islamaumaroc

بحث في القراءات القرآنية التي تحدث عنها الزمخشري في تفسيره (الكشاف).-5-

  دعوة الحق

159 العدد

 20 – مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون(1).
 في هذه الآية تصوير لحال المنافقين وتمثيل لحقيقتهم، فهم كالذين استوقدوا نارا ليستضيئوا بها فلما أضاءت ما حولهم أطفأها الله وتركهم في ظلمات حالكة لا يبصرون.
 والسبب في ذلك مرجعه لعواقب هؤلاء المنافقين ولانطماس بصيرتهم ولانحرافهم عن الجادة وإصرارهم على النفاق والمخاتلة فهم حينما أعلنوا إسلامهم أضمروا الشر للمسلمين حبطت أعمالهم وضاعت الفرصة التي مكنت لهم للنجاة، فكان ذلك بمثابة إطفاء النار وضياع النور وبمثابة فوات الفرصة يوم الجزاء، فهم وإن كانوا يقدرون على إخفاء أمرهم في الدنيا فليس لهم سبيل إلى إخفائه يوم القيامة أمام الحاكم المطلق الذي يعلم دقيق الأشياء وجليلها.
 وفي هذه الآية سنشير كالعادة لبعض الجزئيات المتصلة بالقراءات وعددها ثلاث.
 الجزئية الأولى تتعلق بقوله تعالى : فلما أضاءت ما حوله.
 الإضاءة فرط الإنارة، والفعل هنا متعد فاعله ضمير يعود على النار والمفعول به هو – ما – الموصولة ومن المفسرين من قدر الفعل لازما وجعل ما بعده فاعلا واعتمد في ذلك على القراءة التي وردت عن ابن أبي عبلة بدون همزة، فقد قرأها، فلما ضاءت ما حوله.
 وهذا الاعتبار يحتاج إلى تقدير يكاد يكون بعيدا عن السلاسة اللغوية التي تفهم من التقدير الأول بحيث لا يتأتى المعنى إلا إذا اعتبرنا التأنيث في الفعل تأنيثا معنويا راجعا إلى تأويل ما الموصولة بالأمكنة، ويكون التقدير حينئذ – فلما أضاءت الأمكنة التي حوله -.
 وهذا أسلوب ينبغي إلا نضطر إليه ما دامت القراءة الأولى صالحة لجعل الفعل متعديا وما دامت هي القراءة المنتشرة المشهورة.
 الجزئية الثانية تتعلق بقوله تعالى : ذهب الله بنورهم، فقد قرأها اليماني : - اذهب الله نورهم -.
 وفي هذه القراءة نلاحظ تعويض صيغة فعل به بصيغة أفعله، وهي ظاهرة لغوية معهودة لأن الباء  تعاقب الهمزة في التعدية ويغلب ذلك في الفعل اللازم فيقال مثلا : - أخرجه به – وأذهبه وذهب به.
 ويقتضي هذا التعاقب تساوي القراءتين وعدم ترجيح إحداهما عن الأخرى بناء على أن الصيغتين تؤديان معنى واحدا، لكن الزمخشري لم يقل بالتساوي نظرا لملاحظة المصاحبة في الباء وعدم ملاحظتها في الهمزة، ولهذا قال : "والفرق بين أذهبه وذهب به إن معنى أزاله وجعله ذاهبا، ويقال ذهب به إذا استصحبه ومضى به معه وذهب السلطان بماله أخذه فلما ذهبوا به إذن لذهب كل إله بما خل ومنه ذهبت به الخيلا، والمعنى أخذ الله مورهم وأمسكه وما يمسك الله فلا مرسل له فهو أبلغ من الأذهاب" (2).
 وتحليل الزمخشري يدل على أن القراءة المشهورة ذات أبعاد معنوية لا تحققها القراءة بالهمزة وهو في ذلك يسير على مذهب بعض اللغويين الذين يقرون هذه التفرة بين الصيغتين كالمبرد مثلا.
