islamaumaroc

إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي

  دعوة الحق

159 العدد

عاد رسول الرحمة صلوات الله وسلامه عليه من غار حراء يحمل إلى الخلق فيضا من الهداية والنور، بعد أن غرق العالم في بحر من الظلام والضلال، عاد حاملا معه إلى الإنسانية كلها مفتاح العلم والإصلاح، ذلك المفتاح الذي اقتحم به إقفال القلوب والعقول فأبصرت طريق الله واضحة المعالم لا أمت فيها ولا عوج، بعد أن مر على الإنسانية دهر طويل وهي تتخبط في ظلمات الجهل حائرة تائهة.
رجع رسول الله إلى بيته فؤاده يرتجف من شدة وقع ما سمعه ورآه فأخذ ينادي من في البيت قائلا : دثروني، دثروني، دثروني، دثروني، ولكن الرسالة العظيمة التي جاء بها هذا النبي الكريم لإصلاح ما فسد من أمر الناس ما كانت لتظل تحت الغطاء كامنة مستترة، إنها وأهدافها كما أراد لها الله ذلك أن تكون خالدة باقية ما دام في الوجود معنى الخلود والبقاء.
في غمرة تلك التجليات التي لا تدرك كنهها عقولنا الضيقة مهما رحبت آفاقنا واتسعت مداركنا، وفي خضم ذلك التجاوب بين الحقيقة الإلهية المتجلية في معنى الربوبية وبين الحقيقة المحمدية الخاضعة في معنى العبودية كان رسول الله يتلقى الأمر بتبليغ الرسالة والنهوض بالدعوة.

يا أيها المدثر قم فأنذر
أحس رسول الرحمة بعبء ما هو مقبل عليه وبجسامة الأمانة التي اختاره الله سبحانه لحملها وتقلدها فرفع الغطاء، فإذا النور الذي جاء به إلى العالمين ينكشف، إنه الحقيقة المحمدية جاءت إلى الإنسانية لترفع مستواها وتنتشلها من الأوحال التي انحدرت فيها وتردها إلى المكانة اللائقة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان والتي من أجلها اسجد ملائكته لهذا المخلوق.
نهض رسول الله من فراشه وقد حفظ قلبه ووعى عقله أمر الله إليه فأخذ يردد قوله تعالى : "يا أيها المدثر قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجس فاهجر". واستعرض الرسول أمام عينيه أحوال هذا العالم فإذا هو مسربل بالخطيئة إلى أخمص قدميه ما هو مقبل عليه من أهوال وما سيتجشمه من مشاق ومحن في سبيل تبليغ أوامر ربه، وتهيب الموقف حتى أخذ جبينه يرفض عرقا، وأشفقت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها على زوجها ورقت لحاله ورجته في كلمات تفيض عطفا وحنوا أن يعود إلى فراشه ليلتمس تحت دفء الدثار هناء البال وراحة الجسد، وكيف السبيل إلى ذلك وصدى الوجود ما يزال يردد في مسمع الرسول الأكرم : "يا أيها المدثر قم فأنذر" فأية راحة  يلتمسها بعد أمر الله وأي نوم يخلو له بعد الذي سمع ورأى. لقد اختاره الله سبحانه ليكون مخلص الإنسانية من ربق الشرك وعبادة الأوثان، وأدرك نبي الله هذا لاختيار وشرف هذه المهمة رغم أعيانها أثقالها وما سيعترضه في سبيل الصدوع بها من شرور ومكائد، فأجاب زوجه قائلا : "انقضى يا خديجة عهد النوم والراحة، فقد أمرني جبريل أن أنذر الناس وأدعوهم إلى الله وإلى عبادته. فمن أدعو ؟ ومن ذا يستجيب ؟".
وداعا يا عالم الهدوء والراحة إلى غير رجعة، فلن تغمض لرسول الله عين حتى يبلغ أمر الله مبلغه مهما كلفه ذلك، فلقد مر على هذا الكون دهر طويل وهو مرهف السمع عبر الحقب المترامية ينتظر بزوغ الحقيقة المحمدية من عالم البطون، إلى عالم الظهور وها هي اليوم إجرام السماء تردد في رحاب الفضاء الشاسع جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا.
