخبراهم بأقوال النبي عليه السلام قالا لاحبار اليهود انكم أهل الثوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، فقال لهم الاحبار، سلوه عن ثلاث فان اخبركم بهن فهو نبي مرسل، وان لم يخبركم بهن فهو رجل متقول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول، وما كان من أمرهم، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الارض ومغاربها، وسلوه عن الروح، فان أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه وان لم يخبركم فانه رجل متقول فاصنعوا به ما بدا لكم...
   وهناك رواية اخرى تتفق مع هذه، ولكنها ترى أن اليهود هم الذين اثاروا هذه الاسئلة واوعزوا الى قريش بالقائها على النبي (ص)...وملخص هذا كله أن اليهود اغروا بسؤال الرسول عن الروح، وعن قصة أهل الكهف، وقصة ذي القرنين...فجاء الجواب واضحا في بيان القرآن وصدقه، مفحما المجادلين على لسان النبي الامي...كان اليهود وكفار قريش ينتظرون العجز عن الجواب الحق، ولهذا الحوا في السؤال فجاءت قصة أهل الكهف في القرآن تاريخا صادقا، وهداية ورشدا، بعد أن حرفت الروايات حقيقتها لتصبح من جديد خلقا حقيقيا لتاريخ واقع حتى تعود القصة الى حقيقتها دون تزوير أو تحريف لقد قص الله نبأهم (بالحق) لا بالتحريف والغرض كما هي في الكتب المسيحية، وفي غير الكتب المسيحية الاخرى...واذا فقصة أصحاب الكهف هي عرض لحادث تاريخي في أسلوب قصصي رائع..
ويناقش المفسرون طبيعة الاطار القصصي الذي عرضت فيه أخبار أهل الكهف اذ للقرآن الكريم أساليب مختلفة في عرض الموضوعات ومنها الاطار القصصي الذي أثار خلافا بين المفسرين، يرى  
بعضهم انه يجب فيه الوقوف على العبارات القرآنية والاحتفاظ بالدلالة اللفظية، وعليه فتكون القصة وقعت فعلا، ويبالغ المعبرون في تحكيم الروايات الواردة حول هذه القصة واعتبار ما يردد في الكتب الاسرائيلية معبرا لها ومفصلا لما اجمل فيها مما جر هؤلاء الى المبالغة، ويرى بعض المفسرين أن القصص القرآني انما يساق لبيان الاحكام الشرعية لا لبيان الاحداث، وليس معنى ذلك انكار الحدث التاريخي وانما يعتبر ثانويا بالنسبة لما تنبني عليه من الاحكام...كما يرى بعض المفسرين من أصحاب المذهب الباطني أن الكلام التعبيري يصرف عن مدلوله اللغوي الى الغاز عريقة في عالم الاسرار والروحانيات...أما بعض المغرضين من الكتاب المعاصرين، فيرددون في الموضوع مزاعم المذاهب الضالة، ويرون أن مثل هذه القصص لا يلزم صدقها وحكايتها للواقع، وانما يجوز أن يكون القرآن الكريم جاري فيها المعلومات العامة المشتهرة على تعاقب العصور دون أن يكون لها أصل كوني...وهذا اتجاه عقيم لا يؤيده منطق من التاريخ والواقع ما أكدت الاحداث التاريخية والكشوف الاثرية عكسه تماما.  
والمذهب المعتمد هو الذي عليه جمهور المسلمين والمفسرين المشهورين الذي بدأنا به أولا وأعني به الوقوف عندما ورد في القرآن الكريم، مع الاحتفاظ بدلالة الالفاظ على معانيها، والاعتماد على الروايات الحديثية الصحيحة الاسانيد..
واذا فان قصة أهل الكهف هي من السور المكية التي نزلت فيما من أوائل السور القرآنية، وكلها حوار وجدال واقناع بدعوة الانسان الى التأمل في معرفة خليقته ووجوده ومصيره، وكان اختلاف أسلوب هذه السور بين الوعظ والارشاد، والتذكير والتهويل، وبذر المعرفة العلمية، والاقناع بالحجة المنطقية والتاريخية والواقعية والطبيعية بالقول الحق، والكلام الفصل، والتدليل الفلسفي بالاسلوب القصصي حينا والاسلوب الموجز المؤثر النافذ الى القلب حينا آخر...
