islamaumaroc

البعث الإسلامي

  دعوة الحق

158 العدد

ان امير المؤمنين الحسن الثاني خير من قيضه الله لتحقيق البعث الاسلامي ، وما تضمنه خطاب جلالته بمناسبة حلول السنة الهجرية الجديدة الا حلقة تضاف الى سابقاتها لتحقيق تلك العناية السامية .

لا نريد فى هذا المطلع ان نعرف للقراء الكرام البعث الاسلامي ، او نشرح لهم المقصود من الكلمتين ، ولا نريد ان نضع ايدينا على حقائق اكتشفناها . ان كل ما فى الامر هو تجميع بعض الحقائق ، والاشارة اليها ، حقائق تهم القاريء ، وتبعث فيه ، حسب الامكان مع تواضعها الشديد، همة تتبعها وتقفي آثارها .
وفى الحقيقة ان البحث فى البعث يذهب حماسه ، ويفتر همته ، فنحن بحاجة الى بعث حقيقي . اما الحديث عنه فلا مبرر له ، فالاشارة والانطلاقة التى اعلنها امير المؤمنين الحسن الثاني منذ سنتين ، تغني عن اي حديث ، وعن اي بحث .
ان البعث الاسلامي ضرورة ، وضرورة ملحة ، تفرضها وضعية العالم الاسلامي ، وتفرضها وضعية الحضارة الغربية .
هذه الضرورة ، فى رأيي ليست هي اسباب البعث وان كانت هي بعض مظهرها الخارجي ، فى حين ان الاسباب هي الدوافع الداخلية للبعث نفسه .. انها ضرورة تحتمت بوضعية العالم الاسلامي ، ذات الاهمية المحسوسة والملموسة . انها وضعية ذاتية اجتماعية ، حضارية ، تكمن فى ما اصاب العالم الاسلامي من تبعية وتأخر .. هذه التبعية وهذا التأخر اللذان يصبحان واقعا مرا ، بل وحتى شبهة ضد الاسلام نفسه عندما تقارن المجتمعات الاسلامية بالتقدم الحضاري الغربي . ومن المعلوم ان المستشرقين قد حملوا لواء استغلال هذه الوضعية ، جاعلين من الاسلام عامل تأخر ، وعامل جمود ، معللين شبهتهم بتقدم الحضارة ، وعدم استطاعة الاسلام ومبادئه مجارتها ، والتطور معها . فالاسلام فى نظرهم ، وكما يروجون ، كان صالحا لفترة معينة ولمكان معين ، وقد تجاوزت الحضارة تلك الفترة وذلك الزمان . هذه الشبهة نجدها عند الجاهلية الليبرالية كما نجدها عند الجاهلية الشيوعية ، مما يؤكد منطقهما العملي الموحد . وقد تعرض الكثير من المفكرين الاسلاميين لهذه الشبهة واوضحوا فسادها ، وابانوا ضلالها . وقد ادت بهم الدراسات الى مشكلتين اساسيتين : هل يطبق الاسلام عمليا فى المجتمع الاسلامي ؟! وهل المجتمع الاسلامي ، اسلامي فعلا ؟! .. (1)
ان الشبهات التى يثيرها الغربيون لا تنقطع ما دامت المعركة محتدة . وما دام هؤلاء يجدون انفسهم مغزوين بالاسلام ومغلوبين به . والا لم كل هذه المعادات ؟! لم كل هذه الشبهات حول الاسلام ومن الغربيين انفسهم دون غيرهم ؟! انهم لا يكفون عن فتح ثغرات تبدو لهم ليجعلوا منها ممرات تخريب ، وتحطيم . فهم لا يتساءلون عن تطبيق الاسلام عمليا فى مجتمعاتنا المعاصرة ، بل يستغلون ضعف المسلمين وتخاذلهم ، ليتساءلوا عن التطبيق الاسلامي منذ بعثة الرسول . يفعلون ذلك ، بغية الوصول الى اجوبة تجعل المسلم يقطع علاقته بكل ما يمت الى الاسلام والمجتمع السلامي بصلة .. فهم يتساءلون بكل وقاحة ، وهل طبق الاسلام حقا ؟! كيف نعلل الحروب الاسلامية ، والاختلافات الاسلامية ، وتعدد الدول الاسلامية وتناحرها ، ويصعدون حملتهم الى ان يتساءلوا عن نزول القرآن الكريم منجما ، وان الاسلام بذلك لم يأت به الرسول صلى الله عليه وسلم كاملا ؟! فهو لم يكتمل الا بعد حجة الوداع ..
