islamaumaroc

جنود لم تروها

  دعوة الحق

159 العدد

صديق عزيز عاد حديثا من جبهة سيناء.. صافحته بحرارة وعانقته لعلني اشم رائحة الجهاد، رائحة الكرامة والعزة العائدتين..
وجلسنا لنطفئ الشوق.. ولا تملى بطلعة رجل عاد من حيث كنا جميعا نود ان نكون... ومن حيث كنا جميعا بقلوبنا وأرواحنا...وبادرته بسؤالي الذي كان يتوقعه...كنت أود أن أعرف كل شيء عن أهم حدث في تاريخ الامة الاسلامية المعاصر.   
  وسألته، فيما سألت، عن أغرب ما حدث له بالجبهة..
 ولاول مرة لاحظت، وأنا انتظر جوابه، انه يلهو بسبحة شرقية في يده، ويلتهم حياتها بأصابع ماهرة مدربة...
كنت أعرف صديقي جيدا...وكنت اعرف ان التدين لم يكن من صفاته رغم إيمانه العميق بالله...فقد كان يكتفي من شعائر الدين بصوم رمضان كأغلب الشباب اللاهي بدنياه عن دينه وكان محبا للحياة والناس كثير المرح والفكاهة، فبدأ لي أنه تغير قليلا وعزوت لهوه بالسبحة الشرقية الى تأثره بعادة الشرقيين الذين يعبثون بالسبح دون أن يكون لها معنى ديني، كما يعبث الواحد بغليونه الفارغ بين أسنانه.
وتوقف عن اللعب بالسبحة ليركز اجابته عن سؤالي، ثم ابتسم وقال:
 " كنت أتوقع منك أنت على الخصوص هذا السؤال لذلك حرصت على الاحتفاظ بهذه القصة لاحكيها لك، وفي الواقع ما كنت لانساها حتى ولو لم أفكر فيك- فقد كان لها رد فعل عنيف في نفسي..ويمكن أن أقول لك أنها أثرت في مجرى حياتي...
وتململت في مقعدي لاسمع القصة التي احتفظ لي بها هذا الصديق كهدية من أغلى الهدايا... وأنا أعرف أنه لا يحسن الادعاء ولا المغالاة.
قال: " كانت مهمتي كقائد كثيبة على خط النار الامامي ان استولي على أحد تحصينات الاسرائيليين المنيعة واقتربنا عنها حتى صرنا قاب قوسين من مدى مدفعيتها ورشاشاتها...وكان الوقت أصيلا، والشمس الصحراوية الكبيرة تغرب بسرعة خلف التلال الغربية... ونظرت الى رجالي الذين اضناهم الزحف والقتال طوال النهار الجهنمي دون توقف فأصدرت الامر بحفر الخنادق للمبيت." واخررجت منظاري المكبر وزحفت الى قمة تل لادرس التحصينات، وارسم خطة لمفاجأتها...وحين عدت كان الجنود قد وضعوا مجارفهم، وأخرجوا علب طعامهم للعشاء، الا المساعد عبد الله الذي كنا جميعا نناديه بالفقيه...كان قصيرا نحيفا   معروف الوجه والبدن ذا لحية سوداء كنه تحيط يذقنه، فقد كان واقفا يصلي ويداه على صدره في خشوع وكنت كلما رأيته كذلك اشفقت عليه من شظية طائشة أو رصاصة غادرة...فكنت الصحة بالصلاة قاعدا...كان من أشجع رجالي وأكثرهم انضباطا...وكان يتطوع لكل مهمة مهما صعبت فيخجل من هم أصغر منه سنا.
 ووزعت الحراسة، وبتنا الليلة في تربص حذر خشية أن يعرف بوجودنا العدو...
وباتت المدافع من جميع العبارات تهز تحتنا الارض، وتضيء السماوات على طول الجبهة الاسرائيليون بالدبابات المصرية تقتحم عليهم مواقعهم وتحصيناتهم في جوف الليل، فأصيبوا بالحيرة والذعر..
ومع منتصف الليل استيقظنا جميعا على سيل جارف من رصاص الرشاشات والصواريخ والمواقع والقنابل اليدوية آتية من التحصينات الاسرائيلية التي ننوي الاستيلاء عليها...فظننت أن احدى دورياتهم اكتشفت موقعنا...وزحفت الى رأس التلي لالقي نظرة على الموقع فاذا النار تنطلق من كل جوانبه بقوة كبيرة دون أن تتركز علينا بصفة خاصة ومن بين قصف المدافع وأزيز الرصاص كنت اسمع أصواتا آدمية تستغيث أو تعلن بشتى اللغات..فداخلني الشك في أنني أحلم...ثم فكرت، هل يكون الموقع الاسرائيلي متعرضا لهجوم من الخلف ؟ 
 وأخذتني الحيرة في أن أهاجم أنا الآخر برجالي من هذه الجهة أو انتظر النتيجة...فكل انتظار في صالحنا اذ كان اليهود يستهلكون ذخيرتهم بتبذير رهيب...
وانتظرنا ونحن على أتم الاستعداد للهجوم حتى خفت حدة نيرانهم، وتبين لي ان ذخيرتهم أشرفت على الانتهاء.
فأمرت رجالي بالزحف في هدوء...
وطوقنا الموقع المنيع فسمعت من داخله انينا وصراخا هستيريا صعب عليهم كتمانه...وأعطيت اشارة الهجوم فاندفع الرجال يتسلقون التحصينات والموانع كالفهود الجائعة بين صيحات التكبير والتهليل.
وفي أقل من ساعة كان من بقي من جنود الموقع الاسرائيلي يخرجون رافعي الايدي مستسلمين، وقد تهدلت ملابسهم وكساها الدم والطين.
ووقف الاسرى الثلاثة أمامي والرعب والارهاق باد على وجودهم، فوضعت سيجارة في فم ضابطهم واشعلتها به، وأخذت في محادثته والتهدئة من روعه.
ولاحظت أنه يدخن يعمق وينظر حواليه باحثا عن شيء مخيف فسألته:
   " عماذا تبحث؟ "           
  فأجاب :" ابن الآخرون " ؟
  فسألت : " الآخرون ؟ "
  فقال : " الذين كانوا يلبسون حللا بيضاء ! الذين هاجمونا في منتصف الليل داخل تحصيناتنا بالسلاح الابيض..."
 قلت مستغربا: " لا بد انكم كنتم تحملون ! نحن لم نهاجم الا قبل ساعة.."
  فقال وقد اتسعت عيناه لتكذيبي له:
  " اؤكد لك يا سيدي أن رجالا بيض الملابس لم نستطع معرفة هويتهم كانوا يترامون علينا من فوق الاسوار، ونحن نطلق النيران من رشاشاتنا ومسدساتنا ومدافعنا عليهم فلا يسقطون واشتبكنا معهم بالسلاح الابيض فقتلو منا الكثير".
  ولما رأى الضابط اليهودي الشاب نظرة عدم التصديق في وجهي أخذ يقترب مني بوجهه المرتاع ليؤكد لي صدق ما رواه، وانهم ربما كانوا هم الفدائيين الفلسطينيين.
فقلت له :اننا نحن رأس حربة هذا الهجوم...واننا على الخطوط الامامية المتوغلة جدا داخل الاراضي المحتلة ولا يعقل ان تتجاوزنا قوة دون علم سابق منا – ثم انه لا يوجد بين جنودنا ولا بين الفدائيين الفلسطينيين من يلبس ملابس ميدان بيضاء.. وانه أولى به كضابط ان يعرف حماقة ذلك...فالهدف الناصع أسهل شيء للاصابة.
فأخذ من سيجارته نفسا عميقا ثم أشار لي بعقبها الى موقعهم قائلا:

