islamaumaroc

الأحجار الكريمة في الفكر العربي

  دعوة الحق

158 العدد

الاحجار الكريمة زهور لا تذبل ، ولا يزول قدرها مع الزمن ، تجتذب الانظار بالوانها الجذابة ، وبريقها الاخاذ.
ولهذا جلبت اهتمام الانسان منذ اقدم العصور ، وكان لصلابتها ومقاومتها لكل عارضة اثر كبير فى الفكر الانساني ..
وان جلالة الطبيعة باسرها ، لمركزة فى اصغر نطاق ، داخل الاحجار الكريمة .. وانه ليكفي حجر واحد من هذه الاحجار .. كي تقف على قمة الخلق ، وذروة الابداع ..
وللاحجار الكريمة خصائص كامنة منحتها لها الطبيعة .. والصفات التى تتميز بها ، هي التى تتحكم فى تقديرها ..
وكما تمدنا مملكة المعادن بكثير من الاحجار الكريمة ، فان مملكة الحيوان كذلك تفدق علينا اللؤلؤ، والمرجان ، والعاج . كما تمنحنا مملكة النبات : الكهرمان الاصفر ، والكهرمان الاسود .
واحجار مملكة المعادن عامة ، اكثر صلادة وقوة  من احجار المملكتين الاخريين ، وهذه الصلادة هي التي تكسبها صفة البقاء .. ولولاها لتأثرت بعوامل التفتت والعطب .. وكلما زادت درجة الحجر ، كلما سما قدره ، وعلا شأنه (1).
والاحجار عموما كالاحجار وردت فى القرآن الكريم على معادن كثيرة ، أهمها :
اولا : وردت بمعنى حجر الكبريت ، قال تعالى : " وقودها الناس والحجارة " (2) . وقيل بل هي الحجارة بعينها ، ونبه بذلك على عظم تلك النار ، وقيل اراد بالحجارة الذين هم فى امتناعهم وصلابتهم عن قبول الحق كالحجارة ، كمن وصفهم بقوله : " فهي كالحجارة او اشد قسوة " (3).
ثانيا : وردت بمعنى الجبال ، قال تعالى : " وان من الحجارة لما يتفجر منه الانهار ، وان منها لما يشقق فيخرج منه الماء ، وان منها لما يهبط من خشية الله ، وما الله بغافل عما تعملون " (4).
ثالثا : وردت بمعنى حجر موسى عليه السلام ، قال تعالى : " فقلنا اضرب بعصاك الحجر " (5) .
رابعا : جاءت بمعنى حجر العذاب لقوم لوط ، قال تعالى : " وامطرنا عليهم حجارة من سجيل " (6).

خامسا : جاءت بمعنى حجر الكعبة على اصحاب الفيل ، قال تعالى : " ترميهم بحجارة من سجيل " (7) والحجر يقول عنه الفيروزابادي : هو الحجر الصلب ، وجمعه احجار فى القلة ، وفى الكثرة حجارة وحجارة (8) .
والاحجار الكريمة قد اهتم بها القرآن الكريم ، اهتماما لفت الانظار ، وكان من ذلك ان اعطاها من اساليب التشبيه ، ما زادها سناء ، ورفع من قدرها ..
قال تعالى : " وحور عين كامثال اللؤلؤ المكنون " (9) واللؤلؤ : الدر ، واللؤلؤ المكنون : الذي لم تمسه الايدي ، ولم يقع عليه الغبار ، فهو اشد ما يكون صفاء ونقاء .
و " حور عين كامثال اللؤلؤ المكنون " بمعنى انهن – الحور العين – فى تشاكل اجسادهن فى الحسن من جميع جوانبهن (10) .. كما قال الشاعر :
كانما خلقت فى قشر لؤلؤة   فكل أكنانها وجه لمرصاد
وكامثال اللؤلؤ المكنون : كامثال الدر ، يخرج من صدفه وكنه لم يغيره الزمان ، واختلاف احوال الاستعمار ، فصفاءهن وتلالؤهن ، كصفاء الدر وتلألئه (11) .
وقد شبهت الشعراء بالدر ، ولم تأت بهذه الصفة ، فى هذا الاختصار . ومن ذلك قول النابغة :
كمضيئة صدفية غواصها  بهج متى يراها يهل ويسجد (12)
وقال الاعشى :
وقد اراها بين اترابها            فى الحي ذي البهجة والسامر
اذ هي مثل الغصن ميالة         تروق عيني ذي الحجى الزائر
كدمية صور محرابها            بمذهب فى مرمر مائر
او بيضة فى الدعص مكنونة   او درة سيقت الى تاجر
لو اسندها ميتا الى نحرها       عاش ولم ينقل الى قابر (13)
وقال الفرزدق :
كدرة غواص رمى فى مهيبة    باجرامه والنفس يخشى ضميرها
موكلة بالدر خرساء قد بكى     اليه من الغواص قدما نذيرها (14)
ومن مليح الكلام ومختاره قول جرير :
ما استوصف الناس من شيء يروقهم   الا ارى ام نوح فوق ما وصفوا
كانها مزنة غراء لائحة    ودرة ما يواري ضوءها الصدف (15)

