islamaumaroc

الإسلام والتأميم -11-: التأميم ونزع الملكية في الشرع الإسلامي

  دعوة الحق

158 العدد

حين نذهب الى ان التأميم غير معروف وغير مقبول فى الاسلام ، فليس ذلك بدافع " تنويم التطلع المشروع الى تغيير الواقع الاستعماري ورواسيه " ، كما ذهب احد المحترفين للصحافة ، فى جريدة مغربية تخصص صفحة اسبوعية للتعريف بقضايا الاسلام والمسلمين ، ولكن لايماننا بان الاسلام نظام كامل للحياة ، لا صلة له بالنظريات والمفاهيم الحديثة ، سواء كانت اشتراكية او راسمالية .
وعلى هذا الاساس وحده ندرس موقف الاسلام من التاميم ، وهو الاساس الذى اقضى بنا الى القول بان التاميم بتناقض مع التأميم حين يعني القضاء على ملكيات شخصية ، اكتسبها اصحابها بالطرق الحلال ، بقصد اقامة نمط جديد للملكية ، يزعم اصحابه انه حثمية تاريخية . فهذا النمط الجديد للملكية ليس الا بديلا جاهليا " للملكية الاسلامية " ، وسيطرة من السلطة الفعلية فى الدولة على موارد الثروة وادارتها وتوزيعها ، مما يعني استحالة تطبيق الركن الثالث من اركان الاسلام، وهو الزكاة ، وبالتالي استحالة تطبيق الشرع الاسلامي .
وستلقي الآن بعض الاضواء على نزع الملكية فى القانون الاسلامي والقوانين الوضعية ، فنبين بعض ما بينهما من فروق واختلافات ، يجهلها كثير من دعاة التأميم وانصاره فى المنطقة الاسلامية ، لنقارن بعد ذلك بين الحالات التي يجيز فيها الشرع الاسلامي نزع الملكية ، وبين التأميم ونزع الملكية كما تنتظمهما القوانين الوضعية .
                                      - * -
نزع الملكية بين القانون الاسلامي والقوانين الوضعية
بعض انصار التأميم ، لاسيما من لهم المام بالفقه الاسلامي او بالدراسات الاسلامية المعاصرة ، يذهبون نزع الملكية لمصلحة خصوصية او عمومية . والواقع ، ان التسليم بهذه النظرية ، ولو كان بغض النظر عن الاعتراضات الاساسية الاخرى التى تعرضنا لها من قبل ، لا يعتمد على اي اساس صحيح ، ولا يؤدي اليه سوى الاعتداد بمبدا نزع الملكية ، دون اعتبار لطبيعة النزع ، واسبابه ، وحدوده ، واهدافه، وآثاره .
فأصحاب هذا الرأي لا ينتبهون بالمرة الى ان الشرع الاسلامي والقوانين الوضعية ، وان كانت تتفق على اقرار مبدا نزع الملكية ، فانها مع ذلك تختلف فيما بينها اختلافا جذريا ، لا يمكن ان يقارن الا بمقدار الاختلاف القائم بين الاسلام والاشتراكية والرسمالية .
ومن الواضح ، ان التغاضي عن هذا الاختلاف ، بالاضافة الى انه يخدم الاشتراكية والراسمالية .
ومن الواضح ، ان التغاضي عن هذا الاختلاف ، بالاضافة الى انه يخدم الاشتراكية او الراسمالية وليس الاسلام ، جعل انصار هذا الرأي يختلفون فيما بينهم حول قضية التعويض ، فذهب بعضهم الى وجوب التعويض العادل حتى لا تكون عملية التأميم او نزع الملكية عملية غصب ، وذهب آخرون الى عدم وجوب التعويض مبدئيا ، وهذا ما سنعود اليه فى مقال مستقل ان شاء الله .