" تفضل ادخل بنفسك الى هناك لترى مدى التخريب الذي أصاب موقعنا الحصين الذين هجموا كانوا على علم بكل شيء فيه والاغرب من ذلك انهم بعد انسحابهم لم يتركوا من قتلاهم جنة واحدة لنتعرف منها على هويتهم... وكأنهم نزلوا من السماء فابتلعتهم الارض.." 
 وفكرت أنها الصحراء والليل والحرب...وان الخيالات والاشباح لابد لعبت باعصاب هذا الضابط الشاب ومن معه فانطلقوا في فترة توتر حاد يطلقون النار على بعضهم البعض.
وحركت رأسي غير مصدق ولا فاهم..والتفتت لارى الفقيه يبتسم وهو يستمع الى عربية اليهودي المرقعة، فصرفت الاسير، وسألته:
" ما رأيك يا سي عبد الله ؟"
 فقال بثقة من كان يتوقع ذلك :
الملائكة يا سيدي كانت تحارب في صفنا وهم الجنودون المذكرون في القرآن الكريم في قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين اذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا، وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم مدبرين)
وتوقف الفقيه ليقول: " وهذا ينطبق على حرب 1967، أما حربنا هذه، حرب رمضان المبارك فتنطلق عليها الآية التي بعد الاولى وهي: ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المومنين وانزل جنودا لم تروها، وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين).
صدق الله العظيم.

                                       - - * - -

" وتنهد صديقي الضابط وهو يتلو الآية الكريمة ثم قال:
" ورغم أني حفظت القرآن في صباي خيل الى أني اسمع هذه الآية لاول مرة ومع اشراقة الفجر..أحسست بنور وهاج يسطع في داخلي...وبقطرات باردة تنزل على قلبي فتشيع فيه الطمأنينة والايمان.
ونظرت الى حيث يجلس الاسرى الاسرائيليون فاذا بهم زائغي الابصار، فاغري الافواه يتلفتون يمنة ويسرة ويقضقضون أسنانهم في حركات جنونية كمن طار عقله، والفقيه يطعمهم ويسقيهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here