islamaumaroc

في رحاب الرسول (صلعم)

  دعوة الحق

158 العدد

يا ايها الحادي وشوقك شوقنا         سر عن يمين الواديين معرجا
واسلك بأعلى الرقمتين وخذ الى     دار النبوة والهداية منهجا
لا متعت عيني بلذة نومها  حتى      ترى ذاك المحل الابهجا
يا سعد ، ان قرب المزار وجئتها    ثق للهموم هناك ان تتفرجا
لم يكن الليل قد جمع نجومه المنثورة من صفحة السماء حين دار محرك السيارة الغادية الى طيبة .. الى العاصمة الغراء .. الى قوية الانصار .. الى يثرب .. الى المدينة المنورة.
كان الوقت فجر اليوم الاخير من رمضان ، والمكان مدينة جدة .
وكان الشوق يهز جوانحنا الى دار كانت موئلا للرسول يوم هجرته .. وصدق رسول الله :
" لا تقوم الساعة حتى ينحاز الايمان الى المدينة كما ينحاز السيل الى الدمن "
وصدق رسول الله :
" ان الايمان ليأرز (اي يرجع ) الى المدينة كما تأرز الحية الى جحرها " .
وصدق رسول الله :
" المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون . لا يدعها احد رغبة عنها الا ابدل الله فيها من هو خير منه ، ولا يثبت على لأوائها وجهدها احد الا كنت له شفيعا او شهيدا يوم القيامة . ولا يريد احد اهل المدينة بسوء الا اذابه الله فى النار ذوب الرصاص ، او ذوب الملح فى الماء " .
                                          - * -
وفى ركابنا كان طفلان صغيران.
ومن عجب – ولا عجب – انهما متشوقان تشوقنا الى بقعة طاهرة منورة .. حريصان حرصنا .. يسألان ويلحان : " متى ينقضي الطريق يا أبتاه ؟ متى ، يا أماه ؟ " فريحهما وهما غاديان الى دار الفتح والاسلام ، ورائحان !
وطوبى لنا والطريق ينطوي تحتنا .. ليتحقق امل قديم ، وليزهر فى انفسنا رجاء مكنون .
ومهما طال الطريق واستطال ، فلابد من رحاب النبوة . لابد من ضيافة الجد رسول رب العالمين .
وكم كان السرى ممتعا ، ونحن تيمم شطر دار القوم الذين آووا والذين نصروا .

وعبرت بنا فى الطريق قرى ومواقع ، وجبال ووهاد لها مع التاريخ حكايا ، ولها مع العصور اقاصيص وعبر:
فى البدء كانت " ذهبان " فى طريقنا .. ثم كانت " تول " وكانت " القضيمة " ثم حللنا " برابغ " و " بالمستورة " .
ووافينا ، من بعد ، " بدرا " حيث كانت اول حرب شنها المسلمون على المشركين فكان النصر للمسلمين مؤزرا مبينا " :
طلعوا فى سماء بدر نجوما  بينهم سيد الانام ذكاء
احرقت شهبهم عناة قريش  ولهيب الحريق تلك الدماء
حمزة مع عبيدة وعلي    وطعنوا الشرك والرحا الهيجاء
هزم الجمع مثلما اخبر الله  وفرت حياتهم والحياء
هي بدر والفتح شمس وباقي  الغزوات النجوم والاضواء
                                          - * -
وتابعنا الميسر فيممنا شطر " الحمراء " و " الصفراء " وعرجنا على " المسيجيد " و " بئر الفريض " ، ولما تناهت بنا الطريق الى  " بئر علي " كنا  فى مشارف المدينة المنورة النيرة .
وقال صاحبي : لقد انطمست من الليل آيته ، وتنفس الصباح ، واقبل النهار البصير . وحمدنا السرى ، وعند الصباح يحمد القوم السرى !