نزع الملكية فى القوانين الوضعية
فالراسمالية المعاصرة بأخذ بشعار نزع الملكية للمصلحة العمومية ، الذى ينصب على العقارات وحدها ، وفى حالات محدودة جدا ، بعد ان كانت لقرون خلت لا ترى اية مشروعية فى نزع الملكية العقارية لاي فرد من الافراد ، لوجود مصلحة عمومية فى ذلك .
على ان نزع الملكية فى قوانين البلاد الرسمالية ، وان كان يقترن بالمصلحة العامة ، فانه ليس له منها فى غالب الاحيان سوى الاسم . وهذه نقطة خلاف كبيرة بين هذه القوانين والقانون الاسلامي الذى يمتد فيه النزع الى المنقولات والعقارات معا ، ويقف بالنسبة لهما عند حدود لا تقف عندها تلك القوانين ، ومنها عدم النزع بقصد توفير اماكن الترفيه واللهو للمواطنين المحظوظين او اللسائحين الاجانب .
واما الاشتراكية ، وهي من ناحية العملية تستوعب ما يسمى اليوم بالتجارب الشيوعية ، فتأخذ بنزع الملكية تأسيسا على اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية ، يمكن جمعها تحت شعار احداث المساواة الاقتصادية بين الناس بواسطة التأميم ، وهو نقل ملكية العقارات والمنقولات من القطاع الخاص الى القطاع العام.
واذا كان التأميم في جوهره ، نزع للملكية ، لا يثير اي التباس على الصعيد قوانين البلاد الاشتراكية ، ما دامت هذه القوانين تبرره باحداث مساواة اقتصادية بين افراد المجتمع ، فان ذلك يشكل بداية خلاف كبير بين هذه القوانين والقانون الاسلامي ، الذي يحمي تفاوت الناس فى الثروات والارزاق ويحقق العدل الاقتصادي بينهم بطريقة أخرى غير طريقة المساواة الجبرية .
على ان الاختلاف بين الراسمالية والشتراكية لا يمنع من القول بان دولة  راسمالية كفرنسا قد اخذت بالاسلوبين معا ، وبان القانون الفرنسي تبعا لذلك ، وكذا الفقهاء الفرنسيون ، يميزون بين التأميم ونزع الملكية للمصلحة العمومية المنصب على العقارات وحدها . لكن هذا التمييز يكاد ينعدم بالنسبة لكثير من الكتاب المنتسبين للاسلام ، وغم ان بلادهم تأخذ بالاسلوبين معا على الطريقة الفرنسية.
وعلى غرار ذلك لا يميزون بين نزع الملكية والتأميم اللذين تنتظمهما القوانين الوضعية ، ونزع الملكية فى الشرع الاسلامي ، رغم ان الاخذ بالاسلوب الراسمالي ، او بالاسلوب الاشتراكي ، او بهما معا ، يقتضي احداث تشريع يخالف التشريع الاسلامي من حيث المبدا والوسائل والغايات .

نزع الملكية فى الشرع الاسلامي
فبالرجوع الى القرآن الكريم ، نجد الله عز وجل يحذر المؤمنين من ان يأكلوا اموالهم بينهم بالباطل ، وبأمرهم بالتزام مبدا التراضي فى تجارتهم ومعاملاتهم ، وبعدم خرق نظام التفاوت الذى يقيمه الاسلام فى حياتهم .
كما ان الرسول عليه الصلاة والسلام ، ذكر المسلمين فى حجة الواداع بأن المسلم اخ للمسلم ، وانه لا يحل لامريء من اخيه الا ما اعطاه عن طيب نفس منه ، وبأن دماءهم وأموالهم حرام عليهم ..
فهل ينطبق هذا التحريم على الدولة كانطباقه على اي فرد ؟ .. الحقيقة ان التحريم ينطبق على الدولة مثلما ينطبق على الفرد . فاذا كان من المحرم عل اي فرد ان ينزع جزءا من ثروة فرد آخر بحجة المساواة معه ، فانه من المحرم على الدولة ايضا ان تنزع من الافراد المالكين ثرواتهم وارزاقهم بحجة اقامة المساواة بين افراد المجتمع ، فالله فضل بعض الناس على بعض فى الرزق ، وجعل بعضهم لبعض سخريا ، وفرض عليهم جميعا التزام قواعد الشرع كافراد وكدولة .

