islamaumaroc

أضواء وآراء: على التقدم العربي بين الماضي والمستقبل

  دعوة الحق

158 العدد

من المسلمات البديهية ان الانسان لا يستطيع تقييم وضعه ومعرفة مركزه فى هذا العالم ما لم يربط ماضيه بحاضره بغية التطلع الى مستقبل زخر بالمطامح والآمال ، وما لم ينظر بعين الاعتبار المتفحص لوضعيته وسط عالم مضطرب مائج بالتيارات والمذاهب والعقائد المتعددة المتباينة ، لان الانسان – أي انسان – لا يحيا منعزلا عن الجماعة البشرية فهو مضطر – شاء ام ابى – ان يشترك مع هذه الجماعة وان يتأثر بها وان يؤثر فيها خصوصا وان اكتشافات العصر الحديث قضت على فكرة الانعزالية وطرحت بالضرورة فكرة الانضوائية اي انضواء الفرد تحت المجتمع بمختلف مظاهره واشكاله ، ولم يعد من المجدي فى شيء اعتناق فكرة الانطواء والتعامي والتغاضي عن المظاهر الحضارية المعايشة للانسان والا عد معتنق هذه الفكرة خارجا عن المجتمع العالمي متأخرا عن نصره جديرا به ان يرجع الى ماضيه ليحياه من جديد وما هو بمستطيع ذلك . ولكن هذا الانسان لا يمكنه ان يستوي واقفا بدون الاتكاء والاعتماد على ماضيه باعتباره متطلقا الى الحاضر فالمستقبل ، لان الحاضر وليد الماضي الغابر والمستقبل المأمول ، ولا يمكننا ان نقطع صلة الانسان بماضيه والا غالطنا انفسنا وغالطنا ابسط قواعد المنطق السليم ، ولم تسمع عن امة من الامم المتقدمة الحاضرة اضطلاعها بهذا الدور الحضاري الجديد من دون الاعتماد على تراث الاجداد ، اقصد التراث الانساني الخالد الذى اتبت على مدى العصور انه جدير بهذا الخلود . ان طرح مثل هذه الافكار ضروري ونحن بصدد مناقشة دور الحضارة العربية الغابرة التى تهفو نفس كل عربي مخلص الى تجديدها وحمل مشعلها من جديد . لقد قضى الانسان القديم حقبة طويلة من الزمن حيوانا هائما قبل ان يعرف معنى الاستقرار والطمأنينة ، وحين اطمان به المكان اخذ يتلمس المعالم الاولى لمعنى التحضر البشري ، فكان ان تعرف على محيطه الخاص ثم على جماعته الصغيرة ، واخيرا انتظم فى المجتمع الانساني وكانت هذه الخطوة اول درجة يرقاها فى سلم الحضارة وقد تبعتها خطوات اخرى وئيدة او مطردة فىتنظيم اساليب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التى صورتها الحياة الثقافية وسابرتها بل واخذت بزمامها نحو مستقبل مشرق ، ومن هنا انطلق ذلك الانسان يبني ويشيد الحضارات العالمية القديمة كالحضارة الصينية فى الشرق الاقصى والحضارة الهندية فى شبه القارة الهندية ، والحضارات الفارسية والآشورية والبابلية والفنيقية والفرعونية والبيزنطية فى الشرق الاوسط ، واليونانية فى اوربا ، اذن فالحضارة هي ما تعيش به وفيه ، وهي الطريقة التى تتبعها جماعة انسانية فى حياتها ، وهي السلوك الذى تعيش به ويرضى عنه الجميع ، ويمكن القول ان اكتشاق الكتابة كان اهم مظهر من مظاهر الحضارة القديمة . " ويعرف " ويل ديورانت " فى كتابه " قصة الحضارة " الحضارة بما يلي : " هي نظام اجتماعي يعين الانسان على الزيادة من انتاجه الثقافي " اذن فالحضارة بمفهوم ويل ديورانت هي طريقة الحياة المجتمعية التى تساعدنا على الزيادة فى تراثنا الفلسفي او العلمي او الادبي ، وبعبار اخرى فان اعظم الحضارات هي التى تغني الفكر الانساني بأكبر كمية ذات كيف جيد من الثقافة المتنوعة . هذه هي النقطة الاولى التى تجدر مناقشتها قبل البدء فى هذا الموضوع . اما النقطة الثانية وهي بالضرورة ناتجة عن الاولى فهي ان الحضارة عالمية قبل كل شيء وهي دولية يعني ان الامم تتداولها فيما بينها وكما يقال فالايام نداولها بين الناس " اذن فالمتتبع لتطور الحضارات القديمة والمدة الزمنية التى استغرقتها يلاحظ ان هذه الحضارات كانت فى تنقل دائم بين مختلف الامم ، وان كان مركز ثقلها فى منطقة الشرق الاوسط وما جاورها . فقد تنقلت الحضارة بين امم الشرق الاقصى والشرق الاوسط والشرق الادنى والنصف الجنوبي الشرقي من اوربا قبل ان تستقر امة ليست باليسيرة من الزمن فى البلاد العربية ممثلة بذلك ارقى تطور وشكل تمخضت عنه الحضارات السالفة ، ومعنى هذا انه لا يجوز للبعض ان يعتقد بخلود الحضارة واستقرارها فى امة معينة ناسيا او متناسيا بذلك امكانية وثوب امته من جديد واضطلاعها بدورها الحضارةي ، ومعنى هذا بعبارة ثانية – واسبق الاحداث فأقول – انه لا شيء يمنع من امكانية نهوض العرب من جديد الا النفوس التى فتئت بالحضارة الغربية واعتقدت انها كل شيء وان من العبث محاولة مجاراتها او تجاوزها .
