islamaumaroc

شهاب الدين السهروري

  دعوة الحق

158 العدد

استغفر الله ان قلت اني تقمصت روح عمر بعد اسلامه لضحك وبكاء كانا ينتابانه ، كان يبكي اذا ما دار بخلده واد بنته حية ، وهي تنفث التراب عن لحيته ، وكان يضحك عندما يتذكر الرغيف الذى كان يعبده – أيام جاهليته – ثم يأكله . وهذا هو موقفي من السهروردي ، الشاب الفيلسوف، انشرح واغتبط اذا اشاعت عبقريته الفذة الملتمعة اضواءها فى قلبي ، ويعمني الاسى ، واذرف الدمع اذا ما دبت فى نفسي قصة نهايته الاليمة .
وفى السهرورد ، وهي مدينة فى ماداي MEDIE بايران كان ميلاد ابي الفتوح شهاب الدين السهروردي ، فى العقد الخامس من القرن السادس الهجري ، ونشيء تنشنة حسنة ، وشغف باشعار الصوفية ، وتغنى واولع بها منذ صغره ، واكب منذ نعومة اظفاره على دراسة كتب ابن سينا ، وقرا كتب افلاطون ومؤلفات ارسطو ، واطلع على فلسفة الفرس ، فجمع لنفسه ثقافة عربية فارسية يونانية ، وانما سمن الحوت من غزارة الينبوع !.
وعاش السهروردي زمنا شائنا ، اخذت منه الفوضى كل مأخذ ، وظهر الفساد فى بره وبحره ، ونسغ الوفاء ، وانعدمت من اهله المروءة ، " وصارت الامانة خيانة ، والذكاء سفها ، والعدالة عداوة ، والانسانية جفاء . " فقضى السهروردي حياته يدافع عن القيم الروحية ، ويعمل من اجل المثل العليا ، وعقد مجالس للوعظ والارشاد ، فكان وعظه كمن يصرخ فى واد او ينفخ فى رماد، وصار ارشاده كدابغة وقد حلم الاديم ! (1).
ومن غريب ما اتفق فى بعض مجالسه ما رواه ابو المظفر سبط ابن الجوزي . قال : " وجلس يوما ببغداد وذكر احواله القوم وانشد – رحمه الله وعفا عنه - :
ما فى الصحاب اخو وجد نطارحه  حديث نجد ولا صب نجاريه
وجعل يردد البيت ويطرب ، فصاح به شاب من اطراف المجلس ، وعليه قباء (2) وكلوتة (3)، وقال :

