islamaumaroc

نقدنا الحديث ومناهجه

  دعوة الحق

158 العدد

نقدنا العربي القديم قائم على دراسة النصوص الادبية ، والحكم عليها من حيث الجودة وعدمها ، والتمييز بين الاساليب المختلفة ، ووضعها فى درجاتها من الحسن والقبح .. وهو نقد تفسيري فى اغلب الامر اكثر منه نقدا موضوعيا .
ويخضع للمنهد التأثري فحسب ، فذوق الناقد هو وحده الحكم فى مختلف القضايا الادبية .
وقد رجع النقاد العرب القدماء من طبقة الاصلاء الى هذا الذوق فى الحكم على النصوص وعلى الادباء ، فمرجع كل شيء الى ذوق الناقد الخبير البصير بأساليب الكلام ، وفي ذلك يقول ابن سلام الجمحي (31 ، هـ ) فى كتابه طبقات الشعراء : " للشعر صناعة وثقافة يعرفها اهل العلم ، كسائر اصناف العلم والصناعات " (1) .. ويقول ايضا : " .. قال قائل لخلف الاحمر – 181 هـ – اذا سمعت انا بالشعر واستحسنته ، فما ابالي ما قلت انت واصحابك ، فقال له خلف : اذا اخذت انت درهما واستحسنته ، فقال لك الصراف : انه رديء ، هل ينفعك استحسانك له ؟ "
واعتد بهذا الذوق كل النقاد العرب : كالآمدي (371 هـ ) ، والقاضي الجرجانــــي ( 392 هـ ) ، وابن رشيق ( 460 هـ ) ، وابي هلال العسكري ( 395 هـ ) ، وعبد القاهر الجرجاني ( 471 هـ ) ، وابن الاثير ( 637 هـ ) ، وسواهم ..
فالآمدي فى كتابه " الموازنة " يقرر ان مرجع الامر فى الادب الى الذوق ، وهذا الذوق يتكون بالدرية ، ودائم التجربة وطول الملابسة . وبهذا يفضل اهل الحذاقة بكل علم وثقافة من سواهم ، ممن نقصت قريحته وقلت دربته ، ويحكى عن اسحاق الموصلي (240 هـ ) ان المعتصم الخليفة العباسي ( 218 – 227 هـ ) قال له : اخبرني عن معرفة النغم وبينها لي ، فقال اسحاق له : ان من الاشياء اشياء تحيط بها المعرفة ، ولا تؤديها الصفة (2) . ويذكر الآمدي (3) ان الناقد لا يستطيع ان يأتيك فى النقد بعلة قاطعة ، ولا حجة باهرة .
التأثرية هي مذهب جماعات النقاد المعاصرين فى فرنسا ، وهو مذهب ليمتر الذى اننا نرى حسنا ما نحب ، وكذلك " لانسون " الذى يقرر اننا نكون اكثر تمثيا مع الروح العلمي باقرارنا بوجود التأثرية فى دراستنا ، وانها هي المنهج الوحيد ، الذى يمكننا  من الاحساس بقوة النص وجماله (4) . وكان كذلك سانت بيف يقول : " ليس هناك قواعد تخلق الكاتب الكلاسيكي " ، ويقول كذلك : النقد لا يمكن ان يصبح علما موضوعيا ، وسيبقى فنا رفيعا فى يدي من يستخدمه (5) . ولا ننسى مدرسة الرومانسيين فى اوربا فقد كانت تتجه هذا الاتجاه التأثري فى النقد ، ثائرة على القواعد الكلاسيكية ، ولو وازنا بين آرائها النقدية ومذهب ناقد عربي قديم مثل عبد القاهر الجرجاني ( 400 – 471 هـ ) لرأيناها تجنح فى كل ما تذهب اليه نحو نقد عبد القاهرة فى شيء من التفصيل .
فن دراسة النصوص الادبية وتمييز الجيد من الرديء منها هو منهج نقدنا العربي القديم ، ممثلا فى اروع اصوله ، وفى اجل مصادره التراثية ، من مثل : الموازنة ، والوساطة ، والصناعتين ، والعمدة واسرار الباغة ، ودلائل الاعجاز ، وسر الفصاحة لابن سنان الخفاجي ( 466 هـ ) المثل السائر لابن الاثير ، وغيرها .
