islamaumaroc

صور من بطولة العلماء بالأندلس

  دعوة الحق

158 العدد

العلماء ورثة الانبياء فى اقامة الحق واقرار العدل ومقاومة الباطل والدفاع عن المظلومين والحفاظ على الشريعة فى الدولة المجتمع والعلماء بحكم رسالتهم تقاة فى السر والعلانية لانهم اعرف الناس بربهم واكثرهم خشية له وحياء منه على رضاه واتقاء لسخطه ، وبذلك استطاعوا ان يتحرروا من الخوف من غير الله ذلك الخوف الذى اذل رقابا ومرغ جباها لان منه تتبع مواقف الذل والخزي والتملق والتراجع عن الحق ومشابعة الظلم وتبرير الباطل واطراء الفساد ، ولنا فى تاريخنا الطويل كثيرة وكبيرة جدا من نماذج هؤلاء العلماء الافذاذ الذين وعوا رسالتهم وادركوا مسؤوليتهم وتحملوا عبئها بأمانة وتواضع ووقفوا مواقف تلحقهم بركب موروثيهم من الانبياء والرسل ، ومتى كانوا فى هذا المستوى ادرك منهم الناس صدقهم واخلاصهم فارعوا الى الاقتداء بهم والانصياع لقيادتهم والسمع اكلمتهم والتجارب معهم ، هابهم الحكام واستقاموا على الطريقة المثلى حبا فيهم او اتقاء لمعارضتهم ، وتبلغ الامة ذروة المجد والقوة عندما يتلاقى العالم والامير على الحق ويتفاهمون على الخير ويتعاونون على البر . كان العلماء منذ اوائل الفتوحات الاسلامية فى مقدمة الجيوش الفاتحة يحملون السيف ويبثون العلم ويحرصون على الشهادة مخلفين وراءهم كل عزيز وغال وقد ظفرت الاندلس منذ فجرها بعلماء افذاذ اعزوا العلم فاعزهم وضربوا المثل بسيرتهم وجهادهم وصراحتهم فى الحق ولو ان بعضهم خان الامانة واغرته المناصب وبطانة الاهواء وعثرت به النزوات وفقد حريته فى التعبير عما يعتقد وصيب بالوهن اي حب الدنيا وكراهية الموت فقد بذلك احترام الناس له وعرض نفسه للسخرية والسخط !! مما خلف فراغا فى القيادة الاسلامية واسرع بالاندلس الى حياة الفوضى والاضطراب وهوى بها الى مصير خطير . وفى الاندلس من هذا الصنف ومن ذاك !! ولم يغفل التاريخ ولا الادب ايا من الصنفين !! ويجب فى هذه المجالة ان نقدم لشبابنا صورا من الصنف البطولي الذى يمثل العلم والعلماء حق التمثيل . فمن هؤلاء شيخ الاندلس فى الحديث ابو علي الصدفي وهو من جلة العلماء الذين ندبوا انفسهم للمعرفة تعلما وتعليما فارتحل الى المشرق واستزادة للعلم وحيا فى المعرفة ونال منه حظوة كبيرة ثم عاد الى بلده فاحبه الناس وقدره المرابطون وارادوا استاذ ولاية القضاء له بمرسية وارغموه على قبولها ففر بنفسه الى المرة وبقي بها مدة قليلة حتى اكتشف امره فولوه القضاء على كره منه فلم يلبث فيه سوى سنة واشهر يختفي بنفسه فرارا من تحمل هذه المسؤولية وحبا فى الحياة العلمية الحرة .