واذا ما اعلام سلع تراءت   لي ولاحت انوار تلك النواحي
وتبدى النخيل يجلى من القن  وان والطلع فى حلى ووشاح
زال عني ليل النوى وجلا الصبح لعيني فالق الاصباح
بلغت المنى ، وفارقت اتراحي  وتمت بالمصطفى افارحي
ووكلت التعبير عم فرط اش  واقي ووجدي الى دموعي الفصاح
                                          - * -
ولقد امتد الطريق الذى طالما سلكته نياق الحجيج وعيسهم ، حتى اذا زمزم لها الحادي يذكر خير الورى طربت وانتشت .
ولقد طال الطريق قبل ان تزف منارتان هيفاوان من منارات المسجد النبوي قرب المحل الابهج.
ها هي ذي المدينة المنورة اخيرا ، وها هي ذي تلاعها .
ها هي مدينة ابي القاسم ..
فصلى عليه الله ما هبت الصبا  وما صدحت قمرية فوق دوحة
ويا شوقنا يا سلع اليك . يا شوقنا الى ذلك المزار . يا شوقنا الى لقاء ابن عبد الله . الى لقاء ابن آمنة. يا شوقنا الى لقاء القاتل : " انما انا ابن امراة تاكل القديد بمكة " .
وسلع جبل من جبال المدينة . وكذلك سليع . ومن جبالها ايضا جبل كان على رسول الله عزيزا ، وهو " احد " . وقد وردفى فضله ان النبي صلى الله عليه وسلم تحدث عنه فقال : " احد جبل يحبنا ونحبه " . وقال فيه ايضا : " ان احدا على باب من ابواب الجنة .. فاذا جئتموه فكلوا ، ولو من عضاهه " .
وارض المدينة سهل واسع تكتنفه حرتان ، شرقية وغربية .
وتضرب واحات النخيل ، والحقول الخضراء طوقا حول المدينة المقدسة .
ولقد احب محمد النخيل حبا جما :
- الم يقل : " اكرموا عمتكم النخلة " .
- الم تكن آخر وصاياه : " ضعوا على قبري جريدة خضراء " .

- الم يصدر امره للرجال المقاتلين : " لا تقطعوا شجرا ولا تحرقوا نخلا " .
وفى غربي المدينة واد جميل .. كان وما يزال آمنا مطمئنا ، وكان فى فجر الدعوة الاسلامية آهلا عامرا . اسم هذا الوادي اسم طالما نغنى به الشعراء .. انه " وادي العقيق " اشهر الاودية الستة المحيطة بالمدينة . ورحم الله من ذكر العقيق فيمن ذكر فقال :
فهيهات هيهات العقيق ومن به   وهيهات خل بالعقيق نسامره
ويورد بعض المؤرخين ان العقيق اسم عام لكل مسيل ماء شقه السيل فأنهره ووسعه . وسبب التسمية هو ان تربة ذلك الوادي رملية تغلب عليها الحمرة .
ويروى ان تبعا كان مر بالعقيق فقال : " هذا عقيق الارض " .
وهاهي ذي المدينة اخيرا . المدينة  التى كان قد اسسها قبل الاسلام ، فيما يقال : " يثرب " وهو واحد من العمالقة الذين سكنوها اول من سكن .
هاهي ذي اقدس بقعة اسلامية بعد مكة .
هاهي ذي الارض الطيبة من حيث خرجت طلائع الفتح ، تحارب الظلام ، وتصد الدياجير . فكان نور ، وكان ضياء ، وكان سطوع .
وليس فى المدينة اليوم من الآثار والمخلفات ما يروع الناظرين من دور وقصور .
وانما فيها اثر يتطاول الى الجلال ويتسامى الى الخلود : انه المسجد الشريف . مسجد الرسول الاعظم القائم فى موضع كان يسمى " المربد " وكان لسهل وسهيل وهما غلامان يتيمان من بني النجار.
كان الرسول الله قد قدم المدينة الشريفة – دار هجرته – يوم الاثنين الثالث عشر من شهر ربيع الاول ، فنزل على بني عمرو بن عوف حيث اقام اثنتين وعشرين ليلة ، وقيل اقل من ذلك .. ثم توجه الى المدينة فنزل على بني النجار بدار ابي ايوب الانصاري حيث اقام سبعة اشهر حتى بنى مساكنه ومسجده فى الموضع المذكور .
