islamaumaroc

صلاة العصر في قلعة بني حماد

  دعوة الحق

159 العدد

عندما وصلنا إلى قلعة بني حماد كان وقت العصر قد آذن، فكان لابد أن نحتفظ بهذه الذكرى التي لا تظن انها ستتكرر مرة أخرى لرجل جاء من المشرق ليشارك في الملتقى الاسلامي الثامن الذي عقد في ولاية بجاية وكان من أهدافه دراسة مساهمة بجاية الحمداية في الحضارة والفكر الاسلاميين، ولذلك فما لبئنا أن أقمنا صلاة العصر على هذه الربى بينما كان زملاؤنا يقتحمون القلعة ويصعدون الى منارتها العالية وكنا قد انطلقنا منذ الصباح الباكر الى هذه الرحلة فوصلناها بعد مشقة شديدة قريبا من الغروب بعد أن مررنا بمدينة سطيف وتناولنا الغذاء عند عائلاتها.
ومن الحق ان يقال اننا في كل خطوة كنا نخطوها كنا نجد معالم التاريخ الحافل ونسمتع الى خيوط من تراث عزيز طالما قرأنا عنه في الكتب وها نحن نراه اليوم واقعا حيا.
وفي الطريق الى قلعة بني حماد مررنا بذلك الوادي المخيف الذي يطلقون عليه (وادي اٍلآخرة) وذلك حتى لا ينزعج الناس اذا اطلقوا عليه ( وادي الموت)
فقد كانت جباله العالية وخطوط طريقه المتعرجة واغواره العميقة تملأ النفس حقا بالخوف والعجب لهذه المنطقة الحافلة بكل عوامل الخطر وتبارك الله رب العالمين الخالق الذي جمع بين الجبل الاشم والوادي العميق والصخر الاحمر والارض السندسية الخضراء.
ولقد كانت هذه الصور غريبة حقا على أمثالنا ممن عاشوا في الوادي الاخضر لا يقتحمون الجبال الا نادرا، أو اذا مروا بها وجدوها جرداء مقفرة لا نبت فيها ولا ماء، أما هنا في الجزائر فالامر جد مختلف، هذه الجبال العالية خضراء جد مزدهرة، ومن حولها الاودية كالبساط الزاهر، ومن حول ذلك كله غابات وأشجار ومياه وعيون وصدق الله العظيم: " وأن من الحجارة لما يتفجر منه الانهار".   
وفي ظل قلعة بني حماد يكشف التاريخ الاسلامي صفحة من أزهى صفحاته عندما كان حماد بن بولغين حاكما للمغرب الاوسط باسم دولة بني زيري، منذ عام 398 هجرية ثم بنى هذه القلعة واتخذها عاصمة للمملكة وقد تم هذا في نهاية القرن الرابع وقد ظلت هذه المدينة عاصمة للمملكة الحجازية زمنا كانت خلالها أهم مدينة في المغرب كله واليوم يجري اصلاح هذا البرج الضخم وترميمه حتى يكون آية من آيات الفن المتجدد الذي يجري بالنسبة لكل تاريخ هذه البلاد وآثارها.
وسواء ذهبنا الى آخر هذا الطرف حتى سطيف أو ذهبنا الى وادي الصومام من الطرف الآخر فان 
مناظر الازدواج بين الجبال والبحر والوادي الاخضر متفرقة وملتقية متعانقة ومنفصلة هي طابع الرحلة.
أي روعة تلك في هذه المناظر الخلابة في بطن الوادي وقد تدفقت الامطار فوق الجبال وأخذت تتسرب من خلال فتحات ومسارب ما تزال تتقاذفها منحدرة الى الوادي حتى تصل الى نهر الصومام فاذا هو بعد قليل يفيض ويمتليء، بالمياه الحمراء المتدفقة في طريقها الى كل مكان وهي تحمل الغرين الاسود.
