islamaumaroc

قضية الملكية…موقف الإسلام منها قديما وحديثا

  دعوة الحق

159 العدد

1- تـمـهـيـد:

    الملكية هي حق التصرف وحق الاستهلاك لمتاع ما بصورة خاصة، وهي حدث اجتماعي خضع ويخضع للتطورات التاريخية والملابسات الاجتماعية.
    وقديما نجد  الارض على وجه العموم هي التي تشكل ملكا مشتركا بين الجماعة، أما حق الأفراد في ملكية الأموال الاخرى فانه تغير حسب العصور وحسب تطور الشعوب والتقاليد.
    ولقد ظهرت فكرة الملكية الاجتماعية لاول مرة في التاريخ في المجتمع اليوناني، فلقد نادى بها أفلاطون رافضا فكرة الملكية الخاصة التي تجعل الفرد – حسب وجهة نظر أفلاطون – في وضع مناف للمصلحة العامة، فطالب على هذا الاساس بشيوعية المال والنساء، وأن تتولى المدنية أي المجتمع نفقة أبنائه.
    وانطلاقا من هذا المبدأ عد الباحثون أفلاطون رائد الشيوعية الارستقراطية، فقد اعتبر النخبة من المفكرين والجنود المحاربين هي وحدها التي يوضع لها حساب، وتصور بغية تأكيد حرية هذه النخبة شيوعية الحياة والمال، أمت طبقة العمال اليدويين فقد حكم عليهم بالعجز عن الارتفاع إلى مستوى التفكير المجرد الا أنه ترك لهم – في شيء من الازدراء – حق التملك.
    وعندما سادت الحضارة الرومانية تغير وضع الملكية تدريجيا وتطورت، فبعد أن كانت مشاعة عند الاغريق، وبعد أن كانت عند الرومان محاطة باجراءات غريبة حيث أن الانسان لا يسمح له ببيع أملاكه، وحيث كان حق الارث مجهولا قضت الألواح الرومانية في العدد XII بأن يتصرف الفرد في ماله وأن يرث وليكن ذلك أمام مجلس الشعب في جلسة علنية.
    فظهرت الملكية الفردية المطلقة التي تقضي باكتساب المال والتمتع به في الحياة وبعد الممات، فنلاحظ على هذا الأساس أن الملكية بدأت مشاعة عند الاغريق ثم تطورت عند اللاتين حتى أصبحت في مشكل فردي مطلق.
    فما هو أمرها إذن في الدين الاسلامي ؟

    2- قضية الملكية في الاسلام

   اهتم الاسلام اهتماما واضحا بالمعاملات، واهتم خاصة بالعدالة والتكافل الاجتماعيين: واهتم من جهة ثالثة بالدعوة إلى البر والتقوى والتضامن... كل ذلك لا يكون بامتلاك طبقة للثروة تنعم بها، وترك طبقة أخرى تعيش في الفقر والفاقة.
    وقد جاء القرآن حاثا على التعاون والبر – ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، فالاسلام إذن اهتم بالنظام الاقتصادي ودعامة النظام الاقتصادي هي الملكية.