وفى العصر الحاضر ، وبعد اتصال ادبنا العرب الحديث بالآداب الغربية وبمذاهب النقد المعاصر فى الغرب ، حصل تطور كبير فى نقدنا العربي الاحديث ..
فخضع نقدنا لما يخضع له النقد الغربي الحديث من مذاهب وتفسيرات علمية موضوعية مختلفة للنقد ، فهناك التفسير النفسي للنقد والادب ، والتفسير الجمالي ، والفلسفة المثالية ، والفلسفة الواقعية ، وغيرها من المذاهب الفلسفية التى وجهت الواقعية ، وغيرها من المذاهب الفلسفية التى وجهت النقد الغربي وجهة جديدة ، وصار النقد تابعا لها ، وصارت هي الرائدة الموجهة لخطواته ، وتبعه فى ذلك نقدنا العربي الحديث ، فسار فى نفس الطريق ، وخطا نفس الخطوات :
أ – فالتطور مذهب فلسفي عند داروين ، طبقه سبنسر على الاخلاق والاجتماع وعلم النفس ، واخذ بروستيير يطبقه على الادب ، فكتب عن تطور النقد وتطور الشعر الغنائي وتطور المسرح الفرنسي ، ورأى ان الوعظ الديني فى القرن السابع عشر فى اوربا قد تحول الى شعر غنائي رقيق هو الشعر الرومانتيكي فى القرن التاسع عشر .
ب – ومدرسة التحليل النفسي عند فرويد (6) ، والتى تطورت الى علم النفس التجريبي عند بكترف الروسي (1927)  تجد صداها فى النقد قويا ومؤثرا وعميقا، حتى غدت الفرويدية من اقوى العوامل فى التوجيه الفكري والادبي اليوم فى اوربا ، وشارل مورون فى فرنسا اليوم هو خير ممثل لها ، فهو اكبر ممثل للنقد القائم على التحليل النفسي الفرويدي ، وقد كتب عن راسين، ومالارميه ، وييدا جاستون باشلارد من تحليل الاسس بدلا من تحليل النص الادبي ، وكتاب ريتشـــــــــــــــاردر " مباديء النقد الادبي " يسير فى هذا المجال ...
ودخل المذهب الفرويدي فى التحليل النفسي من  نقدنا العربي الحديث ، فكتب عز الدين اسماعيل كتابه التفسير النفسي للادب ، وكتب " خلف الله كتابه من الوجهة النفسية فى دراسة الادب " ، وعلى ضوء المذهب النفسي فى النقد كتب محمد كامل حسين دراسته عن المتنبي وكتب العقاد دراساته عن أبي نواس وابن الرومي ودراساته لعبقريات الاسلامية ، وقد انكر طه حسين على العقاد اخضاعه ابي نواس للتحليل النفسي " ثم كتب النويهي دراستيه عن بشار وابن الرومي ، كما كتب حليم مترى ( 1970 درسته النقدية عن ناجي 25 من مارس 1953 ) وشعره وقد نشرها فى مجلة البعثة الكويتية الشهرية التى كانت تصدر فى القاهرة ، وذلك فى احد اعدادها عام 1954 .
على ان المذهب السيريالي الذى يعد ريمبو من خير اعلامه قد تأثر بسيكولوجية فرويد كما تأثر بفلسفة هيجل ، وهذا المذهب الادبي يرى ان الادب حديث من اللاشعور ، فهو دقات اللاوعي التأثيرات الماضية ، واملاء للفكر دون رقابة العقل ، بعيدا عن كل اهتمام فني او خلقي ، والسيريالية تنفر من موضوعات الفكر الجارية ، وتحتقر الاساليب السائدة  فى اشكالها وصروها ومجازاتها وكلماتها ، وتسخر من العقل ومنطقه ، رجل الهاماتها الاحلام والرؤى ، وقد نفى العقاد ان تكون السيريالية فنا (8) ، وبمثلها فى شعرنا المعاصر محمود حسن اسماعيل ، وقد خطت الدادية فى اتجاه الوعي الباطني والفن السيريالي ، حتى قال وسوبو : " ضع الفاظ فى قبعة ثم اخرج منها ما يعن لك ، فبهذا يصنع الشعر الدادي " يقصد انه يخرج بعيدا عن رقابة العقل ، وكان بودلير الشاعر الفرنسي ( 1867) يقول: " ان الاشياء تفكر من خلالي كما افكر من خلالها " .