ويروى ان النبي صلى الله عليه وسلم اشترى موضع المربد من الغلامين اليتيمين بعشرة من الدنانير – وقيل ، وهباه لرسول الله . ومن ثم شرع الرسول يبني مسجده بيديه الكريمتين وكان ينقل لبن البناء بثيابه ، يساعده فى ذلك المهاجرون والانصار.
وجعل الرسول على مسجده الشريف حائطا ولم يجعل له سقفا ولا اساطين . وقيل انه جعله مربعا طوله مائة ذراع . ولما اشتد الحر تكلم اصحابه فى سقفه ، فاقام له اساطين من جذوع النخل ، وجعل سقفه من الجريد . فلما امطرت السماء سال الماء فكلم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرسول فى عمله بالطين ، فقال : كلا، عريش كعريش موسى ، او ظلة كظلة موسى . قيل ، وما ظلة موسى ؟ قال رسول الله ، كان اذا قام اصاب السقف وأسه .
جعل للمسجد ابواب ثلاثة ، ثم سد الجنوبي منها عندما حولت القبلة . وبقي المسجد على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومضت الايام . ودخل الناس فى دين الله افواجا .. وكان لابد من توسعة فى مسجد الرسول تتلوها توسهة وتوسعة . فلما كانت ايام عمر بن الخطاب زاد فيه .
ولما تولى عثمان بن عفان جدد بناء المسجد بالحصباء والحجارة ، وسقفه بالخشب وبيضه .
وفى العهد الاموي ، اقام الوليد بن عبد الملك مكان المسجد مسجدا ، وزين سقفه بالذهب .
وفى الحديث ، ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الى جذع نخلة بالمسجد فلما صنع له المنبر ( وقيل : من طرفاء الغابة ) وتحول اليه ، حن الجذع حنين الناقة الى حوارها . ويروى ان رسول الله نزل اليه فالتزمه ، فسكن ، وقال لو لم التزمه لحن الى الى يوم القيامة .
واستمرت التوسعات والاصلاح .. وقام سلاطين مصر وبني عثمان بعمارة المسجد النبوي . واستمرت عمارة المسجد فى عهد السلطان عبد الحميد اثنتي عشرة سنة ، وتمت فى سنة 1265 للهجرة .

وامتدت يد الاعمار فى العهد السعودي الى الحرم النبوي حيث اصبحت مساحته ضعف ما كانت عليه من قبل .
والسعيد بزيارة المسجد النبوي الشريف اليوم ، يشاهد اثرا من ابدع معالم العمران فى العالم .
ودخلنا الحرم الآمن دخول الرجل الذى ملأ الوجد قلبه .
وكان يومنا ذاك ، وهو الاخير من رمضان ، يوما عظيما .
واخذتنا روعة اللقيا ، فشدهت منا الخواطر والالباب ، وعشنا لحظات تنعم بنفحات من أريج النبوة الزكي .. قرب محمد :
لقد جئناك يا محمد مسلمين مسلمين ، فهل تقبلنا ؟ جئناك ظماء لعطف قلبك الكبير ، فهل تعطف علينا ؟ جئناك آملين فى شفاعتك الكبرى ، فهل تكون شفيعا لنا ؟ جئناك لنصلي عليك ، يا من كلمك الجماد ، ويا من نبع الماء من بين اصابعك . جئناك يا محمد ، ضيوفا على مائدتك وكاننا على موعد معك معقود منذ اربعة عشر قرنا .
وكنت مبتهجا .. وكان الطفلان الصغيران – اللذان يركضان بأرجلهم خلفي – مبتهجين .
واستعدت فى نفسي قول الرسول الكريم ، وانا على عتبة باب المسجد الشريف :
" ان لله فى ايام دهركم نفكات ، الا فتعرضوا لنفحاته " .
شكرت الله الذى هيأ لي هذا ، واستغفرته ، وسألته ان يفتح لي ابواب رحمته .
واتيت الحجرة النبوية ، وبها مدفن الرسول وضجيعيه : أبي بكر ، ثاني اثنين اذ هما فى الغار ، وأبي حفص ، أبي الفقراء والمعوزين عمر بن الخطاب الذى قال فيه رسول الله : " لو كان نبي من بعدي لكان عمر " كما قال فيه ايضا : " ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر ".