   فما هي قضية الملكية اذن في الاسلام ؟
- قلنا أن الملكية هي حق التصرف وحق الاستهلاك والتمتع لشيء ما بصورة خاصة – ونضيف هنا أن هذا التصرف والتمتع يجب أن لا يكون لشيء يحرمه العرف، أو الشرع، أو تمجه الاخلاق.
   فمفهوم الملكية هو التصرف في المال الحلال أي المكتسب والمحصل بالطرق المشروعة عند الجماعة، والطرق المشروعة المتفق عليها هي: العمل – الارث – الهبة، فالعمل والارث والهبة مصادر مشروعة للحصول على المال، كانت كذلك قبل الاسلام وبعده.
   فالناظر في القرآن – المرجع الاول والاخير للاسلام – بجده يحث على العمل ويشجع صاحبه بالتمتع بما اكتسب من ثمرة العمل ( من عمل صالحا منكم من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) – ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ).
- فالذي يعمل له أن ينال ثمرة عمله، وأكثر من ذلك فاذا مات فلابنائه الصغار أو الكبار أن يتمتعوا بتلك الأموال، فلهم أن يرئوا آبائهم وأقاربهم وقد جاءت في القرآن نصوص صريحة تضبط ضبطا مفصلا صيغ الارث المتشبعة كما ورد في الآيتين ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك...) ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة أن امروء هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها أن لم يكن لها ولد...) فالعمل والارث مصدران مشروعان للتملك في الاسلام.
- الملكية اذن قانوني اسلامي، ولكن إلى أي حد يوجد هذا القانون في التشريع الاسلامي ؟
إن المستشف لتاريخ الملكية في مختلف العصور والحضارات يلاحظ أن الانسان في بداية – عصوره يكاد لا يعرف شيئا اسمه الملكية أو الملك أو هذا لي، وتلك ظاهرة معروفة فيما يسميه الباحثون " المجتمعات المشاعة" أي المراحل الاولى للبشرية فقد كان القوم لاسباب طبيعية واجتماعية مشتركون في كل شيء، حيث كانوا يعيشون على الصيد... وشيئا فشيئا تطور الناس واكتشفت الزراعة وبدا الانسان يتحضر نسبيا فظهرت الملكية في شكل خاص يلائم الملابسات الاجتماعية اذ ذاك.
     ولقد لاحظنا عند اليونان ملكية مشاعة لكنها تكاد تكون مقصورة على طبقة المحاربين والمفكرين، ثم في المجتمع الروماني ظهرت الملكية الفردية المطلقة...هذا في المجتمعات المتطورة نسبيا، أما عند العرب وفي الجزيرة العربية بالذات فقد كان الناس لا يرون في النهب والسلب عيبا.
    جاء الاسلام وكان عليه أن يجابه – بالضرورة- أولا عادات العرب وتقاليدهم، أي حياة مجتمع في درجة محدودة من الرقي، ثم ليجابه بعد ذلك عادات وتشريعات أخرى لمجتمعات تختلف كثيرا عن المجتمع العربي في الجزيرة.
     والمتتبع لتطور الوحي يجد أن حرمة الانسان في القرآن تحتل مكانا هاما، وهي حرمة في النفس والعرض والمال، وليست العقوبة الصارمة للقتل والقذف والسرقة الا دليلا واضحا على تجسيم حرمة الانسان، فالذي يأخذ مال غيره تقطع يده ( والسارق – والسارقة فاقطعوا أيديهما).

    يد بخمس مئين عسجد ودبت
                         ما بالها قطعت في ربع دينار
    عز الامانة أغلاها وارخصها
                         ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

