islamaumaroc

الثورة الهندية سنة 1957

  دعوة الحق

158 العدد

1 – ربما قيل عن الثورة الكبرى ضد الانجليز فى منتصف القرن الماضي انها كانت ثورة الجنود المرتزقة فحسب ، والحقيقة انها كانت ثورة شعبية عامة ، فقد كان قلب كل مواطن يغلي كالمرجل بالاحقاد التي اتارها المستعمر الغاشم بسياسته فى مختلف ميادين الحياة ، ولذلك لم تبق اية طبقة من طبقات العوام والخواص الا واشتركت فى الثورة وتضافرت مع الجنود وتجمعت حول راية الملك المغولي الجالس على عرش دهلي هاتفة بالمتخلص من ربفة الاستعمار واستعادة الحرية والكرامة القومية ، حقا كان للجنود فضل المبادرة الى الثورة والنصيب الاوفر منها فانهم كانوا اشد تعرضا لغطرسة الانجليز واكثر اطلاعا على نوايا المستعمر ضدهم – لقد كانت الجندية مهنة متوارثة بالنسبة لكثير من الشبان المنخرطين فى خدمة الجيش الانجليزي ، وكانت للجندية تقاليد ثابتة الفها الناس ايام الحكم المغولي ، منها ان الجنود المرتزقة لا رجى منها ان تتخلى تماما عن معتقداتها الخاصة وعوائدها الدينية والاجتماعية ، فالمسلمون تو ما دخلوا الهند استخدموا الهندوس فى جنودهم ، وقد ذكر في هذا الصدد ان جيش محمود الغزنوي كان يشمل فرقة مكونة من الاهالي الهندوس ، ولم يكن ذلك بدعا فان القواد المسلمين امثال قتيبة بن مسلم وموسى بن نصير اتخذوا تلك الخطة بالذات فى ما وراء النهر وشمال افريقيا – على كل حال استخدم المسلمون اهالي البلاد فى جيشهم الا انهم لم ينسوا ابدا ان اهالي البلاد ليسوا مرتزقة تماما ولذلك لم يلجأوا الى القسر ولم يزجوا بأهالي البلاد فى الحرب الا اذا وثقوا من ولائهم للقواد والملوك المسلمين عن رضى وطواعية – اما الانجليز فهم لم يقدروا ان المرتزقة لم يبالوا بالاشتراك فى القتال ضد الامراء المحليين ما دام الملك المغولي محتفظا بمكانته السامية كرمز لاستقلال البلاد وحريتها ولكنهم سوف يندفعون فى الثورة اذا اتضح لهم ان الانجليز لا يقنعون الا باغتصاب الحرية والاستيلاء على العرش ، ومن الملاحظ ان جماهير المسلمين والهندوس ، حتى رجال الحكم والادارة ظلوا فى غفلة وسبات لا يعبأون بأمر الانجليز الى ان بلغ السيل الزبى واتسع الخرق على الراقع – على كل حال لما افتضحت نوايا الانجليز ولم يبق شك فى ان القتال مع الانجليز انما يعني القتال ضد الوطن وضد المصالح الدينية ، اذذاك نشأت فى نفوس المرتزقة عقدة سببت لهم الما روحيا واوغرت صدورهم ، كما ان الامراء والعوام ايضا تنبهوا الى خطر الانجليز ولو بعد فوات الاوان فانقلبت اهواؤهم واتحدت نياتهم مع نيات الجنود – هذا وقد مضى الانجليز فى غلوائهم فاساءوا معاملة الجنود وحرموهم من الترقية الى المناصب العالية فى الجيش ، وربما احالوا على المعاش كل من اثبت كفاءته لنيل رتبة عالية ، كما انهم ساروا على خطة التمييز بين العنصرين الابيض والاسود فى الاجور والمرتبات ، فان الانجليزي كان يتقاضى اضعاف اجر الاهندي لخدمة معينة بالذات وكثيرا ما كان الانجليزي ينادي ملازمه الهندي ب : " الرجل الاسود " متعمدا اذلاله واهانته ، واخيرا أصدر الانجليز امرا باجبار المرتزقة الهندوس على تأدية الخدمة العسكرية خارج الهند وعبر البحار ، وقد كان محظورا فى شريعتهم  فالغرض ان الجنود كانوا اكثر تعرضا للذل والهوان واشد تألما من الاجراءات التعسفية على يد الانجليز ، ثم انهم كانوا اقدر على وسائل الثورة من الاسلحة وما اليها ، ولذلك كان من الطبيعي ان يكون لهم فضل المبادرة اليها حتى تنهض عامة الشعب معهم الا انه لا يستطيع احد ان يغفل الدور الذي لعبه الشعب فيها .