هكذا يضللون .. وحقيقة الامر فى هذا ، يرجع الى التصورات التى يحملها هؤلاء ، فهم يريدون للواقع ان يكون ابيض ، ناصعا ، ساكنا ، هامدا . ان يكون فى ذلك كما هي المباديء ، هذا عمليا لا يقع ولا يحدث ، فالواقع المعاش لا بد وان تكون فيه المشاكل ، لابد ان تكون فيه العراقل ، بل ولابد ان تكون فيه الانحرافات . ولكنها قليلة ، وقلما تحدث ، فان حدتت استغفر صاحبها وتاب ..
انهم على هذا الاساس الخاطيء ، يريدون من الاسلام ان يكون خاليا من الخلافات ، ومن المشاكل فى حياة المسلمين ، ان تكون حياتهم صافية ، سكونية ، حتى يقال : ان الاسلام طبق حقا .. اما الوجه الثاني من خطأ تصورهم ، فكامن فى تخيلهم وتصورهم لطريقة التطبيق الاسلامي .. فهم يتخيلونه كما هو الحال فى حياتهم الجاهلية ، فالبرلمان او مجلس النواب ، او المجلس التشريعي ، او مجلس الثورة ، وغيرها من الاسماء ، يقرر ، وتشرع ، وتقنن ، فنصبح شريعة نافذة المفعول ، ومن خالفها اعتبر خارج القانون وعوقب . فتعطى هذه القوانين حق الالوهية ، كما يعطى لواضعيها .. يتخيلون هذا فيطالبون باسلام كامل ، تام ، يعلن عليه ، ثم يطبق .. وهذا خطأ فادح . فالاسلام قبل قبل ان يكون قوانين وتشريعات هو حياة ، حياة يحياها المسلمون ، والمسلمون وحدهم ، انه علاقات اجتماعية  ، وسلوك اجتماعي ، ووجود القوانين جاهزة لا تفيد في شيء ، ان لم يكن هناك اسلام لها ، وايمان بها . وحتى يستطيع ان يحيا حياة فعلية ، ويؤلف واقعا معاشا فعلا .. يبدا بالخضوع التام لله ، ثم بالتحرك على اساس هذا الخضوع ضمن علاقات اجتماعية معاشة .. فهذا الاسلام طبق فعلا فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفى حياة الصحابة والتابعين وما زال يطبق الى ان ابتليت الدول الاسلامية بالاستعمار (2).
الاسلام طبق حقا لانه كان حياة تحيا . ولكن الاستعمار عندما دخل البلاد الاسلامية لم يدخلها بجيوشه فحسب ، بل دخلها بعلومه وثقافته وفنه ، دخلها بقيمه واخلاقه ومشاعره ، دخلها بسلوكه وقوانينه وتنظيماته . وترك الحياة الاسلامية تحتضر من تلقاء نفسها بعد ان قطع عنها كل مدد للحياة . واصبح شائعا على الافواه من اراد الاسلام فعليه بالكتب الصفراء . فى حين كان يقال من اراد الاسلام فعليه بدار الاسلام . فتلك فترة كان الاسلام يعيشها اما هذه فترة لا يعيشها فقد تسرب الى الناس والمجتمع تصورات غريبة عن الاسلام وعن الحياة الاسلامية . وقننت حياة الناس بقوانين غير قوانين الاسلام .. فان انت بحثت حقا عن الاسلام فى جميع  مجالات الحياة لن تجده . ولن تجد الا بعض القوانين فى الاحوال الشخصية التى ما يزال الحكام يتهيبون من ابادتها واستبدالها . فالمجتمعات الاسلامية الآن تنطلق من منطلقات غير اسلامية ، وتتحكم فيها شرائع غير شرائع الاسلام ..