ومن هنا يتضح ان نزع الملكية بقصد احداث المساواة الاقتصادية بين الناس بدعة ما انزل الله بها من سلطان ، وليس له اي سند فى الاستثناءات التى أباحها الشرع لصالح الفرد كحق الشفعة او لصالح الجماعة كاجبار المحتكر على البيع .
وما يغفله الكثيرون ، هو ان هذه الاستنثاءات تتقلص كلما كان الامتتال للشرع اكثر ، وتتكاثر كلما نقص الامتثال لاوامر الشرع ونواهيه . ولهذا السبب ، ورغم الانحراف الكبير فى الحياة السياسية للمسلمين ، لا نجد فى التاريخ الاسلامي امثلة لنزع الملكية غير هذه الاستثناءات .
وقد فسر الدكتور عبد الحميد متولي هذه الظاهرة بافتاء العلماء المسلمين فى بعض العصور بعدم جواز نزع ملكية الارض خشية ان يعمد الحكام الى نزع ملكية الافراد باسم الصالح العام ، فى حين انهم يخفون وراء ذلك بعض الاهواء والنزعات الاستبدادية ، كما حدث فىعهد حكم الظاهر بيبرس (2) .
لكن هذا التفسير اساسه الخلط بين نزع الملكية الذى عارضه اولئك العلماء ، والمتعلق بأراضي الاوقاف وحدها ، وبين نزع الملكية كما تنتظمه القوانين والمفاهيم العصرية . والظاهر ان الدكتور متولي يشير الى العلماء الذين تزعمهم الامام النووي الذى عاصر حكم الظاهر بيبرس . وافتاء هؤلاء العلماء بعدم جواز نزع الاراضي من الناس ، يرتكز على اسس سليمة لا مجال لانكارها ، ولم يكن خشية استبداد الحكام او استغلالهم للمصلحة العمومية ، لان اكثرهم طغيانا لم يجرا على نزع ملكية اي فرد دون مبرر شرعي او فتوى شرعية . لولا كون تلك الاراضي اراضي أوقاف ، لما حاول اولئك الحكام رد تلك الاراضي الى وضعيتها الاصلية .