لقد حمل العرب مشعل الحضارة زهاء ثمانية قرون كانت اوربا خلالها تعيش فى ظلام دامس تحجبها عن النور سجف الجهل والخرافات والعبودية والاقطاع والديانة المشوهة ، وقد استمرت هذه الفترة ما بين القرن السابع والخامس عشر الميلادي اقام العرب خلالها اعظم واروع حضارة لا تقاس بالميدان المادي وحده او بالروحي وحده ، وانما بمدى حسن التوفيق بينهما لان الانسان عقل وروح قبل كل شيء . وقد حققت هذه الحضارة اثناء هذه الفترة من الابداعات الثقافية الروحية المادية – التى تقاس بها اهمية كل حضارة حسب مفهوم ديورانت – ما عجزت الحضارات القديمة عن تحقيقه جاليا رغم التقدم العلمي الهائل المتبع فى مختلف الابحاث ، وما ذلك الا لان هذه الحضارة قامت على اساس ثابت وانطلقت فى جميع الاتجاهات من بؤرة الاهية عليا الا وهي الدين الاسلامي بما يتضمنه من دين ودينا ، اجل ما يكن للعرب ان يقيموا صرح تلك الامجاد ولا ان يشيدوا تلك الحضارة الوارقة لظلال لولا الاسلام الدين الذي اخرجهم من الظلمات الى النور من الجهل الى العلم ، من الاحتقار والضعة الى الشهرة والتقدير والاعجاب العالمي . واذا كانت الحضارة مرة اخرى تتمثل فى المصادر الاقتصادية والعلوم والفنون ، والنظم السياسية والاخلاق والعادات والتقاليد ، فاننا نلاحظ ان العرب قد برزوا فى هذه الميادين وفاقوا سواهم فيها ولم يستأثروا بها وحدهم بل حملوها الى غيرهم ، وافادوا واستفادوا ولم يكونوا بمعزل عن عالمهم . واذا دققنا النظر فى الحضارة العربية نجد ان لها اخلاقها الواقعية المبنية على احترام حقوق الانسان والمساواة بين جميع الناس ، والتسامح مع الطوائف الدينية الاخرى ، والدعوة الى العلم والادب ، والايمان بقيمة الانسان العقلية والروحية . نعم لا ننكر ان العرب قبل ظهور الاسلام كانوا شيعا واحزابا مختلفة وقبائل متطاحنة وبدوا رحلا فى رأي معاصريهم المتنورين من الفرس والروم ، بل كانوا نسيا منسيا ، ولكن بعض الباحثين من العرب المعاصرين يؤكد على ان العرب فى العصر الجاهلي كانوا ذوي حضارة مزدهرة ومركز لائق بين الامم المتحضرة كما كانوا يساهمون فى السياسة العالمية بنصيب ملحوظ ، ولكن تلك المظاهر الحضارية المحدودة اندثرت وانمحت امام حضارة الدين الجديد ، لان المقومات التى قامت عليها كانت من الثلاشي والاهتزاز بحيث لم تستطع ان تثبت امام حضارة الاسلام . السر فى ذلك يعود الى ان الدين الاسلامي الذى ظهر بالبلاد العربية ، كان اول ديانة سماوية عالمية تدعو الى وحدانية الله بكل وضوح وجلاء ، ثم لانه لم يأت دينا لاقوام همهم فى الحياة التزهد والتعبد والرهبنة على عكس الديانات السماوية التى سبعته والتى كان لليهود والمسيحيين دور خطير فى تشويهها . فهو دين يروي ظمأ الانسان المادي والروحي ، وهو دين يدعو الى الحياة المادية كما يدعو الى الحياة الروحية ، وهو دين جامع شامل لمختلف القواعد وانماط السلوك والمعاملات الانسانية التى يسلكها الانسان فى كل زمان ومكان والتى لها من القوة والثبات بحيث تستطيع ان تساير تطور الانسان حتى لحظة فناء هذا العالم .