ج – ثم جاءت الفلسفة الجمالية فدخلت الى النقد من اوسع ابوابه ، وصلة فلسفة الجمال او علم الجمال بالفن والادب بمثابة صلة المنطق بالنظريات العلمية .. والتداخل بين فلسفة الجمال وفلسفة الفن واضح ، ومن ثم امتدت الفلسفة الجمالية الى الفنون الادبية ، فلم تعد القيمة الفنية فى الشعر او القصة تقاس بمقياس خارجي ، او بمدى تحقيق غاية اخلاقية او هدف يخرج عن نطاق الفن ، بل صار الحكم على الاثر الادبي فى النقد الحديث منصبا على العمل الادبي من ذاته ، من حيث اكتماله الفني ، وملاءمة التعبير للوسائل المستخدمة فيه ، حتى ليقول احد نقاد شكبير : " ان المقياس الوحيد الذى يمكن ان يسأل عنه الفنان هو ان يعبر العمل الفني عن ذاته ، اي ان يكون متسقا من داخله ، وقيمة شعر شكسبير انما ترجع الى حسن نظامه الباطني وليس الى مطابقته لحوادث تاريخية معينة .. "
ولا ريب ان علم الجمال من اهم فروع الفلسفة الحديثة ، بل هو من صميمها ، واهم مباحثه هو الفن . وكان فلاسفة الجمال منذ افلاطون يدورون حول الفن الذى هو – كما يقولون – روح الانسان ، بل سلاحه ، حتى قال افلاطون فى اسطورة بروميثيوس : " عندما شرعت آلهة اليونان القديمة فى توزيع الهبات على المخلوقات، زودت جنس الحيوان بأسلحة تحميه من الطبيعة ، أما الانسان فقد بقي اعزل من السلاح ، حتى رق له قلب الاله بروميثيوس صديق البشر ، فاقدم من اجله على مغامرة جريئة ، اذ سرق الالهة قبسا من النار ، واهداه الى الانسان ، فعلمه الفنون " .
 ومعنى ذلك ان النار كانت مقدمة لتطور الانسان البدائي فى سلم الحضارة ، وانها ساعدته على ايجاد الفراغ الذى استخدمه من اجل ابتكار الفنون وتطويرها والسير بها فى مدارج التطور الحضاري .
وقد اصبح كذلك فلاسفة الجمال موجهين لحركات النقد والمذاهب الادبية فى اوربا ، وصار علم الجمال الادبي من اهم فروع الفلسفة الجمالية ، وبحوثه تدور حول تأثير العمل الادبي من جانب، وحول كيفية توليد العمل الادبي فى نفس الكاتب من جانب آخر ، وهذا لجانب من الدراسة الجمالية المتصلة بعلم النفس من بعيد ، قد غذت الادب بنظريتين : نظرية الصياغة ، ونظرية النغم .
اما نظرية الصياغة فيعنى بها ان الاديب يسعى لخلق الصيغ الجميلة استجابة لحاسة فطرية فى نفسه ، هي حاسة الجمال . وينادي بذلك البرناسيون او مدرسة الصياغة ، وهي مدرسة نقدية ذات اهمية كبيرة منذ ادخل شتراوس الافكار الفلسفية وعلوم الاجتماع فى بحوث النقد الادبي ، وقد قدمت هذه الحركة النقدية اعمالا قليلة ، ولكنها ذات اثر فعال ، كما انها تبين تأثير الاسلوب الغوي الذى قام به شتراوس وزميله جاكسون ، وصار من الممكن قيام مجموعة متنوعة من النقد الادبي على اساس المقولة البلاغية التى ارساها جاكسون ، وهي الاستعارة والمجاز ، وقد تفرع من مدرسة الصياغة او البرناسية نظرية الفن للفن التى نادى بها فيكتور كوزون فى السوربون عام 1818 م . ونجد صداها واضحا عند تيوفيل جوتييه 1872 ، ثم اخيرا نجد " لانسون " يسيطر بنظرياته فى الصورة والصياغة على النقد الاكاديمي ، وقد ترجم محمد مندور كتابه " منهج البحث فى الادب " .