الخلط بين اسلوبي النزع
والواقع ان خلط الدكتور متولي بين أسلوب النزع الاسلامي واسلوب النزع كما تعرفه القوانين الوضعية ، يرجع الى توفره على ثقافة قانونية وضعية ، حاول ان يخترق بها حرمة الفقه الاسلامي المصونة .
فهو يرى انه كان من الاوفق ، بدلا من منع نزع الملكية خشية استبداد الحكام ، تنظيم مسألة نزع الملكية عن طريق تشريع يتضمن من الضمانات ما يحول دون اساءة استعمال السلطة او العبث او العسف من جانب الحكام ، وهذا ما تراعيه التشريعات الحديثة (3).
ويتجلى من هذا ان الاستاذ متولي لا يرى اي فرق بين الملكية الاسلامية من جهة ، والملكية الراسمالية والملكية الاشتراكية اللتين تنتظمهما التشريعات الحديثة من حهة اخرى ، رغم انها تختلف عنها من حيث مصدرها ، ومن حيث موضوعها ومن حيث غايتها ، ومن حيث شروط نزعها من اصحابها . كما غاب عنه ، انه تبعا لذلك ، لم يكن يحق لاولئك العلماء ، ولا لمن يأتي بعدهم ، ان ينظموا مسالة نزع الملكية بتشريع جديد على نسق التشريعات الحديثة .
اما اساءة استعمال السلطة ، والعبث ، والعسف من جانب الحكام ، التى ظن الدكتور منولي انه وجد فيها مبررا للاقتداء بالتشريعات الحديثة ، فليس لها من دواء يشفي سوى اخضاع هؤلاء الحكام لاوامر الشرع ونواهيه ، وهو ما توفق فيه اولئك العلماء، واستطاعوا به ان يحققوا عدول اولئك الحكام عما كانوا يرمون اليه .
واذا كانت فتوى اولئك العلماء ترتكز على نصوص شرعية صريحة وقاطعة تمنع نزع الملكية من الافراد دون حق شرعي ، فان الامر يختلف بالنسبة لما أفتى به بعض العلماء من قفل باب الاجتهاد ، فهذه الفتوى الاخيرة لا ترتكز على اي نص . ويبدو ان الدكتور متولي اغفل هذه الحقيقة ، حين ذهب الى ان فتوى بعض العلماء بمنع نزع الملكية تعيد الى الذاكرة ذكرى تلك الفتوى غير الموفقع التى افتى بها الفقهاء فى أواخر القرن الرابع الهجري من قفل باب الاجتهاد كعلاج لما ساد من فوضى وفساد فى ذلك الزمان . فهؤلاء الفقهاء ، فى نظره ، عالجوا الداء بدواء اشد ضررا من الدواء ، اذ ان اليد التى تمتد الى قفل باب الاجتهاد ، اي طريق التطور وجه اي شريعة من الشرائع انما تفتح امامها فى الوقت ذاته باب الاحتضار او بالاقل طريق الانهيار (4).
فليس هناك اذن ما يبرر المماتلة بين فتوى تستند على نصوص شرعية تمنع نزع الملكية الا فى حالات محصورة ، وبين فتوى اخرى تقفل باب الاجتهاد دون ان تستند على اي نص يجيز اقفاله، ومع ذلك فان السبب الذى دفع بفقهاء ذلك الزمان الى سد هذا الباب الذى اراد ان يدخله البعض بغير حق كما يريد ان يدخله البعض اليوم ، يتجلى فى انه تصدى للافتاء والاجتهاد من لم يصل الى مرتبة الفقهاء والمجتهدين .
وما من شك فى ان تلك الفتوى التى وجدت ججيتها فى قيام اجماع عليها ، قد جنبت المسلمين مزالق خطيرة الى ان يستطيعوا انجاب مجتهدين اكفاء يستطيعون مواصلة الطريق الذى وقف عنده الاجتهاد السليم .
وبالطبع ليست هناك فى الوقت الحاضر ، تجربة اسلامية بالمعنى الصحيح ، يمكن لبعض المسلمين ان يصلوا عبرها الى مرحلة الاجتهاد ، الذى اغلق بابه بحق فى وجه كل من سحقته الثقافات الجاهلية قديما وحديثا ، وصار يحنكم الى الطاغوت بدل الاحتكام لشريعة الله عز وجل .
ان فتح باب الاجتهاد على مصراعيه ، كما يريد الدكتور متولي ، مشروط باجابة اسلامية حقيقية على هذه الاسئلة : لمن تخول صفة المجتهد ، هل لرجل الشرع الاسلامي ، الملتزم لقواعده ، الملم بكل جوانبه ، او المتخصص فى احداها ؟ ام لذلك الاقتصادي المتخصص الذى درس فى جامعات اوربا وامريكا وروسيا وسحقته ثقافاتها ؟ ام لرجل القانون الدستوري والانظمة السياسية الذى يرى فى التشريعات الحديثة القدوة الحسنة ، ولا يرى بأسا بالاشتراكية العربية ؟!.
ان جواب الدكتور متولي على هذه الاسئلة ، نجده واضحا فى قوله : " ان المساس بحق الملكية عن طريق تأميمها او نزعها انما يتصل فى المقام الاول باعتبارات اقتصادية ، وفى المقام الثاني باعتبارات سياسية واجتماعية ، ولذلك فمن الواجب الرجوع اولا الى آراء رجال الاقتصاد (5).
فالقضية اذن اقتصادية بحثة ، وعلى النمط العصري ، ولا يحق بعد ذلك للامام النووي ولا لغيره من العلماء المسلمين ، ما دام المرجع الاول هم رجال الاقتصاد الذين تربوا فى احضان الجاهلية المعاصرة ، ان يفتوا بعدم جواز نزع الملكية فى الشرع الاسلامي استنادا على الاعتبارات الشرعية وحدها . ويمكن تبعا لذلك ، ان يسن رجال القانون ، وفقا لرغبات الحكام ، واهواء السياسيين ، تشريعا لنزع الملكية وفقا لما تراعيه التشريعات الحديثة !!
                                      - * -

حالات نزع الملكية فى الشرع الاسلامي
لقد حاولنا ، لحد الآن ، تحليل فكرة نزع الملكية فى الشرع الاسلامي والقوانين الوضعية على ضوء المباديء العامة ، وسنحاول مواصلة هذا التحليل من زاوية اخرى ، نتبين منها ان نزع الملكية فى ظل القانون الاسلامي ، انما يتم فى حالات استثنائية ، لا يصح جعلها قاعدة عامة ، بناء على الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التى تأخذ بها بعض التجارب المعاصرة .
ولا نريد ان نكرر من جديد ما سبق ان بيناه عند عرضنا للخطوط العامة لنزع الملكية فى الشرع الاسلامي ، فمن المسلم به ان الرضى هو اساس جميع المعاملات فى المجتمع الاسلامي ، وانه استثناء يصح انتزاع الملكية من اصحابها ، بموجب نص شرعي ، او لضرورة خاصة او عامة .
هذه الحقائق لا يستطيع ان ينكرها من له المام بالشرع الاسلامي ، لكن البعض ، ممن استهوتهم النظريات والمفاهيم الحديثة ، ينطلقون من عدم توفر رضى اصحاب الملكية فى حالات نزع الملكية المباحة شرعا ، للقول بجواز انتزاع الملكية من المالكين بوصفهم طبقة مالكة .

