islamaumaroc

بين التجربة والتخطيط

  دعوة الحق

158 العدد

ما اكثر العظات والعبر التى تقدمها لنا الحياة ، وتحفل بها كتب الادب والتاريخ ، ولكن ليس ثمة من يفتح صدره لتقبل النصيحة ، التى يعتبرها مجرد وعظ وارشاد ، وحجته ما قاله عباس محمود العقاد : " دعوا الشباب ينعم بحريته ، دعوه يخطيء فيعرف اسباب خطئه ، اما النصح والارشاد فهو كثير فى الكتب المقدسة ".
نحن نؤمن بأن شيء يعلم مثل التجربة ، وخاصة اذا كانت التجربة من النوع البالغ العميق الذى يترك اثرا فى النفس اي اثر ، الا ان كثيرا من الناس تمر بهم التجربة تلو التجربة ، ومع ذلك يظلون مغذين فى أخطائهم ، ممعنين فى سقطاتهم ، لانهم لم يؤتوا حظا من الذكاء والحنكة وحسن التدبير ، والا لارتدعوا وتراجعوا .
ان الذكي ليس فى حاجة لان يخوض غمار التجربة من اولها الى آخرها لكي يرتدع ويتعظ ، بل يكفيه ان يخطو فى مضمارها بضع خطوات ليحرز النتيجة ، ويقدر العاقبة المنتظرة ، اذا ما استمر فيها الى نهاية الشوط .
تجارب الانسانية كثيرة ، تملأ بطون الكتب ، وتبدو فى تصرفات الناس واعمالهم التى نراها تتمثل امامنا على مسرح الحياة كل يوم ، ولكننا نغمض اعيننا ، ونقفل اسماعنا وتجاه كل تجربة من هذا النوع وهكذا تتكرر الاخطاء فى الحياة ، وتتعدد سقطات الانسانية جيلا بعد جيل ، حتى اننا كثيرا ما نقع فى نفس الاخطاء التى وقعنا بها او وقع بها غيرنا قديما او حديثا .. يقول الشاعر اسماعيل صبري :
عبر كلها الحياة ولكن      اين من يفتح الكتاب ويقرا
ومهما يكن من امر فالتجربة تنضج الذهن ونصقل النفس ، وتنظفها مما علق بها من ادران .. وتكسب مزيدا من الحنكة ، وكثيرا من الخبرة الواسعة ... والبصيرة النافذة فى بواطن الامور .. وتهب قسطا وافرا من الحذر والتريث ، فلا يطيش ، ولا يتهور ، ولا ينسرع بعد ان عرف ان أخطاءه كان مصدرها الطيش وعدم الروية والعشوائية .
لو فتشنا عن اسباب الاخطاء فى الماضي والحاضر ، لوجدنا معظمها كان نتيجة دوافع خفية خارقة فى اللاشعور ، ونتيجة دوافع مكبوتة ، ورغبات دفينة ، وغرائز لم يقدر لها ان تسفر عن وجهها .. فبقيت قابعة راسية فى كهوف الذات ، تتبلور من حين لآخر بشكل تصرفات غير مرضية .
لو استجاب الانسان لاكثر رغباته ، وروى معظم اهوائه ، لا ختصر خمسين بالمائة من اخطائه ، وظل الباقي على عاتق الادراك والتفكير الواعي ودقة التخطيط فى الحياة ، والتصميم على الامور قبل الخوض فيها والولوج الى معتركها .
ان سوء التخطيط ، او اهماله فى حياتنا هو سبب الانتكاسات المتكررة التى تقع فيها .. فليس فينا من يضع راسه بين يديه ويسترسل فى التأمل والنظر الى أبعاد المشكلة اللامرئية ، ويصرف فيها الساعات الى ان يخرج بنتيجة مرضية تعصمه من الخطا ، وتقيه شر الزلل ، بل يهجم على الامور هجوما تلقائيا ، دون ان يعرف موضع المفتاح منها ، فيقلبها على شتى وجوهها ، ويحاول الولوج الى كتهها ، وهي تمعن فى الاستعصاء ، وترف فى الاستغلاق ، حتى يمل المحاولة ، نتيجة كثرة الاخطاء التى وقع فيها ، فسرى اليأس والقنوط الى اعصابه ، وكفر بالاستمرار ، وآثر الراحة والابتعاد الى الابد .
اننا كشباب نعيش فى القرن العشرين ، هذا القرن الذى يغرقنا بمشكلاته الى الاذنين ، ويضع فى دروبنا الكثير من العراقيل والاشواك ، أحوج ما تكون لمعالجة قضايانا الاجتماعية والنفسية بأيدينا ، دون اللجوء الى الاطباء النفسيين ، او سؤال المجلات التي كثيرا ما تزيد هذه المشكلات تعقيدا ولفلفة بما تقدم من تفسيرات خاطئة ، وحلول مغلوطة ، وتوجيهات شوهاء ، لان المشرفين على هذه الابواب تنقصهم الخبرة ، ويعوزهم الاختصاص ، وانا واثق انهم اجهل الناس بحل قضاياهم وتيسير امورهم ، فكيف تراهم يستطيعون مساعدة الآخرين .
الحياة بسيطة اذا شئناها كذلك ، ومعقدة ، صارمة ، قاسية ، مرة ، اذا شئناها على هذه الصورة .. افلا ترانا نصطنع الانشغال احيانا ، ونتظاهر بزي رجال الاعمال ، نوزع الاهتمامات ونبلبل الامور ، ونهيل فى دروبنا الوف العقبات ، فى حين انه بامكاننا اخلاء هذه الدروب من كل ما ينغص علينا الحياة ، ويفسد علينا صفاء نعيمها

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here