islamaumaroc

الثقافة العربية المعاصرة في شمال المملكة المغربية -2-

  دعوة الحق

158 العدد

تعريب الشمال
فنعود لاتمام ما كنا فيه من التذكير بأيام طنجة الاولى .. ايام الفتح الاسلامي ، حينما كانت طنجة عاصمة الولاية المغربية بأسرها .. اتخذها – كما اسلفنا – كل من طارق وادريس الاول عاصمة المغرب الادارية وعاصمة المغرب الثقافية بنزول اول بعثة ثقافية عربية فيها ، التى قال ابن خلدون في شأنها : " ان موسى ابن نصير انزل بطنجة عربا مع طارق وامرهم ان يعلموا البربر القرآن والفقه " – وقال غيره : انهم كانوا سبعة عشر – ويذكر البعض اسماءهم – وذلك كله حسب ما قلنا – بتدبير من الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز الذى اهتم اهتماما زائدا بهذه الجهة من خلافته الواسعة ، قصد توطيد اسباب العروبة والاسلام فيها الى الابد ، الامر الذى تحقق والحمد لله ، اذ لم تمر فترة وجيزة حتى رأينا الاقليم وما والاه قد تعرب واهتدى وصار من دعاة الاسلام المتحمسين لنشره ، والذب عنه . فهذا قائدهم طارق قد دعاهم بأمر من موسى الى غزو الاندلس سنة 92 ه فاستجابوا وخطب فيهم ارتجالا خطبته المشهورة قائلا يحمسهم حين فصل بهم البوغاز : البحر وراءكم ، والعدو امامكم ، فليس لكم والله الا الصبر .. الى آخر االخطبة .. ففعلت فيهم الخطبة فعل السحر ، فاندفعوا واكتسحوا الجزيرة جلها ، فى بضعة شهور ، مما دل على صدق ايمانهم وخلوص عروبتهم . وما زال بعض الباحثين فى شك من صدور الخطبة المذكورة من طارق ، نظرا لفصاحتها وسبكها المتين ، ونظرا لكون الجيش المكون من ابناء جموع البربر – مع قلة من ابناء العرب – لا يمكن ان يصل فى تلك المدة الوجيزة ، الى مستوى يتأتى معه ان يستوعب الخطبة ويندفع تحت تأثيرها .. وانا مضطرة هنا لدحض ما يقوله اولئك المتشككون وللذب فى ودوههم عن ذلك الاثر الادبي النفيس الذى يقد بحق – فيما علم – اقدم نص نثري فني عربي فى هذه الديار المغربية كافة ، لا فى الديار الشمالية فحسب ، واني موجزة القول فى ذلك ما امكن .
ان النقاد ازاء خطبة طارق هم ما بين منكر ومتشكك ومقتنع .. شانهم فى ذلك مع كثير من الآثار الادبية القديمة الصادرة عن اصحابها فى عهود قلت فيها وسائل التدوين او انعدمت بالمرة .. واني لا تذكر كيف ان اساتذتنا فى التعليم الاولي كانوا يحرصون على ان يحفوظونا خطبة طارق هذه .. كما كانوا يحفظوننا خطبة قس بن ساعدة الشهيرة – وخطبة المولى ادريس الثاني .. فكنا نجد لهذه الخطب رنة وغنة .. ونستشعر طلاوتها وحلاوتها .. ولكن لما انتقلنا ونقرا فى بعض الكتب ان خطبة المولى ادريس مفتعلة وان خطبة قس منتحلة ( رغم ان من رواتها نبينا العربي عليه الصلاة السلام كما فى السيرة النبوية ) . وان خطبة طارق موضوعة مصنوعة .. وقوالا اخرى جعلتنا نشك فى سائر ما ينسب الى الاقدمين .
بيد ان النقد النزيه والبحث الحصيف توليا الكشف عن الحقيقة واثبتا صحة صدور تلك الخطب عن اصحابها مما لا يدع شكا ولا يقبل ترددا .
