islamaumaroc

بحث في القراءات القرآنية التي تحدث عنها الزمخشري في تفسيره (الكشاف).-4-

  دعوة الحق

158 العدد

18 – واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ، واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزئون . 14 .
هاته الآية تابعة للآيات التى خصت لاظهار مساويء المنافقين ولذكر مخازيهم المتعددة ، وسببها راجع الى موقفهم المخزي المتجلي فى خستهم وفى جبنهم وعدم قدرتهم على المواجهة والمقاومة ، وفى سعيهم المتواصل لشل حركة المسلمين وخلق الفتن بينهم سرا مع اظهار التملق والتودد علانية .
وقد سجل الزمخشري فى كتابه سببا من اسباب النزول فقال : " روي ان عبد الله ابن أبي واصحابه خرجوا ذات يوم ، فاستقبلهم نفر من اصحاب رسول الله ، فقال عبد الله انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم فأخذ بيد ابي بكر فقال مرحبا بالصديق سيد بني تيم ، وشيخ الاسلام ، وثاني رسول الله فى الغار ، الباذل نفسه وماله لرسول الله ، ثم أخذ بيد عمر فقال مرحبا بسيد بني عدي ، الفاروق القوي فى دين الله ، الباذل نفسه وماله لرسول الله ثم اخذ بيد علي فقال مرحبا بابن عم رسول الله ، وختنة سيد بني هاشم ما خلا رسول الله ، ثم افترقوا ، فقال لاصحابه كيف رأيتموني فعلت فأثنوا عليه خيرا فنزلت .. "
والواقع ان هذا الموقف ليس بالغريب عن المنحرفين من بني البشر ولكنه لا يؤثر امام صدق الايمان ، وقوة العقيدة ، ونزاهة الضمير ، فقد اندحر هؤلاء المنافقون وعاش الاسلام رغم مواقفهم المزرية بالكرامة الانسانية .
والمتأمل فى هذه الآية بجد جملتين شرطيتين مبدؤءتين باذا ، اما الاولى ففعلها الاول لقوا من لقي لقاء وهو تلاثي وقد قراه أبو حنيفة رباعيا فقال : واذا لاقوا الذين آمنوا الخ ... والمعنى لا يتغير بذلك لان اللقاء والملاقاة بمعنى واحد فكلاهما يدل على المقابلة والمصادفة والاستقبال عن قرب .
واما الجملة الثانية ففعل الشرط فيها جاء متعلقا بالى وهو قوله تعالى : واذا خلوا الى شياطينهم وهذا الوضع دفع المفسرين الى الاختلاف فى دلالة الفعل والى البحث عن الفرق بين خلا به وخلا اليه وهل يلزم من وجود الى فى الكلام تغيير معنى الفعل بمعنى مناسب كمضى وانصرف مثلا ام لا ؟
وقد اطنب الطبري فى التعليق على ذلك وافاد اما الزمخشري فقد وفق فى التحليل مع ايجاز وامتاع حين قال (1) : " خلوت بفلان واليه اذا 
انفردت معه ويجوز ان يكون من خلا بمعنى مضى وخلاك ذم اي عداك ومضى عنك ومنه القرون الخالية ومن خلوت به اذا سخرت منه وهو من قولك خلا فلان بعرض فلان يعبث به ومهناه واذا ابهوا السخرية بالمؤمنين الى شياطينهم وحدثوهم بما كما تقول احمد اليك فلانا واذمه اليك ..
وهكذا نلاحظ ان الزمخشري لم يكن يكتفي فى تفسيره باظهار بعض القراءات ولكنه كان يضيف الى ذلك التلوين فى الشرح والتحليل سواء من حيث الوضع اللغوي او من حيث ربطه بالاستعمال المجازي على اختلاف اشكاله .