شبهة انعدام الرضى
على ان الاحتجاج بعدم توفر عنصر الرضى فى تلك الاستثناءات ، وهو يعني اجازة التأميم دون قيد ولا شرط ، لا ينبت امام التحليل ، رغم ما بذله الدكتور السباعي من جهد جهيد :  " بقي ان يقال ان نصوص الشريعة قاضية باحترام الملكية الشخصية ، وانه لا يجوز اخذ المال الا برضى من صاحبه ، والتأميم انتزاع للملكية بغير رضى صاحبها ، وجوابنا على ذلك ان تلك النصوص ليست على اطلاقها باجماع الفقهاء ، فما فعله الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثم عمر والخلفاء من بعده من حمى بعض الاراضي هو انتزاع للحق من اصحابه بغير رضاهم ، وجواز اخذ الطعام عند الحاجة ممن ليس محتاجا اليه ، هو اخذ للمال من غير رضى صاحبه ، واجبار المحتكر على بيع ما اكتكره وبيعه عليه اذا ابى ، هو انتزاع للمال من غير رضى صاحبه ، وبع القاضي ما المدين سداد لديون الغرماء – على رأي جمهور الفقهاء – هو انتزاع للمال من غير رضى صاحبه ، واخذ الشريك ما باعه شريكه من عقار مشترك بينهما بحق الشفعة هو انتزاع للمال من غير رضى صاحبه ، والاستملاك للمنفعة العامة كما تفعل البلديات اليوم وهو جائز فى الشريعة ، انتزاع للمال من غير رضى صاحبه ، وامثال هذا كثير فى بالفقه الاسلامي " (6) .
والملاحظ ان الدكتور السباعي لم ينكر عدم جواز الملكية بدون رضى صاحبها ، اذ يقول بأن النصوص القاضية باحترام الملكية الشخصية " ليست على اطلاقها باجماع الفقهاء " . فالحمى ، واخذ الطعام عند اطلاقها باجماع الفقهاء " . فالحمى ، واخذ الطعام عند الضرورة ، واجبار المحتكر على البيع ، وبيع القاضي لمال المدين سداد للديون ، وحق الشفعة ، وحق الدولة فى النزع لضرورة عامة ، كلها استثناءات على تلك القاعدة الاساسية ، لا يتوفر فيها رضى صاحب الملكية ، لكن الدكتور السباعي رحمه الله ، لم ينتبه الى انها رغم ذلك لا تبرر التأميم ، وليس فيها ما يجيزه لسببين :
الاول : انها كلها تحفظ حقوق الاغيار بصفتهم الفردية ، وتهم ، من حيث النزع ، اشخاصا معينين ، لم يراعوا قاعد الشرع ، او لا يمنحهم هذا الشرع حق الافضلية ، وليس المالكين كفئة مالكة . ودليلنا على ذلك ان تلك الاستثناءات لا تهضم حقوق المالك الاصلي ، ولا تقضي عليها لفائدة المجموع كما يقصد اليوم من التأميم .
والثاني : انه بالاضافة الى اعترافه بعدم جواز النزع الا فى حالات استثنائية ، يضيف الى كل ذلك ، اشتراطه للتعويض العادل ، وهذا ما ينفي عن " نزع الملكية " الذى يدعو له ، طابع التأميم بالمفهوم الاشتراكي ، ويجعله بيعا اجباريا . والبيع الاجباري ، كما سترى فيما بعد ، يخضع لقواعد اخرى ، لا يمكن اخضاع التأميم لها .
والى جانب ذلك كله ، فالدكتور السباعي يخلط بين نزع الملكية لصالح الفرد ، وبين نزعها لصالح الجماعة ، رغم ان نزع الملكية لصالح الفرد ، ليس الا حماية للتملك الخاص من اي عدوان عليه ، ورغم ان كل حماية من هذا النوع ، هي رفض صريح للتأميم !

