islamaumaroc

غسيل الملائكة

  دعوة الحق

158 العدد

يحتفل العصر النبوي بامثلة ايمانية عجيبة قد تدعو الى الاستغراب وتثير الدهشة ، ولكن هذه الدهشة تزول وهذا الاستغراب ينمحي تعدما يظهر للشخص المتعجب ان تلك الامثلة النادرة وليدة الايمان النافذ الى سفاف الافئدة وثمرة اليقين الذى يحقق المستحيل .
اي والله ان مفعول الايمان فى القلوب واثره فى النفوس يصنعان المعجزات ويجعلان من الشخوص المؤمنة نماذج حية للاقتداء وامثلة فريدة للاهتداء ، فهم ناس لا ككل الناس ، جديرون بكل تقدير ، خليقون بكل اكبار الانهم من المصطفين الاخيار الذين كان شعارهم فى الحياة : الايمان الحق والعمل الصالح تنفيذا لقول رب العالمين الذى وضح طريق الفلاح فى العالمين الدنيوي والاخروي : ( .. ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .. ).
- العصر : 2 ، 3 .
وحسبهم تسجيل اولويتهم من الايمان بالديانة الحنيفية التى تحقق لهم الفوز برضوان الله الاكبر الذي امتازوا به فكان لهم شرف الذكر فى القرآن العظيم الذى يبشرهم بالنعيم المقيم فى دار الخلود التى فيها ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر :
( والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار الذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ، واعد لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ابدا ، ذلك الفوز العظيم ) .
ولكن لم التعجب وتلك النماذج الفذة من المؤمنين من تلاميذ الدراسة المحمدية التى انتجت الصفوة من المسلمين والافذاذ من الرجال الذين كانوا عن جدارة اساتذة البشرية والهداة لاقوم ديانة .
انهم بحق السادة العباقرة نتاج الاسلام الصحيح العاملون بسنة رسول الله ، الطائعون له بصدق ، المقتدون به باخلاص فى مبادرات عملية كلها تضحيات ، اهلتهم لتأدية واجبات الدعوة لدين الله بنجاح منقطع النظير ، لان تأسيهم الاصيل برسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسر لهم كل عسير ، فثلوا عروش الاكاسرة والقياصرة ، ودحروا الجيوش الجرارة ، ونشروا الوية الديانة الاسلامية فى شتى بقاع المعمورة فى مدة نصف قرن بشهادات مؤرخي الغرب .
قد حققوا الاعاجيب والانتصارات ليس وبالسيوف وانما بالايمان العميق وبالاخلاق السامية المنبثقة عن القرآن وعن السنة ، فكان تفوقهم العجيب على انسان الجاهلية فى كل بقعة حلوا بها، وكان فتحهم الفريد فى التاريخ الذى " لم يكن فتحا للارض وكنوزها ، انما كان فتحا لقلوب ساكني الارض (1) " .
وما كان نجاح صحابة الرسول اساتذة الحياة وهداة العلم الا لكونهم من العاملين بديانة الاسلام فهم المنفذون لروحها ، المهتدون بنورها ، وهي التي صيغتهم وكونتهم وربتهم ، فكانت لهم صبغة الاسلام ، وكان لهم التكوين الصحيح ، وكانت لهم التربية السليمة التى تجعل صاحبها يطيع الله ويهدي الناس . وكانوا رضوان الله عليهم يتميزون بالرحمة ، هذا الخلق الكريم ، فلقد جعلتهم هذه الاخلاق الربانية رحماء بين الناس ، ناس الايمان بهذا الدين لانهم عباد الله ، الاخوان فى الله ، والاخوان فى الايمان ، وصبرتهم هذه الاخلاق الصالحة اشداء على الكفار لانهم عبيد الشيطان واخوان الشيطان المعارضون لدين الحق ، المتاولون لرسول الله ، المحاربون لعبودية الله ، فلله هم ! وما اعظمهم من ناس ! وما امثلهم من بشر ! وما اجمل تقدير الله لهم ! وما افضل تنويه القرآن بهم ! فلهم شهادته الخالدة ولهم اجرا الله العظيم : ( محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم ، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ..)
( .. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجرا عظيما ).