وهكذا اثبت المفكرون الاسلاميون ابتعاد المسلمين عن دينهم وعن اسلامهم .. واصبحت المجتمعات المسماة اسلامية مجتمعات جاهلية دون جدال الا من بعض الطيبين الذين يقولون : من قال " لا اله الا الله " فهو مسلم . وهذا امر لا جدال فيه . ولكن الوضعية هي وضعية المجمتمع ككل ولسيت وضعية الفرد . وهؤلاء الطيبون ليقتنعوا جيدا فما عليهم الا ان يتجهوا الى ابناء هذه الامة نفسها الذين اعلنوا انسلاخهم عن الاسلام انسلاخا تاما . فهم يجمعون على ان الحياة اليوم ليست اسلامية ، وان مذهبهم الجديدة قد اخذت بتلابيب هذه المجتمعات قد دقت فى نعشها المسامير ، ومنهم من يشير الى البقية الباقية فيقول انها تستقي من المذاهب الغربية بشتى الوانها ما يبرر لها العيش والاستمرار.
ان الدلائل على جاهلية المجتمعات الاسلامية الآن كثيرة ، ومتعددة ، من الاسلاميين والجاهليين على السواء ، ادلة على جاهلية التصورات والمناهج ، ادلة على جاهلية السلوك والقوانين ، ادلة على جاهلية السلوك والقوانين ، ادلة على جاهلية النظم والتشريعات ...
بعد هذا الخط المظلم ، وهذا الضلال المبين . يبدا السؤال من جديد ، لماذا البعث الاسلامي ؟! ولكن هذا التشبيط لا ينجح لان سؤالا آخر يطرح نفسه ، ماذا نستطيع ان نأخذ من الغرب والحضارة الغربية ؟! ماذا تستطيع هذه الحضارة الغربية ان تقدم لنا ؟! وهكذا تبدا رحلة تقييم الحضارة الغربية ، تقييم مدى تطورها وتقدمها ، ومدى فائدتها .
فان اخذنا الماركسية فى تشوفاتها الى المرحلة الاخيرة من المراحل الترايخية ، وجدنا انذارات فى الحقيقة عن افلاس النظام الراسمالي ، وتنبيهات الى المهاوي التى قد يسقط فيا . ليس سقوط نظامه فحسب ، بل حتى تصوراته واحلامه . ونحن ان كنا لا نقر الماركسية فى المراحل المزعومة للتاريخ ، فان تشديدهم على نهاية الراسمالية يعطينا دليلا على مسيرة الحضارة الغريبة الى الهاوية .
فها هو هربرت ماركوز اليهودي ، الذى لم تعد الدول الشيوعية تعطيه معنى التغيير والثورة ، يرى فى طوائف المتشردين والهبيين والمعدميين عوامل تغيير شامل ، وخميرة ثورة كاملة ، ليس على المجتمع وعليه فحسب ، بل حتى على المنهج العقلي والذوق الجمالي كذلك .. فهو يريد تثوير هذه الطوائف الهامشية ، هذه الطوائف المنبوذة وان كانت هي نفسها لاغية عن الامر لا تفكر الا بالحشيش والافيون والمخدرات عامة ، ولا تحس الا بالجنس والدعارة ..
فتخريف ماركوز وادعاؤه ليس كافيا ليجعل منه قانونا عاما لسير المجتمع والتاريخ ، وخطا حتميا لا محيد عنه . فتلك الطوائف وتصوراتهم وانماط حياتهم دليل على هروبها من الحضارة الغربية ان اعطينا لها مدلولها الواعي ، والا فهي علامات انحدا وتدهور فى الحضارة الغربية ذاتها .