وقال ابو نواس :
ظبي كان الله ال   به قشور الدر جلدا (16)
ويقول بشار :
كانما خلقت من قشر لؤلؤة  فى كل اكنافها حسن بمرصاد (17)
وقال ابن الرومي :
تواضع الدر اذ البسن فاخره فكن درا وكان الدر اصدافا (18)
وقال تعالى : " كانهن الياقوت والمرجان " (19) والياقوت فارسي معرب ، والواحد منه ياقوتة، والجمع : اليواقيت . وهو ثلاثة اجناس ، اصفر واحمر وكحلي .. فالاحمر اشرفها وانفسها ، وهو حجر اذا نفخ عليه النار ، ازدد حسنا وحمرة ، فان كانت فيه نكتة شديدة الحمرة وادخل النار ، انبسطت فى الحجر ، فسقته من تلك الحمرة وحسنته .. وان كانت فيه نكتة سوداء ، قل سوادها ونقص ، ولاصفر منه اقل صبرا منه على النار من لاحمر . وأما الكحلي فلا صبر له على النار البتة (20)
وقال قوم : المرجان صغار اللؤلؤ ، الا ان صاحب الجمان قال : ولا يصح ما قالوا ، لان المرجان جنس آخر : وهو احمر اللون ينشأ فى قرار البحر متشجرا ، ويخرج بالكلاليب ، قال تعالى : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان " (21) . ولو كان المرجان صغار اللؤلؤ ، لما كان فى هذا التكرار فائدة (22).
والتشبيه هنا بالمرجان ، ليدل ذلك على تشبيههم بالياقوت الاحمر ، وهو احسن الياقوت ، قال الشاعر :
هجان عليها حمرة فى بياضها  تروق بها العيتان والحسن احمر
وانشد الخليل بن احمد :
انما الذلفاء ياقوتة   اخرجت من كيس دهقان (23)
وقال القائل :
هي كالدرة المصونة حسنا  فى صفاء الياقوت والمرجان
وقالوا فى اسماء النساء ياقوتة ، كما قالوا فى تسميتهن : لؤلؤة ومرجانة ، وذلك مثل ما ذكروا فى وصف زينتهن ، كقول النابغة :
بالدر والياقوت زين نحرها  ومفصل من لؤلؤ وزبرجد (24)
وان الباحث والمفكر ، يجد ان الاشعار العربية ، فيها كثير من انتشبيهات بالجواهر ، وهذا يفيد ان الفكر العربي لمس فيها الجمال والدقة والابداع.
وقد ورد عن امريء القيس :
فاسبل دمعي كفيض الجما  ن والدر رقراقة المنحدر
وعن طرقة بن معد يكرت :
وفى الحي احوى ينفض المردشان مظاهر سمطى لؤلؤ وزبرجد