2 – لقد تضافرت عوامل عدة – وطنية واقتصادية ودينية – لاشعار نار الثورة التي كان الغرض منها لا يقتصر على ما يمس مصالح الجنود فقط ، بل يتعداها الى التخلص من ربقة الاستعمار واسترداد الحرية والكرامة القومية .
حقا لقد كان الغاء امارة " أود " وضمها الى المقاطعات التي يحكمها الانجليز حكما مباشرا صدمة عنيفة بالنسبة الى جميع المواطنين من المسلمين والهندوس فانهم تنبهوا اذذاك الى حقيقة واضحة للعيان ، وهي ان الانجليز لا يقنعون الا بالاستعمار والاستبداد بالحكم ، الا ان القضاء على امارة لكنو " أود " اضر بمصالح الجنود واثر فى نفسياتهم بوجه خاص ، فان الاطاحة بعرش لكنو استلزمت تسريح الجنود التابعة لها ، وكانوا عددا ضخما يرتبطون بالولاء الخاص للعرش الذي اصبح بمثابة رمز للاستقلال والحكم الذاتي برعاية المسلمين فى البلاد ، فلما خلع الانجليز آخر ملوك " أود " – وكان اسمه واجد علي شاه – عن العرش اصبحت الجيوش التابعة له تعاني الم البطالة وضيق العيش بالضافة الى الصدمة النفسية ، ثم ان هؤلاء العاطلين المشردين اصبحوا كلا وعيالا على اقربائهم الذين كانوا منخرطين فى خدمة الجيش الانجليزي فى بنغالة والمقاطعات الاخرى ، ومن المعلوم ان صلة الرحم فى ذلك الزمان لم تكن فضيلة نادرة بل كانت فرضا وامرا عاديا فى نظام الاسرة المتماسكة القائم على المواساة فى السراء والضراء .
هكذا اصبح الجنود المنخرطين فى خدمة الجيش الانجليزي يشاركون اقرباءهم من جنود واجد علي شاه آلامهم بعد فصلهم عن الخدمة وسد ابواب الرزق عليهم .
3 – ومن المصادفات ان الانجليز زودوا جنودهم بعلب الرصاص المطلية بالشحم وكان عليهم ان يقطعوا اطراف العلب بأسنانهم قبل تركيبها داخل البندقية ، وبما ان علب الرصاص كانت تصنع محليا فقد شاع الخبر وانتشر بين الجنود ان الشحم شحم البقر والخنزير ، ومن المعلوم ان الهندوس يقدسون البقر كما ان المسلمين يعتبرون الخنزير رجسا فلا شىء اكثر تجريحا لمشاعر الهندوس والمسلمين من مزاولة شحم البقر والخنزير ولا سيما تقريبه من افواههم .