19 – الله يستهزيء بهم ويمدهم فى طغيانهم بعمهون . 15 .
القراءة المتواترة فى هذه الآية تجعل الفعل يمدهم مفتوح حرف المضارعة واختلف المفسرون فى تفسيره فذهب بعضهم الى ان المراد منه يمهلهم ويتركهم وذهب آخرون ومنهم الزمخشري الى ان المراد منه يزيدهم ويقويهم اخذا من مدده ومددا لا من مد له يمد مدا اذا امهله .
وعليه فان الفعل الثلاثي هنا يحمل نفس المعنى الذي يحمله بعد زيادة الهمزة قال الزمخشري عند شرح هذه الآية (2) " ويمدهم فى طغيانهم من مد الجيش وامده اذا زاده والحق به ما يقويه ويكثره وكذلك مدا الدواة وامد هازادها ما يصلحها ومددت السراج والارض اذا استصلحتهما بالزيت والسماد ومده الشيطان فى الغي وامده اذا واصله الوساوس حتى ستلاحق غيه ويزداد انهماكا فيه " .
ويناء على هذا الازدواج فى المعنى بين الثلاثي المجرد وبين المزيد بالهمزة وردث القراءة الاخرى التى ترفع حرف المضارعة وهي لابن كثير ولابن محيصن (3) حسب ما ذكره الزمخشري فى تفسيره .
وان حرص الزمخشري على ربط هذا الفعل بالمدد وعلى جعله مساويا للمزيد جعله مضطرا الى البحث عن تأويل ينزه الله عن فعل القبيح ويتلاءم مع ما يراه المعتزلة فى ذلك ولهذا قال : " فان قلت كيف جاز ان يوليهم الله مددا فى الطغيان وهو فعل الشياطين الا ترى الى قوله تعالى : " واخوانهم يمدونهم فى الغي " قلت اما ان يحمل على انهم لما منعهم الطاقه التى يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم واصرارهم عليه بقيت قلوبهم بتزايد الوين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور فى قلوب المؤمنين فسمي ذلك التزايد مددا وأسند الى الله سبحانه وتعالى لانه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم واما على منع القسر والالجاء واما على ان يسند فعل الشياطين الى الله لانه بتمكينه واقداره والتخلية بينه وبين غواء عباده " .
وان هذه التأويلات ضرورية لربط الفعل بصورته البيانية ولاقرار المعنى الذى اختاره دون غيره فهو لم يرتض شرح اولئك الذين قالوا بان المعنى هو الامهال والاملاء ورد قولهم بدليلين :
الدليل الاول نقلي يرتكز على وجود القراءة التى ترفع حرف المضارعة والتي لا يفهم منها الا الامداد والتقوية.
الدليل الثاني لغوي يرتكز على ان المد بمعنى الامهال يؤخد من قولهم مدله لا من قولهم مده مددا وامده امدادا .
وهكذا نلاحظ قوة الاحتجاج عند الزمخشري عند ترجيحه لمعنى دون آخر سواء من حيث الاعتماد على الجانب النقلى او من حيث الاعتماد على الجانب العقلي ويزيد بعد ذكره لهذين الدليلين شيئا آخر يتعلق بالجانب البلاغي المنسجم مع طبيعة اللغة وسلامة الذوق فيقول : " فان قلت فما حملهم على تفسير المد فى الطغيان بالامهال وموضوع اللغة كما ذكرت لا يطاوع عليه قلت استجرهم الى ذلك خوف الاقدام على ان يسندوا الى الله ما اسند الى الشياطين ولكن المعنى الصحيح ما طابقه اللفظ وشهد لصحته والا لكان بمنزلة الاروي من النعام ومن حق مفسر كتاب الله الباهر وكلامه المعجز ان يتعاهد فى مذاهبه بقاء النظم على حسنه والبلاغة 
على كمالها وما وقع به التحدي سليما من القادح فاذا لم يتعاهد من اوضاع اللغة فهو من تعاهد النظم والبلاغة على مراحل ويعضد ما قلناه قول الحسن فى تفسيره فى ضلالتهم يتمادون وان هؤلاء من اهل الطبع " .
والمراد بذلك كون الحسن وامثاله ينساقون مع المعنى الملائم دون تكلف او تصنع ولا يحيدون عن المعنى المناسب لاصول الاستعمال اللغوي المعهود لدى العرب فتفسيرهم حجة يؤيد ما سرنا عليه ويضاف الى ما قدمناه من قبل .