وكان ابو اسحاق ابراهيم بن يوسف بن تاشفين والي مرسية وبلنسية يجل ابا علي ويحرص على ان يكون تلميذا له رغم اعباء الجهاد المتواصل غير انه احب ان يمشي ابو علي اليه فياخذ عنه فى قصره دون ان يبدل ما يبدله طلاب العلم من زيارة الشيخ فى بيته ولكن رغبة الامير اداها رسوله الى الشيخ فى عبارة مؤدية مغلفة . قال الرسول الوزير لابي علي :
" ان الامير ابا اسحاق يريد ان يسمع عليك الحديث " – يعرض له بالمشي اليه – فأجابه الشيخ " لهذا جلست "! اي فليات بنفسه الي .. فكرر ذلك عليه فاجاب الشيخ بنفس الجواب واخيرا عرض الوزير عليه حلا وسطا ، ان يتبادل الشيخ الامير الزيارة فياتي الشيخ مرة وياتي الامير لمنزله اخرى فاسعفه الشيخ على شرط الا يمشي اليه . الا بعد ان يفرغ من درسه مع طلابه واصحابه ويقوم من مجلسه . وهكذا يؤثر الشيخ طلاب العلم على الامير مشعرا اياه بجلال العلم وعزة العلماء وكرامتهم ، وهذا موقف آخر من الشجاعة يضاف الى رفضه القضاء واستخفائه بعد الالحاح عليه . ويشبه موقفه هذا بموقف امام المحدثين البخاري الذى ارسل اليه الامير خالد بن احمد الذهلي والي بخارى : " ان احمل الي كتابي الجامع والتاريخ وغيرهما لاسمع منك " فقال البخاري لرسوله : " انا لا اذل العلم فان كانت لك الى شيء منه حاجة فاحضر فى المسجد او داري وان لم يعجبك هذا فانت سلطان فامنعني من المجلس او فى داري وان لم يعجبك هذا فانت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة لاني لا اكتم العلم .. "
وكانت حياة الشيخ الصدفي متداولة بين رحاب العلم وساحة الجهاد ولم يكن تلامذته واصحابه سوى رفقاء نضال وطلاب شهادة .
وذات نوم نادى المنادي على الجهاد وخرج الامير ابراهيم فى جموع غفيرة من الجند النضالي ومن المتطوعين الذين كان العلماء فى مقدمتهم والتقوا مع العدو المسيحي فى " كتندة " وانهزم جيش المسلمين شر هزيمة لسبب تخاذل الجند المنظم الذى لم يقتل منه احد لفراره من المعركة فى حين استشهد نحو عشرين الفا من المطوعة وكان من بينهم ابو علي الصدفي وذلك يوم الخميس الثامن او التاسع عشر من ربيع الاول سنة 514 ه ، ونجا منها عالم المغرب ابو بكر بن العربي المعارفي كما استشهد فيها العالم الصالح الزاهد ابو عبد الله ابن الفراء وكان سعد بلقاء ابي علي الصدفي فى بلدته بالمرية وتوثقت الصلة بينهما.
وابو عبد الله هذا من العلماء الذين كانوا يمتازون بشجاعة وجراة فى الحق . ومما سجل له التاريخ زيادة على شجاعته وحضوره معارك المغرب والاندلس وسند الاسلام فى هذه الربوع . الجهاد موقفا اجابه به يوسف بن تاشفين
فمن المعلوم ان المرابطين دخلوا الاندلس بطلب هؤلاء العلماء للتخلص من تلك الطغمة الفاسدة التي تفرقت طوائف واجزايا واثاروا الفتن بين المسلمين واهملوا شؤون الثغور وامكنوا للعدو من بلادهم واصبحوا لا هم لهم الا التآمر على بعضهم وهم يؤدون الجزية لعدوهم ولا يتقاعسون عن اعانته وتقويته وقد يتنازلون له عن ارض المسلمين وحصونهم ولذا كان استدعاء المرابطين للمرة الثانية بهدف القضاء عليهم ، وتطهير الاندلس من عبثهم وتوحيد المسلمين للحفاظ على بلادهم والدفاع عنها . وقد اتخذ يوسف بن تاشفين عدة اجراءات غداة توليه مسؤولية الاندلس وكان منها تخليص الاندلسيين مما فرض عليهم من ضرائب ظالمة لكنه فى نفس الوقت كان يحتاج الى المال لتجهيز الجيش ومواصلة الجهاد فكان يكتب الى بلدان الاندلس فيما يكتب ، يطلب منهم المعونة ولكنه ما كان يقدم على ذلك الا بعد استفتاء جميع العلماء والقضاة ومنهم ابو عبد الله  بن الفراء الذي تأخر عنه بجوابه حتى كاتبه مرة ثانية.
فلما اجابه قال :
" فما ذكره امير المسلمين من اقتضاء المعونة وتأخري عن ذلك ، وان الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والاندلس افتوا بأن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اقتضاها ، وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه فى قبره ، ولا يشك فى عدله ، فليس امير المسلمين بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بضجيعه فى قبره ، ولا من لا يشك فى عدله ، فان كان الفقهاء والقضاة انزلوك بمنزلته فى العدل فالله تعالى سائلهم عن تقلدهم فيك ، وما اقتضاها عمر رضي الله عنه حتى دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف ان ليس عنده درهم واحد فى بيت مال المسلمين ينفقه عليهم ، فتدخل المسجد الجامع هناك بحضرة من اهل العلم وتحلف ان ليس عندك درهم واحد ولا فى بيت ما المسلمين ، وحينئذ تستوجب ذلك والسلام ".
وان كان موقف هذا العالم يتسم بالصراحة والشجاعة والتحري فان مما يجب تسجيله فى صحيفة المرابطين موقف امير المسلمين يوسف الذى لم يغضب لهذا الجواب ولم يبطش بصاحبه مثلما فعل غيره من الحكام بمن جابههم بالحق والصدق من العلماء ، وللمرابطين مواقف عظيمة من هذا النوع الذى يدل على سعة صدورهم وخوفهم من الله .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here