     ففي الاسلام حرمة صارمة لملك الغير ( وآتوا اليتامى أموالهم) ( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) فالملكية الفردية لها حرمتها في الاسلام فلا يجوز لأحد شرعا غير صاحب المال أن يتصرف فيه الا بسبب شرعي.
     وهنا أرى مناسبا أن أفتح قوسا لذكر مواد من المجلة العثمانية إذ هي تعبر صريحا عن روح الاسلام جاء في هذه المجلة من المادة 95 = الامر بالتصرف في ملك الغير باطل، وفي المادة 97 = لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك الغير الا بإذنه، وفي المادة 97 = لا يجوز لأحد أن يأخذ مال أحد الا بسبب شرعي.
    ولقد تصور البعض عن حسن نية أو عن سوء فهم، أن هذه الحرمة للملكية في الاسلام تجعل التمتع بها تمتعا على سبيل الاطلاق فجعلوا للانسان حرية لا حد لها في التملك.
     ولكن المتصفح لواقع الاسلام وتاريخه الاقتصادي يرى أن الامر على خلاف من ذلك شديد : فالاسلام المؤول تأويلا سليما- يستدرك هذه الحرمة ولا يحتفظ بها على سبيل الاطلاق، فهناك شروط متعددة للتملك من أهمها أن لا تتعارض الملكية مع المصلحة العامة للبشر، فليست الملكية مطلقة بلا حدود ولا شروط.
- وأن المتتبع لهذه الشروط ليلحظ أنها تكاد تجعل من حق الملكية حقا نظريا وبالتالي تجعل صاحبها بعد أن تستوفي حاجته الماسة، يصبح مجردا منها، حيث يكون مسيرا لا مخيرا في تصرفاته، في تنميته، في اتفاقه ومعاملاته، وذلك في حدود الاهداف الخلقية للاسلام، لأن مصلحة الجماعة كامنة من وراء هذا كله.
ففي الاصل المال للجماعة والملكية الفردية وظيفة ذات شروط وقيود، وبعض المال شائع لا حق لاحد في امتلاكه – ( الناس شركاء في ثلاث المال والنار والكلاء) والمتمعن لهذا الحديث تحت الاطار التاريخي له، بوسعه من الوجهة المنطقية والتشريعية أن يقيس كل ما هو ضروري لحياة البشر، كالهواء والشمس والشوارع، والطرق والمستشفيات والمدارس...كلها إذن مرافق عمومية بين البشر.
    وهناك قولة تدعم ما بسطناه قريبا، قولة لعمر الخليفة الثاني الذي يعتبر دون جدل الممثل الحقيقي لروح الاسلام وأخلاقه، قال عمر ( أني أنزلت مال الله مني بمنزلة مال اليتيم فان استغنيت عففت عنه وإن افتقرت أكلت بالمعروف) فالمال حسب عمر ليس لشخص ولا لفرد أو جماعة أو مؤسسة إنما لمجتمع بأكمله ولا يمكن لأحد أن يقول هذا لي ولا لجماعة دون مجتمع أن تقول هذا لنا.
   فالملك الفردي الذي يلحق المجتمع منه ضرر تزول حرمته أي أنه ليس للمالك أن يتصرف في ملكه الا في حدود معينة، فلا يجوز لمن له ملك عقاري أن يقيم فيه جدارا يمنع الضوء أو يجلب الضرر على جاره، وليست ملكية الارفاق الا مثالا حيا ودليلا شرعيا وسندا قويا لما نقول، فالارفاق- واللفظة مشتقة من الرفق – يقتضي بتمكين الجار من الانتفاع بما فضل عن جاره المالك، ليسقي حديقته مثلا، وأكثر من ذلك يمنع على المالك أن يقطع الماء المار به والواصل إلى جاره، وعليه كذلك أن يمكن جيرانه من المرور في الطرق العابرة لاملاكه هو.
    وعلى هذا الاساس فان الملكية مقيدة في الاسلام بقيود سماها البعض بمقاصد الشريعة، ولقد قال الشاطبي في موافقاته (أن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح ودرء المفاسد) فاذا كنا نعلم أن الأسباب إنما شرعت لأجل المسببات لزم من القصد إلى الاسباب القصد إلى المسببات.
     فالحكم وسيلة ومقصده هدف فان لم تقصد الوسيلة إلى هدف بطلت، فالمالك مطالب شرعا بتقديم قسط من ماله في سبيل الخير والبر لأن ذلك يؤدي إلى التآخي والتضامن فلا يجوز لأحد من وجهة نظرة اسلامية بحتة، كنز المال بل عليه أن يسخره حتى ينتفع به الجميع ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها به الجميع ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم).
     وعلى هذا الأساس فإن التقييد للملكية ليست سوى ملكية الانتفاع بالملك، أما ملكية الملك فهي لله ( ولله ما في السموات وما في الأرض وما فيهن).
     كما أن الاسلام فرض على الاموال وعلى المالكين الموسرين فروضا يؤدونها للمعوزين كالزكاة التي تعتبر ركنا إسلاميا وحقا تتقاضاه الدولة رغم كل ارادة، والى جانبها الصدقة وهي وأن كانت موكولة إلى ضمير الفرد فإنها من الأهمية بمكان بدليل النصوص القرآنية ( ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) – ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) – ( وفي أموالهم حق للسائل والمحروم).
    ولقد ذهب الاعتقاد بالبعض إلى أن الزكاة هي الضريبة الوحيدة المسلطة على أصحاب الاموال مستدلين في ذلك بالآية ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ومستدلين بالحديث ( كل مال أديت زكاته فليس بكنز).
   على أن الحقيقة التاريخية للاسلام وواقعه الاجتماعي وفلسفته في الحياة لا تؤيد ذلك فان تجاوزنا ظواهر الأشياء وأعراضها، إلى جواهر الامور ودخائلها لوجدنا أن الزكاة ليست هي الحق الوحيد المطلوب في المال، بل أن هناك حقوقا أخرى في المال غير – أنصبة- الزكاة ويؤيد هذا الرأي ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا وعروا الا بما يصنع أغنياؤهم إلا وأن الله بحاسبهم حسابا شديدا، ويعذبهم عذابا إليما).   