وبهذا المطق فى الاحتجاج سار الزمخشري فى تأييد رأيه لانه فيه بين الاتجاه اللغوي والبلاغي وبين الاتجاه الاعتزالي فى نفي القبح عن فعل الله ولهذا رأى ان كل من لم يفسر المدد بالمعنى الذى اختاره فقد اخطأ الصواب لانه يفقد القدرة على مواجهة ظواهر المعاني ومقابلتها بالتأويل السليم المنطبق مع قواعد النظم واصول البلاغة .
ولما انهى الحديث عن هذه النقطة انتقل الى تفسير الطغيان فقال عنه انه الغلو فى الكفر ومجاوزة الحد فى العتو وذكر انه ورد بضم الطاء وكسرها وهما لغتان واردتان فى اغلب المصادر الواردة على هذا الوزن فيقال لقيه لقيانا ولقيانا بضم الفاء الكلمة وكسرها وكذلك غني غنيانا وغنيانا وحجره حجرانا وحجرانا وهلم جرا .
وقد اهتم علماء الاصوات بهذا الخلاف الناتج عن آثار حركة دون غيرها فى الاستعمال وبحثوا عن اسبابه حينما كانوا يدرسون اللهجات وارتباطها بالبيئة الطبيعية والحياة الاجتماعية .
ومن اهم المهتمين بذلك فى الادب العربي الدكتور ابراهيم انيس الذى ذكر ان البيئة البدوية التى تساعد على ضم الحروف التى تكون مكسورة عادة فى البيئات الحضرية وخص فصلا للخصائص التى تمتاز بها اللهجات البدوية واللهجات الحضرية استنتج فيها ما يأتي (4) :
1 – ان اللهجات البدوية تميل الى الصفات التالية :
اولا – الى الامالة
ثانيا – الى الضم  ( وهو المقصود بالذات فى هذا البحث ) .
تالثا – الى الاصوات الشديدة .
رابعا – الى الجهر بالاصوات .
خامسا – الى التأثر بالاصوات المجاورة .
سادسا – الى التفخيم .
سابعا – الى استعمال الاصوات المطبقة .
وقد مثل لكل نوع من الانواع ومما ذكره من الامثلة المتعلقة بالضم قراءة التميميين لقوله تعالى " ائذا متنا " بضم الميم وقد قراها الحجازيون بالكسر وكذلك قراءة التميميين ايضا قوله تعالى اتخذناهم سخريا بضم السين فى حين ان الحجازيين قراوها بكسر السين .
ورغم هذه النتيجة التى توصل اليها الدكتور ابراهيم انيس ورغم الاستدلالات التى ذكرها فاننا نلاحظ انها ليست ظاهرة واضحة فى جميع القراءات لان القراءات المتواترة لم تقتصر على لهجة الحجازيين فهي قد اخذت من اللهجات الاخرى ما انتشر بين الناس فى اللغة النموذجية التى اتفق عليها العرب لتكون لغة ادبهم ومجرى تعبيرهم المشترك . وهذا هوالسر فى انتشار القراءة التى وردت بضم الطاء وقصر القراءة بالكسر على زيد بن علي رضي الله عنه وفق ما جاء فى الكشاف .
وعليه ففرق بين كون اللهجة بدوية غير حجازية وبين استعمال بعض ما ينسب اليها فى اللغة النموذجية التى اصطلح عليها العرب والتى جاء القرآن اقرارا لها فكان استمرارا لوجودها وعاملا من عوامل الاستمرار العلم للفكر العربي المرتبط بهاته اللغة فى كيانه ووجوده . ولعل السر فى ذلك كون بعض الكلمات اصبحت متداولة معروفة لدى الحجازيين فاستعملوها مضافة الى ما كان لديهم او غلب استعمالها على ما كان لديهم فمن النوع الاول مثل ما ذكره السيوطي فى كتابه المزهر (5) نقلا عن نوادر ابي محمد يحيى بن المبارك اليزيدي ان أهل الحجاز يقولون : انا منك براء ، واما سائر العرب فهم يقولون انا منك بريء . واللغتان معا فى القرآن ومعنى ذلك ان لهجة غير الحجازيين خوطبوا بها ففهموها وانها اصبحت مرتبطة باللغة النموذجية فاستعملوها فهم لم يقتصروا على ما كان لديهم . واما النوع الثاني فقد تقدم لنا التنبيه عليه حين شرح الفاتحة (6) فقد ذكرنا ان كلمة الصراط مؤنثة عند الحجازيين ولكنها فى بالقرآن جاءت مذكرة وفق الاستعمال التميمي ويمكننا ان نجعل ضم الطاء من طغيان قريبا من هذا النوع لان القراءة  القرآنية فى اغلبها جاءت بالضم ولم ترد القراءة بالكسر الا من جهة زيد بن علي كما تقدم الاخيار بذلك .