 وينكر ابن هشام في كتابه المغني كون الباء تدل على المصاحبة ويجعلها معاقبة للهمزة، ليس غير لأنه يرى أن المصاحبة لو كانت معتبرة لكان الذهاب بالنور يقتضي ذهاب فاعله، وهذا مستحيل في حق الله تعالى ويرد على المبرد وعلى السهيلي القائلين بالفرق بينهما.
 وأنا أرى أن تضييق ابن هشام لا مبرر له، لأن المصاحبة اللغوية حكم متصل بالكلمة في أصل أدائها وانعدام ذلك لمبرر خارجي متصل بالشرع أو العادة لا يمنع من الإيحاء الأصلي الدال على التوكيد.
 فالمبرر الشرعي واضح في الآية وهو لا يمنع من قصد التوكيد الذي تدل عليه الصيغة حسب قول الفراء والسهيلي والزمخشري، وأما المبرر العادي فيظهر في قول امرئ القيس يصف فرسه :
 كميت يزل اللبد عن حال متنه
                كما زلت الصفواء بالمتنزل
 فالصفواء في العادة لا تنزلق مع من ينزلق عليها ولكن الصيغة رغم ذلك تقتضي التوكيد وإبراز الصورة الحسية في أجلى مظاهرها.
 إذا تقرر ما قلناه بقي تأويل الزمخشري واضحا مقتنعا مفيدا للمبالغة رغم ما أيداه ابن هشام من الإنكار والمعرضة.
 الجزئية الثالثة تتعلق بقوله تعالى : - وتركهم في ظلمات – فقد قرأها الحسن في ظلمات بسكون اللام وقرأها اليماني في ظلمة بالتوحيد.
 ومن الجلي الواضح إن القراءة التي تجعلها جمعا أقوى من راءتها مفردة لأنها تدل حينئذ على أن هناك أنواعا من الظلمات كظلمة النفاق وظلمة العقاب وظلمة غضب الله عليهم وغير ذلك مما يدل عليه الجمع، وزادت صورة الكلمة هولا حينما جاءت منكرة، ثم لما اتبعت بوله تعالى : - لا يبصرون – ليظهر هول هذه الظلمات التي لم يبق فيها أي بصيص أو أي أمل للاستفادة من هذا الضوء نظرا لفوات الأوان ولمواجهة العقاب الإلهي يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 21 – أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يجعلون في آذانهم من الصواعق حذر الموت، والله محيط بالكافرين (19)، يكاد البر يخطف أبصارهم، كلما أضاء لهم مشوا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم، إن الله على كل شيء قدير (20).
 الصيب المطر الشديد الذي يكون له وقع وتأثير وقد يطلق على السحاب ذي الصوب أي السحاب الممطر، وفسرت الآية حسب المعنين معا.
 وهاتان الآيتان داخلتان في إطار تصوير حال المنافقين الذين ضلوا عن طريق السوي والذين فقدوا التأمل العميق لأحوالهم ولمعاني الدين السليمة الواضحة وضوحا جليا لا ينحرف عنه إلا جاهل أو جاحد.
 وقد أبرز الله تبارك وتعالى شدة فزع هؤلاء في التمثيل السابق حينما شبههم بمن أودوا نارا ليستضيئوا بها، فلما أضاءت ذهب الله ينورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، ثم أراد أن يصورهم تصويرا آخر محسوسا يثبت سوء تصرفهم وخيال أمرهم فشبههم بمن أحاطت بهم ظلمة الليل وفيها سحاب قاتم ومطر شديد ورعد وبرق فاضطرب أمرهم وكثر فزعهم، ولم يجدوا سبيلا إلى الاهتداء إلا تلك اللحظات القصيرة التي يلمع فيها البرق، ولكنهم لا  يهتدون، فتعود الظلمة من جديد ويستمرون في فزعهم وتحسرهم دون أن يستفيدوا من الضياء.
 وهذا التمثيل المركب استحسنه الزمخشري في تفسيره ورأى أنه أقوى تأثيرا من اعتبار التجزئة في التشبيه.