وتبدأ السورة بتبشير المؤمنين وانذار المعاندين، وتأتي بقصة أهل الكهف وأصحاب الرقيم كدليل تاريخي واقعي عن البعث وحقيقته علميا، ووجوده تاريخيا، وتنزع الموعظة من عمل أولئك الفتية المؤمنين الذين آووا الى الكهف، خوفا من بطش من يرغمهم عن التخلي عن دينهم ليكونوا حجة على البعث سواء بالنسبة لهم أو بالنسبة لمن آتى بعدهم من الشاكين في انبعث، فلم يكن هؤلاء الفتية انبياء ليقاوموا الانحراف ولا مصلحين وانما كانوا فتية مؤمنين...
ويروي القرآن أن أصحاب الكهف ( أي الفجوة في الصحر) أو أصحاب الرقيم ( الذين كتبت أسماؤهم ورقمت في صفحة عند بني جلدتهم فهم فتية مؤمنون مخلصون، لم يكونوا مصلحين مستعدين للتضحية وانما هم فتية خافوا على سلامة دينهم فجزاهم الله وزادهم هدى، وآووا الى الكهف فأرين بدينهم خوفا من أعدائهم على دينهم لا على ابدائهم، رفضوا حياة الكفر والشرك لان راحة الانسان في عقيدته، ومن لا عقيدة له فلا قيمة له، والعقيدة تستوجب الصلابة وعدم الهوادة والمداراة، ولذلك لجأوا الى الكهف قارين بايمانهم ليموتوا تحت انقاضه، وفي الكهف الضيق تحققت المعجزة، وعاش أهل الكهف مدة ثم ناموا، وقضوا زمانا في سباتهم، بعد أن بقي الزمان يدور خارج الكهف في حركة الشمس الدائبة التي اذا طلعت تزاور عنهم وتميل جهة يمين الكهف، واذا غربت تقرضهم أي تقطعهم ولا تقربهم جهة شمال الكهف وهم في فجوة منه، فالحساب الشمسي مصروف عنهم، وهم لا يعيشون في اطار الزمان، المحدد بحركة الشمس، فلا يشعرون بالزمان، وذلك من آيات الله، فهو الذي هدى الانسان الى استعمال حركة النجوم والكواكب لتحديد الزمان، وهداهم الى الكهف وجعلهم بعيدين عن حركة الشمس، فلا زمان لهم ولا ما يتبع ذلك من اثر الزمان في بلي الاجسام وتحليل المواد، اما هم فظلوا في نومهم بين الحياة والموت يظنهم الرائي ايقاظا وهم رقود، وكلبهم على باب الكهف يحرسهم في نومتهم الطويلة أيضا، يثيرون الرعب في قلب من ينظر اليهم، عندما يطلع أحد على منظرهم، هم أموات ولكنهم إحياء ينتظرون الصحو من النوم، ثم يستيقظون ويتساءلون فيما بينهم: كم لبثوا، ويظنون انهم لبثوا يوما أو بعض يوم وهم في الواقع لبثوا عشرات السنين، لان عقلهم لم يحدد الزمان فلم يعرفوا كم لبثوا في الكهف من سنين وأعوام...
وما يهمهم كم لبثوا، وقد عادوا الى الحياة، وشعروا بما يشعر به الانسان من حاجة الى الطعام والشراب لذلك بعثوا الى المدينة أحدهم ليشتري لهم طعاما بحذر، حتى لا ينكشف أمرهم فيتعقبهم أعداء دينهم...ولكن المدينة تغيرت أحوالها بعد قرون وأصبحت مؤمنة بعد أن كانت كافرة، فاستقبلوا بحفاوة، لان معجزة البعث تحققت فيهم، ولكنهم اصبحوا غرباء في عهدهم الجديد، فقد مضى جيلهم، وتغيرت مفاهيم الحياة وقيم الاشياء، غير انهم ازدادوا ايمانا بربهم، وكانوا حجة على البعث، وحلت عناية الله بهم فتوفاهم، كما يتوفى الناس كافة، وكانوا حجة على البعث، فالساعة آتية لا ريب فيها، والله يبعث من في القبور، فعلى من طالب بالحجة على وجود البعث ان يقتنع بهذا الواقع التاريخي والدليل التاريخي الواقعي، حقا ان قصة أهل الكهف مصدقة لما جاءت به الاديان كلها من وجوب الايمان بالبعث لان الايمان به جزء لا يتجزأ من الدين..