ومذهب الفن للفن ينادي بأن الشعر خلق لقيمة جمالية نتجت من اللغة ، وقصيدة " الفن " لجوتييه تعتبر خير مصور لهذا المذهب ، ومنها نعرف ان جوتييه لا يفرق بين الفن والتحت ، فهو يطالب الشاعر بأن ينحث من اللغة ابياته ، وكما يختار النحات من الرخام اصلبه ، وما يزال يصارعه حتى يلين بين يديه ، ويخضع للصورة التى يريد ان ينحتها فيه ، وكان يقول للشاعر : " انحت وابرد وشكل حتى يستقر حلمك الطافي على الصخرة الصلبة " . ومن ثم فيكتور كوزون بأن التعبير هو القانون الاولي فى الفن ، وصار بذلك رائد النظرية التى تدين بها مدرسة الفن للفن الفرنسية .
ومن دعاة الفلسفة الجمالية فى اوربا : "كانت" الالماني ( 1804)، ديــــــــــــــدرو (1884) ، ومن اهم النقاد الجماليين كروتشييه الايطالي (1952) .. وهذه الفلسفة تهدم القواعد الكلاسيكية فى النقد وتقيم مكانها قواعد جديدة .
ونظرية النغم يقول بها دعاة الرمزية ، واساسها ان نغمات الكلام رموز لانواع المشاعر ، وللمذاهب الرمزي – الذى كان من اهم شعرائه فى فرنسا : بول فاليري ومالرسيه (1898) ، وبول فرلين (1844 – 1896 ) سواهم – تفسيرات كثيرة للعمل الادبي ، وقد نقد شكري الرمزية نقدا لاذعا فى مجلة المقتطف عام 1938.
د – وظهرت الفلسفة الواقعية بجناحيها المادي والوجودي ، واخضعت النقد لنظرياتها الطويلة ، التى ليس من ضرورات هذا البحث الخوض فيها . ويمثل مقدمة الواقعيين : سان سيمون (1852) ، واوجست كونت (1857) ، وجون ستيوارت ميل (1893) وهو صاحب نظرية الفلسفة الوضعية ، واميل زولا صاحب نظرية المذهب الطبيعي ، ويمثل معروفة ، والواقعيون عامة ينادون بان الفن للحياة ، وينكرون نظرية الفن للفن ، انكارا شديدا .
هـ - وتعددت المذاهب والفلسفات في الغرب تعددا كثيرا ، وكل مذهب منها يقيم له فلسفة نقدية خاصة به .
ومن حيث نادت مدام ستاي بأن الادب تعبير عن المجتمع ، وسانت بيف بأنه تعبير عن الشخصي، وكوزون بنظرية التعبير او الصياغة او الفن للفن ، والعاطفيون بان الادب تعبير عن مشاعر الاديب ، وذهب كروتشيه فى النقد الى الجانب الجمالي ، وجمع ريتشاردز فى نظريته النقدية بين النقد والخلق الفني ، وذهب لسبنج الالماني وكروتشيه الايطالي الى العبقرية ، وجاءت الطليعة فربطت بين التقدم الفكري والانساني : ونادى اندريه شينيه بالكلاسيكية الجديدة ، التى لخصها فى بيت له يقول فيه : فلتصغ افكارا جديدة فى ثوب كلاسيكي جديد " (9)
كل هذا الخلط الغريب المضطرب من المذاهب والنظريات ادت الى بلبلة نقدنا العربي المعاصر، والى بعده عن تراثنا النقدي الرفيع .
                                          - 3 -
وقد حاولت هذه النظريات الجديدة فى النقد ، التى افحمت على نقدنا العربي المعاصر اقحاما شديدا ان نتنكر لمنهجنا القديم العربي الاصيل فى النقد من جانب ، وان تعمل على ابعاد النقد عن الذاتية وعن منهجه التأثري الاصيل الى جعله موضوعيا يقوم على قواعد تابثة من العلم والموضوعية من جانب آخر . واذا كانت بعض هذه النظريات قد هدمت القواعد الكلاسيكية فى النقد وهي النظريات الموروثة عن ارسطو والنقد الاغريقي القديم ، فانها احلت محل هذه القواعد التى نادت بابطالها قواعد جديدة وفق ما تذهب اليه من فلسفيات وآراء خاصة بها .
وموضوعية النقد وجدناها قديما عند ارسطو ، وكانت لنظرياتها السيادة فى العصر الكلاسيكي ، ثم جاءت الرومانسية وما تلاها من نظريات نقدية فحالت الخروج على القواعد الكلاسيكية فى النقد ، وهدمت آراء ارسطو هدما شديدا .
