islamaumaroc

مالك بن المرحل: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره.-4-

  دعوة الحق

158 العدد

شعر ابن المرحل
يمتاز شعر ابن المرحل بظاهرة فريدة تتجلى فى ان المتمحص فيه يلمس من خلال قصائده خلاصة مميزات الشعر فى العصر المريني فى شتى الجوانب التى مسها والاغراض التى تناولها ، بل يمكن للناقد والمؤرخ الادبي ان يستشف من خلاله اهتمامات السلاطين المرينيين ويلتقط كثيرا من مميزات المجتمع المغربي التى بدات بوادرها مع ميلاد هذه الدولة . واذا كانت كثير من اعمال ابن المرحل قد تبددت نتيجة ظروف انتقالية وحاسمة سبق الاشارة اليها ، فانها كذلك لم تحتفظ فى القلة الباقية الا بالشعر الذى عبر عن الجانب الديني والتعليمي وما يمكن ان يدخل ضمنهما من دعوة الى الجهاد والزهد فى الدنيا وهي بذلك تشهد على انه ابن المرحلة الاخيرة من حياته كما توضح الاسباب التى جعلت صفة الفقيه تغلب عليه ، وتشرح المؤهلات التى رشحته للأزمة ولي العهد ابي مالك .

اغراض شعره :
رغم ان ابن المرحل ساهم التجديد الشعري فى عصره حين نظم فى الموشحات والاوزان الخفيفة الصالحة للغناء التي انتشرت فى عصره خاصة بالاندلس ، فان اغراض شعره لا تخرج عما عرفه عصر ازدهار الشعر العربي على العموم بالشرق والاندلس ، وعلى ذلك ستقسم شعره الى الاغراض الاتية : شعره فى المدح السياسي – الدعوة الى الجهاد الديني والقومي – المدح الديني – شعر الزهد – النسيب واخيرا الموشحات .

المدح السياسي :
شعر ابن المرحل فى هذا الموضوع لا يخرج عن الشعر العربي القديم فى مدح اولي الامر ونعتهم بحميد لخصال وثاقب الراي والغيرة على الدين والاناة والتبصر والحزن مما كان يلقي كامل الاستحسان من اولئك نظرا لحاجتهم فى ظروفهم تلك الى مثل هذا الاطراء ، وذا كان شعر اب المرحل فى هذا العرض اروع ما ترك فيما يبدو من حيث الاخيلة والسلاسة والعذوية فاننا مع الاسف لا نتوفر على ديوانه فى هذا الموضوع لانه مفقود ، وبين ايدينا قصيدة واحدة قالها يهنيء بها ولي العهد ابي مالك بفتح مراكش ، وهي قصيدة جميلة بما تضمنت من اخيلة واوصاف مشتقة من الطبيعة ودقة ملاحظة الشاعر فيما تناوله من جزئيات وتلميحات واشارات تاريخية الى جانب التشخيص الناطق المتحرك للصور التى خلقها وكونها . وابن المرحل كما سنرى فى هذه القصيدة يعود بنا الى شعراء عمالقة من شعراء العصر العباسي ويذكرنا بقصائد خالدة من قصائدهم ، فهو حين يمدح مهنئا بفتح مراكش بعد ان استخلصها المرينيون من الموحدين بقصيدته المدحية التى يقول فيها :