 وكأني بالقارئ يسأل عن المواد بهذه التجزئة التي لم يستحسنها الزمخشري رحمه الله، فأقول : - إن بعض المفسرين اهتموا بالجانب الفردي في المقابلة بين طرفي التشبيه إذا تعددت الأطراف وربطوا كل جزء بما يقابله ! فذكروا أن الصيب يقابل به الدين أو القرءان لأنه أساس الحياة ومصدر الانبعاث، وإن الظلمات تقابل بالكفر الذي عليه هؤلاء المنافقون وإن الرعد يقابل الوعيد المهدد لهم بالخزي والفضيحة والعقاب، وإما الفرق فهو تلك الحجج الدامغة التي تلمع كلمعانه والتي تكاد تستميلهم وتقنعهم، ولكنهم ينصرفون عنها جحودا وعنادا.
 وهكذا نجد أن هذه التجزئة تحاول ربط حالتهم بهذه الصورة الطبيعية التي تتجلى فيها كل المظاهر المتعلقة بهم وبأحوالهم ومع ذلك فإن الزمخشري آثر أن يعتبر التشبيه مركبا لما في لك من إظهار الفزع في قالب عام شامل لا يرتبط بالأجزاء، ولكنه يرتبط بالصورة وإيحاءاتها القوية المنتزعة من الطبيعة في مظهر من مظاهرها المهولة.
 ولقد حاول بعض المفسرين الربط بين الرمز الطبيعي وبين تذبذبهم واستغلالهم لمواقفهم، فهم كانوا يريدون التظاهر بالإسلام إذا استفادوا منه في حياتهم المادية كاخذهم النصيب من الغنائم وكالمطالبة لحمايتهم وحماية أموالهم، أما إذا كان الأمر يتعلق بواجبات يؤدونها وبتكاليف يلتزمون بها فإنهم كانوا يصدون عنها ولا يرغبون في تطبيقها، ويصدق عليهم في ذلك قوله تعالى : "وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحككم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين".
 وعلى هذا النهج سار السيوطي في تفسيره فقال عند ذكر هاته الآية المتعلقة بالمنافقين : إنها تمثيل لإزعاج ما في القرءان من الحجج، قلوبهم وتصديقهم سمعوا مما يحبون ووقوفهم عما يكرهون(3).
 ولا بأس بعد تقديم هذا العرض الضروري أن نعود إلى موضوع القراءات وأن نشير إلى الجزئيات التالية :
 أولا قوله تعالى : أو كصيب . . . هذه القراءة قراءة سليمة وعليها مدار القراءات المتداولة وقد أشار الزمخشري إلى قراءة أخرى، ولكنه ذكر أنها غير بليغة فقال : "وقرئ كصائب، والصيب أبلغ"(4).
 ثانيا : قوله تعالى : - يجعلون في آذانهم من الصواعق -.
 الواو ضمير متصل يعود على المشبه المحذوف المتجلي في سياق الكلام لأنه رغم حذفه لفظا فإن معناه قائمة.
 وهذا الأسلوب معروف في اللغة العربية منذ أول وقد جاء الزمخشري بنظير له من كلام العرب فقال ألا ترى إلى حسان كيف عول على بقاء معناه في قوله :
 يسقون من ورد البريض عليهم
                بردى يصفق بالرحيق السلسل
 حيث ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى.
 والصواعق ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى.
 والصواعق في اللغة جمع صاعقة وهي قصفة رعد تسقط معها شقة من نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه مأخوده من الصعق وهو شدة الصوت، ويقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق، والمعنى الأول هو المراد  هنا.
 وقد قرأ الحسن من الصواقع جمع صاعقة  (5).
 وأشار الزمخشري هنأ إلى ملاحظة دقيقة تتعلق بتعاقب معاني الكلمات رغم التغيير الواقع في وضعها الترتيبي من غير اعتبار القلب الطارئ عليها، وإنما باعتبار كون كل كلمة بناء مستقلا يتصرف تصرفا قائما بذاته فقال : "وقرأ الحسن من الصواعق   وليس بقلب للصواعق لأن كلا البناءين سواء في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله   ألا تراك تقول صقعه على رأسه وصقع الديك وخطيب مصقع مجهر بخطبته ونظيره جبذ في جذب ليس بقلب لاستوائهما في التصرف".