اذن فالدين الاسلامي كان السر الاول والاخير فى تقدم العرب خلال العصور الوسطى ، ومنه استلهم العرب كافة الاشكال والمظاهر الحضارية ، وعنه اخذوا مصادر قوتهم وعظمتهم ، وهذا شيء لا يخفى على احد ولا ينكره منكر سواء فى الشرق او فى الغرب لماذا ؟ لان الاسلام – ومرة اخرى – جاء داعيا الى اخلاق كريمة سمحاء سواء فى الحياة الاقتصادية او الاجتماعية او السياسية يقوم اساسها على احترام حقوق الانسان والمساواة بين جميع الناس فى فرص الحياة ، هذه الاخلاق هي التى جعلت الدين الاسلامي ينتشر خلال القرن واحد من ظهوره من المغرب غربا الى اقصى الصين شرقا ، وهي التى جعلت سكان افريقيا السود وجنوب شرق اوربا يعتنقونه فيما بعد ، وهو شيء عجزت عنه المسيحية المشوهة خلال قرون وقرون ، وهكذا اتيحت الاجناس وأقوام مختلفة من فارسية ورومية وتركية وقبطية وبربرية وهندسية وحبشية ان تنضم تحت لواء هذا الدين وان تعطي من فكرها وعلمها وادبها ما لم تكن تستطيع ابداعه قبل  اعتناقها للاسلام . فقد كانت امما تقوم على العنصرية والاقطاع والظلم ، فوجدت فى الاسلام خلاصها واعجبت به ايما اعجاب ، وهذا هو السر فى انتشاره بسرعة بين الامم غير العربية لان الله تعالى يقول : " يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم " وكان الرسول (ص) والخلفاء الراشدون من اشد المسلمين غيرة على العدل والمساواة بين الناس واحترام حقوقهم وعدم التمييز العنصري ، وعدم تفضيل احد على الآخر فى الحق بسبب نسب او مال او جاه . فقد سرقت امرة من بني مخزوم فى عهد النبي (ص) وجيء بها اليه لتعاقب ، فاهم ذلك قريشا وقالوا : من يشفع لنا عند رسول الله فى اسقاط الحد عنها ؟ ثم ذكروا ان اسامة بن زيد حبيب الى قلب الرسول فكلموه فى ان يشفع لها عنده ، فكلمه فغضب (ص) غضبا شديدا وقال لاسامة : اتشفع فى حد من حدود الله ؟ ثم قام فى الناس خطيبا فقال : " انما اهلك الذين من قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد ، وايم الله لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها "
" وتغاضب ابو ذر ، وهو عربي من غفار ، مع بلال الاسود الحبشي مولى ابي بكر رضي الله عنه . وكان ابو ذر وبلال صحابيين ممن آمن بالاسلام ورسوله . وتطور النزاع بينهما الى ان اخذت ابا ذر الحدة فقال لبلال : يا ابن السوداء ! فشكاه بلال الى النبي ص فقال لابي ذر : اعيرته بأمه ؟ انك امرؤ فيك جاهلية !.. الخ الحديث "
وقد اخذ الاسلام فى العصر الحديث ينتشر بين المسلمين السود فى الولايات المتحدة الامريكية لانهم راوا فيه الدين الذى يعيد اليهم اعتبارهم الانساني ويجعلهم سواء مع العناصر البشرية الاخرى .
ولا شك ان كل واحد منا يعرف الكثير عن عدالة عمر ابن الخطاب وغيرته على الحق وتواضعه مما يجعلنا فى غنى عن ذكر بعض مواقفه .
هذه المناداة بالمساواة بين جميع الناس وعدم التمييز العنصري بسبب لون البشرة هي التى جعلت بعض المسلمين السود يبرزون فى المجتمع العربي كنصيب الشاعر المنادم الخلفاء ، وكافور الاخشيدي العبد الاسود حاكم مصر فى القرن الرابع الهجري وغير هؤلاء كثير .
اما عن التسامح الديني فى الحضارة العربية يعني احترام الاديان السماوية الاخرى الذى فرضه الاسلام فهو ظاهرة يطول الكلام حولها ، فالاسلام يوصي بمجادلة اهل الكتاب بالتي هي احسن واحترام معابدهم ، وتحليل اكل ذبائحهم ، وعدم قذفهم بالسب والشتم ، على حين ان اليهود يوصون بظلم وغش وخداع كل من هو خارج ديانتهم . كان للرسول جيران من اهل الكتاب ، فكان يتعهدهم ببره ويهديهم الهدايا ويتقبل منهم هداياهم ، حتى ان امراة يهودية دست له السم فى ذراع شاة اهدتها اليه لما كان من عادته ان يتقبل هديتها وبحسن جوارها . ولما جاء وفد نصارى الحبشة انزلهم رسول الله بالمسجد وقام بنفسه على ضيافتهم وخدمتهم ، وكان مما قاله يومئذ : انهم كانوا لاصحابنا مكرمين فأحب ان اكرمهم بنفسي .
وقد كان المسلمون ابان الفتوح الاولى يصلون فى كنائ النصارى ولا يجدون حرجا فى ذلك ، كما كانوا يستدعونهم للصلاة فى مساجدهم احيانا . ومن هذه المظاهر مجاورة الكنائس للمساجد فى كثير من المدن وخصوصا فى الاندلس ، كما كانت لاهل الكتاب لحرية الكاملة فى القامة شعائرهم الدينية ، على حين نسمع اليوم الاخبار المؤلمة عن معاملة اليهود السيئة للمسلمين فى فلسطين وكيف انهم يهدمون مساجدهم ويمنعونهم من اقامة شعائرهم الدينية ، ومن هذه المظاهر ايضا اتخاذ كثير من الخلفاء الامويين ولعباسيين لكتاب ووزراء واطباء وشعراء من النصارى واليهود ، فقد كان لمعاوية طبيب نصراني هو ابن اثال ، كما كان له كاتب خاص اسمه سرجون، اما المنصور العباسي فقد احاط نفسه بطائفة من هؤلاء النصارى مثل جرجيس بن يختيشوع طبيبه الخاص ، كما اتخذ المعتصم من سلمويه بن بنان طبيبا له ، وكلنا بعرف ان الاخطل النصراني كان الشاعر الاثير عند عبد الملك بن مروان . اما المامون فقد بلغ القمة من ذلك حيث كان يعقد ندوات اسبوعية يجتمع فيها علماء من مختلف النحل والمذاهب والديانات . ومن مظاهر هذا التسامح كذلك احتفال اهل الكتاب بأعيادهم فى الشوارع العامة بل ومشاركة المسلمين لهم فى ذلك احيانا كما كان الحال فى الاندلس ، هذا الى جانب تطبيق المعاملات الانسانية اثناء الحروب مما لم يسبق له مثيل فى التاريخ البشري .