وفيما يخص خطبة طارق فان الذين تولوا افك التشكك فيها هم فى الواقع احد فريقين ، اما فريق اجنبي تمثل فى زمرة من المستشرقين المولعين باثارة الشبهات والشكوك فى كل ما لم يجدوه مسطورا ومدونا فى حينه على الاضابير والاحافير القديمة .. واما فريق من اخواننا الشرقيين الذين يحلو لهم تردد ما يصدر عن اولئك المتشككين ..
والكل يعلم ان التدوين كان شائعا فى الصدر الاول للاسلام : بيد ان الرواية والاتكال على البديهة ولذاكرة كانت اغلب على القوم فى جل ما يصدر عنهم فى مجالسهم ومواقفهم من نثر وشعر . كما ان الجميع يعلم ان الخطب كانت اجل ما يتخاطب به العرب القدماء وانها اكبر وسيلة من وسائل الاعلام عندهم لتبليغ الاوامر وبث الافكار ونشر الوعي والدعوة والتحريض .. فالقائد العام يخطب فى جنده كلما عقد لهم لواء ووجههم الى زحف .. وقائد المعركة يخطب فى كتائبه كلما دفع بهم لخوض معركة .. فلماذا نريد من طارق ان يشذ عن هذه القاعدة المتبعة آنذاك وهو القائد المتمكن من اصول العروبة وتقاليدها العسكرية .. ولماذا نستكثر عليه ان يخطب فى جنده وهو قد دفع بهم لفتح صقع لا عهد للعرب بمثله وراء البحار ..
انني رأيت بعيني لوحة مرسومة من طرف رسام اجنبي قديم فى متحف اوربي .. تمثل طارق بن زياد وسط جيشه الباسل وهو يخطب فيهم ويستثير حميتهم وهم يهتفون ويلوحون .. فهم ذلك الرسام الاجنبي افتعل هو ايضا من مخيلته ذلك المنظر .. واغلب الظن انه لم يسجل ذلك الموقف فى لوحته الا لما شاع وتوارثه قومه من اخبار الفتح الاسلامي الذي ما زال اذ ذاك عالقا بأذهانهم لم تغب عنهم معالمه وحقائقه ..
ان ( الحقيقة والخيال ) كثيرا ما يجور احدهما على الآخر .. او بالاحرى طغيان اوهام الخيال على معالم الحقيقة الناصعة ، فلولا اجنحة الخيال الجامحة لما تشكك الشاكون فيما اثر عن العرب الاقدمين من شعر ونثر .. ولما تشككوا فى بعض ما اثر عن زعماء المسلمين الاولين .. فهذه رسالة عمر الشهيرة التى وضعت اول مسطرة قضائية فى الاسلام .. وهذه خطب علي بن ابي طالب ورسائله التى جمعها اصحابه واعتبروها " نهج البلاغة " فى الآداب العربية الاسلامية .. لقد خاص قوم فى شانها بحور ظلمات الانكار ووغلوا فى دروب التيه والضلال ، منكرين صحة تلك الآثار واثاروا فى وجهها عجاج الشبهات والشكوك .
وكذلك خطبة طارق ، فلقد طغى ازاءها ( الخيال ) الجامح على ( الحقيقة ) الثابتة .. فلو كان الامر يتعلق ببعض عبارات لخطبة لكان فى البحث متسع ، وللاخذ الرد مجال ، اذ يبدو شيء من التزيد فى بعض فقراتها .. نتيجة لتداولها بين الرواة عبر القرون والاجيال .. اما ان يكون الانكار يأتي عليها من اساسها فهذ ما لا سبيل الى قبوله والخوض فى ميدانه ، ما دام يرمي الى هدم لبنة غالية من صرح تاريخنا الادبي ومجدنا العربي ، لا يخص تاريخ الجزء الشمالي وحده بل تاريخنا الوطني الشامل ..