هذا ليس معناه ان الحضارة الغربية قد انتهى امرها ، فالجانب الايجابي منها ما زال مائلا يشد عضدها ، فهذا التقدم الاقتصادي وهذا التقدم العلمي ، وهذا التقدم التكنولوجي ، يدل على عناصر القوة فيها . ولكي تذوي هذه العناصر وتضمحل فلابد من وقت زمن .. والاسلاميون يشعرون بهذا ، ويعتبرونه اشد الاعتبار ، ولذا نراهم يجيبون عن السؤال : ما هي نقطة الضعف في الحضارة الغربية اذن ؟! بأنها القيم ، انها العقيدة والدين (3) .
وفى المجتمعات الغربية نفسها تتعالى الاصوات صائحة بالعودة الى الدين .. هذه الوضعية الداخلية والخارجية بالنسبة للمجتمعات الاسلامية تجعل البعث الاسلامي ضرورة . اما الدوافع الحقيقية الذاتية التى يمكن ان ينطلق منها هذا البعث ، وهل ستخلق لتكون هناك ظروف مواتية للبعث ، ام هي اسباب ودوافع قائمة فعلا فى الوضعية التى تعيشها المجتمعات الاسلامية ، فنحتاج الى نظرة ابعد من فحص مرضنا وما يحتمه علينا . فالبعث الاسلامي فى اساسه ليس دخيلا على المجتمعات الاسلامية .

ولن يتسرب الى اعماقنا من الخارج فيغير منا او يحركنا ، وهو بالتالي لن يكون وليد ظروف اجتماعية او ظروف وضعية معينة كاحتجاج على وضع معين ، يزول فيه البعث بزوال ظروف وضعيته تلك ، فالوضعية هاته لن تجعل من البعث الا ضرورة . ان البعث ليس وليد هذا ولا ذاك . انه بعث نابع من اعماق الانسان ، من اعماق تاريخه . فالرسل قافلة واحدة ، وحركة واحدة ، وتاريخ واحد ، وهدف واحد ، وغاية واحدة ، فلا فرق بينهم ، فكل منهم واجه الواقع الانساني المنحرف بمنهج الله وشريعة الله وهديه . فأعاد الواقع المنحرف الى طريق الحق ، واظهره فى حياة الناس الاجتماعية والتاريخية والحضارية عن وعي ومسؤولية . واصبح بتلك السنة الالهية التجديد والانبعاث كامن فى الامة الاسلامية على مدى التاريخ ، ومدى الحياة البشرية واستمرارها . فكلما امتزج الانسان بهدي الله عاد التجديد ، وعاد الانبعاث نقيا ، ناصعا ، دافعا الى الامام . وهكذا استمرت حركية الاسلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بعثا تلقائيا ، نابعا من دافع اسلامي . وبهذا انطلق البعث الاسلامي منذ القرن الثامن عشر فى حركات اسلامية ، اعطتنا جميعها دليلا وافيا على ان الاسلام يحمل فى ذاته قوة ديناميكية حركية تلقائية . وطلائع الانبعاث واضحة فى المجتمعات الاسلامية مم يؤكد لنا ان هذا دافع وسبب مباشر يدفع بالاسلام الى الوجود من جديد فى التاريخ الحديث .
الا ان النظر الى الواقع الفعلي للمجتمعات الاسلامية يجعلنا ننتبه الى سبب آخر ودافع آخر . له اهميته التى جعلت من البعث الاسلامي يزداد قوة ، ويزداد تماسكا ، ويزداد استعدادا وعدة . فما ان لاحت جحافل الاستعمار فى الافق ، وبدا الغزو الاجنبي للمجتمعات الاسلامية ، حتى هبت تقاوم ، واخذت تواجه ، فنشطت همم المسلمين ، وقويت عزائمهم ، وانتعثت فيهم حركات مختلفة ومتعددة  ، منها السياسية ، ومنها الثقافية ، ومنها المجاهدة . ووقفت جميعا فى وجه الاستعمار ، فكانت مشاعل البعث ، وشرارة من شرارته ، ففيها انبعث الوعي الاسلامي اقوى مما كان عليه . واوهى بخطوات البعث واهدافه . ولا زال هذا العامل يعمل مفعوله فهاهي فلسطين المسلوبة تؤثر فى الوعي الاسلامي ، وفى الوحدة الاسلامية بين الدول الاسلامية حتى كان مؤتمر القمة الاسلامي .
