islamaumaroc

شوارد وسوانح

  دعوة الحق

159 العدد

أردت أن أسجل تحت هذا العنوان، ما انبثق عن مناقشة شاركت فيها مع بعض الزملاء الأفاضل من رجال العلم بالشرق العربي فكان من ذلك، وقوفي عند هذا الاستعمال الذي شاع في الشرق منذ نصف قرن تقريبا، ثم شاع عندنا، وهو قولهم "وهو بالتالي" كذا وكذا.
وقد كنت من المستعملين له، وأنا طالب بكلية الآداب من جامعة فؤاد الأول، إلى أن أتيحت لي فرصة إلقاء بحثين لي على استأذنا الراحل، طه حسين، رحمه الله، وكان أحدهما حول أبي "دهبل الجمحي"، والآخر حول "الوصف في شعر ذي الرمة" فانتقد علي الأستاذ هذا الاستعمال.
ومن يومئذ وأنا أمعن فيه، وألتمس له وجها من الصواب، فلا أجده مستعملا في النصوص القديمة، ولا في استعمالات أصحاب الفنون التي باشرتها، منذ دراستي الثانوية، فهذا التالي لا أعرفه بمعناه المقصود، إلا في القضية الشرطية بالمنطق الصوري، كما بالسلم :
جزآهما مقدم وتالي
وأخيرا اهتديت إلى أن أقول معاصرينا من شبابنا وشيوخنا "العلامين"، المنافحين عن العربية الحاملين لرأيتها بزعمهم "بالتالي كذا" ما هو إلا ترجمة حرفية للاستعمار الإنجليزي Consequently أو Subsequently وما أكثر ما غرتنا الإنجليزية في عقر دارنا ؟ ومن أفتك غزواتها بنا، صياغة المستقبل في النفي بقولنا "سوف لا" أو "سوف لن" إذا مثل هذا لا يوجد إلا بها وأختها الألمانية ولا يوجد له نظير في أية لغة من اللغات التي تحيى بيننا الآن، اللهم إلا هذه التعبيرات التي فتك بها سرطان الاستعمار البغيض ونحن عن ذلك سامدون وفي غفلة متسكعون.
وعلى العكس نجد بعضهم يستعملون مثل "جاء ابن وعم فلان" فيخطأون في هذا الاستعمال، ويصوبون بأن يقولوا "جاء ابن فلان وعمه". وكان هؤلاء المعترضين مأخوذون بالعقلية التي لا تدرك طبيعة العربية، التي قال علماؤها : "بالنية والانتظار" فيها و "التقدير" في تراكيبها، والنية هذه لم تقم عليها اللغة فحسب، بل قام عليها حتى الدين، قال الحديث "إنما الأعمال بالنيات" وقل الفقه : "الذمة عامرة باليقين لا تبرأ إلا باليقين" فكان للقصد وعدمه في ارتكاب الجنح والجرائم، اعتباره الأول
فتعبيرنا إذن صادر عن طبيعة العربية، التي تقول بكل ذلك وتقول، بناء على قاعدة النية "بلمح البصر"، وبغير ذلك من ملاحظ لا تخرج عن مبدأ النية، ولا تعتمد على التركيب الميكانيكي الذي نجده قد تحكم عند أصحابه، "ولكل قوم هاد". أما نحن    فنقدم ونؤخر حسب ما نقصد وما ننوي إليه، ونضمن الأفعال فنشرب بعضها، أن اقتضى الحال، وكانت في ذلك وجهة معقولة، لا تمحك فيها ولا تغرير . . .
 لقد استعملت هذا التعبير، وأنا طالب أيضا بالكلية المذكورة، في أحد البحوث التي قدمتها لاستأذنا، مصطفى السقا رحمه الله، فصوبني فيه، على جهة التحسين، لا التقبيح له الآن استأذنا السقا، يصح أن نعده آخر من حمل لواء أستاذه العظيم، الشيخ حمزة فتح الله، فكان في العربية موسوعتها المتحركة، وكان اللجوء إليه من الأساتيذ الكبار وفلما نجد من جيلنا المزاول للعربية ودراستها، من لا فضل عليه لهذا الأستاذ الذي عرفته الجامعة والمحافل العربية في مصر وغيرها.