حقا لقد كان يوما حافلا عندما انطلقنا تجاه وادي الصومام بالحافلات الضخمة، وأخذت السماء تمطر في غزارة، ولكن الجو كان دافئا، ولقد ظلت الحافلات تصعد بنا في طرق ممهدة ولكنها حلزونية حتى وصلنا الى ارتفاع ألف متر فوق سطح البحر وما تزال الجبال فوقنا شامخة، ومن الجبل الى السهل فالسهل في قلب الجبل، والجبال مخضرة مليئة بالغابات، وقممها شامخة بيضاء كعمائم العرب وقد كستها الثلوج، مجموعة من السلاسل المتداخلة من الجبال بينها الوادي الاخضر، ومجاري النهر، ولقد ترى وأنت في أعلى قمة الجبل واديا منخفضا أمامك ثم ترى الجبال العالية الاخرى من بعدها محيطة بك من كل جانب.
ولقد فرح بنا الذين زرناهم وهللوا وكبروا لله، فقد حمل اليهم ضيوف ملتقى الاسلام الرحمة.
ولقد كان نهر الصومام مرافقا لنا طوال الرحلة فهذا هو واديه الواسع، نراه ثم يختفي ثم يعود ثانية، كان في الصباح ضحلا تبدو صخوره واحجاره، فلما عدنا في المساء كان قد امتليء بالماء وأزيد وتدافق في قوة، لقد تلاقت العيون المتدافقة من أعلى الجبال في مسارب متعددة ثم اختفت تحت الطريق الذي تمر عليه الحافلات فاذا بها تتجمع في رواق أكبر وأكبر جياشة بالمياه الحمراء، حتى بلغت النهر نفسه الذي دبت فيه الحياة وجاشت وعلا موجه وزبده وهديره فذكرنا قدرة الله القادر، الذي أحيا الارض بعد موتها، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وما رأيت كيف تفسر هذه الآية الا في مثل هذا المنظر الباهر الذي لا نعرفه نحن في المشرق أو في مصر على الخصوص :" انزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا " لقد جرف السيل أمامه كل شيء وجاء رزق السماء واسعا وفيرا  وامتلأت قلوب أهل وادي الصومام بالفرحة التي جاءت مع وفد الملتقى الاسلامي.
كانت هذه الصورة خارج الحافلة، أما في داخلها فقد كانت حلقة علم وتاريخ تترامى فيه أسماء الاعلام ووقائع الاحداث كلما مررنا على موقع منها مشخصا اسماء يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن علي وابن تومرت، وفي ملاله حين ملتقى عبد المؤمن مع ابن تومرت كان منطلق الدولة الموحدية وفي صدوق مسقط رأس الشيخ الحداد الذي قاوم الاستعمار الفرنسي وفي افرى حيث انعقد مؤتمر الصومام عام 1956 كان هناك اعلام في تاريخ الجزائر والمغرب كله في مقدمتهم شيخ المؤرخين ومؤرخ الحضارة الاسلامية على الخصوص: عثمان الكعاك، ومحمد الفاسي صاحب الابحاث الواسعة عن أحداث المغرب القديم والوسيط وكان المهدي بو عبدلى هذا الرجل الذي كان يتحدث عن هذه البلاد وكان عاش تلك الفترات عارفا برجالها وما ورد في الكتب عنها وما نشر في المغرب أو المشرق، والشيخ سليمان داود بن يوسف الذي كان يعرض من الجوانب ما يكشف عن أعماق التاريخ وكان هناك مولود قاسم نفسه هذا الوزير العلامة حقا، الذي كان يصحح ويدقق ويستكمل الجوانب من كل ما يعرض وما يقدم وكان الاستاذ مصطفى بعبو الوزير المؤرخ الليبي، وكان الشيخ عبد الله الشماخي القاضي اليمني فكاهة الندوة ومجلاها في الشعر والادب أما مفدي زكريا شاعر الثورة الجزائرية فكان يذكرنا بشعره الرصين دوما بتلك المواقف الحاسمة من جهاد الجزائر، ولقد حدثنا الوزير مولود قاسم عن ثورة الشيخ الحداد: هذه الثورة التي استمرت الى عام 1910، وكان الشيخ الحداد في الثمانين من عمره وقد جاء اليه محمد المقراني الذي قاد الثورة المسلحة ووجد في الشيخ سناده الروحي حيث كان الحداد شيخ الطريقة الصوفية الرحمانية مقيما في زاويه قال المقراني: جئناك لنعلن الجهاد على فرنسا، قال المقراني: بل في الحين، فوافق الشيخ على مضض وقال: ادعوتك هذه مشؤومة، ولكن سنقوم بها، وقد كان المقراني يظن الشيخ الحداد من أولياء النعمة والمطمع على النحو الذي عرف عن بعض رجال الطرق غير أنه لما ازاح الشيخ الغطاء عن الطعام الذي قدم له لم يكن فيه غير زيت وجبن وشقة خبز، وكان هذا كل ما يأكله الحداد، هناك تبين المقراني أن الحداد ليس رجل دنيا واندلعت الثورة وأعلن الجهاد ( 8أبريل 1871 ) ولما قدم للمحاكمة صدر الحكم عليه بالسجن خمس سنوات فقال: أنتم حكمتم علي بخمس سنين وأنا حكمت على نفسي بخمسة أيام ثم مات بعد الايام الخمسة ودفن في قسنطينة بجوار الامام عبد الحميد بن باديس.