وانني كمسلم يقدر حواريي الرسول الاعظم وانصار الدين القيم ويحترمهم عظيم الاحترام الهمني ربي – خدمة لديني واعترافا بفضل تلك الزمرة المؤمنة على الانسانية التى تربت فى كنف التعثة النبوية وارتوت من مناهلها وورثت تعاليمها واهتدت بهديها – الى اختيار مثال مقتبس من خريجي مدرسة النبوة ، هذا النموذج الذى يصور لنا موقفا ايمانيا عجيبا لشاب وبمعيته شابة ، اختار كل منهما الايمان بهذا الدين بمحض اختيار لما تبين لهما انه الحق الصراج الذى يعل ولا يعلى عليه ، ولا اعتقد الا فيه ، ولا حياة تصح الا به . زعيم من زعماء الكفر وعدو لذوذ للاسلام ، اما الشابة المؤمنة فهي بنت رئيس المنافقين – عبد الله به ابي بن سلول – صاحب المواقف المشهورة فى النفاق ضد رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فسبحان الله مبدل الاحوال ومقلب القلوب القادر على كل شيء الذى يحول من الكفران الى الايمان ومن الشرك الى التوحيد ومن المعصية الى الطاعة ومن الشر الى الخير ومن الرذيلة الى الفضيلة . لقد هدى الله الفتى والفتاة الى الدين الحق ، بينما بقي ابواهما على كفرهما ومحاربتها للدين الجديد الى ان ماتا ونالا جزاءهما المحتوم ولقيا مصيرهما الرهيب فى جهنم :
(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب الجحيم ) .
وبتوفيق الله الذى جمع الشاب والشابة على صعيد دينه ، تشاء ارادته ان يجمع الزواج بينهما ، فيتزوج الفتى حنظلة بن زعيم الكفر بالفتاة جميلة بيت رئيس المنافقين .
وما كانت ليلة الزفاف التى نعد ليلة العمر لنشغل بال حنظلة لحظة من اللحظات او تحول دون تفكيره فى العمل لهذا الدين او تمنعه من تلبية نداء الواجب لرفع لواء الاسلام واعلاء كلمة الله حتى ولو اتى به الى التضحية بعمره .
وما توقعه حنظلة يحدث ، فلقد سمع نداء الجهاد يدعو لنصرة الدين ، فيرغب عن عروسه ويعرض عن الملذات ، ولا يعبأ الحفلات التى اقيمت بمناسبة يوم زفافه ، ويبادر للخروج الى ساحة الشرف وهو جنب فتلبية نداء الواجب انسته كل شيء الا الجهاد والاستشهاد فى سبيل الله .
ويخوض حنظلة غمار الحرب من اجل ملة الاسلام وضد ملة الكفر مساهمة منه مع اخوانه المؤمنين تحت امرة الرسول القائد فى غزوة احد ، فيقاتل بشجاعة نادرة الى ان استشهد ، وباستشهاده تحققت رغبته المرجوة فى نيل هذا الشرف العظيم من اجل الدعوة الى دين الله وفى سبيل لا اله الا الله محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم .
وبعد انقضاء المعركة يذهب المسلمون للقيام بمواراة جثث الشهداء فى الاجثاث ، ويحين دور جثة حنظلة ولكن يلاحظ بعض الصحابة على راسه ومحياه اثر البلل بالماء فيتعجبون من هذه الظاهرة الغريبة ويتوجهون توا الى رسول الله يخبرونه الخبر ويستفسرونه الامر ، فيجيبهم صلوات الله وسلامه عليه :
( اني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن ابي عامر بين السماء والارض بماء زمزم فى صحاف الفضة )(2).
حدث وحيد عن شهيد فريد فى العهد النبوي من التاريخ الاسلامي لم يقع لغير حنظلة غسيل الملائكة الذى آثر لذة الواجب الباقية على لذة الشهوة الفانية .
انه حدث عجيب عن ايمان صحابي من صحابة رسول الله الشباب الذين بذلوا كل شيء وضحوا بكل نفيس من اجل الاسلام العظيم .
لقد كان صحابة الرسول الاعظم من خبرة الشباب الذين قدموا اروع الامثلة فى المواقف الايمانية التى بفضلها ركزوا دعائم الدين الجديد فانتشر فى بقاع العالم ينشر الهداية الاسلامية السعادة الحقيقية .
لقد كانوا نواة اسلامية صالحة خالصة لاصلاح الانسانية ، انتجتهم مدرسة النبوة اول جامعة ناجحة فريدة فى التاريخ ، كونت الممتازين من القادة ، وخرجت الناجحين من الرادة ، وانتجت  الافذاذ من الرجال الموفقين فى الحياة المكونين للافذاذ من الاجيال شباب الاسلام الصالح عدة الامة الاسلامية واعمدة نهضتها المباركة وحضارتها الخالدة .
فهلا استفدنا من دروسهم فى التفاني من اجل المبدا الخالد وفى التمسك بالدين الحق؟.

(1) عن كتاب (دراسات اسلامية ) للشهيد سيد قطب ، صفحة : 46 .
(2) انظر ( شهداء الاسلام فى عصر النبوة ) للدكتور علي سامي النشار، صفحة : 73 ، 74 ، 75 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here