ونتيجة هذا التفاعل الواقعي التاريخي الاجتماعي تكون وعي عقائدي ، وتصور حركي ، وفهم دقيق للبعث الاسلامي المنشود ، الذى بدا يتغلغل فى اعماق النفوس ليدفعها الى العمل ، والحركة، والبعث ، وزاد من قوة هذا الدافع وهذا السبب انه شامل وكلي ، فقد انبثق فى كل بلد بلد ، وفى كل قرية قرية ، وفى كل مدينة مدينة . فهذا السيل من المؤلفات والمحاضرات والدعوات التى تجعل الحركة الاسلامية تستيقظ من سباتها ، وتنظر الى الواقع نظرة واقعية مليئة بالآمال والاماني .
ولم يقف الفكر الاسلامي اما التعريف بالاسلام والدعوة اليه فحسب ، بل تعداه الى دراسة الواقع الاسلامي بكل ابعاده ، دراسة علمية تناولت جل ميادين ، فمنها من اختص بالجغرافية ومنها من اختص بالاقتصاد ، ومنها من اختص بالطاقات البشرية ومنها من اختص بالطاقات المادية ، ومنها من اختص بالخيرات المدفونة بالاراضي الاسلامية ، مما بعث الآمال فى وحدة الامة الاسلامية من جديد ، ونشر العدل ، فالوعي الذاتي بالطاقات الاسلامية جعل المسلمين يستوعبون الكثير من علوم الحضارة الغريبة ، واساليب عملها . ويدخلون ميادين الوعي الحضاري بكل ابعاده .
فالبعث الاسلامي ليس خطة توضع للمستقبل ، وانما هو حركة فعلية واقعية ، انه حياة اجتماعية ذاتية تلقائية تتحرك وتواجه وتنمو .. والبعث الاسلامي ينطلق من منطلقات ثابتة ، واقعية ، مثينة، سليمة وقويمة الخطوات ، هذه المنطلقات ليست آراء تفرض ، ولا اماني معسولة ، او هوى وطموح ، او تضليل وخدع لغاية مؤقتة قريبة المنال . انها منطلقات بعث اسلامي واقعي تاريخي حضاري . فالاسلام ، والاسلام وحده ، هو الذى يقدم النظرة الشاملة للحياة ، ويقدم الشريعة المحكمة للمجتمع . فهو المحرك ، وهوالغاية المطلوبة في نفس الوقت . والاسلام غني عن كل تعريف او تبيين فلقد اهتم جل الاسلاميين بتوضيح مراميه ، وتبيين قواعده ومبادئه . فالبعث الاسلامي عندما اعتمد ، ويعتمد ، الاسلام كنظام للحياة ، وتصور عقائدي للكون ، فانه يرفض بذلك كل المنطلقات الاخرى ، مما يلوح منها فى الافق من علمانية وديمقراطية وديكتاتورية،وراسمالية وشيوعية ، وجماعية ووجودية ، وقومية وطنية ، وغيرها كثير .. كل هذه منطلقات مردودة اصلا مهجورة فعلا على صعيد البعث الاسلامي . فالاسلام مبدا شامل ، ومنهج كامل ، لا يقوم عليه الا المجتمع الاسلام نفسه . فلا يمكن ان يدخل فى مسيرته اي منطلق آخر غير الاسلام، ولا ان يهتم بغير الاسلام ، ولا ان يعمل الا من اجل الاسلام ، فالاسلام والاسلام وحده هو منطلق البعث الاسلامي .