فالغرض ان هذا الخبر احدث رجة عنيفة بين الجنود الذين اعتبروا هذا العمل مثالا آخر لتهاون الانجليز بمعتقتداتهم وعوائدهم الدينية ، بل تعمدا منهم لافساد دينهم واجبارهم على الخروج من معتقداتهم ، فاختمرت فكرة الثورة عند الجنود دفاعا عن دينهم ووطنهم ، ولم يبال الانجليز فى غطرستهم برد فعل الجنود لهذا الخبر فى اول الامر ، ثم رأوا من المصلحة ان يطلعوا عليهم ببيان ان ما يقال عن الشحم غير صيح وان الشحم ليس شحم البقر ولا شحم الخنزير ، والواقع ان هذا البيان كان مبنيا على الكذب وكذلك اعتبره الجنود كذبا فتصلبوا فى موقفهم ، ثم انهم رأوا ان عدد الجنود الانجليز لا يعدو ستة واربعين الفا بينما عدد الهنود فى الجيش الانجليزي يربو على اثنين وثلاثين ومائتي الف ، والجنود الانجليز مفرقون فى انحاء البلاد المختلفة ، فتشجع الهنود على الثورة ، ومما يذكر في هذا الصدد ايضا ان الهنود نظروا الى المخترعات الحديثة كسكة الحديد والتلغراف والتلفون لا كوسائل لتحسين المواصلات بل كوسائل لتضييق الخناق عليهم ، والحق ان هذا التأثر لا ينطوي على الجهل او سوء الفهم او التعصب ضد المخترعات الحديثة ، بل هو تعبير صادق عن الاغراض التي استخدم الانجليز هذه المخترعات لها فى المرتبة الاولى .
فهذه هي العوامل الدينية والوطنية والنفسية والاقتصادية التي حملت الجنود وعامة الشعب معهم على الثورة .
4 – قامت الثورة فى شهر مايو سنة الف وثمانمائة وسبع وخمسين الميلادية ، الا ان بوادر الثورة بدات تظهر شيئا فشيئا منذ مطلع تلك السنة ، فقد حدث فى معسكرات عدة فى بنغالة والمقاطعة الشمالية ان رفضت الجنود مزاولة الخراطيش المطلية بالشحم وتمردوا على قوادهم الانجليز واعلنوا بصراحة وصرامة عزمهم على الدفاع عن دينهم ووطنهم متخذين من أمر الخراطيش المطلية بالشحم رمزا وآية ملموسة لكيد الانجليز ضد معتقداتهم ومقدساتهم .
حدثت حوادث عديدة من هذا النوع فى معسكرات مختلفة الا انها كانت فردية غير جماعية ولا منظمة قبل شهر مايو وعالجها الانجليز بمحاولة الافهام والاقناع من جانب ، وبالتنكيل والتعذيب من جانب آخر ، فانهم اولا طلعوا ببيان ان الاشاعات عن شحم البقر والخنزير مختلفة لا اساس لها ، وثانيا اكدوا للهنود المتشككين ان لا حاجة الى قطع اطراف الخراطيش بالاسنان حتى ولو كان الشحم شحم البقر والخنزير ، وفى الوقت نفسه لجأوا الى افظع وسائل التعذيب والتنكيل بالمتمردين ظنا منهم ان القتل والارهاب سيقضي على الفتنة قبل استفحالها .
ولكن كانت النتيجة بالعكس تماما ، فلم يقنع احد بأن الشحم ليس شحم البقر والخنزير ، ولا سيما اذا كانت الخراطيش تصنع محليا فى الهند ولم يكن امرها ليخفى على احد ، ثم ان احدا من الهنود لم يكن مستعدا لتعاطي تلك الخراطيش المشكوك فى نظافتها حتى ولو لم يضطر الى تقريبها من الفم والاسنان .
واخيرا احدثت وقائع القتل وتعذيب المتمردين رد فعل عنيف بين الجنود الساخطين والهيت روح الحماس فيهم على خلاف المأمول .