 وبعد عشر سنوات، من استعمالي ذاك، وجهت إلى أستاذي الدكتور إبراهيم أمين، بنموذج من ترجمتي لكتاب (جهار مقاله) بقصد الإطلاع على هذه النموذج من الترجمة، مرفقا برسالة الموافقة والاستحسان ومعلما فيه هذا الاستعمال، بالتصويب الذي سبق ذكره، وكان الدكتور رحمه الله رحمة واسعة، بحرا في مادته مشاركة في عدة لغات على مقدمتها التركية والإنجليزية والفرنسية، وربما الألمانية أيضا، عدا العربية والفارسية. فلا شك أن توجيهه كان على سبيل التحسين ومنذ يومين، رأينا من زميل نقدره ونجل علمه، يعترض على ناشئ في هذا الاستعمال، ويوجهه نفس التوجيه أو التصويب، ولم نرد أن نقدم على الاعتراض، كما يفعل بعض الزملاء العزاز، ولكنا بعد أن ضمتنا حجرتنا، قلت لذلك الزميل الفاضل "إن الاستعمال عربي"، فقد قالت العرب "قطع الله يد ورجل من قالها" فقبل ذلك قبولا حسنا، إلا أن الزميل الآخر العزيز، قال أنه شاذ، فقلت له بل النحاة لم يعتبروه بهذا الشذوذ، وقرروا له قاعدته العامة، كما قالت الألفية التي عزب عني آنذاك قولها :
 ويحذف الثاني ويبقى الأول
                        كحاله إذا به يتصل
 بشرط عطف وإضافة إلى
                        مثل الذي له أضفت الأولا
 فقال الزميل العزيز، هل وجد لما استشهدت به "قطع الله يد ورجل من قالها" نظير من العربية ؟ فقلت له لا شك في ذلك، وغاب عني قول الفرزدق :
 يا من رأى عارضا أسر به
                      بين ذراعي وجبهة الأسد
 وقول الشاعر :
 سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها
                     فنيطت عرى الآمال بالزرع والدرع
 بل غاب عني قول الشاعر، الذي لم يلتزم حتى ذلك الشرط فقال :
 ومن قبل ناد كل مولى قرابة
 وإن كان هذا ليس محيط الاستعمال المذكور وهو مستجمع لكل الشروط، كما أن قراءة "فلا خوف عليهم" أي فلا خوف شيء تعد شاذة . .
 فالمهم أن قولنا "أخذت كتاب وقلم فلان" عربي فصيح، لا غبار عليه، ويماشي ركبها الذي له نية قاصدة لا يحيد عنها في شيء.
 لقد وجد في مخطوط، كان ملكا لمحمد (بالفتح) الناصري، هذه العبارة "ملك . . . بثمن قدره قرش كلب، عام ستة وسبعين وألف".
 فما "قرش كلب" هذا ؟
 يجب قبل أن نجيب عن ذلك، أن ننظر إلى المغرب وهو يجتاز تلك المرحلة التاريخية، فنراه آنذاك، قد استولى على مغلب سواحله الأوربيون، من أسباب وبرتغال وإنجليز.
 إذن فلا بد أن تكون عملة هؤلاء رائجة عندنا، وقد قالت لي سيدة معمرة، رحمها الله، إنها لمتكن تعرف للمغرب عملة له إلا في عهد مولاي الحسن، رحمه الله، ويصدقها في هذا أن إطلاق اسم الحسني، كان يعم كل كلمة مغربية أدركناها، حسنية كانت أم عزيزية أو حفيظية، هذا ما كنا نعرفه في الشمال، فكانت هذه العملة الحسنية على إطلاقها، رائجة به حتى قضى عليها "فرانكو" سنة 1937 وبقيت بعد ذلك معروفة بطنجة مستعملة فيها.
 على أن اسم الحسني، اتخذ له مدلولا خاصا، فيما عدا شمال المغرب، فكان يعني نصف فرنك مغربي.
 ومن اطررف ما حصل لي أن واندي مع بعض أفراد الأسرة – رحمهم الله – استصحبني في سفر له إلى فاس، وأنا في سن العاشرة، فسألت أحد الباعة عن تمن معروض له، فقال "حسني" فانفجر في وجهه، رجل من معيتنا، لأنه فهم "الحسني" بمفهومه عندنا، وإن البائع، يستدرجنا ليوقعنا في ورطة عند "الفرنسيس" باستحضارنا لعملة لا يسمح بها في منطقة حمايتهم، أي العملة المغربية التي تسمى عندنا باسم "الحسني".