نظر رسول الله من حوله فإذا العالم غارق حقا في بحر الخطيئة، خطيئة الشرك، فهاهم قومه قد استعبدهم الشيطان وسول لهم وأملي حتى جعلوا من هذه الحجارة أصناما يعبدونها ويتقربون بها إلى الله زلفى يتمسحون بها تارة ويتزلفون أخرى، وهي على ما هي عليه من جمود وعجز لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، وكأني بها في وقفتها تنظر إلى حولها في أسى ورثاء وتجار إلى الله متبرئة من هذه المخلوقات التي أرغمت نفسها على أن تهبط حتى على مستوى الحيوان، هذا الحيوان الذي لن يتردد في أن يعبر أمامها إذا ما حس بالحاجة إلى ذلك، ذلك لأنه لا يفرق بين هذه التماثيل وبين أية ربوة مرتفعة.
وكأني برسول الله يردد مع نفسه فمن ذا أدعو ؟ ومن ذا يستجيب ؟ ولكأني بك تفهم قصده، وتسبر غور مرماه والعالم الذي يحيط به قد أعماه الشيطان من فوقه إلى تحته.
وصدع رسول الله بأمر ربه لأن العالم بهذا الأمر سيستقيم، وكان سلاحه الذي تزود به هو اتكاله على ربه فهو له خير معين ونصير، فلن تخفيه بعد اليوم تهديدات قومه وإصرارهم على قتله إذا هو لم يقلع عن إذاية تلك الأحجار التي عبدوها وأنزلوها منزلة الإله وجعلوها مصدر شقائهم وسعادتهم.
وعرض رسول الله على الناس عبادة الخالق جل شأنه فآمن من كانت نفوسهم مهيأة لهذا الإيمان ودخل في دين الله من كان يرى في شخص الرسول النبراس الذي ينبغي أن يقتدي بسناه ويستضاء بنوره ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم جمع من صفات الجمال والكمال ما لا يدع الشك يتطرق لدى عقل حصيف في صدق قوله وفعله، وكيف لا ؟ وهو المعرف عند الجميع بالأمين، وناهيك بهذا الوصف الذي تلتقي عنده صفات الشرف والكرامة وتنضوي تحت مفهومه كل معاني النبل والشهامة.
لقد كان في الأزل أمين الأمم كلها على اختلاف أجناسها وألوانها وألسنتها، وبذلك سبقت صفة الأمانة بعتنه إلى الناس كافة وكان بحق جديرا بهذا الوصف الذي نال من بركته الكون كله، كيف لا ؟ وما سكن عرش الرحمن من هيبة الجلال الإلهي إلا بذكر اسمه صلى الله عليه وسلم.
سارعت زوج الرسول الكريم بالدخول في الإسلام دين الإسلام والمحبة والوئام، فقلد عرفت في زوجها وهي ألوط الناس بقلبه وأعلم من غيرها بأسراره وبواطن نفسه وصدق قوله، فما جربت عليه ما يدعوها للتشكك من صدق دعوته فآمنت دون تردد أو تلكؤ وسجلت بذلك أروع صفحة من تاريخ المرأة المسلمة، وتلاها في الإسلام الإمام علي كرم الله وجهه فكانت هي أول من آمن من الصبيان وانطلقت الدعوة الإسلامية من هذا البيت الطاهر بعد أن آمن كل أفراده بدين الله الخالد. 

عقبات في سبيل الدعوة :
لم يكن الطريق مفروشا بالورود أمام الدعوة المحمدية منذ الوهلة الأولى فبمجرد ما اخذ الرسول الأكرم ينادي في الناس أن آمنوا بربكم وبرسوله حتى تجمهر الناس من حوله وفيهم سادات قريش وإشرافهم من سدنة الأصنام وعبده الأوثان وقد هالهم ما سمعوه فأخذوا يتهددون بصاحب القول ويتوعدون هذا الداعي الكريم يتوعدونه ويستنكرون عليه قول كل ذلك ورسول الله لا يبالي بوعيدهم، وكما طرقوا الباب على عمه أبو طالب يطلبون منه أن يكف عنهم ابن أخيه هذا الذي عاب آلهتهم وسفه أحلامهم، وفرق جماعتهم، وسب دينهم، وضلل آبائهم، فهذا جمع من كفار قريش برئاسة أبي جهل يتوجه إلى دار أبي طالب وفيهم عتبة وشيبة وأبو سفيان وبو البختري العاص بن هشام، والأسود بن المطلب والوليد بن المغيرة وآخرون، حتى إذا اجتمعوا بأبي طالب قالوا :   "إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فأما إن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيه ؟". فردهم أبو طالب ردا جميلا.