   وهذا الحديث إنما يمشي في ضوء الآية الكريمة ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيئين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب) ففي المال اذن حقوق أخرى غير الزكاة وقد جاءت هنا في الآية متقدمة على الزكاة نفسها.
     وأكثر من ذلك كله ففي أمور الضيافة فان الاسلام يبيح للضيف أن يأخذ حقه في القرى قسرا اذا لم يقدم له كرم فقد ورد في الحديث ( أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ يقدر قراه ولا حرج عليه).
     فلم بعد اذن شك أن الذين يقولون أن الزكاة هي الحق الوحيد المطلوب شرعا في المال إنما يصورون ذلك أن يتصورونه عن جهل، جهل قد يؤدي بهم إلى حد الجريمة وحتى بدون أن يتوافر العمد والقصد.
    هذه النصوص المسلم بها توضح الخلط الذي قد يرتكبه البعض عندما يتحدث عن الاسلام ويعتبر الزكاة هي الحق الأقصى المفروض في الاموال فهي تصرح بأنها هي الحد الادنى المفروض في المال ذلك أن الاسلام منح سلطات واسعة لولي الامر للتوظيف في رؤوس الأموال أي الاخذ منها بقدر معلوم.
     وأضيف هنا واضغط على ما أقوله لألفت الانظار إلى أنه لم يعد هناك شك في أن دائرة المصالح المرسلة وسد الذرائع دوائر واسعة تشمل تحقيق كافة المصالح للجماعة ونضمن بالتالي دفع الاضرار (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) حسب تعبير موفق للسيوطي في (الاشباه والنظائر).
    ولقد بني المذهب الحنفي على هذه القاعدة نظرية سوء استعمال الحقوق وقال بمنع الانسان من استعمال حقوقه اذا أنتج عن ذلك ضرر للغير، فجوز المشرعون الفقهاء تدخل الدولة وولى الامر في حياة الافراد كلما كان الامر يعود إلى المصلحة العامة كمنع الطبيب الجاهل من مزاولة حرفته وجواز هدم بيت أحد الناس لمنع تسرب الحريق وتسعير الحاجيات بحال الاحتكار، واجبار المحتكرين على بيع الاقوات عند الحاجة ( موافقات الشاطبي –ج 2 ص 350 – الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن القيم ص 223).
    وفي المجلة العثمانية نقرأ "المادة 58" التصرف على الرعية منوط بالمصلحة.
    ومن هذا البسط السريع نستخلص نتيجة منطقية ذلك أن موقف الاسلام من الملكية كان موقفا شبه جديد وشبه مستقل بدليل أنه لم يتبن النظرية الأفلاطونية القديمة التي تقضي باشاعة المال والنساء وهي نظرية شبه بدائية توجد في " المجتمعات المشاعة الاولى" من تطور البشر، كما أنه رفض الملكية الرومانية القاضية بأن يتصرف الفرد في ماله تصرفا مطلقا، كما أنه أيضا لم يحاك العرب في مبدأ الملك بالقوة، من هنا يكون موقفه شبه جديد وشبه مستقل نجمله فيما يلي:
- أنه موقف وسط بين المواقف، موقف بين أطراف متناقضة، موقف قوام بين تلك المواقف، وأن شئنا قلنا بتعبير فلسفي لارسطو أنه موقف بين رذيلتين شأنه في ذلك شأن الشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين التقتير والتبذير، والملكية المقيدة بمصالح البشر بين الملكية المشاعة والملكية الفردية المطلقة.
      فتشريع الملكية في الاسلام أو تقنينها مشروط بالمنافع الاجتماعية العامة، فالمنافع عقارية كانت أو غير عقارية وجدت أصلا لمنفعة فرد دون آخر، فهي تنظيم اجتماعي واحترام الكرامة الانسانية وليست حقا طبيعيا كما نص عليه القانون الروماني، فيمكن اذن تغييرها من هذه الزاوية تغييرا مشروعا كلما كانت المصالح العامة مهددة كلما كانت على حساب الغير.
    - هذه باختصار قضية الملكية وموقف الاسلام منها في زمن معين – قدمناها مبسوطة لنتمكن من مناقشتها في شيء من الجدل – أريده أن يكون مثمرا.
    ان الهدف من كل تشريع سماوي كان أو وضعي يكون انما هو الانسان تقدمه ورفاهية وتفوقه على الطبيعة، وأنا لنرى لهذا الانسان قيمة كبرى في الاسلام حيث يجعله خليفة الله في الارض (انما جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ) ( انا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان ).
      وتقدم الانسان ورفاهيته وتفوقه منوط بالعمل والانتاج وبالتالي بالثروات القي بها توجد الفوارق والتناقضات.
      وقد يلوح هنا في الافق البعيد افتراض قد يكون وضعه مناسبا ومنطقيا، هذا الافتراض هو: اننا عندما نفتح أبوابا للتملك غير باب العمل كالارث  فان النتيجة قد لا تخلو من وخامة تتمثل في اننا نجعل البعض يحصل على ثروات تجعلهم في وضع ممتاز دون أن يقوموا مسبقا ببذل مجهود أو عمل ما، وعليه فاننا نفتح الباب على مصراعيه للفوارق حيث لا يخوض الجميع معركة الانتاج ومعركة الحياة بنفس السلاح عند البداية وعند نقطة الانطلاق، فلا تتوفر للجميع فرض متكافئة.