ومن أشهر الوقائع المثيرة وقعة ( منجل باندي ) الجندي البطل الذي ثار فى وجه قائده الانجليزي فى احدى المعسكرات ببنغالة فصلب بدون ادنى تقدير للبواعث الدينية والوطنية التي حملته على المخاطرة بحياته ، ثم ان الانجليز ذهبوا الى أبعد من ذلك حتى انتقموا من الفرقة بأسرها لعمل فرد واحد ، فكانوا يسرحون ويفصلون عن الخدمة جميع الجنود المنتمين الى الفرقة التي يظهر فيها متمرد واحد ، وانما كانوا بذلك يزيدون فى عدد العاطلين الحانقين على الاستعمار الاجنبي ، واستمر الحال هكذا الى الى شهر ابريل ، وفى اواخر ذلك الشهر تقدمت فرقة كاملة مكونة من تسعة وثمانين جنديا ما عدا اربعة منهم فرفضت تنفيذ الاوامر الخاصة باستعمال الخراطيش المشكوك فيها ، فلم يكن من قواد معسكر ( ميرث ) على بعد ستة وثلاثين ميلا من دهلي الا ان جردوا المتمردين من الثياب وكيلوهم وزجوا بهم فى غياهب السجن ، وقد فات على الانجليز ان هذه الظاهرة كانت باكورة حركة جماعية ضدهم بعدما انتقلت من طور الاعمال الفردية ، فكانت النتيجة ان انطلقت الطلقات الاولى فى ثورة عامة من قبل الجنود المرابطين بمعسكر ( ميرث ) فى اليوم العاشر من شهر مايو سنة 1857. وكانت مفاجأة بالنسبة الى القواد الانجليز الذين سرعان ما غلبوا على أمرهم فأسروا وقتلوا ، وتمكن الثوار من التخريب والتدمير فى معسكر ( ميرث) وهاجموا ابواب السجون فكسروها وافرجوا عن زملائهم المعتقلين فيها بعد انحطموا اغلالهم ، ولكن هذه البادرة انما كانت بمثابة حركة تلقائية فى نطاق محلى فقط ، واصبح لزاما على القائمين بها ، اذا ارادوا ان يتجنبوا عواقبها الوخيمة ، ان يبرزوا اهدافها القومية وينظموها على نطاق شامل حول شخصية محترمة لدى جميع المواطنين على اختلاف مللهم وطبقاتهم ، فمن الجدير بالذكر والاشادة به ان الثوار اندفعوا من (ميرث) رأسا الى دهلي ، كأنهم استرشدوا عاطفتهم ووجدانهم بدون ان يحتاجوا الى التأمل او التفكير فى الموضوع الخطير ، فلما وصل الثوار الى دلهي طوقوا القلعة الحمراء وطلبوا من الملك المغولي بهادرشاه البالغ من العمر ثمانين سنة ان يتقلد اعباء الزعامة لثورة عامة صد الانجليز – تلك الزعامة التي لم يكن يصلح لها الا هو .
5 – تنبه الثوار بعد استيلائهم على معسكر ( ميرث ) الى ان الثورة انما انطلقت بصورة تلقائية عفوية ولم يسبقها التنظيم وتنسيق الجهود وتدبير الوسائل اللازمة لتحقيق الهدف القومي والوطني، فاتجهوا قبل كل شيء الى خلق زعامة شعبية وقادة عليا بيد شخصية محترمة حق لها ان تتكلم باسم جميع المواطنين وتطالب المستعمر بالجلاء عن ارض الوطن ، ولم يفكروا قط فى اختيار شخصية اخرى غير الملك المغولي الجالس على عرش دهلي حتى انحدروا رأسا الى العاصمة التي كانت منذ قرون متوالية رمزا لوحدة البلاد واستقلالها وضمان حقوق اهلها ، فلما وصلوا الى دهلي طوقوا القلعة الحمراء بجموعهم وطلبوا من الملك المغولي ان يتقلد زعامة الحركة القومية وقيادة الثورة المسلحة ضد