 ولكن الرسول الكريم لم تكن لتثنيه هذه الضغوط عن مواصلة الطريق، وما زاده قومه له، إلا عزما وحزما، فكان لا يجد الفرصة إلا ويغتنمها لبث دعوة ربه غير هياب أذى قومه وتربصهم به الدوائر.
 وزاد غيظ قريش وغلى في صدور كفارها حنقهم على هذا الرسول الذي لا تردعه الروادع ولا تحول دون دعوته الحوائل، فكرروا المسيرة إلى عم الرسول، وكانوا في هذه المرة أغلظ قولا وأشد عبارة فماذا قالوا : "قالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وأنا قد استنهيناك من ابن أخيك، فلم تنهه عنا، وإن والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك ذلك حتى يهلك أحد الفريقين – أو كما قالوا – ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم فلم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خذلانه".
 فلما رجع رسول الله إلى البيت أخبره عمه بما عزم عليه كفار قريش وقال له : "ابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق". فأجابه رسول الأنام : " يا عم والله أو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو اهلك دونه ما تركته". وذرفت عينا رسول الله دمعا، وما أطهره من دمع جرت به مقلتا الرسول الكريم في مناسبات كثيرة تثير الكوامن والدموع جميعا.
 وأثر مظهر الرسول الأعظم في نفس عمه فما تركه يخرج حتى ناداه بقوله : "يا ابن أخي اذهب فقل ما أحببت فوالله لا أسلمتك لشيء أبدا".
 وكان عزم عبد المطلب على نصرة ابن أخيه مشار حرب على هذا البيت وأصحابه وإتباع النبي الكريم وأشياعه وأنصاره، ولاقي المسلمون رضوان الله عليهم صنوفا من التعذيب والتنكيل والتشريد والتقتيل فما وهنوا لما أصابهم في دين الله، وما ضعفوا وما استكالوا، لطوبى لمن ملأ حب الله قلبه وجوارحه فلم يعد يرى في الوجود سوى الله.
 هذا بلاب مكبل بالسلاسل تلفح أشعة الشمس جسمه النحيل والصخر على صدره جاثم، وليس بينه وبين الخلاص مما هو فيه إلا كلمة يقولها في محمد ودينه، ولكن وقع الإيمان في نفسه كان أعمق مدى من هذه الجروح وأكثر نفادا في جوارحه وكيانه من أشعة هذه الشمس المحرقة واضح في قلبه من آثار هذه السياط على جسمه وآخرون من المسلمين وأخريات باعوا النفس من الله فما رجعوا في بيعهم الذي باعوه، وكانوا بما اشتروهم بهذه الأنفس خيرا لهم وأبقى.

 إن الله مانع أباك :  
 وجد أعداء الإسلام ودعاة الضلال في وفتة أبي طالب عم الرسول السانحة للنيل من حبيب الله صلوات الله وسلامه عليه، ولم يعد يمنعهم عن مجابهة الرسول مانع، فبينما رسول الله في طريقه إلى البيت إذا يأخذ سفهاء قريش يعترضه ويضع التراب على رأسه ووجهه كل ذلك ورسول الله لا يحرك ساكنا، فلما دخل بيته وأبصرت ابنته فاطمة رضي الله عنها من حاله ما أبصرت أفبلت عليه تمسح وجهه الشريف ورأسه، وتحركت في نفسها عواطف عميقة فاستعبرت.
 دموع أثارتها في نفسها حالة أبيها الذي فقد بالأمس نصيرين كان يأوي إليهما كلما اشتد عليه الوعيد وكثر التهديد، زوجه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب، وها هو اليوم أمام الأعداء المتربصين به وجها لوجه، تراهم ما عساهم صانعون به ؟ أنهم لن يتورعوا في إلحاق الأذى به ما وسعهم الجهد، أو يتركهم وما يعبدون.