وقد اقامت الحضارة العربية على العقل والعلم غير مهملة جانب الروح والادب لان الاسلام جاء داعيا الى العلم حاثا الناس على التفكير فى هذا العالم ومحاولة معرفة ظواهره وغوامضه وهذا هو السر فى خلق الله تعالى للانسان ولان الله لم يخلقنا بدعا ولا اعتباطا ، وانما خلقنا لنستعمل عقلنا وتفكيرنا فنحقق بذلك انسانيتنا التى تسمو  على باقي الكائنات . والقرآن يدعو المسلمين فى كثير من الآيات الى العلم " اقرأ باسم ربك الذى خلق " و " الا فليتدبر اولو الالباب " و " يا معشر الجن والانس ان استطعتهم ان تنفذوا من اقطار السماوات والارض فانفذوا .. " على هذا الاساس قام العرب يبنون حضارتهم مؤمنين بقيمة العلم جاعلين العقل منارهم غير مهملين الجانب الروحي . وخير دليل على ما قلناه هو ما خلده العرب من آثار فكرية وعلمية وادبية كان لها انعكاس خطير على الحضارة الغربية . فقد اشتهرت العرب كمترجمين للفلسفة اليونانية بل انهم قد صوبوا بعض مفاهيمها الخاطئة واضافوا اليها الكثير ، وحاولوا ان يوفقوا بين الدين الاسلامي والفلسفة فبلغوا فى ذلك الشأو البعيد ، واشتهر منهم فلاسفة كثيرون اسدو الى الفكر البشري خدمات جليلة فى ميدان المعارف المجردة مثل ابن سينا والغزالي والفارابي والكندي والمعري وابن حزم الاندلسي وابن رشد وابن طفيل وابن خلدون وغير هؤلاء ممن يعترف الاوربيون بفضلهم ، وبرر فى العلوم الطبيعية والفلكية علماء مشهورون مثل جابر بن حيان الذى استحضر حامض الكبريتيك ، والخوارزمي واضع علم الجبر بشكل مستقل عن الحساب ، والرازي مكتشف حامض الكبريتيك مع الكحول ، والبيروني الذى صاغ نظرية دوران الارض حول محورها وحول الشمس ، وابن الهيتم رائد علم البصريات ، وابن يونس الذى عرف الرقاص (Lendule) قبل جاليلو بسبعة قرون باعتراف سارطون وتايلر وبيكر ، قد اشتهر من الادباء والشعراء العرب كثيرون لا يحصى عددهم كان لهم هم الآخرون دور بارز فى هذه الحضارة من مثل : ابن المقفع والجاحظ والمعري وابن العميد والقاضي الفاضل والمتنبي وابن الرومي والبحتري وابي تمام وغير هؤلاء كثير وكثير ممن كتب عنهم الغربيون مئات الكتب عترافا بفضلهم . ولننظر الآن الى ما حققه العرب فى مجال العلوم المختلفة وما خلدوا من آثار فيها ، وكيف افادوا الانسانية جمعاء باكتشافاتهم المتعددة ، فهم الذين عرفوا طبيعة بعض الامراض كالجدري والحصبة ، واخترعوا الساعة الدقاقة والزوالية واكتشفوا قوانين ثقل الاوزان ، وهم اول من استخدم البوصلة فى الملاحة واكتشفوا الابرة المغناطيسية ، وقد وضعوا اصول علم الجبر وحساب المثلثات وبسطوا علم الحساب الاغريقي ، ونقلوا كثيرا من المزروعات والمغروسات الى اوربا ، كما كان العلوم العرب فى الجفرافيا والفلك اثر كبير فى مساعدة الاوربيين على اكتشاف امريكا ، وهم الذين نقلوا الارقام عن الهند واخترعوا الصفر ، واول من اكتشفوا الدورة الدموية ، هذا زيادة على م كتبوه فى مختلف الآداب والفنون ، واخص بالذكر منها رسالة الغفران لابي العلاء المعري التى يتحدث فيها عن العالم الآخر ، تلك الرسالة التى تأثر بها دانتي الايطالي فى الكوميديا الالهية وملتون الانجليزي فى ملحمة الفردوس المفقود ، ولا شك ان الاوربيين قد تأثروا بكتابي الف ليلة وليلة وكليلة ودمنة يدل على ذلك ترجمتهم لهما الى مختلف لغاتهم الحية ، وقد تعددت المدارس المعاهد العلمية فى جميع مدن العالم الاسلامي ، وكان صلاح الدين الايوبي من اكثر الخلفاء انشاء للمدارس والمعاهد ، ومن الطريف التذكير بأن اللباس الذى يلبسه اساتذة الجامعات الاوربية اليوم قد جاءهم عن طريق تقليد ازياء العلماء الاندلسيين . وقد تعددت غايات المدارس من حيث العلوم الدينية اللغوية والادبية والعقلية وكانت فى دمشق وحدها سبع مدارس للقرآن ، وست عشرة مدرسة للحديث ، وتلاث وستون مدرسة للفقه الشافعي ، واثنتان وخمسون مدرسة للفقه الحنفي ، وللفقه المالكي اربع مدارس ، وللفقه الحنبلي احدى عشرة مدرسة . كما كثرت المستشفيات والاطباء فى العالم الاسلامي حتى ان قرطبة وحدها كان بها خمسون مستشفى ، وفى سنة 319 ه بلغ عدد اطباء بغداد وحدها حوالي 860 طبيبا ، ولا شك اننا نعرف جميعا عظمة ذلك الييمارستان الذى بناه المنصور الموحدي بمراكش . وقد تعددت المكتبات العامة والخاصة فى كل مدينة من مدن الشام والعراق ومصر والمغرب والاندلس ، ومن اشهرها مكتبة الفاطميين بالقاهرة وكانت تحتوي على مليوني كتاب تقريبا ، ومن اشهر المكتبات الخاصة مكتبة الفتح خاقان وزير الخليفة المتوكل العباسي ، ومكتبة الصاحب بن عباد البويهي اللتان لم يكن لهما نظير فى الدنيا ، قد قدر العلماء عدد ما اتلفه الصليبيون فى مدينة طرابلس السورية وحدها حوالي ثلاثة ملايين كتاب ، اما فى الاندلس فقد احرق الاسبان يوم استيلائهم على غرناطة حوالي مليون كتاب فى يوم واحد ، ولا شك اننا نعرف جميعا ما فعله المغول ايام احتلالهم لبغداد والقائهم لكتب خزانتها فى نهر دجلة حتى ان الفارس كان يستطيع عبور بفرسه فوق المجلدات العائمة .