وقد جاءت قصة أهل الكهف في القرآن واضحة ولم تكن المعجزة في عرضها من جديد بصياغتها الحقيقية كما هي، بل في انتزاع الموعظة منها اذ هي دليل قاطع على البعث، وهي دليل تاريخي وفلسفي وعلمي وبيولوجي وفلكي...وقد كان العرب آنذاك كغيرهم من الامم أصحاب نظرة مادية الى الحياة...لهذا فقد جادلوا قضية البعث جدالا عنيف، لان النظرة المادية الى طبيعة الامور لم تستسغ البعث ، والبعث هو أساس كل عقيدة دينية كيفما كانت...لان الدين ينبني على ازدواجية الحياة، أي على الايمان بالحياة في الدنيا وفي اليوم الآخر، أو يوم الدين، وعلى هذا الاساس ترتكز التعاليم الدينية سواء منها الاخلاقية أو القانونية أو الاجتماعية...فكانت قصة أهل الكهف الدليل التاريخي المادي على وجوب البعث.
لقد جرت أحداث هذه القصة في بداية الدعوة المسيحية حين كانت تعاني الضغط الوثني.
وفي تاريخ المسيحية تفصيل لقصة المسيحيين الذين فروا من بطش الرومان المتعصبين للوثنية وظلم الامبراطور Poules  الذي كان يحكم روما فآوى فتية مخلصون الى الكهف الذي عثرت عليه الحفريات الحديثة وناموا في الكهف سنين عديدة، ثم بعثوا الى الحياة في عصر الامبراطور المسيحي الصالح Théodos الثاني الذي كان على عرش الامبراطورية الشرقية وكان بعثهم استجابة من الله تعالى لدعاء هذا الامبراطور الصالح التقي، الذي طلب من ربه الحجة والبرهان على وجود البعث من القبور، فبعث الله أولئك الفتية من قبورهم بالكهف فازدادوا اطمئنانا...
فقصة أهل الكهف حجة تاريخية على امكانية البعث، وهي في نفس الوقت تحليل فلسفي عميق لفكرة الزمان، والانسان، ومحاولة الانسان لمعرفة الزمان وقياسه...ذلك لان الزمان الذي يفزع قريشا، وتتخذه سلاحا لانكار البعث  ليس الا تحديدات مصطنعة لتوقيت الاحداث.
واذن فان قصة أهل الكهف شرح ميتافيزيقي فلسفي للدليل على امكان البعث، فما دام الانسان يصارع الزمان أي ما دام الصراع مستمرا بين الكائن البشري وبين الزمان...لان هذا الكائن يرفض انتصار الزمان الموت النهائي الذي لا حياة بعده، ولا بعث، فالايمان الانساني بالبعث انتصار على الزمان...وقضية البعث معادلة بين عقل الانسان وقلبه لئلا يختل في اطار مشكلة النهاية، وكما يرى بعض المفكرين هي معادلة العقل والنفس والزمان بمعادلة الواحد الصحيح يساوي صفرا، وان الحياة الايجابية لا تبدأ الا من عدد اثنين، اذ كل حركة يجب أن تقابلها وتعادلها حركة أخرى، وكل قوة يجب أن تقابلها قوة حسب قانون التضاد...فيجب اذن التعادل بين قوة الايمان، ونشاط العقل، ونشاط الايمان، وأزمة الانسان تنشأ عن اختلال التوازن بين العقل والقلب.
واذا كان الانسان يصارع الزمان، وهو بدوره يصارع الانسان من جهته، ثم اذا كان الزمان ناتجا عن احساس العقل الانساني، فلا يمكن قهر الزمان الا عن طريق الايمان بالبعث.
فاذا حاول الانسان ان يعي القضايا والاحداث بعقله دون تدخل الايمان، فانه سيسقط فريسة انتصار الزمان العقلي ليقتنع بالفناء وان الزمان حقيقة صلبة والاحداث سلسلة مخيلاته وما التاريخ الا استمرار لها...أما الايمان فيقرر حركة الزمان التي اذا تعطلت توقف الزمان والبعث وحده وهو الذي يظهر مقياس الزمان.
وهكذا استطاعت قصة ( أهل الكهف) التي أظهرت انتصار الايمان على العقل ان تفسر حقيقة الزمان وتؤكد البعث بالمشاهدة، وبذلك استسلم الدهريون لهذه الحجة المقنعة...