نزع الملكية لصالح الفرد
فأخذ الطعام عنوة عند الضرورة ، وبيع القاضي لاموال المدين سدادا لديونه ، وحق الشفعة ، وما يماثل ذلك ، كلها ، وان لم يتوفر فيها عنصر الرضى ، لا تصلح اساسا او سندا لتعميم مبدا نزع الملكية ، او للتأميم .

- اخذ الطعام عنوة عند الضرورة
وينبغي التمييز بادئ ذي بدء بين اخذ الطعام عنوة لفائدة شخص ، واخذه لفائدة جماعة . فعلى الصعيد الفردي ، ليس هناك خلاف بين العلماء المسلمين فى جواز اخذ الطعام عند الحاجة ممن ليس محتاجا اليه . لكن هذا وضع شاذ ، لانه يتعلق بفرد معين ، او بافراد معينين ، لحقهم الجوع دون ان يجدوا ما يدفعونه به . والمضطر فى هذه الحالة ، يجب ان يؤدي ثمن ما أخذه ، فان لم يكن عنده فهو مدين به . ومع ذلك ينبغي الا يغيب عن البال ، ان  الاسلام يحتم على اتباعه اطعام الجائعين ، انه من المستبعد جدا وجود من يمتنع عن اطعام الجائع فى مجتمع اسلامي ملتزم .
اما اذا تعلق الامر بمجاعة ، وهذا امر يهم الجماعة المسلمة ككل ، فان الاسلام يحول لولي الامر حق تكليف الاغنياء بالفقراء بحسب طاقاتهم . وهذا الحل يبين حقيقتين : الاولى ان الشرع الاسلامي لا يحدد الملكية ، والثانية ان علاج الازمة العارضة لا يكون فى الاسلام عن طريق نزع الملكية .
فالحاجة الى الطعام والفقر بصفة عامة ، وجدت فى عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، وفى عهد خلفائه الراشدين ، ومع ذلك لم يتم نزع ما لدى الاغنياء من ثروات وارزاق بحجة اطعام الفقراء ، او بحجة احداث المساواة الاقتصادية ، وانما اتخذت تدابير مؤقتة ليست بالنزع ولا بالتأميم . وليس هناك احسن وافضل من الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وما بعد الهدى الا الضلال !

- بيع القاضي لاموال المدين
ويبدو الوهن جليا فى الاحتجاج ببيع القاضي لاموال المدين سدادا لديونه ، على جواز نزع الملكية من صاحبها بغير رضاه . فمديونية المدين نتجت عن اخذ مال غيره ، وعليه شرعا ان يرجع هذا المال الى صاحبه ، فان لم يؤده ، جاز للدائن ان يلتجيء الى القضاء الاسلامي ليرغمه على الوفاء بدينه . وان كان فى هذه العملية وجه شبه مع نزع الملكية بواسطة القضاء ، فانها نزع لفائدة المالك الاصلي الذى اخذ منه ماله دون ان يرجع اليه ، وهذا هو وجه الخلاف .
ان نزع ملكية المدينين فى هذه الحالة ، يرجع لكونهم " مدينين " ، اما من تؤمم املاكهم ، فان النزع ينطبق عليهم لكونهم " مالكين " ... وتبعا لذلك فقان الآمر بالنزع فى البيع القضائي المذكور يصدر اوامره بالنزع لفائدة اشخاص معينين بصفتهم الفردية ، ولتوفرهم على صفة الدائنين ، ولامتناع المدينين على الوفاء بديونهم ، فتنتقل الاموال من المدينين الى الدائنين لتأخذ ثرواتهم حجمها الطبيعي .
لكن النزع عند التأميم ، يتم بموجب قانون لا يحتاج تنفيذه الى قضاء ، ويطبق على المالكين ، فينقص من ثرواتهم الى حد معين ، او يساويهم مع بقية افراد المجتمع .