ثم وجدنا موضوعية النقد عند دعاة التطور ، مثل برونثيير ، قد لاقى مذهبه النقدي فى التطور نقدا لاذعا .
ووجدنا عند مذهب : التفسير النفسي . والتفسير الجمالي للادب ، ودعاة المثالية والواقعية وغيرهما .
وينادي فريق من نقادنا بالتأييد الكامل لهذه المذاهب ووجوب صبغ نقدنا العربي المعاصر بصيغتها، ومنهم : محمد غنيمي هلال صاحب كتاب المدخل الى النقد الادبي (10) ومحمد خلف الله (11).
وينادي فريق آخر من ادبائنا بالرفض الكامل لهذه المذاهب ، ومنهم العقاد ، ومندور ووديع فلسطين ، وطه حسين ، وذهبت الى ذلك ايضا فى كتابي : دراسات فى النقد الادبي ، والنقد العربي الحديث ومذاهبه .
وفريق آخر يقفون فى الموقف الوسط ، ومنهم : السحرتي صاحب كتاب " شعرنا المعاصر على ضوء النقد الحديث " ، وكتاب " النقد الادبي من خلال تجاربي " ، وكذلك النويهي (12) .
وقد نادى ادبلؤنا المعاصرون بنظريات غامضة ومبهمة او خاطئة ، واغلب الظن انهم كانوا يذهبون فى ذلك مذهب النقاد الغربيين مع عجز واضح عن ادرك غاية التجديد ، واتباع كامل وتقليد لخطى نقاد فرنسا وانجلترا.
فدعا توفيق الحكيم الى التعادلية ، ودعا كذلك الى مذهب الفن للفن ، ودعا احمد امين الى مذهب الفن للحياة ، وسلامة موسى الى ان الادب للشعب ، ومحمد حسنين هيكل وامين الخولي الى الادب القومي .
وينكر مندور موضوعية النقد انكارا شديدا ، وقال ان حركات موضوعية النقد فى تقديم والحديث قد فشلت فشلا ذريعا ، ومنها حركة " قدامة بن جعفر " فى نقدنا العربي القديم ، وهو صاحب كتاب " نقد الشعر " وتوفي عام 337 هـ .
على المذاهب الغربية فى النقد اغلبها مذاهب فكرية عامة ، ونظرياتها عامة لا خاصة وقد حكمت التجارب بفشل تلك المحاولات النقد علما موضوعيا ، وللاستفادة من العلوم الانسانية ونظرياتها فى اصول النقد ، ويقول مندور : ان الاولى قصر النقاد جهدهم على دراسة النصوص الادبية ، والاعتماد فى ذلك على الذوق الادبي الذى هو ليس شيئا عاما مبهما ، بل هو ملكة اساسها الطبع والدرية والمران ، ويقول القاضي الجرجاني 392 هـ ) ان الذوق هو مرد الحكم فى الادب وانه يكتسب بصحة الطبع وادمان الرياضة (13) ، وكذلك ذهب ابن طباطبا فى " عيار الشعر " (14) ، والمرزوقي فى شرحه على الحماسة (15) وليس هناك اية جدوى من محاولة ادخال الفلسفة ونظرياتها العامة على الادب .
وقد حاول " تين " ان يخضع الادب لقوانين يفسره بها من الزمان والمكان والجنس، وفشلت نظريته فشلا تاما.
وليس هناك لهذه النظريات الا الانصراف عن الادب وتذوقه الى نظريات مبهمة لا تمث اليه بصلة ، معا يبعدنا عن الموضوع الادبي والاصالة النقدية ابعادا شديدا ، وقد اشاع فرويد ومدرسته نظريات كثيرة خاطئة ، ولخطر فى ان يستحيل النقد تحليلا نفسيا ، وان يختنق الادب والنقد فى هذا الجو فمن الواضح ان العمل الجيد والعمل الرديء سواء ، من ناحية الدلالة النفسية كلاهما يصلح شاهدا ، فاذا استحال النقد الادبي الى دراسات تحليلية نفسية لم تتبين قيمة الجودة الفنية الكاملة ، ومع ذلك فان فرويد يبين فى بعض دراساته اننا لا نستطيع الاطلاع على طبيعة الانتاج الفني من خلال التحليل النفسي .