 ولقد أشار الوزير مولود قاسم بعد أن استعرضت ندوته الحافلة تاريخ بجاية وسبب سقوط دولتها: الى مضمون هام هو غاية القول في سقوط الحضارات: قال لقد ذكر ابن خلدون بكل وضوح الاسباب التي مهدت لانهيار دولة بني حماد وهي نفس الاسباب التي وقعت بالنسبة لدولة المرابطين وبقايا الزيريين في تونس ونفس أسباب سقوط الموحدين، وهي نفس الاسباب التي قضت على الدولة الفاطمية والعباسية، وبابل وأشور وقرطاجة وأثينا. 
هذه الاسباب هي الانحلال الذي يعقبه الاحتلال مستشريا وكيف كان النساء يتصرفن في شؤون الدولة وكان الرجال قد تخنثوا، يخرجون للصيد ويستمعون للموسيقى، غناء وحداء بشعره وحذه وما شابه ذلك، هذا هو الوضع الذي كانت فيه دولة الحماديين، وهذا هو الوضع الذي كان عليه الموحدون بعدهم.
هكذا انقلبت الاوضاع وانعكست وهذا يؤدي الى النتيجة المحتومة، لقد تأنث الرجال واسترجلت الاميرات وكان ما كان، وان كان ليس من الضروري أن يعيد التاريخ نفسه تماما، فعلينا ان نستفيد من ماضينا وماضي الامم، وان كانت قد بنيت قبل ان تلهو فان خراب بنائها يعقب اللهو مباشرة.
وبمثل هذه المناقشات الجادة المثرية مضت ساعات طويلة بين بجاية ووادي الصومام مرة وبين بجاية وقلعة بني حماد مرة أخرى واتصل هذا بالنقطة الثالثة من مواد الملتقى الاسلامي الثامنة التي ركزت على دور (بجاية) الحمادية في الفكر والحضارة الاسلاميين والعالميين واسباب وآثار انحطاطهما.
وتلك سنة طيبة استنها وزير الاسلام في مختلف المؤتمرات وهو التركيز في نقطة هامة من النقط على ولاية من ولايات الجزائر: ومن قبل تناولت الابحاث قسنطينة وتيزي اوزو ووهران وفي العام القادم تتركز الابحاث على "تلمسان" ومن خلال هذا يثرى البحث العلمي تاريخ الجزائر كله بهذه الدراسات المكثفة وقد وزع علينا هذا الكتاب التاريخي المصور الانيق عن بجاية الذي أثار الانتباه حتى سألني زميلي الصحفي الاستاذ صبري أبو المجد عما اذا كان لدينا في القاهرة متخصصون على هذا النحو !
 ولقد كانت هذه هي زيارتي الاولى للجزائر بعد ان عشت معها بالعلم والقلم والقلب سنوات الكفاح الطويلة وسنوات الثورة الظافرة.
ولا ريب كانت دعوتي لزيارة الجزائر مصدر فرحة روحية كبرى وكنت عشت هذه الملتقيات الاسلامية من قبل بالروح والفكر فقد أتيح لي ان اطالع ما نشر من مناقشات ومحاضرات وعرفت كيف تقدم الى الفكر الاسلامي اضافات ذا بال ستكون بعيدة الاثر في دراساته ومفاهيمه، وقد كان قلبي يخفق وانا في الطائرة الى الجزائر بحب عدد من الاعلام الذين عرفتهم واحببتهم وتعلمت عنهم من أمثال الامام عبد الحميد بن باديس والشيخ البشير الابراهيمي ومالك بن نبي والفضيل الورتلاني وكنت قد درست الحياة الثقافية في المغرب العربي كله ( ليبيا وتونس والجزائر والمغرب) حينما الفت كتابي ( الفكر والثقافة المعاصرة في شمال افريقيا) منذ بضعة عشر سنة ودرست جهاد جمعية العلماء وفي مقدمة رجالها ابن باديس والابراهيمي والمدني الميلي والتبسي وغيرهم من الرواد وان حز في نفسي ان جريدة الشعب تجاهلت موضوعي الذي قدمته الى رئيس تحريرها بمجرد ان وطئت قدماي أرض الجزائر تحية للجزائر والملتقى، ولست ادري لذلك سببا واضحا.