    ان مناقشة هذا الافتراض الخطير والرد عليه يتطلب مستوى من التفكير واسع الافق، وفوق ذلك فإنه يتطلب مستوى من التفكير واسع الافق، وفوق ذلك فانه يتطلب موازنة دقيقة للجوانب المختلفة للمشكل.
    وٍأرى هنا من الانسب لمحاولة مناقشة هذا الافتراض أنه لا مفر من طرح أسئلة قد تثير بعض المسائل التي تمس من قريب موضوعه، وتحدد بالتالي معالم حدوده.
- أننا نعمل ولماذا ؟
- أننا تزيد في العمل والانتاج ولماذا ؟
   اننا نعمل لنسد حاجياتنا الضرورية – نزيد في العمل والانتاج لنبسط في الرزق فنلبي حاجيات الكمالية ثم لنترك لابنائنا بعد مماتنا ما تبقى عن حاجياتنا.
   ولو عملنا عكس ذلك لكانت النتيجة عكسية، اذن هناك الخطير والاخطر.
   فالمسألة يجب أن لا تدرس وحيدة الجانب، فقانون الارث وقانون الوصية وقانون التملك قوانين مهمة يجب أن نوضع في الحسبان اذ هي تشكل حوافز أساسية لا غنى عنها للعمل، فالفرد أي فرد اذا فكر في أن ثمرة عمله ستعود إليه ليتمتع بها في حياته، وإلى أبنائه بعد مماته سينشأ في وجدانه حافز "قوي" على العمل ولو سلبناه تلك الحقوق لكانت النتيجة هي التقاعس والتوكل والتواكل.
    فينبغي على هذا الاساس أن نلم في دراستنا للمشكل بالجوانب المختلفة له لتوازن بينها، أي أن نسلك في دراستنا الاسلوب الشامل فلا ننظر في الوارث دون الموروث ولا الموصى له دون الموصي...( وبالتالي لا تعتبر المفعول دون الفاعل والعكس أيضا سليم).
     اننا بفتح باب الوصية وتوريث الابناء والاقارب نكون قد قوينا في الانسان ارادة العمل، والمسألة في صميمها هي الحيلولة دون الضرر والفروق والتناقضات الاجتماعية، بتوزيع عدالة اجتماعية.
      فالاسلام عندما يفتح بابا للعمل بوسائل مختلفة أهمها أنه يترك للانسان حرية التصرف في ثمرة عمله يضع أيضا شروطا ويسلط لوازم، فضريبة الزكاة والمصلحة العامة تفتح أبوابا واسعة أمام تدخلات الدولة وولي الامر باعتبار أن الملكية يجب أن لا تكون أنانية والمالك ليس ذا حق فقط وانما عليه واجبات أيضا.
     وليس مبدأ الزكاة المفروضة فرضا في الاموال بحسب فئاتها المعروفة في الذهب والفضة والزرع والثمار والماشية وفي عروض التجارة وفي الركاز ليس كل ذلك الا دليلا قويا لتحديد الملكية وتوزيعها على أكبر قدر ممكن.
      وهكذا فاننا بتقدير حرمة الملكية الخاصة وبوضع ضريبة مشروعة على هذه الملكية الخاصة سوف نصل إلى نتيجة مزدوجة.
      فاحترام الملكية يفتح للافراد مصدر حفز للعمل.
- اعطاء المال لقوم لا يرثون وتوريث أكبر عدد من الاقارب الى جانب الضريبة المسلطة باستمرار كل ذلك من شأنه أن يمنع من تضخم هذه الملكية وتركيزها في أيدي فئة وبالتالي يضمن تكافؤا في الفرص حتى نعهد للكل ولوج معركة الحياة أن لم يكن بنفس السلاح فانه يكون بوسائل وأسلحة قرب متشابهة.
- ان أحكام الاسلام ومقاصد تشريعه تتبع فيما تتبع من مصالح الناس في حياتهم الاجتماعية ومراعات أقرب الاشياء الى الخير المطلق وما يوحيه العدل والانصاف، وهذا ما جعلنا نلمس أن موقف الاسلام من الملكية موقفا تنظيميا هدفه الفرد والجماعة ولايمكن الفصل بينهما لأن الجماعة ليست في النهاية سوى أفراد، ولقد قال الغزالي أن العدل الحقيقي والانصاف هما أساس التشريع الاسلامي لأنه تشريع الهي يضم بين أحكامه قواعد الدين والاخلاق وقواعد المعاملات الاقتصادية... ولهذا جمع العدل والاحسان في آية واحدة ( أن الله يأمر بالعدل والاحسان) وسار الاثنان معا حتى أصبحا بمنزلة المترادفين، الاحياء ج 2 ص 66.
- ولقد اتفق المجتهدون على أن قسم المعاملات من الشريعة معقول المعنى مبني على مصالح الناس ومنافعهم، ولقد قال ابن القيم ( ان الشريعة الاسلامية مبناها وأساسها على الحكم مصالح العباد  من المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها وحكمة كلها)، ( أعلام الموقعين ج 3 ص 1)
   - هذه هي الاصول التي انحدرت منها الملكية في الاسلام، وتلك هي الينابيع التي تجري فيها، فاذا أضفنا الى الاصول والينابيع ظروفا من أجلها كانت الملكية مقيدة، لخرجنا الى الافق الواسع الانساني الذي يحيط بتشريع الملكية في الاسلام.
 