                                       - * -
بعد هذه الانطلاقة منذ قرنين من الزمن ، ما زال الاسلاميون الغيرورون يتطرقون الى البعث الاسلامي بالتأمل والتفكير ، فيقدمون ما يرونه لائقا من الخطوات المنهجية العملية لاحقاق البعث وكأنهم فى ذلك سيبداون لاول مرة . فقد ذهب المفكر الاسلامي وحيد الدين خان ، وليس هو الوحيد ، يعرض فى برنامج جديد خطوات البعث المنتظر وقد قطع فى ذلك كل الوشائج الماضية فقال : ومنذ قرن كامل وثمة ضجة تثار فى ارجاء العالم الاسلامي حول احياء الاسلام ، ولكن الصخب الشديد قد انتهى بنا الى حيث نحن الآن ملقون فى غار الذل والعار ، ومما يزيد من عمق تعاستنا ان كل هذا الفشل لم يؤد الى خلق شعور لدى المسلمين ، واعادة الفكر فيما يجب عمله وفى الاسلوب الذى يجب اتباعه ، وكل الشعارات والنعرات التى تبث فشلها النهائي بحكم شهادة التاريخ – لا زلنا نسمعها من حين لآخر فى كلمة جديدة او ثوب جديد " (4) .
فالبعث الاسلامي بالشعارات السياسية والمفهوم السياسي قد فشل فشلا ذريعا ، خاصة عندما يقارن بنهضة اليابان فى ربع قرن . ويقترح انشاء المركز الاسلامي الدولي ، كخطوة لبعث اسلامي مقبل . وهكذا يتصور ان البعث لم يبدا بعد ، وكان الاسلام لم يتحرك قط . فقد اخطا الكاتب الجليل فى نقطه الثلاث ، اخطأ فى حكمه بالفشل على البعث الاسلامي الذى بدا منذ قرن فى تقديره ، والامر الواقع لا يقول هذا ولا يؤكده ، واخطا فى تقديره ، لنجاح اليابان فى ميدان الصناعة والاقتصاد والتكنولوجيا ولكنه مفلس فى ميدان القيم . وثانيا فان نجاح اليابان المدهش يعود الى انه انطلق من منطلق منسجم مع نفسه ، متلائم مع تطلعاتن . فى حين ان البعث الاسلامي كان يجاهد ولا يبني . وهذا تباين فى الطريق ، لو ركنا اليه قادنا الى الطريق المسدود، وهذا ما حدث فعلا فالاقتراح بانشاء مراكز اسلامي دولي يهتم بالدراسة والثقافة والتعليم عيبه الوحيد انه فلص البعث الاسلامي من جميع ميادين الحياة ، وجعلها محصورة ضيقة ، فى مركز . حقيقة ان المركز قد يكون نموذجا اسلاميا ، ومركز اشعاع اسلامي ، ولكن العيب الذى سيظل لاصقا به انه سيبقى مركزا ، وسيبقى بذلك مفارقا للحياة . وهذا هو الخط المسدود الذى يبعدنا عن مسيرة الشعب الاسلامي منذ انطلاقته الاولى ، ويبعدنا عن الحياة ، والمجتمع والحضارة . فان كان الجانب السياسي للبعث الاسلامي يثير المصاعب ، ويثير الصراع فان البعث فى الحقيقة لا يعانق الا الحياة فى شمولها ، امره فى ذلك امر الاسلام نفسه . فمجالاته هي مجالات الاسلام ، وميادينه هي ميادين الاسلام . البعث هونقطة الاندماج التام بين الاسلام والحياة ، ولا يمكن ان يكون نقطة انفصام بين الاسلام والسياسة ، ولا بين