وفى وسط الزحام وقفت :
السلام عليك ايها النبي ورحمة الله
الصلاة والسلام عليك يا نبي الله .
الصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله.
السلام عليكم وعلى سائر الانبياء والمرسلين ، وعلى اهل بيتك الطيبين الطاهرين .
السلام عليكم وعلى اصحابك اجمعين ، وعلى عباد الله الصالحين .
صلى الله وسلم عليك يا صاحب المقام المحمود والحوض المورود .
صلى الله وسلم عليك يا من وصفك الله تعالى في القرآن الكريم : " وانك لعلى خلق عظيم " .
                                          - * -
ورحت مع النجوى كل رواح .. ووددت لو فنيت فى نجواي . وغمرني شعور من الروحانية ضاعت فى ثناياه احساساتي ، وغابت فى خضمه هتافاتي .. وعراني عي عقل مني اللسان . ولست بمتمكن م تصوير موقفي ذاك ، وما اجد الى ذلك من سبيل .
وانقضى بانقضاء ذلك اليوم ، رمضان ، وبزغ هلال العيد .
كان النبي اذا ظهر الهلال نظره فى السماء احتفاء بظهوره وناجاه قائلا : " ربي وربك الله " .
واقبلنا الى المسجد صبيحة العيد فى دتارنا .. فقد كانت صبيحة تناوحت فيها الرياح الباردة وكانت جنبات الحرم تغص بمن فيها .
ووقف خطيب المسجد الحرام يلقي على الملأ على المنبر ، خطبة العيد ، على مقربة من الحجرة النبوية الشريفة .. وسمعت اول الخطبة ولم اسمع بقيتها : ذلك انني رحت فى سنة من التصورات استعيد الذاكرة صورا لم تكن قد وعتها فى عالم الواقع . صورا خلقها الخيال ولونها وافاض عليها من اشكاله وخطوطه . صورا انقضت جدتها فبقيت ، وطوت الايام والدهور صفحتها ، وما انطوت ، منذ اربعة عشر من القرون .. منذ كان مبعث هذا الراقد فى هذا المثوى، رسولا لرب العالمين، ليؤدي الرسالة التى ادى ، وليبلغ الامانة التى بلغ ، وليجاهر بحقيقة الدعوة .. فزهق الباطل ، وظفرت دولة  الحق .
لا لست احمل قلما يستطيع ان يتطاول الى وصف عظمة النبي ورسالته . واي قلم يجرؤ على ان يزعم انه يستطيع التطاول الى حصر عظمة الرسول والرسالة فى عبارات جافة وجمل .
هنا ، تحت تلك القبة الخضراء حيث يطوف في كل يوم طائفون ، ويبتهل مبتهلون، ويتوسل متوسلون . هنا ، يرقد امام المتقين الذى بصر الناس بأن يتقوا الله حق تقاته، وبأن يختطوا نهجا لن يضلوا ان اتبعوه ابدا .
هنا ، يرقد رسول الله ، رسول الهدى الذى محا بسنا رسالته الشريفة ظلام الدياجير وكسر شوكة الاعاصير .. فهوت اصنام الجهالة امامه صنما فصنما .. وانهدت اعمدة الضلالة عمودا فعمودا .
او يسأل احد ، بعد ، عمن يكون هذا الراقد الذى يهوي الى اعتابه الزائرون من فجاج الارض !!
- انه محمد . نبت هذا الوادي غير ذي الزرع .
- انه محمد . حامل لواء الرسالة التى شغلت العالم وشدهته .. ولا تزال.
- انه محمد . ومن ، فى اديم البسيطة ، من لم ينته اليه اسم محمد ؟!
ومن عجب – ولا عجب – ان تنصرم اربعة عشر قرنا يظهر فيها من يظهر من مفسرين وفقهاء ومجتهدين ومحدثين ورواة ومشرعين وعلماء ، يفسرون ويروون ويجتهدون ويحدثون فى امور الدنيا والدين دون ان يصلوا الى قرار هذا المعين الذي كشف محمد غطاءه لينهل منه الناهلون وليرتوي المرتوون ..