     3- موقف الاسلام من الملكية الحديثة

    ان ما قدمناه حتى الان كان منصبا أساسا على الملكية ذات الدور البسيط أو الموجودة في عصر تاريخي معين، عصر يمتاز اقتصاده بالبساطة نوعا ما أي ما كان موجودا في الاسلام في عصوره الاولى كالملكية الفردية ذات الطابع البسيط، وفي العصور الوسطى: كالملكية الاقطاعية أو التجارية، ولم نتطرق إلى العصر الحديث حيث تعقدت الامور بسبب التحولات الهائلة التي أحدثتها الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.
     وبالتالي فاننا لغاية الان لم نتبين بوضوح موقف الاسلام من هذا التطور الجديد للملكيات، وفي العصر الصناعي الذي أحدث تحولا جذريا خطيرا.
     يترتب على ذلك أن نتطرق الى الملكية في عصر الصناعة والآلة.
     وهنا لا مناص من التعرض الى الاديولوجيات التي رافقت هذا التطور وواكبت ظهوره.
     لنعرف موقف الاسلام اقتصاديا من هذه المذاهب.
     وليكن السؤال المنطقي: ما هو موقف الاسلام تجاه الملكية في عصر الصناعة؟
- هل هو موقف اشتراكي ؟
- أم هو موقف رأسمالي؟
 وقبل الدخول في تفاصيل الاجابة أريد أن أضع تحفظا يبدو لي ضروريا، ومعقولا وهو انى لا أريد هنا مجابهة بين الاسلام بوصفه التتمة المباشرة والمخلص المفيد للديانات العظمى التي ظهرت قبله في القارة الآسيوية، وبين الاشتراكية بوصفها مذهبا يحاول الشمول وأن يعطي للحياة مفهوما ماديا جدليا.
  لا أريد تلك المجابهة لا على الصعيد الفلسفي ولا على الصعيد التاريخي، لأن ذلك يتطلب شروطا لم تتوفر بعد.
  ثم هو قد يؤدي الى الدخول في بحار من الظلام ووديان من التيه يصعب فيها الاطمئنان الى شيء اسمه الحقيقة والحق، وفوق ذلك كله فانه لا يدخل من قريب في موضوعنا.
   وعلى هذا الاساس فاني سوف اقتصر على بعض الملاحظات التي وان بدت عامة الا أنها في الواقع وحقيقة الامر تمد تأثيرها الى صلب الموضوع.
- قد يبدو من الابحاث التي ظهرت حتى الآن أن الخلاف الجذري بين الاسلام والاشتراكية يقوم أساسا على الملكية الخاصة، فالاسلام يحتفظ بها والاشتراكية تلغيها.
- ولا شك أن اعتقادا كهذا، هو اعتقاد سطحي من جهة، ويحتوي خلطا خطيرا ينبغي توضيحه من جهة أخرى، واذا كان الخلاف الحقيقي – بالنسبة للبعض – بين الاشتراكية والاسلام يكمن في هذا، فاننا لا نتردد على الاطلاق بالاصداع والتصريع علانية بأنه لا يوجد خلاف بينهما البتة، ذلك أنه في الحقيقة لا الاسلام يعترف بالملكية الخاصة المطلقة، ولا الاشتراكية تنكرها مطلق الانكار.
وقد يزعم البعض عن خطا أو لمجرد حسابات سياسية أن الملكية الخاصة تشكل مبدءا عقائديا في الدين الاسلامي، في حين أن العقيدة الاسلامية لم تنص على ذلك، ولم يقل الاسلام يوما ما بأنه لكي يكون الانسان مسلما عليه أن يعتقد في ضرورة حرمة الملكية الخاصة وقداستها.
  ولاشك اننا اذا لم نضع حدا لهذه المفاهيم فانه قد لا يستغرب في مستقبل لاحق أن ينتهي الامر الى تصريح أخطر من ذلك وهو أن تصبح الملكية مبدءا عقائديا مقدسا لا يتم الايمان الا به، وأن يصبح المسلم في آخر الامر هو من يؤمن بالله، وبرسوله، وبالملكية الخاصة.