20 – اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين. 16.
هذه من الآيات البليغة التى عبر بها القرآن عن الخسران المبين الذي لحق المنافقين وقد استعمل فيها مجازا مرتبطا بالوضع العربي حين ظهور الاسلام ذلك الوضع الذى يدل على ان التجارة كانت سوقا نافدة وكان الربح فيها غاية من الغايات ولكن هؤلاء المنافقين لم يهتدوا فى تجارتهم لانهم باعوا الهدى واشتروا الضلالة ، واي اهتداء لمن تكون هذه حاله ! لانه اضاع الربح واضاع رأس المال الذى هو الفطرة البشرية التى فطر الانسان عليها .
فهؤلاء لم يهتدوا ولم حافظوا على فطرة الله وقد اشار الزمخشري الى طرف من هذه الحقيقة حين قال : " فان قلت كيف اشتروا الضلالة بالهدى وما كانوا على هدى قلت جعلوا لتمكنهم منه واعراضه لهم كأنه فى ايديهم فاذا تركوه الى الضلالة فقد عطلوه واستبدلوها به ولان الدين القيم هو فطرة الله التي فطر الناس عليها فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة .
وقرا ابن أبي عبلة : فما ربحت تجارتهم ، وكأنه بقصد بهاته القراءة الاشارة الى ان أعمالهم ومواقفهم المتجددة شبيهة بالاعمال التجارية المتجددة وطبيعة التاجر انه قد يخسر فى بعض تجاراته ولكنه يربح فى بعضها اما هؤلاء فانهم يخسرون فى جميع معاملاتهم لانهم لم يهتدوا الى طريق الصواب فهم يكذبون فى دعواهم الايمان وهم يسخرون من النبي واصحابه وهم يثيرون الفتنة سرا وكل هذه الامور يستحقون عليها العقاب وكل ظاهرة منها كأنها ظاهرة مستقلة عن الاخرى فى مقابلتها بالهدى فهم قد خسروا وما ربحت تجاراتهم . وهذا التأويل وان لم يشر اليه الزمخشري عند الحديث عن هذه القراءة فهو صالح لتعليلها ولتوضيح جهتها ولابراز شمولها الدال على خسرانهم فى جميع الصفقات .

(1)تفسير الكشاف الجزء الاول صفحة 27 من من الطبعة الاولى .
(2) نفس المصدر صفحة 28 .
(3) هو محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي مقريء اهل مكة مع ابن كثير توفي سنة 123 هـ
ووردت كتابة اسمه فى كتاب الكشاف باسقاط النون خطا .
(4) فى اللهجات العربية للدكتور ابراهيم انيس الطبعة الثالثة صفحة 90 فما بعد .
(5) المزهر للسيوطي الطبعة الثانية الجزء الثاني صفحة 276 .
(6) انظر دعوة الحق السنة الخامسة عشرة – العدد السابع شهر يناير 1973 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here