وكذلك الامر فى فلسفة الجمال وعلومه فان نظرياته عامة الى اقصى حد يصل اليه العموم ،
وهو بهذا ينافي طبيعة الفن ، والدارس الجمالي يبتعد تماما عن الموضوع الادبي الذي يبحث فيه، فيغرق فى لجج من التفكير واللآراء الفلسفية والخلقية والنفسية تجعله فى منأى عن الادب والذوق الادبي بل تنتزع منه الحاسة الجمالية نفسها ، ويرى ريبشاردز فى كتابه " مباديء النقد الادبي " ترجمة مصطفى بدوي ان علم الجمال قد حتى على النقد حين اشاع بعض الاصطلاحات الزائفة ، من ان هذه المصطلحات لا تخرج عن كونها اوهاما . وفى كتاب " الشعر والتأمل " تأليف هاملتون وترجمة محمد مصطفى بدوي نقد شديد لنظريات الناقد ريتشاردز فى كتابه " مباديء النقد الادبي " .
وقد فطن الجاحظ (255 هـ ) والبحتري (284 هـ ) والصاحب بن عباد الى ان النقد شيء مستقل عن كل علم آخر ، وان قوامه الذوق (16) ، وان اقدر الناس عليه هم الشعراء والكتاب (17).
وخلاصة ذلك كله هي وجوب تمحية الادب ونقده عن العلم (18) .
                                          - 4 -
وقد تعددت المذاهب الادبية فى اوربا تعددا كبيرا من كلاسيكية ورومانتيكية ، وسيريالية ، وبرناسية ، ورمزية ، وواقعية ، ووجودية ، وسواها .. حتى لقد كتب الناقد الفرنسي اميل دي شانيل (1904) فى المقارنة بين الكلاسيكية والرومانتيكية كتابه الضخم " رومانتيكية الكلاسيكيين " كما كتب النقاد بعده عن " كلاسيكية الرومانتيكيين " .
وهذه المذاهب كلها حاول المتقفون بالثقافة الادبية الغربية تطبيقها على ادبنا العربي الحديث ، بل حتى على ادبنا العربي القديم ، فكتبوا مثلا عن " رومانتيكية الاعشى " ، وما كان الاعشى بالشاعر الرومانتيكي باية حال من الاحوال .
والتطبيق الحرفي لهذه المذاهب الغربية على ادبنا العربي غير مسلم ، كما يرى ذلك وديع فلسطين فى كتابه " قضايا الفكر فى الادب المعاصر " .
ويرفض العقاد هذه المذاهب جملة وتفصيلا وكذلك الزيات وطه حسين .
ويرى " احمد زكي ابو شادي (1955 م ) تعاون هذه المذاهب فى خدمة الذوق الادبي ، والثقافة الادبية والنقدية ، وكذلك يذهب الناقد مصطفى السحرتي ايضا .
واذا كان الغربيون فسروا الادب تفسيرات مختلفة ، فذهب فرويد الى ان الحافز الجنسي هو المحرك للانتاج الادبي ولكل انتاج آخر ، وذهب ادلر الى ان توكيد الذات والنزوع الى التفوق هو الحافز الاكبر للانسان على القيام بعمل من الاعمال ، وذهب يونج الى ان خيال الجماعة الانسانية هو اكبر الصور والحوافز فى اي اتر ادبي ، وذهب ستيكل (1902 ) ، الى مذهب اللاشعور الجماعي . فماذا يمكن ان يفيد منه ادبنا المعاصر ، ونقدنا الحديث من شيء ؟
                                          - 5 -
اغلب شعرائنا ونقادنا وادبائنا وكتابنا على اية حال قد تأثروا بمذاهب الغرب تأثرا كبيرا ظهر اثره فى هذه البلبلة الادبية والنقدية التي نعيشها اليوم ، والتى جعلت ادبنا المعاصر صورا مشوهة لا صلة بتراتنا وثقافتنا وادبنا ومجتمعنا ونفوسنا بحال من الاحوال .
وكان العقاد والمازني يرجعان فى النقد الى هازليت وماكولي وارتولد وشاسترى ، فأغلب آراء العقاد مأخوذة من هازليت ومحاضراته فى الشعراء الانجليز ، ويشبهه العقاد فى  عنفه النقدي ، ورجع العقاد فى مذهبه النقدي النفسي الى ريتشاردز صاحب كتاب " مباديء النقد الادبي " الذى كتبه ريتشاردز عام 1924 ، ويذهب فيه الى تقرير الصلة  بين مسائل النقد الادبي وعلم  النفس، فالتقد يثير فى نظره جميع الموضوعات السيكولوجية ، ووظيفة الناقد هي التمييز بين مختلف التجارب وتقويمها عن طريق الادراك الواضح الطبيعة التجربة (19) .