فقصة أهل الكهف دليل على وجود البعث وهذا هو مفهومها العميق في الدراسات الاسلامية.
هذه حقيقة القصة، وهذه ابعادها الدينية أما اليهود الذين أثاروا الاسئلة، واما المسيحيون الذين اختلفوا في رواية القصة فليختلفوا ما شاءوا وليقولوا رابعهم كلبهم، أو خمسة سادسهم كلبهم، فكل ذلك افتراضات وحوار شكلي، فابله اعلم بعدتهم، وعلى الانسان ان يهتم بعمق القضية لا بشكلها، فلا اليهود استفادوا منها فتحولوا عن التعصب الى الايمان ولا المسيحيون استفادوا منها كذلك فاتعظوا، وانما آثروا الخلافات الشكلية فقط.
أما عمق القصة فهو الذي يوجه الاسلام اليه فهو ان البعث واجب، وان الزمان نسبي مع تنمية الافكار الميتافيزيقية في حوار أهل الكهف مع أهل المدينة الجديدة، ثم المظهر العميق لتغير الاجيال، والبرهنة على البعث بالاستشهاد التاريخي على حقيقة وقوعه، فلا كفر بعد ان اظهر الاسلام حقيقة الدين، ولا مجال للعناد والتشبث بالاقوال الشكلية والفرار من الواقع والحجة الدامغة والتدرع بالاسباب الواهية ليستمر الانسان على الكفر قصد تحقيق أنانيته وشهوته ومصالحه على حساب غيره فيستحق عقاب ربه جزاء كفره بالخلود...
وقضية البعث التي يثيرها المكذبون بالدين يعتمدون فيها على اعتراضين (أولهما) أن الجسم يتلاشى في مدة محدودة، ولهذا فلا يمكن الاحتفاظ به أو بمقوماته، و (ثانيهما) ان الزمان في دورته يبيد الاجسام في مدة معلومة رياضية مضبوطة...فجاءت قصة أهل الكهف لترد على المكذبين في الناحيتين معا، من ( طبيعة الجسم ) الذي يتلاشى لاسباب فسيولوجية والله قادر على اعادة خلقه كما كان اول مرة...وفي تحليل حقيقة الزمان ومفهومه من الناحية الطبيعية والاحيائية، ومن الناحية الرياضية الفلسفية ومن الناحية الصوفية، مع ملاحظة تلازم تفسير الزمان بعلاقته مع الانسان العلمية والفيزية، ولهذا تؤكد الآية عن العلاقة بين الاحياء والزمان، وعلماء الفيسولوجية يتكلمون عن الزمان ( البيولوجي) أي الزمان المختص بعلم الاحياء فيلاحظون أن الزمان يسير ببطء بالنسبة للاطفال، ويسير بسرعة بالنسبة للكبار، وهذه الظاهرة تقوم على أساس دورة الحياة في الخلايا التي تتحرك زمان أوليتها فتشعر الطفل بطول الزمان، وقلة حوادثها في الكهولة فتشعر بالعكس، وانعدامها في الموت موقف لحركة الزمان، كما في قصة الكهف، لان ركود الخلايا هو قياس الزمان بالحوادث وبحركة الافلاك، لان الخلايا تحيا بالاحداث وتتجدد فيها، وعلى هذا، فالزمان يقاس بالاحداث، وتدخل العقل الانساني هو الذي يربطه بالفلك وحركته ليضبط التاريخ...ففي عالم الحيوان حيث لا يوجد عقل نشاهد قياسها للزمان بالاحداث فقط، فمن ضيق التفكير والتعصب انكار البعث بحجة طول الزمان، وفي علم الاحياء عجائب دالة على رأي علماء البيولوجيا اذ ان زمان نضج حقول القمح محدد بتوقيت عجيب، زمان نضج الفواكه محدد كذلك، وبعض الطيور تتجه نحو الجنوب في وقت مضبوط معين من كل سنة، والجراد يغادر شعوبه تحت الارض المظلمة في وقت محدد، والاسماك البحرية تبيض في وقت مضبوط، فهذه الكائنات الحية تعيش في نظام زمني ولكنها لا تعيه، فاذا كانت الفصول دافعة لذلك في بعضها، فان حالات بعض الحيوانات الاخرى لا علاقة له مطلقا بالفصول، وعليه محجة حساب الزمان باختلاف الليل والنهار انما هو بالنسبة للبشر على سطح الكرة الارضية، وليست له علاقة بالكون كله في مجموعه لان توقيت الزمان هداية من الله والاعتماد فيه على اختلاف الليل والنهار هو هداية من الله كذلك، وكما قال تعالى: "فأووا الى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته"، وقد انطلق الانسان