فتح تبسمت الاكوان عنه فما          رايت املح منه مبسما وفما
فتح كما فتح البستان زهرته           ورجع الطير فى فنانه نغما
فتح كما انشق صبح فى قميص دجا  وطرز الطير فى اردانه علما
سرعان ما يذكرنا برائعة ابي تمام فى فتح عمورية والتي يقول فيها :
فتح الفتوح تعالى ان يجيط به        نظم من الشعر او نثر من الخطب
فتح تفتح ابواب السماء له            وتبرز الارض فى الثوابها القشب
وما اقوى التشابه بين القصيدتين ادبيا وتاريخيا ، فالمستوى الادبي متماثل قوي فى كليهما اسلوبا ومعنى وكلاهما اتخذ البسيط اطارا لقصيدته . وتاريخيا نجد كلاهما امام ملك وحول موضوع يتعلق بالفتح والانتصار على الخصم .
وابن المرحل يقدر فنه ونفسه فلا يحط من مكانتهما فى مدحه ولا يظهر فى حالة استحداد او تلهف على التقرب فهو قريب او الى المال فهو الفقيه المتدين مربي الامير وانما نحس فيه الشاعر الملتزم لما قتضيه عمله من طاعة وتبعية ولكن عن اقتناع شخصي وصدق يقويهما حبه لفنه كشاعر . كما انه لا يبتذل او يبالغ بل نجد وصفه فى متبوعه يتسم بالاعتدال والمعقولية لا ينجز وارء العوانف الجامحة ولا تجمح به المبالغات .
ملك يصير بأدواء الامور له          راي نجيح وطب يذهب الالما
عدل الحكومة ماضي العزم معتدل   كالريح يمضي بعدل كلما عزما
واذا كان تأثير الشعر العباسي يطل من خلال القصيدة كدليل على ثقافته العربية فان آفاقه لا تقتصر على ذلك وحده ، وانما تدل على انه كان بصيرا بالشعر والادب فى وطنه حين يطل علينا بثقافته وخبرته وسعة حفظه من خلال قوله :
مولاي يهنيك ما اعطيت من ظفر      على عدى اصبحوا فى حيرة وعمى
وعن قريب الى يمناك مرجعهم        فلا يجازي امرؤ الا بما جرما
ابن المفر وخيل الله تطلبهم             لا يعصم الله منهم غير من رحما
الا يذكرنا الشطر الاول من البيت الاخير بشيء ؟ الا يذكرنا بقول الشريف الاصم من قصيدة امام عبد المومن يعارض هو بدوره بها ابا تمام :
ما للعدا جنة اوقى من الهرب         اين المفر وخيل الله فى الطلب
الى جانب التاثير القرآني والحديث النبوي والثقافة الاسلامية عامة فى باقي القصيدة وكم يؤلمنا ان يضيع ديوان من هذا القبيل وفى مستوى هذه الشاعرية .

الدعوة الى الجهاد :
غرض آخر يدخل ضمن الشعر السياسي والقومي ارتأينا افراده بباب خاص نظرا لمكانته الوطنية والقومية على النطاق الديني والسياسي ، وهو صنف من الكفاح الذى يستعمل الكلمة اداة لاثارة الهمم واستنفار المواطن للدفاع عن وطنه فى حدوده الضيقة او الفسيحة والتضامن لنصرة المسلمين اينما وجدوا ، وفى هذا النوع من الشعر يبدو لنا ابن المرحل ذلك المسلم الغيور على عقيدته ووطنه المتألم لما يصيب المسلمين والاسلام من مهانة ، الامر الذى يدفعه الى المساهمة ، بما تفرضه عليه المرحلة ، من واجب استصرخ المسؤولين واستنفار المجاهدين فى الاسواق والمساجد لانقاذ الاندلس واهلها وهي تتعرض لعدوان المسيحيين المتعصبين وهم يقتادون السكان الى مصيرهم المرعب محاولا اثارة الغيرة الدينية والقومية فى نفوس المغاربة ، ومن غيرهم للتطوع وانقاذ البلاد ؟ بمثل هذه الصرخات :
استنصر الدين بكم فاستقدموا       فانكم ان تسلموه يسلم
لا تسلموا الاسلام يا اخواننا        واسرجوا لنصره والجموا