الانجليز ، وكان الملك المغولي ، بهادرشاه ، ضعيفا هرما بلغ من العمر ثمانين سنة وسئم تكاليف الحياة وعانى من الانجليز ما عاناه من غصب الحقوق الملكية فى الحكم والادراة والجباية وحرمان اولاده وأعقابه من القاب الملكية ، ولا غرو انه كان أيقن بزوال سلطته ويئس من النجاح فى مقاومة الانجليز بعد ان وطدوا دعائم حكمهم بقوة السلاح والقهر والارهاب والمكر والدسيسة والخذاع ، فلم يكن له هم ولا شغل غير التلهي بقرض الشعر وبث أحزانه ولوعاته فى أبيات مثيرة للدموع حقا ، فتلكا الملك المغولي ، بهادر شاه ، فى الامر بينما حاول الحكام والقواد العسكريون من الانجليز فى دهلي وما حواليها بأقصى ما فو وسعهم ان يقمعوا الثوار ويمنعوهم من الوصول الى القلعة الحمراء والاتصال بالملك ويقضوا على ما اسموه " غدرا " من الجنود والمرتزقة بالتعذيب والتنكيل قبل اتساع نطاق الفتنة واستفحال امرها ، الا ان الانجليز فشلوا فى محاولتهم تلك فشلا ذريعا ، فسرعان ما غلبهم الثوار على أمرهم وانهالوا عليهم بالضرب والقتل حتى لادوا بالفرار بعد ان اشعلوا النار فى مخازن الاسلحة والمواد المتفجرة ، فلما انسحب الانجليز من منطقة دهلي وما حواليها واستولى الثوار عليها بدون منازع ، لم يكن للملك المغولي بد من الخضوع رادتهم ، فأعلن الحرب السافرة ضد الانجليز بصفته الوارث الشرعي لعرش دهلي والسيد المسود من قبل اهالي البلاد ، واتخذ خطوات دستورية وحكومية بحيث تلائم الاحوال الجديدة وتؤدي الى تحقيق الغرض المنشود ، فألف حكومة من المدنيين والعسكريين واتفق معهم على دستور للأعمال الادارية والحربية ، فهكذا تبلورث اهداف الثورة واتسع نطاقها واصبحت لها قيادة محترمة ، فكان لهذه الاحداث رد فعل سريع فى جميع طبقات المواطنين الهنود ، ولا سيما فى المقاطعات الشمالية ، فلم يلبث الامراء ان أعلنوا تأييدهم للثورة كأنهم كانوا منتظرين الفرصة المواتية لها ، كذلك تشجعت الجنود المرتزقة من الهنود فى معسكرات شتى فانضموا الى جماعة الثوار وآذنوا بخروجهم عن طاعة الانجليز وعملوا فى معسكراتهم مثل ما عمله اخوانهم فى معسكرات (ميرث) من اعمال العصيان والتخريب وقتل الانجليز واسرهم ، وبعد ذلك انتقلت العدوى الى جمهور الشعب فبدأ الناس يتطوعون للجهاد بروح الحماس الديني وكونوا فرقا اسموها " فرق الغزاة " لتؤازر القوات النظامية.
هكذا اصبحت الثورة ثورة شعبية شاملة مع كون اهدافها واضحة مفهومة لدى الجميع ، ولا يخفى ان الثورة كانت اشبه شيء بحرب نظامية يقودها ملك شرعي يتمتع بثقة الشعب ضد مستعمر لا حق له فى حرمان الاهالي من الحرية والكرامة والتعمد لاذلالهم .
نعم ! تضامن الملك المغولي ، بهادر شاه ، وكثير من فرق الجنود المتمردة مع أمراء عدة مقاطعات ولا سيما فى المنطقة الشمالية ، وفرق المتطوعين الغزاة من جمهور الشعب ، الا ان بعض امراء " السيخ " وفرق " كوركا " المنتمين الى الامارت الواقعة بسفح جبال همالايا ما زالوا متمسكين بولائهم للانجليز .