يا شيخ ، لم تشطع وتنتقص القوم ؟! والله ان فيهم من لا يرضى ان يجاريك ولا يصل فهمك الى ما يقول ، هلا انشدت :
ما فى الصحاب وقد سارت حمولهم  الا محب فى الركب محبوب
كانه يوسف فى كل راحلة   والحي فى كل بيت منه يعقوب
فصاح الشيخ ونزل من على المنبر ، وقصده فلم يجده ، ووجد موضعه حفرة بها دم مما فحص برجليه عند انشاد الشيخ البيت " .
ويحكى انه انشد يوما فى احد مجالسه هذين البيتين :
لا تسقني وحدي فما عودتني    اني اشح بها على جلاسي
انت الكريم ولا يليق تكرما   ان يعبر الندماء دور الكاس
فتواجد الناس لذلك ، وقطعت شعور كثيرة وتاب جمع كثير .
وقد انفق السهروردي جل حياته فى طلب العلم ، وكسب المعرفة ، والنقاط الحكمة انى وجدت ، يقول فى هذا الصدد : " قد بلغت سني الى قريب من ثلاثين سنة ، واكثر عمري فى الاسفار والاستخبار ، والفحص عن مشارك مطلع على العلوم " .
وكان من عوامل غزارة علمه ، وسعة افقه – زيادة على اسفاره – ما حباه الله به من ذكاء مفرط وبصيرة ثاقبة ، مما جعل فى العلوم الحكيمة ، بارعا فى الاصول الفقهية ، جامعا للفنون الفلسفية، جيد الفطرة ، فصبح العبارة ، لم يناظر احدا الا بذه ، ولم يباحث محصلا الا اربى عليه، وكان علمه اكثر من عقله " .
لم تستهوه بهارج الدنيا وزخارفها ، ولم يتخذ عمله حباله لكسب المال الطائل او الجاه العريض ، بل انه اعرض عن الدنيا لانها متاع غرور ، وكل ما فيها طيف زائل ، وأبى الا ان ينتشل نفسه " من شرط الوجود الانساني الضيق المتهافت المحدود ، لبلوغ درجة الخلود الابدي والعيش السرمدي ، ونيل رتبة كونية الهية " . ولا يكون ذلك الا بالتجرد عن المادة ورفض كان ازياء الحياة  الحسنية ، وشغل العمر فيما يرضي الله سبحانه.
يقول فيما حكاه عن افلاطون : " انني ربما خلوت بنفسي ، وخلعت بدني جانبا ، وصرت كأني مجرد بلا بدن عري (4) من الملابس الطبيعية ، بريء عن الهيولى (5) ، فأكون داخلا فى ذاتي خارجا عن سائر الاشياء ، فارى فى نفسي من الحسن والبهاء والسناء والضياء ، والمحاسن العجيبة الانيقة ، ما أبقى منه متعجبا ، فاعلم اني جزء من اجزاء العالم العلوي الشريف " .
وكل الاحداث التي كان السهروردي مسرحا لها ، مدة حياته العابرة اوحت اليه " فلسفته الاشراقية " التي خلدت ذكره فى احشاء التاريخ ، وفى احشاء التايخ ، وفى بطون الفكر الاسلامي الرحيب ، وصارت معينا ثرا فى ثراث الانسانية بعامة ، ونورا يشرق لالاء على مدى الايام وتوالي العصور.
واساس الفلسفة الاشراقية هو : " ان الله نور الانوار ومصدر جميع الكائنات ، فمن نوره خرجت انوار اخرى ، هي عماد العالم المادي والروحي ، والعقول المفارقة ليست الا وحدات من هذه الانوار تحرك الافلاك ، وتشرف علىنظامها " .
وصاحبها يدعو الله سبحانه ويقول : " تباركت ربنا خالق النور ، ومبدا الوجود ، ارزقنا شوق لقائك ، والصعود الى جناب كبريائك ، واجعل ذوتنا من الطاهرات الكاملات ، فالفارقات ، العائدات اليك ، انك ولي الايد وصاحب الطول العظيم المجيد ".
وعلى من يريد ان يشرق عليه نور الله وفيضه ، ان يقوي نفسه بالفضائل الروحية ، ويضعف قواه البدنية بالتقليل من الطعام ، وذكر الله قياما وقعودا ، والتعبد اناء الليل وأطراف النهار.

هذا هو السهروردي الذي ذهبت بحياته – وهي فى عنفوانها – يد الحسد والبغضاء ... هذا هو الفيلسوف المتصوف يتهم بالزندقة والمروق عن الدين ، وقد كان يناجي الباري تعالى ويقول : " يا قيام الوجود ، وفائض الجود ، ومنزل البركات ، ومنتهى الرغبات ، منور النور ، ومدبر الامور ، واهب حياة العالم ، أيدنا بالنور وثبتنا على النور واحشرنا الى النور ، واجعل منتهى مطالبنا رضاك ، آمنا بك واقررنا برسالتك ، يا آخذ النواصي بدأت فتمم ، خلقت فاهد ، قضيت فاعف ، ملكت فاغفر " .
لقد حكم عليه فقهاء عصره بالزيغ وانحلال العقيدة ، وافتوا بقتله ، فلما نهي اليه الخبر وتحقق القتل كان كثيرا ما ينشد :
ارى قدمي اراق دمي  وهان دمي فها ندمي
واختار ان يموت جوعا ، وترك فى مكان منفرد لا يصل اليه طعام ولا شراب حتى اسلم الروح فى اوخر سنة 586 ه


(1) حلم الجلد : فسد ووقع فيه دود فتثقب ، وهذا مثل يضرب لمن يسعى فى اصلاح امر بعد ان اوصله الفساد الى حيث لا يرجى اصلاحه .
(2) قباء : ثوب يلبس فوق الثياب .
(3) كلوتة : القلنسوة او الطاقية .
(4) فرس عري : غير مسرج ، واستعملت اللفظة هنا استعمالا مجازيا .
(5) الهيولى : وتسمى المادة الاولى : لفظ يوناني بمعنى الاصل والمادة ، وهي فى الاصطلاح : جوهر فى الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here