من ذلك فسجل حركة الزمان بالاهرام والخامات الشمسية، واهتدى للساعات التقنية، أما من الناحية النظرية فالانسان يعيش، في نسبية الزمان، ويقترب من الادراك الكامل للزمان، وكلما اقترب منه ادرك بعض قوانين الكون الابدية والايمان بمعرفة خالقه تعالى، واذا فالزمان هو حجة على المكذبين بالدين، وعلى ذلك فالايمان بالبعث حتمية علمية وشعور الانسان بانتصاره على الموت التي تعتبر أول معضلة واجهها الانسان، وفشل في كل تحدياته لها الا عن طريق الايمان بالبعث، وقد تحدى الانسان الموت بفراره من العدم وتحنيط المومياء حيث أزرت الكهانة والنباتية لنجعل من جسم الانسان مومياء تنتظر عودة الروح، وحاول العلماء الطبيعيون والاطباء تحقيق استمرار عضوي، واعتبار الموت مرضا يمكن علاجه، وقد عكف علماء كريوجنزاسيون Cryogénisation على تجميد الاعضاء، ثم محاولة احيائها اعتمادا على حيوية خلايا الدماغ ( لانزيم) مما يؤكد علميا حقيقة البعث، لان خلايا الجسم عند الانجماد تحتفظ بحيويتها.
أما الناحية الرياضية فان المعادلات في علم الكسمولوجي تؤكد نسبية الزمان في حركة الكواكب والنجوم، والرحلات الفضائية التي تجري في عدة شهور ما يعادل السنوات، ولان الزمان الرياضي يخضع لقانون النسبية ويؤيد العلم الحقائق الدينية، ففي علم الفلك كان التقدم العظيم للفكر في فهمه لنطاقه المحدود أمام السديميات السحيقة في البعد، وأمام ملايين السنين الضوئية حيث تمتد الى اللا نهاية التي يستحيل ادراكها بله الوصول اليها، وحيث لا يجد الفكر وسيلة للمعرفة بالكم والعلاقة والحالة والمقولات، هنا يقف العلم أمام الحقائق الدينية معترفا بها مقرا لها.
وتؤكد نسبية الزمان النظرية حول الطواف بالكرة الارضية ابتداء من الشرق الى الغرب لتكون النتيجة ظهور تغيير الوقت بين حركة الساعات التي رغم ضبطها بساعة ذرية، وتقدير الكثافة، فان وجود الفرق ولو كان ضئيلا دليل على نسبية الزمان، وقد قدر الفرق بمقدار واحد على مائة ألف مليون من الثانية، ويستنتج من ذلك ان الزمان يتغير حسب البعد المكاني مما يجعل ان تكون الرحلة التي تستغرق اثنين وثلاثين سنة أرضية بسرعة قريبة من سرعة الضوء تجعل القائمين بها يكبرون في العمر أربع سنوات وثلثي السنة بالنسبة لقرنائهم الذين يكونون في السنة الثانية والثلاثين.
واذا تركنا النظرية الرياضية للتدليل على نسبة الزمان كما تؤكده ذلك قصة أهل الكهف ( لبثوا يوما أو بعض يوم)...وهم لبثوا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا.. فان الفلاسفة ناقشوا موضوع البعث عن طريق المادة والهيولي وهم يرون ان الزمان له اتجاهان مختلفان ( أحدهما) : ميتافيزيقي، والآخر مادي، فالاتجاه الميتافيزيقي يرتكز على الفلسفة الاغريقية والاسلامية في شرح معنى الزمان حسب التقسيم اللغوي الى الازمنة الثلاث وقد تعود النحويون ان يقسموا الزمان الى الزمان الماضي الذي انقضى ولم يعد له وجود و (الحاضر) الذي يتحقق في هذه اللحظات ثم ينقضي ليصبح ماضيا، و (مستقبل) الذي لم يتحقق بعد، فالحاضر نقطة هندسية لا وجود لها لانها نقطة في امتداد ماض آخر سيأتي...وقد انكر بعض الفلاسفة " الزمان" كحقيقة واقعية لان الحاضر ليست كثافة وجودية، أما الماضي أو المستقبل فلا وجود لهما، ويرى بعضهم أن الزمان كله في ( الحاضر) كما قال أوغسطيس لان الزمان حاضر الماضي، لأنه يتذكر دائما، وحاضر الحاضر هو المعاش المنتبه اليه، وحاضر المستقبل الذي يعتمد على الأمل والتخيل، ويرى هذا الفيلسوف أن الاحساس بالزمان وظيفة نفسية بحثة، تتعلق بالماضي بما تحبه النفس وبالمستقبل بما تحبه النفس كذلك.