لاذت بكم اندلس ناشدة              برحم الدين ونعم الرحم
وانظر الى هذا التاكيد التاريخي عن الوحدة الوطنية بين المغرب والاندلس وانظر الى هذا التقابل عند الشاعر يثير به الغيرة والحماس بعد ان :
استخلص الكفار منها مدنا           لكل ذي دين عليها ندم
قرطبة هي التى تبكي لها            مكة حزنا والصفا وزمزم
وحمص وهي اخت بغداد وما      ايامها الا صبا والحلم
تم هذا التذكير بما اوجب الله للمجاهدين بهذا النداء :
يا اهل هذه الارض ما اخركم      عنهم وانتم فى الامور احزم
تسابق الناس انى موطن           الاجر فيها وافر والمغنم
باعوا من الله الكريم انفسا          كريمة قفاض منها الحكم
دعاهم الله الى رحمته              وحيهم بين يديه يخدم
ولا شك ان داعي الوطنية ايضا كان ينطق ابن المرحل ، انه الوطن الذى فتح عينيه فيه وعاش فيه صباه صحبة اهله . وما اقوى الشبه بين ظروف المسلمين فى الاندلس والشاعر يلهب حماس المسلمين لانقاذ اخوانهم من مكر العدو بهم ، وحال العرب اليوم فى فلسطين والشاعر العربي المعاصر يثير الحمية الدينية او القومية فى نفوس اهلها واشقائها للجهاد فى سبيل اعادة الحق المغصوب ، وان الثقافة الاسلامية لتكاد تنطق من ثنايا الابيات وهو يصف المجاهدين بقوله :
اخرجه من بيته ايمانه                وحبه فى فعل ما يقدم
لم يثنه عن عزمه اهل ولا           مال ولا خوف نعيم يعدم
والله راض عنه والخلق له           يدعون مهما كبروا واحرموا
ثم وهو يشحذ عزيمتهم لملاقاة الموت بقوله :
حدوا لسلاح وانفروا وسارعوا     الى الذي من ربكم وعدتم
ان الالتزام مع قضايا العصر تتجلى فى شعره بأجلى صورها ، وتـأبى الصورة الا ان تكتمل ، ويأبى التاريخ الا ان يعيد نفسه حين تتوجه الدعوة الى قومية المعركة من اجل فلسطين فتجد آذانا صاغية من المغرب وهو يمد يد المساعدة ، وهم يستجيبون نصرخة المستنجد ونصرته ، مع قصيدة شاعرنا وهو يلهب حماس مواطنيه بالمغرب لنجدة اخوانه بالاندلس ، وكان القصيدة لم يمر عليها سبعمائة سنة ، وهي خصيصة الادب الخالد الذى لا بموت بعد ان يستنفذ اغراضه ، ويتجلى ما ذكرنا فى قصيدته التى تدعو الى اجابة استنجاد ابن الاحمر صاحب غرناطة بيعقوب المنصور على عدوه الاسبان والتى يقول فيها اثر استجابة يعقوب للطلب :
شهد الاله وانت يا ارض اشهدي   انا اجبنا صرخة المستنجد
لما دعا الداعي وردد فعلنا   قمنا لنصرته ولم نتردد
الى قوله :
الله يعلم اننا لم نعتقد           الا الجهاد ونصر دين محمد