وما ارسلناك الا رحمة للعالمين .
اما الذين قاموا يضطهدون ويعذبون ويشككون ويسفهون ويحاربون ويقاتلون فقد طواهم الطاوي وبقي الدين لله .. وبقيت الرسالة السنية ، وبقي الحق .. وقامت بيوت الله فى جنبات الارض وارجائها بذكر فيها اسمه ، وترتفع فيها كلمته ، ويرتل فيها قرآنه الكريم .. وويل يومئذ للمكذبين .
                                          - * -
وهنئنا بأيام قليلة فى " طيبة " كرمها الله ، بجوار الرسول ، كنا نتردد بين المسجد النبوي حيث الحمائم الآمنة تحط اسرابها لتلتقط الحب فى حصاة المسجد ، وتطير .. وبين الاسواق العامرة التى تفيض بالسلع والخيرات ، وبالمكتبات والوراقين .
هنيئا لكم يا زائرين ضريحه       امنتم به يوم المعاد من الرجس
وصلتم الى قبر الحبيب بطيبة      فطوبى لمن يضحى بطيبة او يمسي
                                          - * -
وتحولنا الى بقيع الغرقد بشرق المدينة الشريفة ، وهو من المزارات الكثيرة التى يقصدها الزائرون .
والبقيع لغة ، هو الموضع الذى به اصول الشجر ، وفيه دفن بعض قرابة رسول الله وصحابته. ولا يزال بقيع الغرقد مقبرة المدينة الوحيدة منذ عصر الرسالة .
وفى البقيع ، وقفنا ذاهلين . وكيف لا يذهل المرء ، وهو فى حضرة عشرة آلاف صحابي . وهناك قلنا : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين . اللهم لا تحرمنا اجورهم ، ولا تفتنا بعدهم ، واغفر لنا ولهم .
انها بقعة عامرة بأناس كانوا فى عهودهم رؤساء .. وكانوا فى ايامهم قادة وأبطالا مناضلين مجلين منافحين عن بيضة الاسلام :
ها هنا جدث ذي النورين عثمان :
وها هنا قبر أبي سعيد الخدري صاحب رسول الله وراوى احاديثه .
وفى ذلك الركن السلالة الطاهرة النبوية الكريمة : قبر ابراهيم بن رسول الله وقبر اخته رقية بنت رسول الله .
وفي تلك الزاوية قبر عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب وسعد بن ابي وقاص ، وعبد الله بن ذي الجناحين جعفر بن ابي طالب وعبد الرحمن بن عوف ، وعبد الرحمن بن مسعود صاحب سر رسول الله وصاحب سواكه ونعليه وطهوره فى السفر .

وفى البقيع كذلك قبر امام دار الهجرة ابي عبد الله بن انس ، وقبر فاطمة بنت اسد بن هاشم ام علي بن ابي طالب ، وقبر العباس عم رسول الله .
وان سالت عن فاطمة الزهراء ، وعن زين العابدين علي بن الحسين ، وعن الحسن بن علي سيد شباب الجنة الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" اللهم اني احبه فاحبه " .
- ان سألت عن هؤلاء فاليقيع ينبئك .
وانها – وايم الحق – اسماء فتحت للتاريخ فى دخولها رحاب الخلود والمجد ابوابا وعقدت مع النضال فى باحات العقيدة العهود والمواثيق – فنصر الله تلكم الاسماء التي لم تكن شهبا عارضة، بل نجوما ثابتات متألقات .
                                          - * -
وفى سفح " احد " الذى احب رسول الله ، واحبه رسول الله وقفنا ، فيا له من جيل مبارك ، قال له الرسول حين كاد يميد يوم قضى حمزة شهيدا : " اثبت احد فان عليك نبيا وشهيدين " . فثبت الجبل وما ماد بعد .