وبالاجمال فان هناك اكثر من دليل على صحة الخطبة وعلى عروبة طارق . . وعلى ان سكان ذلك الاقليم قد تعربوا بسرعة ، فكانوا والحق يقال اول اقليم تعرب فى المغرب وحافظ على عروبته فى صدق وامانة عبر الاجيال . وهذا ما نشاهده اليوم فى سكانه المعروفين " بجبالة  " من كونهم يمتازون بنوع من العروبة الخالصة لا تشاهد عند غيرهم ، توارثوها منذ ذلك الحين .. بل هناك شواهد اخرى على سرعة انتشار العربية فى جوانب الاقليم وما جاوره شرقا وجنوبا .. فهذه سبتة بدورها قد تعربت فى ذلك الحين ، ونبغ فيها علماء وشعراء معروفون باسمائهم وانتاجهم العربي ، وهذه اصيلة انجبت كثيرا من فطاحل العلماء فى ذلك الوقت المبكر .. وكذلك مدينة البصرة – القريبة من القصر الكبير ، والمندثرة اليوم .. نبغ فيها علماء وادباء مذكورة اسماؤهم فى كتب التاريخ .. بل ان اثر طنجة التعريبي المبكر – نجده جنوبا فى مدينة وليلي الادريسية وما حولها ( وبفضلها تأسست مدينة فاس حسبما سطر فى التاريخ ) – كما نجده شرقا فى اقليم الريف حيث تأسست مدينة النكور العربية ، فى صدر المائة الثانية من الهجرة ( القريبة من الحسيمة ) على يد صالح بن منصور الحميري وابنائه الذين اسسوا هناك دولة عربية قامت بجلائل الاعمال من بناء المساجد ، ونشر الثقافة العربية ، وتشجيع العلماء والادباء، واستقدامهم من سائر الاطراف .. وفى النكور هذه نزل الامير الاموي عبد الرحمن الداخل ، واخر المائة الثانية ، ومنها عبر الى الاندلس واسس الدولة الاموية العظيمة ..
لماذا نشك فى سرعة تعريب المغرب فى ذلك الحين خلال نحو ربع قرن او يزيد ، ونحن شاهدناه اليوم قد تفرنس فى اقل من ذلك بكثير ..
ان اعداء العروبة هى هذه الديار ، وفى خارجها ، هم الذين يزرعون هذه الشكوك ، ويوهموننا بمختلف الاقاويل بان المغرب بربري بعيد عن العروبة .
فنصل من هذا العرض الوجيز الى ان هذا الشمال قد تعرب وانه عن طريقه وبفضله تعربت بقية اجزاء المغرب واهتدت الى الصراط المستقيم .

بعض مزايا الشمال
واذا ازدنا ان نسترسل ونطنب شيئا ما فى تعداد فضائل ومزايا هذا الشمال فاننا نجده مصدر اشعاع فكري وعقائدي وثقافي على كثير من البلاد قاصيها ودانيها .
- فمنه انطلقت الدعوة الاسلامية جنوبا .
- ومنه انطلق ادريس الاول واسس الدولة المغربية الاولى واتخذ ابته ادريس الثاني فاس عاصمة الدولة.
- ومنه انطلقت الجيوش المغربية بقيادة طارق لفتح الاندلس اي من طنجة بالذات .. وقيل من سبتة وهو الاصح ..
- ومن سواحله انطلقت سائر الجيوش المغربية التى انقذت الاندلس غير ما مرة ..
ومنه خرج كثير من الرواد الاوائل يجوبون اقطار المعمور ، يستكشفون المجاهل ويصفون المعالم ..
من سبتة خرج الادريسي وجال وساح ، ودون احسن مرجع فى الجغرافية ووصف البلدان والعمران .. ووضع معه اول خارطة معتمدة للكرة الارضية جاءت افضل من خارطة سابقة بطليموس .
- كما خرج من سبتة رحالة آخرون كابن جبير وابن رشيد .