                                          - 6 -
وفى ختام هذا البحث اؤكد ما يلي :
اولا : ابتعاد نقدنا المعاصر عن طبيعة النقد العربي القديم من جهة ، وعن التأثرية فى النقد الى الموضوعية من جهة تانية
تانيا : بلبلتنا النقدية المعاصرة ، فنحن صدى كامل للغرب فى هذا المجال ، وليس عندنا مذهب نقدي عربي معاصر حتى الآن .
ثالثا : من الافضل ان ننادي بما نادى به لانسون ومندور وقبلهما نقادنا العرب القدماء الاصلاء من تأثرية النقد من ناحية ، ومن الانتقال بالنقد الى جانبه الذاتي الاصيل وهو فن دراسة الاساليب والتمييز بينها والحكم عليها من ناحية اخرى .
رابعا : جميع المذاهب النقدية فى الغرب لا تصلح اساسا – كلها او بعضها او مذهب منها لمذهب نقدي عربي جديد .
خامسا : وجوب الاستقادة من مختلف الآراء والمذاهب النقدية فى ادبنا العربي القديم ، من مثل آراء علماء الاعجاز ، وعلماء البلاغة ، وعلماء النقد ، وعلماء الموازنات الدبية .
سادسا : التأكيد على الصياغة والاهتمام بها فى كل تطبيق نقدي ، لان الصياغة هي الاساس الاهم لكل عمل ادبي.
سابعا : يجب التأكيد على ضرورة الاستقلال الكامل فى اعمالنا النقدية عن كل مذاهب النقاد الغربيين من جهة ، وعلى محاولة الاهتداء من جهة اخرى الى مذهب نقدي متكامل يصلح اساسا لبلورة ثقافتنا النقدية فى اصول سليمة واضحة .


(1) 5 – طبقات الشعراء – ابن سلام – المطبعة المحمودية – القاهرة
(2) المرجع السابق .
(3) 176 الموازنة للآمدي – طبع صبيح – القاهرة
(4) 131 فى الميزان الجديد – محمد مندور .
(5) 3 : 6 ، قصة الادب المعاصر – خفاجى
(6) ظهر علم النفس منذ وليم فونت الالماني عام 1879 مختبرا لعلم النفس فى جامعة لايبزج .
(7) جريدة الجمهورية عدد 5 – 3 – 1954 .
(8) يوميات العقاد فى جريدة الاخبار احد اعداد عام 1962 .
(9) راجع : مباديء النقد الادبي لريتشاردز ، ترجمة مصطفى بدوي ، وكتاب النقد الادبي ومدارسه لادموند وولسون ، ترجمة احسان عباس ، وكتاب دفاع عن الادب ترجمة مندور ، وكتاب منهج البحث فى الادب للانسون ترجمة مندور ، وكتاب الشعر والتأمل لهاملنون ، والاسس الجمالية من النقد لعز الدين اسماعيل والنقد الجمالي وائره فى النقد العربي لغريبه روز ، وما هو الادب لسارتر ترجمة محمد غنيمي هلال .
(10) راجع مقالة له فى مجلة الثقافة المصرية حول ذلك الموضوع عدد 18 – 11 – 1963 .
(11) راجع مقالة له فى ذلك فى مجلة الثقافة المصرية – اكتوبر 1963 .
(12) مجلة الثقافة المصرية – اكتوبر 1963 ، وعدد 21 – 12 – 1973 ايضا .
(13) 310 الوساطة بين المتنبي وخصومه – طبع صبيح
(14) ص 14
(15) 1 :  15 شرح ديوان الحماسة للمرزوقي .
(16) راجع : فى الميزان الجديد لمندور ص 137
(17) 4 و 5 من رسالة الكشف عن مساويء شعر المتنبي للصاحب بن عباد الوزير ( المتوفى عام 385 هـ )
(18) ص 137 فى الميزان الجديد لمندور .
(19) راجع كتاب نشأة النقد الادبي الحديث لعز الدين الامين .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here