وكلما اشرقت الشمس  وامتدت بشعاعها الى سفح احد كل صبح جديد ، على بعد فرسخ من المدينة ، حيث انوار النهار قبرا قائما هناك ، هو قبر أبي يعلى سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ... وكلما اشرقت الشمس وامتدت بشعاعها الى سفح جبل احد حيث قبور من حول قبر حمزة من الشهداء الذين لا قوا ربهم يوم الواقعة المشهورة ، ومنهم عبد الله بن جحش ومصعب بن عمير .
هناك وقفنا ورددنا مع المرددين :
السلام عليكم يا شهداء احد . السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.
ومضى حمزة شهيدا فجل   الخطب فينا واخرس الخطباء
عيني ابكي واسعديني قفد عيل   اصطباري وعز مني العزاء
قتلوه بقومهم يوم بدر       ويشع من نعله هم بواء
                                          - * -
وفى مظاهر المدينة كانت مظاهر العيد شائعة ذائعة . الجو مشرق واضح القسمات . ومنارات المسجد الشريف ذاهبات فى السماء الزرقاء . والصبية يغدون ويروحون عبر الشوارع والدروب فى حبور وسرور .. يلبسون العباءات الصغيرة ويغطون رؤوسهم بالكوفيات الناصعة البياض . اما الفتيات الصغيرات فقد اسب عليهن العيد ثيابا تحاكي ثياب العرائس .. وفوق رؤوسهم خمر بيض .
ولله در الماعز المنتشرة فى طرقات المدينة مع صغارها . انه قلما يخلو بيت فى المدينة من ماعز تدر الحليب لاصحابها .
والباعة فى المدينة منصرفون الى امورهم يبيعون ولا يساومون .. فان راقت السلعة فى عينك اشتريت .. والا مضيت ، لشأنك .
وامام باب الحرم النبوي باعة القمح يفترشون الارض منادين قائلين : " الحب ، الحب " وفى الناس من يعرد عليهم فيشترى منهم لينثر القمح فىحصاة المسجد طعاما لحمام الحمى ، انه الرزق الحلال لتلك الحمائم ، والله وحده الرزاق بغير حساب .
                                          - * -
وطفنا بمساجد المدينة ، وادينا فى كل منها تحية المسجد ، والمدينة بلد المساجد المأثورة المشهورة نظرا لصلة بيوت الله تلك بالنبي صلى الله عليه وسلم .
فهذا مسجد قباء المذكور فى سورة التوبة ، وهو اول مسجد اسس على التقوى ، واول مسجد انشيء فى المدينة ، وفيه رحبة قيل ان بها مبرك ناقة الرسول الذى كان يأتيه كل يوم سبت . وهذا مسجد الجمعة ، وفيه صلى رسول الله اول جمعة بالناس ، يوم اقبل من قباء زمن الهجرة الى المدينة .
وفى الجنوب الغربي من الموقع المسمى ب " المناخة " فى المدينة المنورة يقوم مسجد الغمامة ،
وبقرب موقعه كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيم صلاة العيدين .
وفى الناحية الغربية من جبل سلم ( الذى يقع فى شمال المدينة ) يقوم مسجد الفتح ، ويعرف باسم مسجد الاحزاب ، لانه بني فى الموضع الذى دعا النبي فيه على الاحزاب فى غزوة الخندق فاستجاب الله الدعاء وفتح على المسلمين .
وعلى احدى الهضاب ، فى الشمال الغربي من المدينة يقوم مسجد صغير ، هو مسجد القبلتين الذى صلى الله فيه النبي متجها الى بيت المقدس ، وفيه امر بالتحول شطر البيت العتيق .
                                          - * -
ثم .. ازف الترحل .
ووقفنا عند رسول الله مسلمين :
اللهم لا تجعل هذا آخر العهد بمسجد رسولك وحرمه .
اللهم يسر لنا للعودة الى الحرمين سبيلا سهلا .
اللهم ارزقنا العفو والعافية فى الدنيا والآخرة .
                                          - * -
وفى طريق العودة ، كان البرق يبدو فى الآفاق ، فتمثلت قول القائل :
حي يا برق بالحجاز عريبا      من نداهم لكل روح غذاء
حي يا برق بالمدينة حيا         لعلاهم قد دانت الاحياء
منهم الغاديات نالت حياها       واستمدت حياتها الاحياء

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here