هذه الحضارة الآفلة رغم بعد المسافة بينها وبين الحضارة الغربية الحالية ، ورغم التعصب الشديد الذى بيديه جل العلماء والؤرخين الاوربيين ضد العرب لم يمنع بعضهم من ان يعترف بمجد العرب قديما وبفضلهم على اوربا وعلى الانسانية جمعاء ، وهذا الدكتور لويجي رينالدي يقول " قام العرب فى ظلمات بربرية العصور الوسطى باعادة نور الحضارة والمدنية الذى كان قد انطفأ فى جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية " اما الدكتور جوزيف شخت فيقول " لقد تتلمذت اوربا على العرب مدة خمسة قرون نهلت فى اثنائها من حياض العلوم العربية ، بهذا اعدت نفسها لما تنتج الآن من البحوث العلمية الحديثة " .
ومن هنا نرى ان الغربيين قد اعترفوا بحضارتنا ايام عزنا وبعد انهيارنا اختلفت آراؤهم حولنا ، وصاروا يردون اسباب تخلفنا الى ديننا والى لغتنا والى جنسنا ، اجل فالقوة هي مقياس حضارة الامم اليوم وهي الوسيلة التى تجلب لاصحابها اعجاب الامم وتقدريها .
والآن لنتحدث بايجاز عن اهم العوامل التى ادت الى انطفاء شعلة الحضارة العربية وبالتالي الى التقدم العلمي والاقتصادي فى اوربا اليوم ، لقد قلنا منذ قليل ان اوربا كانت فى جهالة جهلاء ايام الازدهار العربي ، ولكن مجيء القرن الخامس عشر حدد معالم خطواتها الاولى نحو التقدم ، وكان ذلك على حساب الحضارة العربية ، فقد تكاثفت عدة عوامل واسباب على افول شمس العرب اخص بالذكر منها : زحف جموع المغول والتتار على العراق وتواصل الحملات الصليبية الاوربية على العالم العربي بأسره ، وانقسام العرب على انفسهم شيعا واحزابا بسبب ابتعادهم عن المباديء الاسلامية الصحيحة التى قامت على اساسها حضارة اجدادهم ، هذا الى جانب الفساد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذى نما وترعرع تحت ظل الحكم العثماني . اجل لقد كان للحملات الهمجية المغولية والتتارية دور فعال فى القضاء على تلك الشعلة المتوهجة ، ذلك انهم كانوا اقواما شبه متوحشين للهدم والتخريب وسفك الدماء ، ولم يكونوا يدركون قيمة تلك الحضارة التى اجهزوا عليها ، ولو كانت تجري فى عروقهم دماء لتحضر ويتحلون بالمباديء الانسانية السامية ، لا بقوا على تلك الامجاد ولساعدوا على مواصلة تقدمها . ان الانسان لا يستطيع ان ينكر جدة الحضارة التى تنشا عن مثل هذا الامتزاج ، ولكن ماذا استفاد العرب من شعوب متبربرة ، لم يستفيدوا شيئا سورى القضاء على حضارتهم ، وعلى العكس من ذلك فان هذه الشعوب قد تأثرت بالعرب تأثرا عظيما وذلك باعتناقها للدين الاسلامي ، هذا من جهة ، ومن ناحية اخرى فان الصليبيين – مدفوعين بشدة حقدهم على العالم الاسلامي – قد نظموا حملات حربية عظيمة على الشواطيء العربية وخصوصا شواطيء الشام مريدين بذلك طمس معالم تلك الحضارة المجيدة التى كانت تتحداهم دائما ، وقد قضى الصليبيون حوالي ثلاثة قرون فى احراق المكتبات واتلاف الكتب والقضاء على كل مظاهر الحضارة ، واعتقد ان الحديث حول هذه الحروب لن ينهي اذا سرنا معه ، ولذلك نكتفي بالاشارة انعكاسات هذه الحروب القريبة والبعيدة . فمن آثارها لمباشرة تشاغل العرب سواء بالمشرق او فى المغرب بالدفاع عن كيانهم وعن دينهم وتراثهم ، هذا الدفاع الذى اعجزهم عن مواصلة خطواتهم الحضارية ، وكان هؤلاء الصليبيون من الهمجية والتوحش والحقد بحيث لم يعرفوا معنى للرحمة وللتسامح الانساني ، وكان العرب من الترف والتحضر والانقسام بحيث لم يستطيعوا الحفاظ الا على الدين الاسلامي ، وان ينسى الاتاريخ فانه لن ينسى فضل صلاح الدين الايوبي فى هذا الكفاح .