 وهكذا كان الحسني في العملة يعني ما يقابل غير المغربي عندنا، وإن كان هذا خاصا في الغالب، بالقطع الفضية، كالريال ونصفه وربعه، وعشره ونصف عشره، وهو الذي كان يسمى بالبليون "الإسباني الأصل وإن كان مغربي الواقع).
 وابتداء من البليون، نجد العملة المغربية تتخذ الأسماء الأجنبية، فنصف عشر البليون، أو الكرش (بالكاف الفارسية) هو "الصولدي"، وكان ينطق في فاس بالنون أحيانا، وكلمة الصولدي هذه فرنسية قديمة، كما في المعاجم "الايتيمولوجية" مثل معجم "ريتشرد جون كانليف" الإنجليزي. وهذه الكلمة موجودة حتى في إنجليزية القرن السادس عشر، ووردت في بعض مسرحيات شيكسبير، ولكنها اختفت فيما بعد، وظلت النسبة إليها فقط حية مائلة حتى الآن، في اسم الجندي، فهو في الإنجليزية بهذه النسبة Soldier كما كما أنه في الإسبانية بهذه النسبة Soldade على صيغة اسم مفعول، وهي طريقة عرفتها العربية، على أوسع نطاق في النسب، فقالت الألفية :
 ومع فاعل وفعال فعل
                  في نسب أغنى عن أليا فقبل
 ونزيد على هذه اسم مفعول، كما حصل في المقنع الكندي، أي ذي القناع، وكما حصل على الملثمين عندنا، أي ذوي اللثام، وقد قلت هذا "لعلامة" من رجال الحيثيات، فقال أنهم الملثمون، بالكسر لأنهم يلثمون أنفسهم، فقلت في نفسي، يا ضيعة الإفهام التي لا تستقر كاستقرار اللثام.
 ويبدو أن اسم المفعول لهذه الغاية، موجود حتى في غير العربية والإسبانية، فقد استعمل "شيلي" winged words  للكلمات الجنحة أي أولات أجنحة، كما قال الله في الملائكة "أولي أجنحة" فالكلمات السامية في التعبير البالغة ذروة الرقي والبلاغة هي المجنحة التي صرنا نجدها في التعبير العصري، وهي التي خلقها شيلي، لأول خلقة لها كما نظن، فقال ما معناه من قصيدة له غرامية) أن الكلمات المجنحة في نفسي إذ تعبر عن حبنا السامي، ما هي إلا سلاسل من رصاص، تحيط حول طائره الناري".
 إذن فالكلمات وهي تقوم بوظيفتها في تصوير الحب، ثقيلة ثقل الرصاص متينة متانته، ولكنها سرعان ما تذيبها النيران إذا لامستها. نعود إلى "الصولدي"، فنقول : ما علاقته بالجندي ؟
 إن علاقته به أنه كان ما يتقضاه من الحكومة يوميا، ولهذا كانت صورته تنقش على هذه الفئة الصغيرة، وقد أدركنا الجندي الإسباني يتقاضى يوميا، خمسة صواليد صغار. وهذه العلاقة أيضا موجودة في الفرنسية كما هو معلوم، ولعلها أول من استعمل ذلك، لأن أصل الكلمة فرنسي، كما قالت المعاجم.
 أما في الشمال، فكان مقابل الصولدي، "بيرا كبيرة"، "وبيرا صغيرة"، وهي بالإسبانية Perra gorda و Perra chica ومعناهما المعجمي : "كلبة سمينة"، و "كلية صغيرة".
 فهذه الكلبة، هي التي وجدناها، في "قرش كلب" فلربما عنى بالقرش "الصولدي" نفسه، أو إن الكلب، كان ينقش في فئة أعلى قيمة من الصولدي، كـ "البسيطة" مثلا، التي كان أهل الجبال عندنا، يسمونها باسم "كارا" أي الوجه بالإسبانية لأنه كان منقوشا بها كذلك . . وهذا لا غرابة فيه، فاسم "الريال" وهو إسباني الأصل، يعني "ملكي – كما كان في تركيا (مجيدي) يعني النسبة إلى الخليفة عبد المجيد – وكان يطلق على ما كان محتويا على عشرين قطعة فضية، هي "البليون" الفضي، ولكنه فيما بعد صار عند  الإسبان، يطلق على هذا البليون بنفسه، وهو ما أدركنا عليه الحال عند الإسبان.