- حق الشفعة
وكبيع القاضي لاموال المدين سدادا لديونه ، لا يصير حق الشفعة نزعا اجباريا للملكية الا اذا رفع الى القضاء ، فاذا مورس حبيا ، فليس فيه اي اجبار سوى الالزام الذى يستمده من الشرع . لذلك لا يمكن ان يتخذ بدوره قرينة على جواز التأميم ، اعتمادا على انتقاء عنصر الرضى فيه ، لانه يمارس لفائدة مالك على الشياع ، اعطاه الشرع حق الافضلية .
على هذا الاساس ، لا يمكن للدولة ان تستفيد من حق الشفعة الا كاي فرد عادي . فيحق لها ان تشفع حق شريكها البائع ، لكنه لا يجوز لها ان تجبره على البيع ، لتحل محله ، الا اذا وجدت مبررا شرعيا لذلك .
والامثلة التى ذكرناها لحد الان ، تؤكد صراحة وضمنا ، وجود التفاوت فى الثروة والرزق بين افراد المجتمع الاسلامي ، الا لما اعطى الشرع الاسلامي للشريك حق الشفعة اذا باع شريكه حقوقه ، ولما اعطى للدائنين حق استيفاء ديونهم بواسطة القضاء الاسلامي ، لما اباح اخذ الطعام ممن ليس فى حاجة اليه .. فهذه الامثلة ، رغم فرعيتها ، تبين مجتمعة ومنفصلة ، تناقضها مع التاميم ، وتبين ان تدخل الدولة لاحداث المساواة لا يعني سوى استبدال النظام الذى يقيمه الشرع الاسلامي بنظام آخر .

نزع الملكية لصالح الجماعة
لكن شبهة التوافق بين نزع الملكية فى الشرع الاسلامي والتأميم ، لا تثور بحق ، الا حين يتعلق الامر بالاجبار على البيع لصالح الجماعة .. فهل يمكن القول بوجود توافق بيع البيع الاجباري لفائدة الجماعة الذى يسمح به الشرع الاسلامي ، ونزع الملكية كما تعرفه القوانين الوضعية ؟..

- البيع الاجباري
الحقيقة ان اي بيع من الوجهة الاسلامية ، يجب ان يكون قائما على الرضى ، ولذا فالبيع  الاجباري ، رغم الترخيص به لفائدة الفرد كما فى حالة الشفعة ، او لفائدة الجماعة كما فى اجبار المحتكر على البيع ، هو استثناء ، لان البيع بصفة عامة يخضع لقواعد صارمة ، منها انعدام الاكراه بصوره المتعددة ، وانتفاء الاضطرار بأشكاله المختلفة .
والملاحظ ان التعويض العادل ، يعد شرطا اساسيا لا غنى عنه ، والا فقدت العملية صفة البيع الاجباري . وعلى هذا الاساس ، يمكن القول بأن نزع الملكية ، او التأميم، الذى لا يكون مصحوبا بتعويض عادل ، او الذى يكون مصحوبا بتعويض رمزي او صوري ، هو من قبيل الغصب ، والغصب حرام . واكثر من ذلك فان نزع الملكية كما تعرفه القوانين الوضعية ، لاسيما المعروف منه باسم التأميم ، ليس له حدود سوى تلك التى تقررها السلطة العامة . ومعنى ذلك انه اذا اجيز على اساس انه بيع اجباري مسموح به شرعا ، ولو كان بمقابل تعويض عادل كما اشترط الدكتور السباعي ، سيتسع نطاقه ، وسيخرج بذلك عن النطاق الذى حدده له الشرع ، وسيبتعد عن طبيعته الاستثنائية .
ومتى اصح البيع الاجباري قاعدة عامة ، بدلا من كونه استثناء ، فانه سيصير ، اذا كان بمقابل تعويض عادل ، بيع اكراه ، وهو بيع باطل من الوجهة الشرعية ، ولو وجد القضاء الاسلامي لقضى بابطاله.