قال الصنوبري :
كانما النرجس فى روضة    اذا شنته الريح من قرب
اقداح ياقوت تعاطيكما        انامل من لؤلؤ رطب
وقال ابراهيم النظام :
يقى بلؤلؤ فى جوف لؤلؤة   من كف لؤلؤة فاللون حي
ماء ماء وفى ماء يديرهما    ماء جرى فيهما الفكر وهمي
ويقول ابو الفرج بن هند :
البحر يخزن دره فى قعره  وغناؤه المبدول للرواد
ولا عجب فان انشعراء يستمدون تشبيهاتهم من نفائس الاحجار ، وقد اختص بهذا النوع من التشبيه ، لاول مرة ، الادباء العرب ، فى دولة بني عباس ، واخذه عنهم الشعراء فى سائر البلاد الاسلامية . ودواوين هؤلاء الشعراء ، مملوءة بهذه الاوصاف .
وهذا على بن جهم يشبه الورد بالياقوت ، يحيطه الزمرد ، وفى وسطه تبر مسبوك ، يقول :
كحقة عاج ضببت بزبرجد         صوت قطع الياقوت فى عطن القطن
ولله در القائل :
كان محمر الشقيق اذا تصوب او تصعدت اعلام ياقوت نشرن على رماح زبرجد
وفى كل هذه التشابيه يكثر ذكر الياقوت ، لانه يعتبر الجوهر الاعلى قيمة ، ويذكر البيروني فى كتاب الاحجار ، وكذلك القلقشندي ، فى المكان الاول من نفائس الاحجار .
ومن اجمل ما ورد فى وصف الياقوت شعر البحتري ، فى خاتم ياقوت :
بياقوتة تيهي علي وتشرق
بعار حمرار الورد من حسن صبغها  ويحكيه جادي الرحيق المعتق
اذا برزت للشمس قلت تجارتا   الى امد او كادت الشمس تسبق
اذا لتهيت فى اللحظ ضاهي ضياؤها  جبينك عند الحرد اذ يتالق
ولا يخفى على الباحثين ما قدمه العرب ، من البحوث والدراسات الجادة ، فى علم الاحجار الكريمة ، منذ ازدهرت الحضارة الاسلامية .
ولا غرو فى ذلك ، فان البلاد الاسلامية الفسيحة ، اشتملت على شتى المعادن وانواع الاحجار الكريمة ، كما اشتهرت السواحل العربية بمغاص الدر والمرجان وكان تجار البلاد العربية يستوردون اصناف الجواهر المختلفة من الشرق الاقصى والهند وسيلان .
ويعد من اقدم الخبراء عند العرب ، والذين لهم صلة بالجواهر فى الهند ، لصباح جد يعقوب الكندي ومن المشهورين من طبقة الجوهريين ، على ايام بني مروان ، وبني العباس ، عون العبادي ، وأيوب ويعقوب الكندي ، وعبد الرحمان بن الجصاص وبن بهلول..
وبعد كتاب " الجماهير فى معرفة الجواهر " لابي الريحان محمد البيروني (25) ، من خير ما كتبه العلماء العرب ، فى هذا الموضوع .
وقد رجع عند كتابته الى دراسة الاحجار الكريمة ، دراسة علمية ، ونقد ما كتبه علماء الهند ، والعرب الذين تقدموا زمانه .
وقد اشتمل كتاب البيروني ، على وصف اثنين وعشرين حجرا من الاحجار الكريمة وقد فاق ابو الريحان جميع العرب ، فى هذا الفن ، وبعد البيروني من جهابذة رجال العلم الذين يعتد بهم ، ويعتمد عليهم .