- ومن طنجة خرج الرحالة العالمي العظيم ابن بطوبة .. واليها رجع بعد ان قضى اكثر من عشرين سنة وهو يجوب الآفاق ويخترق الصعاب ، عاد وقد ملئت جعبته بأخبار المعمور الغريبة النادرة ، التى لا وجود لها الا فى رحلته " تحفة النظار" التى يز بها معاصره ماركو بولو الرحالة الايطالي الشهير .
- فأي خير قدمه هؤلاء الرواد الاوائل للانسانية جمعاء ، وهم ابناء هذا الوطن العزيز .
ولا تنسى ان اشيد باعلام آخرين سطع نورهم وشع خيرهم من هذا الاقليم .
- فهذا القاضي عياض السبتي الذى اشرقت انواره على بلاد المشرق كما اشرقت على بلاد المغرب ، فقال قائلهم :
مشارق انوار تبدت بسبتة  ومن عجب كون المشارق من غرب
مشيرا الى كتابه العظيم " مشارق الانوار " .
وهذا ابو العباس السبتي صاحب المآثر فى الجود ، صاحب الفلسفة القائلة : " الوجود ينفعل بالجود " . وكان يجمع المال من الاغنياء ويفرقه فى الفقراء ، واسس لذلك زوايا فى عموم المغرب اشهرها زاوية سيدي ابي العباس بمراكش .. ولهذا الشيخ نظرية طريفة فى خصوص مساعدة المرأة المحتاجة حيث قال : ان المرأة الجميلة هي اولى بالمساعدة والاحسان اكثر من الذميمة ، صونا للجميلة من الوقوع فى حبائل الغواية والتردي فى مهاوي الرذيلة .
وهذا القطب المولى عبد السلام بن مشيش ، صاحب حبل العلم الذى شعت منه انوار المعرفة الربانية الى سائر الارجاء شرقا وغربا الى ان صار مدى حياته ، وهو فى خلوته ، مقصد العارفين الكبار .. ولما توفاه الله ، بفعل الاعتداء الشنيع من المجرم الاثيم اين ابي الطواحين ، صار قبره مزارة عظمى الى اليوم . وليس عليه الا ضريح من حجارة وطين ، بدون قبة مرفوعة ، ولا فرش مبسوطة ، انما هو حوش من حجارة مركومة مفروش بالتراب والحصا ، تنفيذا لقول الشيخ : ان جده ليس الحسن من تراب .. فكانه ابن تيمية ، او احد وهابي هذا الزمان الذين يقولون : خير القبور الدوارس.
واخيرا ، فان هذا الاقليم شهدا احدانا كبارا ووقائع عظمى نصر الله فيها الاسلام واعز المغاربة اجمعين ، يكفي ان نذكر منها واقعة وادي المخازن التى ادل الله فيها للمغرب من اعدائه البرتغال ومن معهم من الاحلاف ( وخلدها ملكنا لهمام الحسن الثاني باطلاق سم وادي المخازن على السد العظيم المقرون انشاؤه على وادي اللكوس قرب العرائش ) .
ذلك الانتصار العظيم الذى عقبته انتصارات باسترداد كثير من المدن الساحلية التى كانت محتلة من البرتغال والاسبان والانجليز .. حيث استردت العرائش واصيلا والمعمورة وطنجة والجديدة وغيرها .. ولم يبق الا سبتة ومليلية وما انضاف اليهما من الجزر والسواحل التى تنتظر استرجاعها بحول الله وقوته .

اسباب اليقظة
واذا اراد شيئا هيأ اسبابه ، ورب ضارة نافعة .
فان احتلال الفرنسيين للجزائر ، ادى الى تدخلهم فى شؤون المغرب ، والى نشوب حرب بين الجانبين فى وقعة اسلي سنة 1844 .
ثم لم تلبث القوات الاسبانية بدورها تتحرش بالمغرب ، ليدخل معها فى صراع مبيت ، كان من نتيجته احتلال تطوان سنة 1860 ثم لم ينسحبوا منها الا بعد ان اتقلوا كاهل المغرب بغرامة مضنية وبشروط قاسية .. فاشتد الكرب من جهتين على المغاربة وتفاقمت الاهوال الاخطار واشتد الضغط الخارجي وتكالب الدول على اختلافها ما بين طامع وناقم ..