اما عن الانعكاسات غير المباشرة لهذه الحروب على اوربا فهي تفتح اعين الاوربيين على الحضارة العربية وتأثرهم بها ايما تأثر ، ونقلهم لآلاف المصنفات والمجلدات والكتب العربية فى مختلف العلوم والفنون ، وهنا نصل الى اهم العوامل فى تقدم اوربا.  لقد خبر الاوربيون الحضارة العربية عن قرب وادركوا انها المفتاح الوحيد لتقدمهم فتأثروا بها حقبا طويلة ووعتها عقولهم فنقلوها الى أوربا ولكنهم لم يقفوا عندها بل تابعوا ابحاتهم ودراستهم مدفوعين بشدة تعطشهم الى عصر جديد ، فبالاضافة الى تأثرهم بالعلوم والفنون العربية اتجهت انظاهم واذهانهم الى التراث اللاتيني اليوناني ، فصاروا يترجمون علوم وفنون هاتين الامتين الى لغاتهم الحية التى تفرعت عن اللاتينية واليونانية ايمانا منهم بقيمة اللغة الام فى التقدم الحضاري ، وصاروا يدرسون هذه العلوم والفنون فى مدارسهم ومعاهدهم ، ومزجوا بين استفادتهم من التراث العربي واستفادتهم من التراث اليوناني واللاتيني ، والحق انهم كانوا يقبلون على تعلم وتفهم هذا التراث بشغف زائد ، كما كانوا يتقدمون بخطوات سريعة مصارعين الزمن وجميع العقبات ، وقد ساعدتهم على هذا التقدم الحضاري عوامل اخرى اهمها : اعتمادهم على خيرات الهند والشرف الاقصى وجلبهم للمعادن والمواد الخام منها ، وكذا اكتشافهم للقارة الجديدة الفنية التى تزخر بالمعادن والمواد الخام ، وتسللهم الى القارة السمراء الغنية بمواردها الطبيعية ، ثم توفر الطاقة المحركة واساس الصناعة فى بلادهم اعني بذلك الفحم والحديد ، واخيرا سقوط الاندلس ونقلهم لعلومها وتراثها ، كل هذه العوامل دفعت بهم الى تقدم علمي واقتصادي لم يشهد العالم مثيلا له فى الماضي ، وما زال هذا التقدم مائلا حتى يومنا هذا .
فى هذا الوقت الذى كانت اوربا تنفض عن نفسها غبار الجهل وتخرج من عصر الظلام الى عصر النور وتتطلع الى حضارة قوية جبارة ، كان العالم العربي ينام على امجاده الغابرة منطويا على نفسه يحسب انه وحيد فى هذا العالم ، ولا يعير اهتماما لما يجري فى العالم الاوربي من ثورات اقتصادية واجتماعية وثقافية ، وظل على جموده وتخلفه يجتر الماضي وما الماضي يصالح كله ، يزيد من وطـاة هذا الجمود الحكم العثماني الذي اراد ان يمحو الاصالة العربية ، والذى كان يحكم العالم العربي بنظم وتقاليد لا تسمح له بالخروج من عزلته ، واذا كان الاوربيون قد حاولوا نقل بعض المظاهر الحضارية الجديدة الى لبنان باعتباره موئلا لمسيحيي الشرق وذلك ابتداء من اوائل القرن الثامن عشر ، فان هذه المرحلة لم تكن كافية لافاقة العرب من سباتهم العميق ، حتى اذا جاءت سنة 1798 استفاق الشرق العربي على اصوات مدافع نابليون بمصر ، ومن ثم كان اتصال العرب بالحضارة الاوربية وكان ما كان من محاولة الخروج من زاوية النسيان والظلام الى قضاء ارحب . نعم لقد حقق الاوربيون ما كانوا يحمون به من تقدم علمي واقتصادي هائل ، ولكن هل هذا هو كل شيء !؟ كلا انهم لم يستطيعوا حتى الساعة ان يحققوا احلام فلاسفتهم وآمال ومفكريهم ورهبانهم فى اقامة عالم متوازن عالم لا تطغى فيه المادة على الروح او الروح على المادة ، عالم يتسم بكونه ماديا روحيا يروي ظمأ الانسان المادي والروحي، حتى لا يختل ذلك التوازن الذى هو من مقومات الشخصية البشرية فى كل زمان ومكان . ان الانسان يحاول دائما ان يعرف عالمه المحيط به واكثر من هذا فهو يتطلع الى معرفة اخلاقية ميثافيزيقية تروي تعطشه الدائم للبحث فى اسرار هذا الكون . لقد اعتقد الاوربيون اول الامر ان الدين هو المسؤول عن تخلف الانسان العلمي والاقتصادي ولذلك قاطعوه وحاربوه وابعدوه عن حياتهم العامة وجعلوا من الكنائس امكنته الخاصة ، واستقر فى اعماقهم ان العلم هو كل شيء وان من العبث التعلق بأوهام الكنيسة . واذا دققنا النظر نجد  ان الاوربيين كانوا على حق فى حملتهم تلك ، فان المسيحية المشوهة المنحرفة عن التعاليم الاصيلة لم تكن لتروي ظمأهم الروحي خصوصا وانهم جعلوا العلم شعارهم فى كل مجال ، فكيف يتفق البحث العلمي الفلسفي المعتمد على العقل والمنطق مع اوهام وخزعبلات الكنيسة ؟ ولكن هل استطاع الاوربيون ان ينتهوا من هذا المشكل ؟ كلا انهم يعيشون اليوم ما يمكن ان نطلق عليه اسم " انفراغ الروحي " وهي ظاهرة لها اثار وابعاد خطيرة على الشخصية الاوربية ، ان التفاضل بين الحضارات لا يقوم على اساس المادة وحدها وانما على اساس مدى التوفيق بين الشعور المادي والشعور الروحي ، نعم ان الحضارة الغربية تمثل رقي ما وصل اليه الانسان من الناحية المادية ولكنها لا تمثل ذلك من الناحية الروحية ، لقد انهارت النفسية الاوربية اليوم وكذا الامريكية ، وكلنا يعلم الكثير عن مشاكل الشباب فى هذا العالم ، وقد يرجع البعض هذه المشاكل الى اسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية ، ولكن الواقع ان الاسباب الروحية هي فى مقدمة هذه الاسباب ، ان الشباب الاوربي يشعر بفراغ روحي كبير ويشعر بحاجة ماسة للرجوع الى عهد البدائية وعصر الانسان البسيط ، لان الحضارة المادية قد اتخمته ، ولهذا فهو يحاول ان يسخر هذه المعرفة العلمية على الاقل للوصول الى الحقيقة الدينية ، يقول الدكتور يوسف كمال الحاج فى كتابه " فلسفيات " " لا شك في ان مدينة هذا العصر هي مدنية علمية ، ولكنها تتجه بموجب نزعتها العلمية هذه ، نحو الشعور اكثر فاكثر بالحاجة الى الدين . التقدم العلمي هو لدفاع ، نحو معرفة دينية اصح " لقد ادرك الاوربيون اليوم اهمية الدين السماوي فى ملء الفراغ الروحي وتوفير الطمأنينة النفسية والروحية ، ولذلك صاروا يقومون بحملات عديدة فى مختلف الميادين غايتها وعظ الشباب ورشادهم وهدايتهم الى الدين ، ففي سويسرا نسمع ما يسمى بفرقة السلام الكنسية التى تعزف الالحان الموسيقية وتدعو الناس الى الاخذ بالدين المسيحي ، وفى حديقة هايدبارك بلندن يكثر الوعاظ والمرشدون ، وفى اكثر جامعات اوربا يوجد ما يسمى بجمعيات الطلاب المسيحيين التي تعقد ندوات اسبوعية دينية ، كما ان من اسباب محاولة الرجوع الى الدين المسيحي ان يواجه الغرب به شبح الشيوعية الزاحف ، وعلى ذكر الشيوعية نرى انها اخطأت حين ابعدت الدين وحاربته واعتبرته افيون الشعوب ، ولكنها ما زالت فى نشوة عظمتها وقوتها التى حققتها خلال خمسين سنة ، ويوم يفيق اصحابها – او لعلهم بداوا يفيقون – من سركتهم يدركون مدى الخطأ الذى وقعوا حينما اعلنوها حربا شعواء على الدين سواء اكان الاسلام او المسيحية . ورغم كل تلك الحملات التى يقوم بها الغرب لاعادة الناس لي الدين المسيحي فان مظاهر القلق والاضطراب والامراض النفسية والاجتماعية وحوادث الانتحار لا تزداد الا استفحالا ، وهذا القلق ليس ظاهرة ناشئة عن آثار الحربين العالميتين بقدر ما هو قلق الانسان الغربي المتطلع الى طمأنينة روحية . وقد ادرك بعض الاوربيين الاتجاه الديني الصحيح فى السنوات الاخيرة وذلك باعتناقهم للدين الاسلامي ، بل اننا نلاحظ ونسمع كثيرا عن ميل الشباب الاوربي الى الاسلام والى العالم الاسلامي علهم يجدون فيه تلك الحقيقة الضائعة ، وقد ذكر الدكتور مصطفى السباعي فى كتابه من روائع حضارتنا ان استاذا انجليزيا اعتنق الاسلام قال له : " ان هذه الحضارة تفقد الشرف والجمال ! فقلت له : ( يعني الدكتور السباعي ) اما فقدانها للشرف فلا انازعك فيه .. وما فقانها للجمال فكيف ؟ والناس يرونها اروع حضارة عنيت بالجمال .. جمال الطبيعة ، وجمال اللباس ، وجمال المدن ، وجمال البيت ، وجمال المرأة ايضا !.. فقال : انها فقدت جمال الروح وجمال الذوق الفطري وجمال الخلق " .