وأكثر من ذلك فمن الملاحظ أن هؤلاء الذين يقولون بشرعية الملكية يحاولون – متاجرة منهم- تحت مفهوم الملكية قصر أنواعها المختلفة على النوع الرأسمالي ولا يحاولون التمييز بين الملكية ومظاهرها، ولاشك أنهم هنا يخلطون خلطا متداخلا وغريبا لم تؤيده الاحداث في يوم من الايام.
 فالملكية ذات الطابع الرأسمالي أي الملك الخاص لوسائل الانتاج في المجتمع الصناعي لا علاقة لها بتاتا بالملكية ذات الطابع الخاص والتي هي في الغالب ملكية" تتسم بطابع ذاتي وبسيط بعيد كل البعد عن الطابع الاستغلالي.
فاذا كان الاسلام يحترم هذا النوع من الملكية ذات الطابع البسيط والشخصي – وهو أمر معقول- فانه يجب ان لا ننسى ان الاشتراكية أيضا نحترمه.
لان الاشتراكية تتحدد أساسا لا كنظام يلغي جميع أنواع الملكية وانما كنظام يقضي على الملكية الخاصة لوسائل الانتاج معوضا اياها بملكية اجتماعية.
   - اذن الاسلام يحترم الملكية الفردية وهي ملكية بعيدة كل البعد عن الملكية الرأسمالية اذا ما نظرنا اليها من زاوية تاريخية، وهو يربط حرمتها بالمصلحة، والاشتراكية أيضا لا تلغي هذه الملكية الفردية ذات الطابع الشخصي التي تشبه الى حد كبير الملكية التي ظهرت في الاسلام في عصوره الاولى.
 وفي الاتحاد السوفياتي وغيره من البلدان الاشتراكية نجد دليلا حيا للذين لا يزال الشك يخامرهم من أن الملكية الصغيرة لم تضمحل مع الاشتراكية، وأن البعض ليندهش ويعارض اذا قيل له أن النظام الاشتراكي هو وحده الذي يحترم الملكية الصغيرة ويتيح لها الفرص لتزدهر، دون أن تطبع بالصبغة الرأسمالية.
- ان الذين يريدون من الاسلام ومن الدول التي تعتنقه، السير في طريق رأسمالي باسم الملكية الخاصة، انما يحاولون ذلك ضد كل الحقائق، لانهم يسيرون في اتجاه معاكس على طول الخط للواقع التاريخي والاجتماعي لماضي الاسلام البعيد والقريب. وهم يعرفون جيدا أن الزام الدول الاسلامية هذا الطريق الرأسمالي يعني بالنسبة اليهم توزيع الملكية على أكبر عدد ممكن، ولكنه يعني تركيزها وحصرها بالتالي في أيدي أقل عدد ممكن.
    لا يعني أبدأ – بالنسبة اليهم – الزيادة في عدد المالكين وانما يعني الزيادة في الملك بانتزاع حقوق الآخرين، فتصبح النتيجة هي: كثرة في الملك على حساب عدد المالكين، وهي نتيجة رياضية قلما يحسب لها حساب.
     - بعد هذه النظرة التحليلية يظهر سؤال قد يكون طرحه ضروريا ومنطقيا هذا السؤال هو:  
- هل أن الاسلام احترم في يوم ما الملكية الرأسمالية ؟
- انه اذا قلنا نعم نحو هذا السؤال فان ذلك معناه بالتأكيد اننا لا ندرك الحقائق التاريخية والملابسات الاجتماعية للمشكل أو اننا نتجاهله.
- فالملكية ذات الطابع الرأسمالي ظاهرة تاريخية برزت في وقت معين من تطور المجتمع البشري- واستطاعت أن تضمحل في يومنا هذا في البلاد الاشتراكية.
 وأيا كان الامر فان الاسلام لم يعترف بها وعلى الاقل في عصور الراشدين، واذا ما أردنا ادماج الملكية الرأسمالية – مهما كلفنا ذلك من جهد ومن تأويل – في الملكية التي وجدت في الاقتصاد البسيط للمجتمع الاسلامي، فاننا نكون قد اخطأنا لان نقاوة الاسلام تأبى ذلك، والحق يقال ان الاسلام في مستهل هذا القرن عندما عرف الملكية الرأسمالية لم يتنباها وانما سايرها كما ساير من ذي قبل أنواعا أخرى من الملكيات وعلى الاخص الملكية الاقطاعية والملكية التجارية.