 إلا ما أشد وطأة العمى على القلوب التي استوت أمامها الأنوار والظلم وفقدت حاسة التمييز بين صوت الحق والباطل حتى حسبت الباطل حقا ينتصرون زيفه والنور ليلا يطول لامه. وأدرك الرسول الكريم ما يجيش في صدر ابنته فجعل يول لها : "أي بنيه لا تبكين فإن الله مانع أباك." ويردد بين ذلك "ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ثم شرعوا".
 كلمات كانت كافية لتهدئة روع ابنته التي أصبح فؤادها يهتز خوفا على أبيها بعد أن فقد المدافع والنصير.
 إن الله مانع أباك، قالها الرسول الأعظم لابنته ليدفع عن نفسها كابوس الخوف والوجل، وإن كان هو عليه الصلاة والسلام يعلم علم اليقين أن عناية الله به لم تغب عنه طرفة عين وأن حرص الله لم يفارقه في الحل والترحال، وما كانت كلماته عن عمه إلا حفظا لجميل حركته الأحداث في نفسه الشريفة وأملتها عليه موافق عسيرة كان عمه ينتصر فيها إليه ويذوذ عنه وكيف ينسى فضل عمه، وهو ما يزال يتذكر منذ الأمس القريب كيف منعه عمه من سفهاء قؤيش الذين جاءوا يحملون إليه في أفئدتهم كل أنواع الشر والإجرام ؟؟ !!.
 وهاهم اليوم سفهاء قريش يتحيلون الفرص وهم يحسبون أن الجو خلا لهم وأن الفرصة مهيئة للنيل من خير البشرية بكل ما يملكون من وسائل، وكم صبر رسول الله على أذاهم فما وهن لما أصابه في دين الله وما زاده أذاهم إلا مضيا في الطريق الحق التي رسمها للإنسانية بوحي من الله ورضوان.
 في تلك لساعات التي كان فيها الرسول الأعظم يعرض دعوته على كل من يلقاه كان سفير الشيطان ورأس الكفر أبو جهل يقنفي خطاه في كل مكان يكذبه ويكبته، وكم حرض عليه السفهاء وأغوى به الأنذال يسبونه ويشتمونه، وكم جاؤوه وهو مستغرق في صلاته ووضعوا على رأسه الشريف سل الجزور فما استطاع من قيام من ثقل ما وضعوه حتى تأتي ابنته فاطمة فتطرح ذلك عنه، وكم بلغت سفاهة أبي جهل ذروة الانحطاط والخزي فيقبل على رسول الله وهو ساجد لربه فيرفع رجله ليطأ بها عنق رسول الله فتحول قدرة الله بينه وبين ما يريد فيحجم عن فعلته وقد ملك قلبه الوجل ويولي خائفا مذعورا، ترى ماذا حدث ؟ وما الذي رآه ؟ ومن حال بينه وبين تنفيذ ما كان يبغيه من شر مستطير.
 وكم تطاول السفهاء على رسول الله حتى مسكوا بخناقه عليه الصلاة والسلام وكادوا أن يقتلوه فيقوم أبو بكر رضوان الله عليه يدفعهم عنه وهو يقول : "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم".

 رسول الله في الطائف :
 ضيقت قريش الخناق على رسول الله وتمادوا في إذايتهم لنبي الله فخرج إلى الطائف يلتمس في أهل ثقيف النصرة والمنعة حتى إذا لتقى بنفر منهم وقيهم عبد ياليل ومسعود وحبيب بن عمرو بن عمير وهم أخوة ثلاثة عرفوا في قومهم بالسيادة ولشرف فعرض عليهم رسول الله دعوته ودعاهم لنصرة دين الله وشد أزره، فأجابه أولهم : "هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الثاني : إما وجد الله أحدا أرسله غيرك ؟ ونطق الثالث فقال : ولله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم من أن أرد عليك الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك. فتركهم رسول الله وهو يقول : "إن فعلتم ما فعلتم فاكتموا علي، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم قومه ما لي في ثقيف فيشمتون به ويزيدون في التضييق عليه.