 والواقع أن هذا الموضوع المتصل بهذه الكلمات المتشابهة في الأصول المختلفة في الترتيب قد أخذ من الباحثين دراسات متعددة سواء بالنسبة إلى الدراسات اللغوية القديمة أو بالنسبة إلى اهتمام المحدثين.
 ولا بأس أن ندم عرضا مجملا لهذه النقطة بالذات نظرا للعناية التي أولاها فقهاء اللغة لذلك، وسنجري الحديث إلى العناصر الآتية :
 أولا – موقف علماء الكوفة :
 إن الكوفيين يلاحظون أن السبب الداعي إلى تغيير الترتيب إنما هو قلب مكاني داخل في إطار الكلمات التي يقع فيها التأخير والتقديم في المواقع دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير المعنى تغييرا جذريا.
 ثانيا – موقف البصريين :
 أما البصريون فيفرقون بين الكلمات التي يظهر عليها أثر التبديل الناشئ عن تغيير المواقع، وأثر التبديل الناتج عن اختلاف اللغات من الأصل، ويمثلون للنوع الأول بقولهم مثلا هو شاكي السلاح وهو شأنك السلاح، ويمثلون للنوع الثاني بما يشبه الصواعق والصواقع كجذب وجبذ مثلا.
 ثالثا – موقف ابن جني :
 وهو موقف يؤيد جانب القلب ويجعله في أكبر احتمالاته بحيث يجعل الربط في المعاني قائما بين مختلف الكلمات التي تتحد أصولها وتختلف مواقع حروفها، ولا يلاحظ في مثل هذه الكلمات إلا تعبيرا في التفاصيل لا تغييرا في الملامح الدلالية المتعلقة بالمعاني العامة.
 وطبق هذه النظرية في كتابه الخصائص على المادة المكونة من ق – ول – حينما قال أنها تدل على الخوف والحركة كيف ما كان وضعها ألترتيبي، وعلى المادة المكونة من ك – ل – م – حين قال إنما تدل على الشدة والقوة كيف ما كان وضعها الترتيبي(7).
 ونحن لو حاولنا الربط بين هذه النظريات السابقة وبين رأي الزمخشري لوجدناه يسير على نسق البصريين الذين لا يعترفون بهذا القلب المكاني.
 والواقع أن هذا الخلاف ناتج عن عدم تحديد دوافعه سواء من حيث المفهوم اللغوي للكلمة في إطارها المستعمل أو من حيث ربط هذا الاستعمال بأصل من أصوله الوضعية في لهجة معينة. فنحن لو قرأنا مثلا كتاب لسان العرب لابن منظور وأخذنا مادة جذب لوجدناها تؤدي نفس المعنى المحدد لجبذ، ولكنه يذكر في بعض منتقياته أن الصيغة الأولى لغة للحجازيين، وإن الصيغة الثانية لغة للتميميين.
 وهذا الاختلاف في الاستعمال – بناء على مذهب البصريين والزمخشري – مرتبط بالوضع الأصلي، ولكنه بالنسبة لمذهب الكوفيين يعتبر قلبا مكانيا أدى إلى تغيير المواقع دون أن يؤدي إلى تغيير المعنى.
 والغالب إن سبب هذا الاختلاف ناتج عن عدم تحديد مفهوم الاشتقاق في اللغة العربية وفي المصطلحات المستعملة بحيث لو وع تحديد ذلك لوضحت الغايات وبانت الحيثيات وزال الخلاف.
 وتتميما للفائدة لا بأس أن نتعرض لرأي المحدثين في هذا الموضوع فنقول،
 رابعا – رأي المحدثين من علماء اللغة :
 ولعلماء اللغة المحدثين اتجاه خاص فيما يتعلق بهذه الكلمات.   
وأغلب الآراء تحاول الربط بين هذه الكلمات وظاهرة القلب الناتج عن الانعزال أو عن الأخطاء التي تشاع فتصبح متداولة مستعملة.