اذن هل يمكننا من خلال ما تقدم ان نصل الى نتيجة وهي ان الحضارتين الغربية والشيوعية ليست لهما تلك المقومات الروحية التى تضمن لهما لدوام والاستمرار للعرب ان يثيوا من جديد والحالة هذه انهم يمتلكون مقومات روحية انسانية متمثلة فى الاسلام ؟ نحن لا يهمنا كثيرا التساؤل حول مصير الحضارة الغربية بقدر ما يهمنا البحث فى المقومات الصحيحة التى تضمن للعرب وثبة جديدة ؟ شخصيا اعتقد هذا ، كما اجزم ان هناك كثيرا من العرب والاجانب يساندون هذا الرأي بحجج ودلائل مقنعة ، ولكن لنبحث مشكلتنا فبعد اتصالنا بالاوربيين وتأثرنا بمظاهر حضارتهم تكونت عندنا فئتان : الفئة المفتونة بالغرب والفئة المفتونة بالشرق ، فالاولى تعتقد ان الحضارة الاوربية هي كل شيء ، وان العرب لا يستطيعون مجاراتها بتاتا ، ولذلك يجدر بنا – حسب زعمهم – ان نقلدها فى جميع مظاهرها وخصائصها ، والثانية تدعو الى كثير من المظاهر الحضارية الغربية ، وازاء هذا الاختلاق بتدخل الغربيون فى شؤوننا ويدعوننا الى التغريب والانفصال عن ماضينا ناسين او متناسين انهم هم انفسهم قد اعتمدوا ابان نهضتهم على التراث اليوناني واللاتيني وكذا التراث العربي . ان الفئة الاولى قد اخطـأت كثيرا حينما دعت الى الانفصال عن الماضي نهائيا ، فالانفصال عنه سيتركنا ضائعين ، ويمحو شخصيتنا لان من لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل له ، وهم يخطئون حينما يعتقدون ان العرب قد تقدموا نتيجة لدخول الاستعمار الغربي الى بلادهم ، والحقيقة انهم بدأوا طريق التقدم حينما استقلوا وامسكوا مصيرهم بأيديهم ، لان الاستعمار الغربي ترك ببلادنا مشاكل متعددة اكثر مما عمل على تقدمنا ، اما الفئة الثانية فهي مخطئة كل الخطأ حينما تعتقد ان احياء التراث الماضي كله صالح لنا ، اننا لا ننكر ان من التراث ما هو صالح وحافز لنا على العمل ومنه ما ولى عهده واجدر به ان يهمل فى زاوية النسيان ، ان التراث يجب الاعتماد عليه من حيث كونه نقطة للانطلاق لا رجوعا الى الوراء ، فيلس من المعقول ان غيرنا يحارب بالقنابل الذرية واننا نحارب بأسلحة عمر بن الخطاب ، نعم يجب ان نعيد عهد عمر بن الخطاب ولكن ماذا نعيد منه ؟ نعيد ذلك الايمان الصادق والطموح المثالي والكفاح المرير الذى ينقصنا فى عصرنا هذا ، وقد اثبتنا فى الماضي اننا قادرون علىهذه الحضارة وفى عصر الظلام بالذات ودليل ذلك قول الله تعالى " وكذلك جعلناكم امة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " وقديما حينما اعتمد العرب على مباديء الاسلام الصحيحة اوصلهم الى غايتهم لانه دين يدعو قبل كل شيء الى العلم والى التفكير والتدبير . ان لنا من اليابان خير مثال ، فاليابان كما نعرف جميعا كانت فى مستوى نخلفنا منذ مائة سنة تقريبا ، ولكنها استطاعت ان تنهض من كبوتها وذلك باعتمادها على ما هو صالح ونافع من تراثها ، ثم يتأثرها بالحضارة الغربية ، حتى وصلت الى ما هي عليه اليوم ، لماذا ؟ لان الشعب الياباني شعب العمل والصبر والكفاح والوحدة . ان من الواجب على العرب فى عصرنا هذا ان يعتمدوا على العلم وعلى التخطيط الاقتصادي المنظم جاعلين مباديء الدين الاسلامي القويمة التى تحث على العلم وعلى العمل والتي تنظم حياة الانسان الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنظيما متقنا نصب اعينهم ، ليس عيبا ان نأخذ عن الغرب ، وانما العيب ان يستقر فى اذهاننا عدم مضاهاته وتحديه ، ذلك لان الحضارة عالمية ، نعم لقد استيقظنا متأخرين ولكننا اذا قارنا بين ما كنا فيه ابان عصر الجمود وبين ما صلنا اليه حاليا لوجدنا اننا قد قطعنا اشواطا بعيدة فى سلم الحضارة ، لان الغربيين ما كانوا ليتركونا نحصل على الحظ القليل من هذا التقدم ، ان الامة العربية ما زالت فتية لها عادات وتقاليد ودين ولغة وأصل واحد ، هذه الخصائص المتوفرة فى العرب ليس لها مثيل فى امة اخرى ، واكثر من هذا لها دين اثبت صلاحيته وعظمته منذ ظهوره حتى الآن ، لانه دين الاهي سماوي يتفق ومباديء ومعتقدات العقل السليم ، وهو دين غير جامد كما يزعم البعض فهو قادر على ان يساير التطور الانساني فى كل زمان ومكان ، وللاسف الشديد هناك جماعات عربية كثيرة تعتقد ان عصر الاسلام قد ولى وغبر وانه يعوق الانسان عن التقدم الحاضر ، اذن فأي دين اصلح ؟ لاشك ان اغلبية سكان العالم المسيحي وكذا اليهودي يؤمنون فى ظاهرهم او في اعماق اعماقهم بتفاهة وسخافة ديانتهم المشوهة ، ولذلك يقومون بحملات مسعورة للاجهاز على ديننا الاسلامي الذى اثبت صموده وتحديه لهم ، ولانهم اول من يدرك ان السر فى بقاء العرب رغم ما اصابهم فى الماضي والحاضر ، هو فى هذه المباديء الاسلامية الخالدة ، ثم هم موقنون بان هذا الدين هو الدافع الاول والاخير لتقدم العرب . اذن فالحضارة ليست وقفا على الغرب وحده او الشرق الشيوعي وحده ، وليست خالدة فى مجتمع مهمل للجانب الروحي ، وانما هي عائدة الى أمة تستطيع الحفاظ على ذلك التوازن الروحي المادي بفضل اعتقادها وعملها بمباديء الحقيقة الخالدة .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here