وقد اصبحت طنجة من جديد عش المؤامرات والتجمعات .. واشتغل الرأي الدولي عامة بقضية " المسألة المغربية " كما اشتغلوا فى ذات الوقت " بالمسألة الشرقية " .
وانعقدت مؤتمرات دولية : مؤتمر مدريد ينة 1880 الذى اسفر عن منح امتيازات خاصة لبعض الدول ، تخول لهم التدخل فى شؤون المغرب الداخلية .. ثم مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 الذى انفصل بالاعتراف بسيادة المغرب واستقلاله الا انه منح امتيازات واسعة لخصوص الدولة الفرنسية ( بحكم جوارها ومصالحها فى الجزائر ) ومنح امتيازات اخرى لاسبانيا لكونها تجاور المغرب وتحتل جوانب منه .
ولكي لا تقع الماساة الكبرى ويقع المغرب نهائيا فريسة تكالب الدولتين ، اخذت اصوات المصلحين تنادي بوجوب ادخال اصلاحات على جهاز الدولة المغربية ، ووجوب تسليح البلاد ، باسلحة حديثة ، وتجهيزها بمختلف المعدات الضرورية للمحافظة على كيانها .
فبادر المولى محمد بن عبد الرحمن ، وكذلك ابنه الحسن الاول ، باتخاذ التدابير الممكنة لاستدراك ما فات ، وتلافي تفاقم الاخطار وتكرار الاخطاء .. فكان من جملة التدابير المتخذة استقدام بعض الفنيين الاجانب لدراسة الحالة وتقديم لمقترحات المناسبة فاجمعت الآراء على احتياج المغرب الى تكوين الاطر الصالحة باسرع ما يمكن ، كي تنولى اخذ السلطة ، والقيام بالشؤون العسكرية والمدنية .
فوجهت بعثات عديدة الى مختلف انحاء اوربا .. ليتكون بعضها عسكريا ، والبعض فى العلوم والمهن والفنون الحديثة . كما وجهت اخرى الى بعض البلدان لشرقية وخاصة مصر .
ولكي لا اطيل ، فان هذا المسعى اتى ببعض النتائج اذ ان بعض الطلبة المبعوثين الذين استطاعوا ان يتغلبو على الصعاب ويعودوا بثقافة حديثة ، هم النواة الاولى للنهضة الثقافية المغربية الحديثة .. يضاف اليهم بعض الافراد الذين استطاعوا بوسائلهم الخاصة ان يحصلوا على ثقافة مماثلة تخول لهم القيام بالاعباء وتحمل المسؤوليات .
وكانت طنجة كما قلنا هي مسرح هذا النشاط الجديد ، فبعد ان كانت فقدت مركزها الطلائعي بحكم تبدل ظروفها التى نجمت عن احتلالها البرتغالي والانجليزي ( قرابة قرنين ) وبعد ان كانت تطوان من اجل ذلك هي مركز القنصليات الاجنبية فى الشمال والنشاط السياسي والثقافي – عاد النشاط الى طنجة من جديد وخاصة بعد احتلال تطوان .. فاقد اخذت بزمام مقاليد الامور الخارجية كعاصمة دبلوماسية ومقر النائب السلطاني – لكونها اصبحت محط الانظار ومقصد الاجانب من كل جانب –يعتمدون فيها قناصلهم ويؤسسون مراكز تجارية وثقافية ويزودونها بمختلف الوسائل الحديثة .
من ذلك انه كان يلاحظ خلال القرن التاسع عشر ، وجود جاليات كثيرة العدد لمختلف الدول فى طنجة ، ووجود تجهيزات حديثة من مدرس ومستشفيات ومراكز مواصلات كالبريد والتلغراف .. ثم احدث مراكز لحفظ الامن ودور تجارية ومصارف مالية .. واشياء اخرى انفردت بها طنجة فى فجر النهضة المغربية فيما يخص الثقافة هو المطابع ودور النشر والصحافة بمختلف اتجاهاتها : السياسية والثقافية والتجارية .. غير ان اكثرها كان بلغات اجنبية وتابعا للسفارات الاجنبية ، ومنها صحف تصدر بالعربية تابعة لا صحابها او لهجات اجنبية .