6 – على كل حال لم يسع الثوار بعدما اطلقوا الرصاصة الاولى ان يتراجعوا عن خطة الحرب والنضال الى آخر الشوط بدون ان يتمهلوا للاقناع وكسب التأييد وبدون ان يحسبوا حسابا دقيقا للنتائج والعواقب ، فمضوا قدما فى تعبئة قواتهم وتدبير امورهم ، وفى هذا الصدد تقدم الثوار الى الملك المغول بطلب ان يسند لواء الحرب الى الامراء من اولاده ، وربما ظنوا ان وجود اولاد الملك على رأس الفرق المقاتلة فى غمار الحرب سيكون سببا لالهاب ورح الحماس فى الجنود وعامة الشعب على السواء ، فأحجم الملك عن الاجابة لطلبهم لانه كان يعرف تماما ان اولاده لم يكن لهم عهد بالقتال وتدبير الحرب ، الا انه رضخ لهم اخيرا فعهد الى اولاده بقيادة الجيوش بينما جمع الانجليز فلهم خارج دهلي واستعدوا للاستيلاء على العاصمة مرة اخرى.
7 – طبعا رأى الملك المغولي فى الثورة نوعا من الارتجال والمجازفة فتلكأ فى الامر لكنه لم يجد بدا من ان يلعب دوره الخطير بجد وثبات ، فكتب الى الامصار يدعو الناس الى المطالبة بحقهم فى الاستقلال والحرية والكرامة ، مما احدث رجة عنيفة وأدى الى اعمال الثورة والتدمير فى معسكرات وأمصار شتى ، وفى هذه الاثناء هاجم الثوار مراكز الانجليز فى دهلي وما حواليها واضطروهم الى الفرار .
نعم ! تم الاستيلاء على العاصمة بسرعة وسهولة الا ان الانجليز تمكنوا من جمع قواتهم وحشد انصارهم خارج العاصمة ، فكانت النتيجة ان تحصن الثوار داخل أسوار المدينة بينما حاصرها الانجليز من الخارج واتخذوا التدابير العاجلة لجلب قواتهم المبعثرة فى البلاد ، اما الملك المغولي فقد صادف مشكلتين عظيمتين فى بداية الحرب وهما مشكلة المحافظة على الامن والنظام وتأمين طرق المواصلات بوضع حد لاعمال النهب والسلب التي بدأ الغوغاء ودهماء الناس يرتكبونها فى اعقاب الثورة ، ثانيا مشكلة تدبير الاموال اللازمة لمواصلة الحرب وتوسيع نطاقها لان الانجليز كانوا قد اغتصبوا وأستأثروا بموارد الدولة منذ أمد بعيد ولم تكن خزائن الملك الخاصة تفي بحاجات الحرب ، وكان معظم الثوار يشاغبون ولا يصبرون كلما تأخرت المرتبات والمصاريف المطلوبة ، على كل حال بذل الملك اقصى جهده وضحى بجميع أمواله ومدخراته فى سبيل الحرب حتى بدأت المناوشات بين الفرقين ورجحت كفة الثوار فى كثير من المعارك ، فاستمر الحصار لمدة اربعة اشهر ، عانى الثوار خلالها ، لا هجمات الانجليز المتزايدة فحسب ، بل الخيانة من قبل بعض الطوائف الاهلية مثل السيخ و " كوركا " ايضا.
واخيرا فى العشرين من سبتمبر تمكن الانجليز من التغلب على الثوار فى معركة دامية حاسمة حتى دخلوا المدينة وعانوا فيها كما عاث التتار فى بغداد يوم سقوطها .
سارع القواد الانجليز توما دخلوا العاصمة الى القبض على الملك واولاده ، وكان الملك بهادرشاه لما احس بالهزيمة اختفى بمبنى ضريح همايون بضاحية دهلي ، وهناك في مخبئه الح عليه احد قواده الاوفياء اسمه بخت خان ان يهرب معه الى بعض مناطق ( اود ) حيث كان الناس مستعدين ليؤازروه وينصروه ويهيئوا له الاحوال الملائمة لمواصلة الجهاد ضد العدو الذي لا يرجى منه هوادة ولا رحمة ، ولكن احد اقربائه اسمه الميرزا الهى بخش كان قد تآمر سرا مع الانجليز فأشار على بهارد شاه ان يكف عن المقاومة ويسلم نفسه للانجليز ، وما زال يفتل فى الذروة والغارب حتى رفض بهادر شاه قبول النصح من بخت خان ووقع فريسة للدس م قبل الهى بحش .