وقد قال الدكتور إبراهيم أنيس في هذا الباب(8) إن مثل هذه الكلمات متى كانت تنتمي للغة واحدة يجب أن ينظر إليها على أن بعضها أصل والبض الآخر مقلوب عنه ولا معنى للتفرقة بينهما.
ورأي الدكتور إبراهيم أنيس واضح في مخالفته لاتجاه الزمخشري فيما يتعلق بهذه الكلمات.
وسبب الخلاف كما قلت، ناتج عن اختلاف الحيثيات المتبعة في تعليل الأحكام، فالزمخشري راعى الاتجاه الصرفي والاتجاه الاشتقاقي العادي في حين أن الدكتور إبراهيم أنيس راعي الاتجاه البشري في تكوين الأصوات وفي تلوينها.
وكل من الاتجاهين لم مبررات مرتكزة على الاعتبار المختار من طرف القائل به، ولهذا نجد بعض علماء المعاصرين لا يستطيعون الأخذ برأي من الآراء إلى أبعد حدوده نظرا لعدم ثبوته ثبوتا نهائيا أمام التطبيقات المختلفة.
يقول الدكتور محمد المبارك حينما تعرض لنظرية ابن جني(9).
ورأيي أن اللغويين تعسفوا في هذا الباب تعسفا كبيرا وتكلفوا شططا، هذا مع أنهم لم يوردوا إلا أمثلة ليلة نادرة وخانهم التوفيق حتى في هذه الأمثلة القليلة نادرة وخانهم التوفيق حتى في هذه الأمثلة القليلة، وليس ما اتفق في اللغة من هذا القبيل في رأيي إلا من باب اللب، أي تبديل مواقع الحروف، وذلك مثل حمد، ومدح، وجدب، وحبذ، ويئس وأيس.
ثم تعرض بعد ذلك لرأي البصريين، وهو الرأي الذي ارتآه الزمخشري حسب ما شرحناه من قبل، ثم حاول تعليل الدوافع التي أدت بهم إلى اختياره دون غيره(10)  فقال : "وفي رأينا أن اعتبار البصريين لتعدد اللغات ناشئ عن حادثة القلب الصوتية قد ترجع في بعض الألفاظ إلى عهد بعيد جدا في تاريخ اللغة بحيث تأصلت كل واحدة من اللفظتين كمدح وحمد وحذب وحبذ في قبيلة من القبائل أو في معنى مختلف بعض الاختلاف عن بعض اللفظة الأخرى حتى بدت للباحثين أنها لغات متعددة وتنوسيت الحادثة الصوتية التي هي قلب مواقع الحروف ولذلك فإن اللغويين كما نقل السيوطي يرون أن ذلك كله مقلوب، ولا يفرقون كما يفرق نحاة البصريين القلب واختلاف اللغات" . .
ولعل ما ذهب إليه الأستاذ الدكتور المبارك يعد حلا واقعيا لهذه المشكلة اللغوية التي أخذت من جهود الباحثين وقتا طويلا(11).
وبعد تحليل هاته الظاهرة الصوتية نرجع إلى متابعة الحديث عن الجزئيات المتعلقة بالقراءات حسب الترتيب السالف، فنذكر ما يأتي :
ثالثا : يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت.
نصبت كلمة حذر على أنها مفعول لأجله، وقد قرأها ابن أبي ليلى حذار الموت، والحذار معناه المحاذرة، ولا يؤدي هذا الاختلاف إلى تغيير في المعنى ولذلك كانت القراءة الشهيرة المتداولة أصوب.
رابعا : يكاد البرق يخطف أبصارهم.
فقد وردت قراءة كثيرة تتعلق بفعل الخطف ندون منها ما يأتي :
1 – القراءة المشهورة التي تجعل يخطف مفتوح العين من خطيف من باب فهم، قال الجوهري في صحاحه وهي اللغة الجيدة.
2 – يخطف بكسر الطاء وهي قراءة مجاهد، وهذه اللغة لم يستسغها الزمخشري، وقال إن الفتح أفصح وأعلن وهو في ذلك مطابق لآراء اللغويين فد ورد في كتاب الصحاح إن خطف من باب ضرب قليلة رديئة لا تكاد تعرف.   