المدح الديني :
يدخل ضمن هذا الغرض ما انشده ابن المرحل من قصائد فى مدح الرسول (ص) وذكر سيرته وشوق الى زيارة البقاع المقدسة التى تضم قبره الشريف وقد بلغ حب الشاعر فى هذا المضمار حدا دفعه الى تدبيج قصائد فى مدح مثال النعل النبوية ، والى وضع معشرات فى سيرته من يوم ولد الى يوم وفاته ، ولطابع الروحي الصوفي ، فى هذا الصنف من شعره جلي واضح ، وهو اغلب ما احتفظت لنا به الايام من شعره ، مما يؤكد ما ذهبنا اليه من انه ابن المرحلة الاخيرة من حياته ومن امثلثه فى ذلك وقد التزم روي الهمزة بدا وختاما هذه المعشرة التى يقول فيها :
حق البرايا بالثناء مضاعفا            نبي له فى الوحي كل ثناء
امام هدى صلى النبيون خلفه        وصلى عليه اهل كل سماء
ابا عنقاء المصطفى ان حقه          عظيم فكونوا اكرم العنقاء
اما كنتم من قبله فى شقاوة            فلولاه هل كنتم من السعداء
وفى معشرة اخرى يلتزم حرف التاء فى ميلاد الرسول (ص) فيقول :
تذكرت ميلاد الرسول محمد           فأمللته لا بل دمعي املت
تناسى فؤادي كل حب بحبه            كذاك تحيل الشمس ضوء الاهلة
تمنيت فى تلك المعالم خطوة           تسكن قلبا لي وتبرد غلة
ويستمر فى صنعته وتدفق طبعه فى بقية شعره من هذا النوع دون ان نحس تكلفا ، ومن ذلك قوله وقد استاق الى زيارة قبر النبي (ص) بعد ان بلغ عتيا ، ولكن صحته تحول بينه وبين رغبته ، ونلاحظ الصنعة بملاحظة اوائل الابيات مع اواخرها
امالي الى قبر النبي مبلغ             سلاما فقد افنى الزمان دمائي
اماني كانت لي زيارة قبره          وارضي روض يانع وسمائي
امال قناتي بعد حسن اعتدالها        زمان اراني النقص بعد نمائي
اماري مشيبي فى سني وقد رمى    فؤادي على قوسي فكيف رمائي
ولعل فكرة اداء الفريضة لم تراوده الا فى سنه المتقدمة تلك ، ورغم الصنعة الصارخة التى نلمسها فى ثنايا كل بيت او مقطوعة من هذا الغرض ، فان السلاسة التى يتميز بها وتمكنه من لغته يبعد اتهامه بالتكلف ، وكما سبق فقد بلغ به الشوق والتفاني الى مدح النعل النبوية وتقبيلها وانشاد قصائد فى شأنها اوردها المقري فى فتح المتعال فى مدح النعال وابن عبد الملك فى الذيل والتكملة بقول فى بعضها :
مثال لنعلي من احب حويته        وها انا فى بومي وليلي لائمة
اجر على راسي ووجهي اديمه    والثمه طورا وطورا الازمه
صبلة مشتاق ولوعة هائم          نعم انا مشتاق الفؤاد وهائمه
الا بأبي تمثال نعل محمد          لقد طاب حاذيه وقدس خازمه
ورغم هذا التطرق فى التعلق بالنعل ، فالاكيد انه انعكاس لما ضاع عليه من فرصة الفريضة الى قبر النبي (ص) ، ويؤكد ذلك ايضا ما جاء فى طائيته المشهورة فى نفس الموضوع حيث يقول :
رأيت مثال النعل نعل محمد       تملت ومالي غير ذلك اسفنط
الا بأبي ذاك المثال فانه           خيال حبيب والخيال له قسط
فان لا تكنها او تكنه فانه          اخوها اعتدالا مثل ما اعتدل المشط
ارى لثمه مثل التيمم مجزيا        فالثمه حتى اقول سينغط
وما هي الا لوعة وصبابة         بقلبي لها سقط وفى مدمعي سمط

لقد اصبح متيما مجنونا بهذا المثال كما ترى ولا اجد من اضعه مع شاعرنا فى هذا الميدان واقارنه به سوى الشاعر المصري البصيري صاحب البردة والهمزية فى المدح النبوي هذا الرجل الذى عاش نفس الفترة الزمنية التى عاشها شاعرنا.
هذا الاتجاه الروحي من ابن المرحل لا يخلو من باعث سياسي ، وهو يدخل ضمن الاتجاه الديني الاسلامي الذى نهجه المرينيون وتعصبوا له فى سياستهم الدفاعية عن الاسلام فى الاندلس والسير بحسب ما يأمر به القرآن والسنة فى اصولهما ، وهم بذلك يخالفون ويعارضون ما ذهب اليه سابقوهم الموحدون من اخذ بالراي واهتمام بالفروع ، كما يعود هذا الاتجاه ايضا من شاعرنا الى اهتمامات المرينيين فى احياء المراسم والاعياد والمناسبات الدينية الاسلامية واحتفائهم بها واستغلالهم لها كمناسبة لتشجيع الادباء على فنون القول ، وتتم سياسة بناء المساجد والمدارس التى انتشرت فى عصرهم ، كما يؤيدها ما كانوا يعقدونه من مباريات ومسابقات بين الطلبة والمثقفين فى مثل تلك المناسبات والتي كانوا يتراسونها مستمعين ، ويختمونها باجازة المتفوقين والمشاركين بمختلف الصلات التى كانوا يقدمونها لهم تشجيعا لهم وللثقافة فى ايامهم .
واذا كانت تنشئة ابن المرحل الدينية قد ساهمت بدورها فى طغيان هذا النهج الديني فى شعره فان اهتمامات السلاطين المرينيين وعنايتهم بمثل هذا الموضوع يقيمون له المهرجانات دفعت شاعرنا الى التمادي فى ذلك ترضية لسياسة الدولة من شاعر الدولة .
وفى الحلقة المقبلة بحول الله سنتحدث عن باقي الاغراض من شعر شاعرنا .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here