الاسلام والاقتصاد ، ولا بين الاسلام والثقافة والفن ، ولا بين الاسلام والتعليم ... فهذه وغيرها مجالات الحياة ، والاسلام يمتزج بها ، بتفاعل معها ، يخلقها .. والبعث الاسلامي لن يكون شاملا وتاما الا اذا تخطى نقطة الانفصام هذه ، التى هي بلاء المجتمعات الاسلامية المعاصرة ، ونقطة ضعفها ، ومحك تناقضاتها .. فالمجتمعات الاسلامية التى تعلن اسلامها وتفتح للاسلام مجالا دون غيره ، فهي تقبر البعث ولا تحييه . فهي عندما تخصص وزارة للاهتمام بالشؤون الاسلامية ، فقد عزلت الاسلام عن الحياة العامة ، وعندما تخصص ساعة معينة للتربية الاسلامية فى البرامج التعليمية ، تكون قد عزلت الاسلام عن الحياة العامة . وعندما تحدد التجمعات الاسلامية فى الجمعيات الخيرية والثقافية تكون قد عزلت الاسلام عن الحياة العامة ، وعندما تخصص برنامجا اذاعيا او تلفزيونيا او صفحات فى جريدة او مجلة للاسلام تكون قد عزلت الاسلام عن الحياة العامة .. وهكذا تكون قد طبقت الانفصام النكد ، وقطعت على التعث اسباب الحياة ، وقضت عليه فى مهده ، وادخلته دائرة مغلقة ، فى اذهان الناس تصوراتهم ، فى اخلاقهم وسلوكهم ، فى عملهم ومعاملاتهم . فيرفع عنهم الاسلام والاهتمام به ، ويوهمون ان الاسلام فرض كفاية فى الحياة العامة . وهذا هو الخطر ، وهنا الضلال ..
ان اول خطوة من خطوات البعث الاسامي هو القضاء على هذا الانفصام ، سواء على صعيد الجماعات الاسلامية او على صعيد الدول الاسلامية . ولن يكون البعث الاسلامي اسلاميا الا اذا عدنا الى المنطلق الصحيح للبعث . وهو الاسلام ، والاسلام وحده .
فان كانت الحياة السياسية فى المجتمعات الاسلامية تنحو منحى الحضارة الغربية ، وتنطبع بطابعها ، فتراها اما ديكتاتورية عسكرية واما ديمقراطية ليبرالية ، فالبعث الاسلامي ضرورة ملحة لينتشر الوعي السياسي الاسلامي ، وتتغير القيم السياسية ، وتتبدل المقاييس السياسية . ولن يحدث هذا الا بايجاد جو سياسي اسلامي على اساس مفهوم الشورى والبيعة والعدل فى الاسلام . بعث سياسي تنسجم فيه وتتلاحم طاقات الامة ، فلا معارضات على اساس ديمقراطي سقيم ، وتسلط على اساس ديكتاتوري مريض . فالحركة الاسلامية والبعث الاسلامي ان كانا يسعيان ليحكم الاسلام فليس معناه انهما يسعيان للحكم فى حد ذاته ، وليس المقصود ابدال شخص بشخص ، او تصور جاهلي بتصور جاهلي آخر ، ان المقصود هو تحكيم الاسلام . وقد قيض الله لهذه الامة امير المؤمنين الحسن الثاني لتحقيق البعث الاسلامي ، فما تضمنه خطاب السنة الهجرية الجديدة حلقة تضاف الى سابقاتها لتحقيق كلمة الفصل، وتنفيذ كلمة الله فى كل مرافق الحياة . وبداية البعث البناء الذى سيؤدي بالامة الى نهضة تضاهي نهضات الامم الغربية ..