ويرى بعض الفلاسفة المسلمين أيضا أن الزمان صورة أولية فهو حاضر مستمر يعتمد الاستمرار والديمومة...وآخرون يرون الحاضر استمرارا للماضي، ويقولون ان الانسان هو الموجود الزماني لان الحيوان لا يحيا الا بالحاضر دون معرفة بالماضي أو المستقبل اما الانسان فهو الذي يدرك الزمان بابعاده الماضية والحاضرة والآتية، بل ان الانسان انما يعيش للمستقبل حتى ليقول بعضهم ان الانسان في جوهره مستقبل، اما الفلسفية المادية الفاشلة فقد جاء في المعجم الفلسفي :" ان الزمان والمكان لا ينفصلان عن المادة، وهما لا معنى لهما اطلاقا خارجيين عنها، وليس الزمان تابعا عن الوعي الانساني وعقله، وقد حددت الفلسفة المثالية الالمانية على يد ( كانت ) الذي رأى أن المكان والزمان صورتين عقليتين (أي انهما من المبادئ العقلية الاولى التي تساعد الانسان على ادراك العالم الخارجي، ومن طريق نقد العقل ومعرفة الميادين التي تقوم عليها المعرفة فنحن في الاخير لا نصل الى الحقيقة المطلقة بل الى الحقيقة النسبية، ويرى ان المعرفة تتألف من عنصرين ما ينقله الحس الينا (أي المادة ) وماهو موجود في عقولنا من مباديء أولية أي ( الصورة) فالمادة تمثل وجودا خارجيا أما ( الصورة) فتمثل مبدأ أوليا...والصورة التي في عقولنا تعتمد على أساسين نعتبرهما اطارا للعمل، وهما الزمان والمكان ( فالمكان) صورة أولية واطار للمعرفة عن طريق الحواس ز ( الزمان) صورة أولية واطار للمعرفة نتوصل اليها بالشعور، وبعبارة أوضح ( المكان) اطار لمواضيع الاشياء و (الزمان) اطار لتاريخها.             

  ويرى "كانت" ان الزمان والمكان ليس لهما واقع موضوعين وهما لا يوجدان الا بالنسبة للذات...فنحن لا نستطيع ادراكهما عن طريق التجربة لعدم قدرتنا على الغائهما دون ان نلغي من عقولنا الفكرة التي يكونها عن الزمان، ونحن انما ندرك المكان عن طريق التجربة الحسية ثم لا ندركه الا عن طريق العقل لان فكرة المكان راسخة في العقل ولا ادل على ذلك من اننا ندرك المكان عن طريق العقل، ان ادراكنا له غير متناه ولو كنا ندركه بالتجربة الحسية لكان شيئا متناهيا وكذلك الزمان الذي هو صورة عقلية، والصورة العقلية التي لنا عن الزمان تختلف عن أقسام الزمان الذي يجرى عليه مقاييس مختلفة كاليوم والشهر والسنة مثلا، وهذه المقاييس مرتبطة بموضوعات المكان وهو كذلك تصوره عقلي غير متناه ...وعلى هذا فالزمان والمكان صورتان تقوم عليهما المعرفة، ولذلك فالهندسة هي حرز للمكان والحساب هو حرز للزمان...فعن طريق الزمان المعرفة بادراك عقلي بعد ادراكها  حسيا وهذه الفلسفة الكاشفة تعتمد ( المقولات) التي كانت عشرا في الفلسفة الاعتزالية لتقيم عليها المعرفة وتتشكل بها احكامنا وتستفيد اخيرا من فلسفة كانت ( نسبية الزمان ) والمكان، اذا كانت النزعة المادية احتوت المكان ورات الحياة في الصور المكانية التي يحسها فان ( يرجسون) يرى ان جوهر الحياة وروحها ينحصران في الزمان أكثر من المكان...لان الزمان هو تراكم الصور الكونية بعضها فوق بعض، أو صورة واحدة امتدت ونمت فالماضي من بدئه الازلي لم يغير وهو عريق وما زال في تضخم مستمر...ولذلك يستحيل أن يكون المستقبل شبيها بالماضي نظرا للتغيير المتوالي الذي هو سنة الحياة...وذاكرة الانسان وعاء يمتد ويختزن الاشياء عبر الزمان لتكون عونا لامدادنا بالمعلومات في نطاق الاختيار عندما نريد ان نختار...وبالذاكرة نستوعب الزمان، ونستوعب الخلود في لحظات معدودة . .والعالم الخارجي هو مجموعات من الصور المتوالية لحظة بعد أخرى، ومن تتابعها تتألف الحقائق الخارجية من الماضي الى المستقبل، والحياة ومحل هذه الصورة المجزاة..