وهذه قائمة بالصحف العربية .. ضاربين صفحا عن الصحف الصادرة باللغات الاجنبية :
- جريدة " المغرب " :
صدرت سنة 1889 ، اول جريدة عربية صدرت بطنجة ، لصاحبها دانيال صوران المحامي ، وباسم عيسى فرح ، ومشاركة سليم كسباني ( شاميان ) .
- جريدة " السعادة " :
اصدرتها القنصلية الفرنسية سنة 1904 باسم ادريس الخبزاوي الجزائري ، وبمساعدة وديع كرم اللبناني .
- جريدة " ظهار الحق " :
صدرت سنة 1904 لصاحبها ابو بكر ابن عبد الوهاب وكان الاستاذ عبد الله كنون فيما بعد من جملة محرريها لما عادت من جديد .
- جريدة " الصباح " :
صدرت سنة 1906 ، اسبوعية سياسية ادبية علمية ، مديرها ابن حيون ومحررها وديع كرم ، وكان لها اتصال وثيق بالحركة الوطنية .
- جريدة " استقلال المغرب " :
اسست سنة 1908 للدكتور المستشرق هايمان البلجيكي ، ولعلها كانت تعبر عن اتجاه القنصلية البلجيكية .
- جريدة " لسان المغرب " :
صدرت سنة 1908 ، مديرها فرج الله نمور ورئيس التحرير اخوه ارتور ، وهي سياسية ادبية، تعنى بالشؤون المغربية ، وهي التى نشرت مشروع الدستور المغربي الذى كانت النخبة المغربية تطالب باعلانه وتطبيقه فى العهد الحفيظي وصحف اخرى لا نطيل بها .
ويتضح من هذه القائمة ماهية كل صحيفة او المنحى الذى تنحو اليه .. مما يغنينا عن كل تعليق .
وكانت هناك صحف اخرى تحرر اصول موادها فى فاس عاصمة المملكة ، وتطبع وتوزع فى طنجة كجريدة " الفجر " المؤسسة سنة 1908 التى كانت تعتبر لسان الحكومة المغربية ، وكان اللبناني الشهير نعمة الله الدحداح من جملة محرريها حينما كان يقيم بطنجة .
وباختصار فان الصحافة عرفت ازدهارا فى طنجة فى تلك الفترة الحرجة .
ولم يكن ينافس طنجة فى مضمار الصحافة اذ ذاك الا سبتة وتطوان اللتان كان لهما بعض السبق التاريخي فى اصدار الصحف وخاصة جريدة " اثنين سبتة " التي كانت تصدر بسبتة يوم الاثنين بحروف عربية وذلك سنة 1883 .. اي قبل جريدة " المغرب " الآنفة الذكر.
ونذكر كذلك جريدة " تلغراف الريف " التى كانت تصدر احدى صفحاتها بالعربية بمدينة مليلية (1901 – 1951 ) ، وكان البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي احد محرريها بالعربية اثناء مقاومه بمليلية .
بيد ان الحكومة المغربية يظهر انها تضايقت اذ ذاك من كثرة هذه الصحف المتضاربة وما تحدثه من التشويش والبلبلة فى الافكار فوجهت عن طريق النائب السلطاني بطنجة السيد محمد الطريس الى السلك الدبلوماسي بطنجة امرا بايقاف الصحف التى يصدرونها او يوجهونها ، بحجة ان المغرب لا يتوفر على قانون للصحافة والمطبوعات فى ذلك الحين .. غير اننا لا ندري مدى مفعول هذا القرار الجريء ، وانما اغلبية الصحف قد توقفت واختفت لسبب او لآخر .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here