نعم لقد وصلنا الى الجزائر ومنها قصدنا الى بجاية ومن خلال رحلة الطائرة كان البحر الابيض مصاحبا لنا في نتوئه وشواطئه وجباله على نحو يسعد النفس ويملأ القلب فرحة لامتداد ذلك الشاطئ الاسلامي حيث يلتقي الجبل بالبحر والسهل بالصخر، وحيث الجبال العالية مكسورة بالخضرة الدائمة والاشجار الباسقة.    
لقد عشت في هذه الايام رحلة الفكر وعبرة التاريخ وصورة الحاضر، ووجدنا الجزائر تبني حياتها من جديد في نشاط وعزيمة قوية وتتحرك نحو النهضة والتقدم في إطار مفهوم الاسلام الصحيح، وقد تعالت صيحة اللغة العربية فبدت على كل لسان.
واعطانا فندق الحمدانيين في بجاية حيث نزلنا صورة التجدد والمحافظة في اطار واحد، فهو مبنى على صورة القلاع التاريخية الاسلامية وفي داخله نجد النموذج الجزائري المغربي الاسلامي القديم: وبالرغم من التقدم العصري في كل مجال البناء والهندسة والخدمة، اجد أمامي هذه (الفازة) الجميلة المصممة على الطراز الجزائري القديم، وتحت المادة وعاء من الحوض وهناك الطاقة القديمة والخزنة الخشبية، ولقد أمضيت ليلتي أمس استمع الى هدير البحر واصطخاب موجاته وهو يضرب في جدار الفندق الضخم.
ومن خلال هذا الملتقى تعرفنا على العشرات من الاعلام من شرق الارض وغربها، نماذج متعددة من اليابان واليمن والهند وايران ومن ايطاليا وفرنسا واسبانيا والمانيا، كلهم جاءوا يتحدثون عن الاسلام ويشاركون في البحث عن حضارته وفكره ويدلون بدلائهم من حول الاصالة والمعاصرة، ومجال الحوار مفتوح، فما تنتهي محاضرة باحث فيهم حتى يفتح باب التعليق والتعقيب، فتضاء كل المصابيح، وتنكشف كل الحقائق وهناك رجال في الجزائر يقظون حذرون لا يتركون خطأ أو انحرافا دون ان ينهوا عنه واذكر في مقدمتهم: الشاذلي مكي وأحمد حماني ورشيد بن عيسى، هؤلاء ركائز من النواحي التاريخية والفقهية والدراسات الحديثة، أما الوزير فانه يقظ لا تفوته كلمة ولا يتجاوز عن الحق متحدث أمامه، بيده الضوابط التي تكفل حماية البحث من الانحراف، ورده الى الاصالة اذا أعوزه الامر.
ولقد تحدث المتحدثون عن حضارة بجاية وقالوا كل ما عندهم عن علوها وسقوطها، ولكنهم غفلوا عن حقيقة أساسية فلم يلبث الا ان تقدم الى المنبر بعد ان انتهوا ليكشف هذه الحقيقة ويصحح الموقف ويضعه في الاطار الصحيح.
لقد كانت رحلة الملتقى الاسلامي الثامن بعيدة الغور في آماد التاريخ وفي أعماق الفكر وفي آفاق البحث جميعا وكانت ثروة ضخمة للمفكر والباحث والمؤرخ والصحفي من خلال اثني عشر يوما من العمل الدائب والنظر المتصل على نحو لم نشهده في كثير من مؤتمرات البحث أو ندوات الدرس، مما يجعلنا نعتقد بحق أن الملتقى قد أضاف كثيرا وصحح كثيرا وأثرى العقول والأفكار.
        

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here