ويقسم الزمان في فلسفة المثالية الى زمان رياضي يعتمد على الساعات والدقائق، وزمان نفسي يعتمد في حقيقته على الديمومة الباطنية المحضة، والاول زمان خارجي، والثاني زمان باطني (الاول) يعد بالساعات والدقائق، والثاني يعد بالقوة الداخلية في صميم الوجدان، ولهذا فان فترات الانتظار تطول وكان الزمان يتمدد.. كما عبر عن ذلك الشاعر امريء القيس حين قال :

وليل كموج البحر ارخى سدوله        
                     على أنواع الهموم ليبتلي
كان الثريا علقت في مصامـها
                     بامراس كتان الى صم جندل

وهناك شعراء آخرون عبروا عن طول الزمان النفسي رغم قصره الرياضي..
ولقد وصف برجسون في ( التعاقب في العالم المادي) ظاهرة تدخل عامل الشعور في الزمان، فقال في كتابه ( التطور الخلاق)، عندما أهيئ كوب ماء بسكر، فاني انتظر وقتا ما الى ان يذوب السكر في الماء، ولا بد لي من انتظار ذوبان السكر ( اردت ذلك أم لم أرد) وهذه المسألة البسيطة ذات دلالات عظيمة، ذلك لاني عندما انتظر احيانا لحظات وزمان ليس مجرد زمان رياضي، بل هو زمان نفساني يتطابق مع حالة الحقيقة النفسية، وهكذا أعطى الفيلسوف الفرنسي نفس المعنى لحقيقة الزمان الذي يعطيه الشعراء والفنانون وربما كان في نزعة الفيلسوف برجسون الصوفية ما يبرر له هذا الوعي لمفهوم الزمان وتقسيمه.
وقضية البعث والخلود وتجاوز الزمان والمكان في معاناة الصوفية وتجربتهم فهم يرون ان (الانسان) له امتدادان، امتداد داخلي في اعماقه، حيث التأملات الداخلية للوصول الى المعرفة عن طريق التأملات الداخلية، أي ادراك العالم الخارجي عن طريق العالم الداخلي، اما الامتداد الثاني فهو الامتداد الخارجي الذي يستعمل الحواس الخمس والحدس والبصيرة للوصول الى المعرفة، ولا يعسر على الصوفي وهو رجل التأمل والمعارف الروحانية المنكر للحواجز المادية، أي يشعر بوجوده الذاتي وامتداد الزمان وتقارب المكان... مما يجعل العقلانيين يتهمونه بالهوس في أحسن عبارات التقديم، ولهذا فالزمان عند المتصوفة لا يعتبر حائلا مطلقا بين الانسان الحاضر والماضي السحيق !
وفي رسالة السهروردي تفسيرات غريبة لفكرة الزمان عند أهل التصوف تبين طريقتهم في تطبيقهم 
( التاريخي ) فالموافق التي حييها في ( العهود الماضية) أشخاص مختارون تعين مراحل تمت في ( العهد الحاضر) وتسللها بما فيه من ضرورة ومفاجأة يكون تطورا راميا حتى الخروج من المقابر والكهوف وعند سفح أعلى الجبال العالية...وكل النصوص القرآنية، والاشارات الى موسى وسليمان ونوح ولوط وعزرا، وكلها نقلت الى ضمير المتكلم الى الحاضر مما افضى الى قلب ( الزمان).      