فلماذا يصر البعض على أمر هو في صميمه مسايرة للعصر وتصالح معه، يصر على تقديمه وكأنه منزل تنزيلا من عند الله لا يأتيه التغيير ولا الباطل.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن الملكية الرأسمالية في يومنا هذا ليست اسلامية أكثر مما كانت عليه فيما مضى الملكية التجارية أو الملكية الاقطاعية، ويكفينا هنا دليلا المجهود الذي بذله فقهاء الاسلام في أن يستوعب التشريع الاسلامي مؤسسة رأسمالية وغير اسلامية الا وهي البنك.
  وعلينا ان نتذكر في هذا الصدد الفتوى المشهورة للاستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده الصادرة بتاريخ 9 صفر 1319 هـ 1901 م والمنشورة في مجلة المحاماة السنة الخامسة رقم 460 ص 563.
    ومن جهة أخرى فمن الضروري أن لا نبالغ في توريط الرأسمالية مع الاسلام لان الرأسمالية لم تستطع أن تتطور كثيرا ولن تستطيع في بلاد تدين بالاسلام لأسباب تاريخية معروفة.
وعلى سبيل المثال فانه يمكننا أن ندرك أن مفهوم المصلحة العامة وهي على سبيل التذكير المقصد النهائي والغاية القصوى للشريعة الاسلامية يمكننا ان ندرك ان هذا المفهوم يبرر شرعيا أو قانونيا تعويض الملكية – الاجتماعية لوسائل الانتاج للملكية الخاصة الرأسمالية.
    كما أنه يمكننا أيضا أن نلاحظ أن المفهوم الشرعي للمال الحرام- في الاسلام- ( السحت) أي ما اكتسب بطرق غير شرعية ينطبق الى حد ما على القيمة الزائدة تلك التي تعتبر جوهر الاستغلال – الرأسمالي.
وفوق ذلك ففي الميدان الاخلاقي نجد الاسلام بروحه في المساوات وبروحه الجماعية والانسانية التي يمثلها الراشدون وكبار الصحابة أمثال عمر وأبي ذر، كان سباقا فيما نادت به الاشتراكية من مبادئ انسانية في ميدان الاقتصاد والاجتماع.
وهنا يمكن أن نؤكد- بغض النظر عن تقول الاقاويل – بأن الاسلام قد جسم أحسن تجسيم ومنذ أربعة عشر قرنا ذلك المجتمع الاخوي الذي تنادي به الاشتراكية اليوم وفي عصر متأخر جدا عندما قضى على الفوارق الجنسية والطبقية وأسس الروابط الاخوية بين بني البشر.
وهو لاشك قادر اليوم على تحقيق العدالة الاجتماعية لمعتنقيه وقادر على الوقوف أمام كل التحديات المادية والفكرولوجية اذا وجد رجالا واعين لرسالتهم ولمصيرهم شجعانا لا ليبراليين – بالمعنى السياسي- لا مبدأ لهم.
- ان الدين الاسلامي ظهر لمصلحة البشر وهو في بدايته دين المنبوذين والمحرومين     

    4- هذه باختصار قضية الملكية في الاسلام،

    أردت من عرضها الرد على بعض الأسئلة التي قد تراود البعض منا، وبما أن الموضوع شانك لما له من وشائج متشبعة، وشائج تاريخية، وشائج اجتماعية واقتصادية وقانونية فانه لا مناص من أني أكون قد تركت ثغرات وأثرت أسئلة، وأجبت أخرى تغري بالتساؤل...
   والله أسأل أن يسدد خطانا ويحفظ سيرنا ويرعى عملنا لما فيه الخير والسعادة للجميع.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here