 ولم يبرح رسول الله مكانه حتى أجمع هؤلاء الثلاثة عبيدهم وسفهائهم يسبون حبيب الله ويشتمونه ويصيحون به وينهرونه، واجتمع رهط من ثقيف فكانوا صفين ورسول الله بينهم قد أحاطوا به وأخذوا يقذفونه بالحجارة، وكلما خر من الجهد أقاموا حتى أدمت قدماه الشريفتان فلم يعد يقوى عل الوقوف، كل ذلك وهو صابر متجلد، صبر المؤمن الواثق بربه وما انصرفوا عنه حتى ألجأوه  لحائط عتبه ابن ربيعة وهناك تركوه ورجعوا، تراهم بما رجعوا، لقد عادوا يحملون في أحضانهم لعنة الوجود، وبقى سيد الوجود مع ربه تنطق دماؤه بما فعل به سفهاء أهل ثقيف. 
 نفسي فداك يا رسول الله وفداك الوجود كله، ولهفي على ما أصابك في سبيل ربك من أهوال وما تجشمته في سبيل أمتك من مشاق وأتعاب وأنت بما بذلته لا تبغي إلا سعادة الخلق، تلك السعادة التي تتراءى للإنسان وقد أخذ النور يسري في كيانه، أنه نور الإيمان الذي عرفنا به طريق الصواب واهتدينا به إلى عبادة الله دون سواه، فيم قابلك قومك وقد جئتم بسعادة الدارين وحملت لهم فيما حملت النجاة التي لن يجدوها إلا في اقتفاء تعاليمك ونهج سبيلك ؟؟ !
 اطمأن رسول الرحمة على نفسه فرفع رأسه إلى السماء وقد حز في نفسه أن يلقى في ثقيف ما لقيه من قومه من أعراض عن الله وإصرار على الضلال وجاشت في كيانه الشريف كوامن التعلق بالله ففاضت عينه وانطلق لسانه بهذه الكلمات :
 اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تلكني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك".
 في ذلك الموقف العصيب الذي تمتحن فيه النفوس وتتمحص الإرادات، كان الرسول الأكرم قد تجاوز بإيمانه حدود الألم الحسي فإذا لسانه ينطق بعميق إيمانه بربه وثقته بخالقه الرحيم وإذا جوارحه الشريفة كلها تناجي من يعلم السر والنجوى فلم تخف عليه خافيه تشكو افتقارها إليه وتستمطر رحمة من عمت رحمته الموجودات وشملت الكائنات، ذلك لأنه ربها وماكلها والآخذ بناصيتها هو القادر على أن يلبسها حلة الأمان والاطمئنان وتتضاءل من فكر الرسول الأعظم كل هذه الأهوال التي لاقاها فإذا هي في نفسه هباء، وإذا هي في صحيفته عنوان من عناوين الطاعة والامتثال وشاهد على اضطلاعه بمسؤولية الأمانة التي قلده الله وسامها منذ اختاره الله لشرف هذه  المسؤولية العظيمة التي ما كان لأحد سواه أن ينوء بها.
 إن كل آلام الدنيا تضيق وتتضاءل في عين الرسول الأكرم حتى إذا هي لا شيء ثم إذا هو لا يرى في هذا الوجود إلا رضى ربه عنه، فجميع الأحزان لا قيمة لها بالنسبة إليه، وكل الأذى الذي يلقاه في جميع خطواته من قومه لا معنى له في نفسه ولا مدلول إذا كان ربه غير غضبان عليه.
 ما أشرق هذا القلب العظيم الذي ملأت رحابه عظمة الله فلم يعد فيه حيز لمعنى التردد والخوف، وما أكبر هذا النفس التي امتلأت بحب الله وجلاله حتى جرى بها هذا الحب معاني تنطق بتعلق هذه النفس بالبارئ جل شأنه، وما أٍرحب هذا الفكر الذي طمح إلى الأعالي فلم تعد عوارض الدنيا تثنيه أو توقف امتداده ولا عوامل الشر أن تحد من مضانه وصموده.
 وتتجه نفس الرسول إلى الله كلية وهو في غمرات التجليات القدسية وفيض الانعطافات السنية يملي قلبه على لسانه قوله أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة فإذا الرسول مسربل ببهاء هذا النور الطامي وقد أصبح لا يرى سوى سبائك هذا الإشعاع تضيء في كل جنيات الكون فتكتسب الوجود والموجودات خلقا ونظاما وإيداعا وحسنا وجمالا ما عليها من مزيد.