 ولعل سنة 1861، كانت تشهد مرحلة انتقال، من المدلول الأول إلى المدلول الثاني، ولهذا وجدنا القائد الأعلى الذي كان يباشر عقد الصلح مع المولى العباس، أثر حرب تطوان، بين المولى محمد بن عبد الرحمن والملكة فيكتوريا الإسبانية، يخرج فئتين من جيبه، إحداهما ما نعرفه باكرش أوالبليون والأخرى ما نعرفه بالريال، فيقول له "المقصود بالريال، فيقول له "المقصود بالريال في العشرين مليونا، إنما هو هذا – وأشار إلى الريال – لا هذا – واشر إلى الكرش أو البليون. فكان كلمة "ريال" من قبيل المشترك آنذاك
 واجهنا في موضوعنا البيتين اللذين قالهما علي، قبيل مصرعه، وهما :
 (اشدد) حيازيمك للموت
                     فإن الموت لاقيكا
 ولا تجزع من الموت
                    إذا حل بواديكا
 هذان البيتان، وجدنا الفرس ينظمون كثيرا، على بحرهما، وهما الهزج، بل وجدنا أكثر من ذلك، أنهم يعتبرون البيتين بيتا واحدا، فيجعلون أولهما مصراعا وثانيهما مصراعا كذلك، وما هذا – كما قلنا، ونحن أول من قلنا – إلا تشبثا، بما صدر عن علي مستقلا ببيته، الذي هو وحدة لها من الكيان ما للبيت من غير الشعر. ويكفي أن ندلل على هذا بثلاث قصائد، للشاعر حافظ الشيرازي أولها مطلعها :
 أكرآن تركي شيرازي بدست آرددل مارا
  بخال هندويش بخشم سمر قند وبخارار
ومعناه :
لو أن ذلك التركي الشيرازي تمكن من قبلنا
 لمنحته بخاله الهندي سمر قند وبخارى
والثانية مطلعها :
دلم جز مهر مهرويان طريقي برنميكيرد
 زهردر ميدهم بندش وليكن درنميكيرد
ومعناه :
إن قلبي لا يتخذ سبيلا غير حب الجميلات
 إني أعطيه نصيحته من كل باب ولكنه لا ينتصح
والثالثة مطلعها :
ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها
 كه عش آسان نمود أول ولي أفتاد مشكلها
وهذا من قبيل ما يعرف عندهم باسم "الملمع" ومعنى تقع المشاكل"
ومن قبيل الملمع البيت الأخير من القصيدة نفسها :
حضوري كرهمي خوائي أزو غائب مشو حافظ مت ما تلق من تهوى دع الدنيا وأهملها
ومعنى الشطرة الأولى : إذا كنت تريد حضورا فلا تغب عنه يا حافظ". وذكر اسم الشاعر أو لقبه أو كنيته، في صيدته، يعرف بالتخلص.
ولحافظ الشيرازي ملمعات كثيرة، كما نجد في هذين البيتين من قصيدة له أخرى :
"در حلقه كل ومل خوش خواند دوش بلبل" هات الصبوح هيو يا أيها السكارى
ومعناه : "إن البلبل د غنى أمس بحلقة الورد والخمر الطيبة" :
"آن تلخيوش كه صوفي أم الخبائتش خواند" أشهى لنا وأحلى من قبلة العذارى
ومعناه، أن ذلك المر (بالشبه) الذي يسميه الصوفي أم الخبائث.
وبعد فلا نرد على من قال أن الفرس اختاروا من الأوزان العربية ما ناسب ذوقهم منها، بل نقول بذلك، ونقول فيما يتصل بهذا الوزن الذي ورد فيه البيتان المنسوبان لعلي، ما قلنا فيهما، ولا ينافي هذا الذي قلناه وحدنا، ما قاله غيرنا في هذا الاختيار وهي ملاحظة من وحي ساعتها، نريد أن نسجلها، في أوانها، حرصا منا عليها وعلى مثيلاتها، التي نعتز بها لأنفسنا قبل غيرنا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here