وشهاب الدين التيفاشي (26) ، الف كتابه المشهور : " ازهار الافكار فى جواهر الاحجار " وقد وصف فيه خمسة وعشرين نوعا من الاحجار الكريمة ، وتناول كل نوع منها على حدة ، ذاكرا خصائصها وصفاتها .
ومحمد النجاري ، المعروف بابن الاكفاني (27) ، يعد من اعلام المؤلفين فى الاحجار الكريمة ، وله : " نخب الذخائر فى احوال الجواهر " .
وقد اهتم علماء اوربا بالدرسات العربية التي تناولت الاحجار الكريمة ، وكان اول مستشرق يهتم بهذا الفرع ، هو العالم الهولندي : سي . ف . رافيوس s.f.Ravius لانه وجد فى الشعر العربي، تشبيهات عديدة ، باللؤلؤ والمرجان ، والجواهر النفيسة ، فاراد معرفة اطلاع العرب الاقدمين، على هذا النوع من المعرفة .
فقام فى اواخر عام 1784 م ، " وترخت " من هولندا ، بترجمة كتاب احمد بن يوسف التيفاشي، الى اللغة اللاتينية .
اعقب ذلك اشتغال جمهرة من المسترقين الايطاليين ، والنمساويين ، والفرنسيين ، والانجليز ، بعلوم الجواهر ، فنشروا وترجموا مختلف الكتب فى هذا الموضوع. وفى طليعة هؤلاء ، وستنفلد Wastenfeld وكليمنت موليه Mallet وويدن مان  Wiedemon ويوليوس روسكا Ruska  وهولميارد (Holmyard (28 وغيرهم من رجالات الفكر والفن والدراسات العلمية .
وفى عام 1818 م نشر الكونت الايطالي : انطونيو رينري بشيا Antonnio Raineri Bisien في ايطاليا كتاب التيفاشي " ازهار الافكار فى جواهر الاحجار " . ثم اعيد طبعه بنصه العربي وترحمته الايطالية فى عام 1906م.
وقد نقل كتاب التيفاشي الاستاذ : ( كليمنت موليه ) الى اللغة الفرنسية ، واضاف اليه شروحا وزيادات وايضاحات من كتب عربية اخرى.
ونشره فى المجلة لاسيوية ، فى تسلسلها السادس فى المجلد الحادي عشر الصادر فى عام 1868 م (29).
ومما يذكر ان علماء الاستشراق اهتموا بالعلوم العربية ودرستها بانعام وتأمل ، فافادوا وتعثوا هذه العلوم الى الحياة.
وعلماء العرب اهتموا بعلاقة الاحجار الكريمة باللغة العربية ، فنجد ان اكثر علماء الاحجار ، وخاصة البيروني ، والتيفاشي ، والاكفاني ، وغيرهم ، يعالجون القضايا اللغوية فى شرح معلوماتهم عن الاحجار.
ولقد حصل فى مجرى الحركة الفكرية العامة ، فى العصور الاولى من العهد الاسلامي بعد ان تم الاقبال على دراسة القرآن الكريم ، والحديث الشريف – الميل لنقد النصوص ، ووضع القواعد اللغوية .. وقد رافق ذلك حيوية جديدة ، فى جميع المفردات التى لم تقف فى دورها عند الاشعار والامثال ، بل تعدت ذلك الى كثير من الاسماء المختلفة.
ونجد مثل هذه المعالجة فى كتاب : " فقه اللغة " للنعالبي ، وكتاب " المخصص " لابن سيده ، وحتى فى " الفصول والغايات " للمعري ، وغيرها ..
وان نظرة دقيقة عميقة فى تاريخ العلوم ، ترينا ان الجهود الحاضرة ليست الا نتيجة طبيعية ، لتطور مديد ، لا يقف عند الزمن ، بل يتابع دريانه الى الاجيال المقبلة .. وما الزمن الحاضر الا جسر للمستقبل ..
واننا كلما وعينا التاريخ وفهمنا اصوله ، كلما وعينا مجرى التطور الانساني ، فمن معرفتنا عالم الامس ، يمكننا وعي جهود اليوم ..
وكما ان جهود العلماء الاوائل ، كانت فيما مضى ، عبارة عن حقائق حية فكذلك الجهود المتواصلة ..
وكان العلماء العرب يبحثون فى الاحجار ، بيقظة فكرية واعية ، فكانوا يدفقون من جهة ، ويقومون باجراء التجارب من جهة اخرى .. وهذا ينبيء عن ذكاء قادر ، وفهم اصيل ..


(1) انظر لاحجارة الكريمة لدكتور عبد الرحمن زكي ص 6 القاهرة .
(2) سورة البقرة ، آية رقم 24 .
(3) سورة البقرة آية رقم 74 .
(4) سورة البقرة آية رقم 74 .
(5) سورة البقرة آية رقم 60 .
(6) سورة هود آية رقم 82 .
(7) سورة الفيل آية رقم 4 .
(8) انظر بصائر ذوي التمييز فى الطاف الكتاب العزيز ، للفيروزابادي . الجزء الثاني ص 436 طبع المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية بالقاهرة.
(9) سورة الواقعة الآيتان رقم 22 ، 23 .
(10) انظر تفسير القرطبي ، طبع كتاب الشعب ص 6375 – القاهرة .
(11) راجع : الحمان فى تشبيهات القرآن ، لابن البغدادي ص 334 طبع وزارة الاوقاف بالكويت.
(12) انظر ديوان النابغة ص 67 .
(13) ديوان الاعشى . ص 139 .
(14) ديوان الفرزدق ، ج 2 ص 455.
ديوان جرير . ج 2 ص 14 .
(15) الجمان فى تشبيهات القرآن  339 .
(16) ديوان  بشار ج 2 ص 318 .
(17) مختارات الكيلاني . ص 215 .
(18) سورة الرحمن آية رقم 58 .
(19) البصار للفيروزابادي ج 5 ص 391 .
(20) سورة الرحمن آية رقم 22 .
(21) الجمان فى تشبيهات القرآن . ص 330 .
(22) انظر : لسان العرب لابن منظور ج 11 ص 10 .
ديوان النابغة ص 98 .
(25)ولد ابو الريحان البيروني فى عام 362 ه . وتوفى فى 440 ه .
(26)ولد شهاب الدين التيفاشي . عام 651 ه . وتوفى فى 1293 م .
(27)ولد الاكتاني عام 749 ه وتوفي عام 1348 م.
(28)انظر مجلة فكر وفن – العدد السادس ص 26 طبع المانيا الغربية – مجلة نصف سنوية.
(29)الاحجار الكريمة للدكتور عبد الرحمن زكي ص 14 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here