وأخيرا وصل القواد الانجليز الى ضريح همايون فألقوا القبض على بهادرشاه وراحوا به مكبلا مهانا ليعذبوه وينكلوا به بعد ان طاردوا ابناءه الذين تولوا قيادة الثورة فابادوهم رميا بالرصاص ، ولما اطمأنوا الى انه لم يبق هناك وارث شرعي يطالب بعرش المغول اصدروا أمرهم فى شأن بهادرشاه بنفيه الى رنجون عاصمة بورما .
هكذا انتهت دولة أباطره المغول الذين دخلوا الهند لا ليستعمروها بل ليستوطنوها قرونا عديدة متوالية ونشروا فيها لواء العدل وسعوا لتنمية اقتصادها بالصناعات الفائقة والتجارة العالمية كما انهم اقاموا للعلوم والآداب سوقا نافقة ، فلا غرو أن أصبح آخرهم ، أعني بهادرشاه ، رمزا للحرية والكرامة القومية وقائدا للثورة ضد الاستعمار الاجنبي ، وهو فى ثقافته وادبه وشعره انما يذكرنا بالمعتمد بن عباد الذي لاقى مصيره فى اغمات كما قضى بهادرشاه آخر أيامه فى رنجون .
8 -  انتهت الثورة فى مهدها وفى مقر قيادتها ولكن نهاية الثورة كانت بداية النكبة بالنسبة الى عامة الشعب ، فان الان الانجليز لجأوا بعد دخولهم العاصمة مباشرة الى أعمال الفتك والنهب والسلب والتشريد عمدا على نطاق واسع ، مما اضطر السكان الى الجلاء عن المدينة والاقامة فى العراء معرضين للجوع والبرد بينما اوغل المفسدون فى هدم البيوت والتنقيب عن الثروة المخلفة فيها ، ومن الثابت انهم لم يتركوا بيتا فى حي الاشراف بين المسجد الجامع والقلعة الحمراء الا خربوه ، ثم انهم لم يتورعوا من انتهاك حرمة المساجد ، فعمدوا الى تحويل المسجد الجامع الى رباط الجنود كما انهم انتزعوا عدة مساجد اخرى من ايدي المسلمين ولم يردوها اليهم الا بعد برهة من الزمن ، ومما يحز فى القلب ايضا ان القصر الملكي كان يحتوي على مكتبة فاخرة بنفائس الكتب اعتنى بجمعها كل من الملوك الذين تعاقبوا على عرش دهلي من أيام بابر وهمايون ، وربما استفاد العلماء الكبار امثال الشاه عبد العزيز من تلك المكتبة الملكية ، فلما نهب الانجليز وعملاؤهم القصر الملكي اتوا على المكتبة فأضاعوها وفرقوا نوادرها حتى دخل كثير منها فى مكتبات انجلترا الخاصة والعامة وبعضها فى مكتبات باريس وبرلين .
وادهى وانكد من ذلك ان العلماء والأدباء والشعراء اصبحوا بلا مأوى ولم يجدوا من يقدرهم ويرعاهم فضاقت عليهم سبل العيش فى دهلي حتى هاجروا الى الامارات المجاورة مثل ( رامفور ) والبعيدة النائية مثل حيدر آباد فى الدكن اي جنوب الهند .
وأخيرا رجع الاهالي الى مدينة دهلي فى مطلع السنة التالية اي سنة 58 بعد ان اقاموا خارجها فى العراء عدة اشهر ، سمح بالرجوع اولا للهندوس وتبعهم المسلمون بعد بضعة اشهر ليستأنفوا الحياة من جديد فى ظروف قاسية للغاية .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here