وان كانت الحياة الاقتصادية فى المجتمعات الاسلامية تتسم بالتبعية فى التنمية والنظام والعقيدة . فان البعث الاسلامي لا بد له ان ينطلق من الرفض اولا ، رفض الجاهلية ، شيوعية وراسمالية . وان توضع موضع التجربة منطلقات اسلامية ، وتطلعات اسلامية . وهذا لن يكون كاملا الا اذا قضي على المؤسسات الشيوعية فى محتواها ونظامها ، وقضي على المؤسسات الرأسمالية فى محتواها ونظامها . وانتقدت منطلقاتهم الفكرية والعقائدية ، ووضعت خطة تنمية متحررة من ضغطهما على اساس من هدي البعث الاسلامي . والا سيظل الانفصام هو نقطة التناقض ، وسيظل البعث فى مجال الدعوة التى لن تحدث نهضة مرجوة ، ولا يستطيع آنذاك ان يتقدم الى مجال الحياة العامة والتقدم بها .
وان كانت الحياة التشريعية فى المجتمعات الاسلامية تجعل الاسلام مصدرا من مصادر القانون ، وتحصر الشريعة فى الاحوال الشخصية ، وتتبنى القوانين حسب اهواء الناس وظروفهم ومصالحهم ، وحسب تطور القانون المغربي . فان ذلك لن يقود ابدا الى بعث اسلامي حقيقي ، فلابد للاسلام ان يرتبط بحياة الناس بقانونهم الاسلامي . ولا بد ان اشير الى بعض الطيبين من الناس الذين يرون اصلاح هذا الامر يفتح باب الاجتهاد . فالمجتمع الذي يتسم بجاهلية الاجتهاد فى مشكلات حياته تلفيق بين الاسلام والجاهلية ، تجبير لجرح لن يدوم وقد يضر . فالذى امامنا ليس فتح باب الاجتهاد وانما فتح باب البعث الاسلامي بازالة الانفصام وخلق حياة اسلامية . وان لم يحدث هذا البعث ولم تخلق هذه الحياة الاسلامية فان كل اجتهاد اهدار للطاقة الاسلامية ، وتضليل وضلال عن الخط المستقيم .
وان كانت الحياة الثقافية والتعليمية والعلمية وحتى الفنية فى المجتمعات الاسلامية تحصر الاسلام فى جوانب من التخصص لم يعد يمس الحياة الاكتراث جميل شيق . وقد يصبح مدارا للعملة الصعبة ، وتقطع الشرايين التى تمد الاسلام بالحياة وتربطه بها . فالبعث الاسلامي لن يكون هناك الا اذا فتحت ابواب الثقافة والتعليم والعلم والفن امامه ، فصاغها بعقيدته ، ونظمها بشريعته وابدعها بعبقريته فلابد للاسلام ان يطرقها ، ويمتزج بها ، فهذا الالتحام وهذا الانسجام هو الخطوة الاولى فى البعث . وهذا ما عملت من اجله جل الجماعات والحركات الاسلامية وفرضته وتفرضه الوقائع الاجتماعية والسياسية حتى اصبحت معالم هذا البعث تظهر لامعة على الصعيد الدولي وما مجهودات البعث الاسلامي فى المغرب الا اتماما للحركة الاسلامية والانطلاقة الاسلامية والنهضة الاسلامية .

 

(1) كتاب الاستاذ محمد قطب : هل نحن مسلمون . يتناول هذه المشكلة بكل تفصيل وينتهي بضرورة البعث الاسلامي .
(2)يناقش الاستاذ سميح عاطف الزين فى كتيبه القيم " عوامل ضعف المسلمين " هذا فيقول : " هذا الكتاب يحتوي على الادلة والبراهين التي تؤكد ان الاسلام طبق طيلة ثلاثة عشر قرنا ونيف ويأتي بالفرائن والادلة التى تثبت ادانة المستعمر بانه هو وعملاؤه يشوهون الحقائق ويضعون العراقل امام عجلة الذين يسيرون لتطبيق الاحكام الاسلامية حفاظا على مصالحهم – ومن ضياع نفوذهم وسيطرتهم " ص : 4.
(3)خير من اكد هذا الاستاذ الشهيد : سيد قطب فى كتابه ( معالم فى الطريق ) .
(4)نحو بعث اسلامي . وحيد الدين خان ، ص 21 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here