 وتطيب نفس الرسول الكريم يسمو هذا التجاوب وعميق هذا الخطاب وينسيه سنا هذا النور ما لاقاه من سفهاء ثقيف من تنكيل وإهانة لا يوقظه من عالمه الذي هو فيه سوى صوت عداس النصراني وقد جاءه يحمل له في طبق قطفا من عنب شهي أرسله إليه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، فيضع الرسول الطبق بين يديه ثم يأكل مبتدئا : باسم الله، وينتهي الرسول الكريم فيسأله عداس قائلا :
 والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد إلى أن انتهى الحديث بإسلام عداس.
 وتمضي حقبة من الزمن فإذا عائشة رضي الله عنها تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم يقولها :
 "هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟" فتموج الذكريات ويستعرض الرسول شريط الماضي فيجيب عائشة رضي الله عنها قائلا : "ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوه عليك وقد بعث إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد قد بعثني الله إليك، إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت، إن شئت تطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال رسول الله صل الله عليه وسلم : "أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا".
  بهذه النفس التي امتلأت بكل معاني السمو كان رسول الله جديرا بأن يكون حامل لواء الحمد يوم القيامة وسيد ولد آدم دون مزاحم، وبهذا القلب الذي لا يعرف دواعي للانتقام كان خير البرية صلوات الله وسلامه عليه يعالج أحوال أمته ويطيب ما فسد من أمرها، وبهذه الصفات الجمالية الخالدة كان هذا النبي العظيم خير بشير وأعظم نذير، لأن صفاته العظيمة شملت رحاب الوجود فما ضاق فيها شيء منه ولا وجدت هذه النفس الطاهرة الكريمة في رحاب الله ضيقا.
 إنها حلة صغيرة من حلقات جهاده صلى الله عليه وسلم وهي على صغرها ترى فيها جوانب واضحة لامعة م عظمة هذا النبي الكريم. فكم في الوجود من ذرات لا تدركها عينك ما عرفنا أسرار عظمتها حتى كشف العلم عن مكنونها، وما هذا الفصل الذي كتبناه إلا ذرة من ذرات الكون الذي أرسى فيه الرسول الكريم قواعد الإصلاح والفضيلة، وهو بغير هذا الصلاح لن يستمر في الوجود.
 في يوم ميلاد يا رسول الله يتذكر المؤمن جهادك وصبرك من أجل أهلاه كلمة الله لتبقى باقية وصبرك على ما لاقيت فيستمد من سنى سيرتك السنية أقبسة من النور تضيء له الطريق كلما أظلمت عليه الحياة وأطبقت الشرور وتوالت الخطوب والأحزان فإذا هو باقتفاء آثارك والاهتداء بهديك والإقتداء بك يبصر موضع قدميه من الحياة، وإذا هو بإتباع سنتك والتمسك بأهدافك قد اجتمت له أسباب الرضى ودانت كل عوالم الأرض طائعة منقادة.
 في يوم ميلادك يا رسول الله يهتز عرش كل ظالم غاضب لأنك جئت إلى هذه الأرض لتحمو منها آثار الظلم والاغتصاب جئت إليها لتطهرها من دنس الجهل والضلال ولتعود بهذه المخلوقات إلى منزلتها من العبودية والإنابة للبارئ جل شأنه، وها هي اليوم قارات الدنيا ينطلق فيها صوت المؤذن بالآذان : الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لا إله إلا الله، محمد رسول الله. إنها الكلمة الخالدة التي شاءت حكمة الله أن تبقى في هذه الأرض حية بين البشر جميعا، وهذه الكلمة هي ثمرة جهودك وصبرك يا رسول الله.
 في يوم ميلادك يلبس هذا الكون حلة من الجمال المحمدي، ذلك لأن الله أرسلك إليه رحمة، وأمانا للموجودات وها هو العالم اليوم يرفل في حلل هذه الرحمة التي وهبك الله إياها وخصك بها دون خلقه وها هي قلوب المؤمنين قد لامستها هذه الرحمة فنطقت بالصلاة والتسليم عليك لا تبغي من وراء ذلك إلا ظلا تحت لوائك وشفاعة يوم لقائك.     


(1)    البداية والنهاية لابن كثير ج 3.       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here