فعلاقة الزمان بالتاريخ هي أن حالة التتابع التاريخي تكون حالة خاصة أي حالة تتابع يستمر ناميا في اتجاه خطي مفروض ويمكن تحقيقه في كل حالة من حيث ( تعيينه الزمني) كما هو.
ويلاحظ أن الفلسفة الاسلامية ترى الفكر يمتاز خصوصا بأنه يجعل حالة التتابع هذه تدخل كحالة من بين غيرها من الحالات في وضع المقدم والتالي وهي حالات تتوقف حقيقتها في كل حالة على الارادات الالهية التي تهبها الوجود.
ويقول بعض انصار الحلاج كما يروي البيروني ان موت الحلاج بمثابة عصر في ذرة الشعائر الدينية وقيمته طاسي (309) وهو مقدار المدة التي نام فيها أهل الكهف.
ولقصة أهل الكهف بعد اجتماعي آخر ذلك لان الانسان انما يحقق وجوده متلاحما مع بيئته، وهذا التلاحم يستلزم وحدة الفكر والمعرفة واداة ذلك من المصطلحات اللغوية وما يتبع ذلك من معارف فلسفية وعلمية واخلاقية، كل ذلك على قدر خاص ونسبة معينة، حتى اذا طرأ أي خلل في تحقيق هذه النسب شعر الانسان بالغربة، لانه لم يعد يفهم الناس أو يفهمه الناس، ولم يعد يعبر عن مصلحته أو يلائم بينها وبين مصالح الناس، وهذه الغربة التي يعانيها الفلاسفة أو الشعراء الذين تتغير المفاهيم عندهم فتجعل الناس ينفضون من حولهم لتغير البيئة الفكرية، وهذه الغربة يعبر عنها أصحاب أهل الكهف حين اكتشفوا حقيقتهم وبعدهم الزماني عن معاصريهم فآثروا الموت على الحياة، ولم يتحدوا مع المجتمع وقد اختلفت بينهم وبينه كل القيم، وكان تقدير المجتمع الجديد لهم عظيما حيث اصبحوا قديسين فبنيت على قبورهم الهياكل.
هذا مجمل لقصة أهل الكهف في الدين وفلسفة القصة كما يراها الاسلام وخصها كثير من رجال الدين بالدراسات، وما يزال المسيحيون يحتفلون بعيدين لذكرى أصحاب الكهف وكان أثرها عظيما في الآداب الاسلامية، واعتاد بعض المسلمين ان يتلوها في كل صلاة جمعة، كما اعتاد بعض المتصوفة ان يقرأها يوميا...وشرحها الامام الغزالي في كتاب الاحياء حيث اعطاها تفسيرا صوفيا، ويقول أن أهل الكهف بمثابة الابدال أي الصالحين الذين لا تخلو منهم الدنيا. 
أما ابن سينا فيسفرها على أسس فلسفية حتة فيها شيء من الرمزية الفلسفية والتحليل العميق لمشكلة الزمان.
وشغلت الكتاب المسلمين المعاصرين، فاقتبس منها توفيق الحكيم مسرحيته (أهل الكهف) معتمدا على الروايات الضعيفة في سرد احداثها.
أما عن مكان الكهف الذي كان به الفتية، فاختلف المؤرخون فيه فقيل بلبنان على أصح الروايات، وما يزال الى الآن يعرف جبل بهذا الاسم، ويذكر محمد بن عثمان في رحلته ( الاكسير في فكاك الاسير) انه رأى قرب مدينة الحمراء بالاندلس جبلا تسلقه وفيه كهف يذكر أهل التاريخ المسيحي ان هذا الكهف هو كهف ( أصحاب الكهف) وقال له النصارى أن هذا الكهف معروف عندهم كان به أناس أموات من أول الزمان ولا يعرفون من هم وذكر لهم أحد النصارى أنه دخل الى الكهف منذ ثمان عشرة سنة فوجد به عظام أولئك القوم لا زالوا على حالهم، وهذا الجبل في قلبي غرناطة مشرف على وادي (هدر) الداخل لمدينة غرناطة، وذكر بعض المفسرين أن المدينة التي بقرب أصحاب أهل الكهف به عظام لموتى قدماء وليس هو الكهف المقصود بقصة أصحاب الرقيم المعروفة في القرآن، ولكن كلمة الكهف هي التي دفعت ابن عثمان الى هذا الفهم.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here