- الاستملاك للمنفعة العامة
وقد يدفع البعض بان المصلحة العامة تقتضي احيانا ، نزع ملكية العقارات من اصحابها ، لكن هذا لا يكفي فى حد ذاته لتعميم مبدا البيع الاجباري المسموح به شرعا ، لانه يفضي الى تجريده من صفته الاستثنائية . وليست هناك مصلحة عامة ، من الوجهة الاسلامية ، فى تغيير نظام التفاوت الاسلامي ، وفى ايقاف احكام الشرع الاسلامي عن السريان ، وانما هي توجد بالامتثال الكامل لقواعد الشرع ونواهيه .
فتوسعة الطريق التى ضاقت بالناس ، على حساب الاملاك الخاصة ، تجد مبررها الشرعي فى المصلحة العمومية . لكن النفع العام بالمعنى الاسلامي ، لا يوجد حينما يقع توسيع الطريق لحساب من يملك قوة السلطان او سطوة المال ، او لمجرد التباهي والتفاخر ، فى وقت يوجد فيه من يحتاج الى قوت يومه ، ولا يجده .
وهذا يكفي للقول ، بأن ما تفعله البلديات اليوم ، ليس كله جائز ، ففي احيان كثيرة ، كما يقول الشيخ محمد الحامد فى تعقيباته على آراء الدكتور السباعي ، تنزع الملكيات لمحض التجميل والتنسيق او للترفيه بنحو انشاء الحدائق للنزهة ، هذا بمجرده لا يبرر العدوان على ممتلكات الناس (7).
وقد يبدو فى كلام الشيخ الحامد بعض الغرابة ، بالنسبة لمن اعتادوا التسليم بكل ما تفعله بلديات اليوم ، لكنه على حق فيما يذهب اليه ، الان التجميل والتنسيق وحدائق النزهة ، لا يتمتع بها اولئك الذين يعملون نهار ، والذين لا يجدون وقتا للراحة والاستمتاع ، ولكنها تكاد تقتصر على اصحاب الجاه والمال والسلطان . فهؤلاء وحدهم يستطيعون قيادة سياراتهم الفاخرة فى الطرق الجميلة المنسقة ، وهؤلاء وحدهم هم الذين يمكنهم التنزه فى الحدائق والاستمتاع بها .

- اجبار المحتكم على البيع
وكما هو الشان بالنسبة للعقارات ، فان البيع الاجباري الشرعي لفائدة الجماعة ، مقيد بدوره بقيود تحد من شموليته ، وتحول دون تعميمه ، ومنها :
اولا : ان توجد ضرورة عامة تستدعي الاجبار كحدوث مجاعة او ازمة اقتصادية ، فهذه من الضرورات التى تبيح المحظورات .
ثانيا : يعطى تعويض عادل لمن مارست عليه الدولة مثل هذا الاجبار .
ولعل اجبار المحتكر على البيع هو افضل مثال لاستنثائية البيع الاجباري للمنقولات . ولنتبين ذلك نطرح السؤال التالي : هل الاجبار هوالوسيلة الاسلامية الوحيدة لمجابهة الاحتكار ؟

بكل تأكيد ، الاجبار ليس الوسيلة الوحيدة ، وهو آخر حل يرتضيه الاسلام فى مثل هذه الحالات، لانه يفرض على المسلمين عدم الاضرار بغيرهم ، ويحرم عليهم الاثراء باستغلال حاجة الناس واضطرارهم . فالاحتكار يكون منعدما اذا وقع التقيد باحكام الشرع ، وكلما وقع التحلل من هذه الاحكام ، كلما ترعرعت اوصافه ، وكثرت اعراضه . ومتى كانت المشاريع الاقتصادية غير خاضعة لهذه الاحكام ، فانه لا حاجة الى البحث عن اسلوب آخر ، بل يجب تطبيق تلك الاحكام .
فتطبيق الشرع الاسلامي يمنع وجود المحتكرين ، وان وجد من يحتكر ، فانه يحق للسلطة العامة فى الدولة الاسلامية اجباره على بيع ما احتكره . وليس فى هذا الاجبار ما يسوغ للدولة ، بحجة المساواة الاقتصادية ، او بغيرها ، الزام الناس على التخلي عن املاكهم ومشاريعهم .
وهكذا ننتهي الى ان نزع الملكية فى الشرع الاسلامي يختلف ، جملة وتفصيلا ، عن نزع الملكية كما تعرفه القوانين الوضعية ، اشتراكية وراسمالية .

(1) فى الاصطلاح القانوني الوضعي ، يميزون بين نزع الملكية للمنفعة العمومية ، وهو اجراء يمكن معارضته، وبين التأميم وهو نزع للملكية لا يقبل المعارضة ، ينقل ملكية وسائل الانتاج من الافراد الى الجماعة .
(2) مبادئ نظام الحكم فى الاسلام ص 772.
(3) المرجع السابق ص 773.
(4) المرجع السابق ص 772.
(5)المرجع السابق  771.
(6) اشتراكية الاسلام للدكتور مصطفى السباعي ص 163 و 164 الطبعة الاولى ، والملاحظ ان الحمى ليس انتزاعا للملكية . (4) نظرات فى كتاب اشتراكية الاسلام على ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الائمة ، الطبعة الاولى ص 90 .
(7) نظرات فى كتاب اشتراكية الاسلام على ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الائمة ، الطبعة الاولى ص 90 .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here