 3 – يختطف وهي قراءة ابن مسعود.
 4 – يتخطف وهي قراءة أبي، وفي اللغة لا فرق بين يختطف ويتخطف.
 5 – يخطف يفتح الياء والخاء وأصله يختطف، وهي قراءة الحسن.
 6 – يخطف بكسرهما على إتباع الياء والخاء، وهي واردة عن الحسن أيضا.
 7 – يخطف من التخطيف.
 ورغم تعدد هذه اقراءات مع بقاء المعنى سليما فإن القراءة الأولى هي المتداولة المشهورة المنجمة مع الاستعمال العادي.
 خامسا : كلما أضاء لهم مشوا فيه.
 قرأها ابن أبي عبلة كلما ضاء لهم بغير همزة التعدية، والفعل حسب تأويل قراءة لازم معناه لمع وأما حسب القراءة المتداولة فمتعد مفعوله محذوف يدل عليه سياق الكلام والقدير والله أعلم كلما أضاء لهم ممشى أو مسلكا أخذوه وإذا أظلم عليهم قاموا.
 سادسا : وإذا أظلم عليهم قاموا.
 قرأها يزيد بن قطيب أظلم على ما لم يسم فاعله.
 سابعا : ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم.
 هذه تتمة الآية المتعلقة بتصوير حال المنافقين الذين اضطربت ونفاقهم بأسلوب بياني قوي يجعل الهول متجسدا لهم في مظاهر الطبيعة التي لا تنفك عنهم ولا ينفكون عنها.
 والباء هنا للتعدية وقرأها ابن أبي عبلة بالهمزة مع إبقاء الباء، فقال ولو شاء الله لأذهب بأسماعهم وحينئذ تكون الباء زائدة للتوكيد كقوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة.
 ومفعول شاء محذوف لدلالة الجواب عليه، وقد جرت العادة في اللغة العربية أن يحذف مفعول شاء وأراد إذا كانا فعلي شرط، ولا يظهر المفعول إلا إذا كان غريبا كقول الشاعر :
 ولو شئت أن أبكي دما لبكيته
    عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
 وكقوله تعالى :
 لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا.
 وبهذه الفائدة اللغوية نختم الكلام عما يتعلق بهاتين الآيتين، ونتمنى التوفيق من الله في إتمام ما ننوي القيام به إنه سميع الدعاء.
  

1  جرت عادة المفسرين أنهم لا يتحدثون عن القراءات العشرية فقط بل يضيفون إليها القراءات الشاذة أيضا، وعلى نسقهم قدمنا هذا البحث.
2  تفسير الكشاف، الجزء الأول، صفحة : 33.
3  حاشية الصاوي على ذي الجلالين، الجزء الأول، صفحة : 12، 13.      
4  الكشاف للزمخشي، الجزء الأول، صفحة : 33
5  الكشاف للزمخشري، الجزء الأول، صفحة : 34 من الطبعة الأولى بالمطبعة البهية المصرية سنة 1343 هـ، وقد وقع في تنضيد الحروف خطأ مطبعي حيث قدمت العين على القاف مع أن المراد العكس كما هو واضح من سياق الكلام.
6  كان كل واحد بناء على حياله، هكذا كتبت هذه الجملة في الكشاف، وأظن أن فيها خطأ مطبعي أو المراد على حاله أو على حياده.
7  أنظر تفصيل الحديث عن ذلك مع الشروح العامة للكلمات المأخوذة عن طريق القلب بكتاب الخصائص لابن جني، طبعة دار الكتب المصرية من صفحة 5 من الجزء الأول إلى صفحة 17.
8  في اللهجات العربية، صفحة : 167.
 9  فقه اللغة وخصائص العربية، الطبعة الثالثة، صفحة : 106.
10  نفس المصدر، صفحة : 707.
11  اقرأ اتجاها آخر يتعلق بتعليل التبدلات الصوتية عند علماء اللغة المحدثين وعجزهم عن تعميمه بين مختلف الكلمات بكتاب الوجيز في فقه اللغة للأستاذ محمد الأنطاكي، صفحة : 405.        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here