islamaumaroc

مجمع اللغة العربية بدمشق

  دعوة الحق

158 العدد

اذا ترك السائر مرجة دمشق الواقعة فى وسط المدينة وصعد الى شارع النصر المتجه من الغرب لى الشرق فأخذ الجهة اليسرى وسار لقي طريقا يقوم عليها سقف مقوس كالقنطرة الكبيرة من المعدن الرقيق واصطفت على يمينها وشمالها المخازن والدكاكين ، وهي سوق الحميدية الشهيرة ولكان الذي يؤمه القصاد ويسعى اليه الرواد ، فاذ سار فى هذه السوق بلغ لى نهايتها ولاح له عن قرب لباب الغربي للجامع الاموي الكبير ووقف على منحدر هو ( سوق المسكية ) التى تأخذ بالمرء الى الجامع فاذا ترك النحدر واخذ طريقه الى اليسار قليلا فى طريق تسمى طريق ( باب البريد ) . هذه الطريق اختلف القدماء والمحدثون فى اصل تسميتها وظن بعضهم ان ذلك يرجع الى ان الماء كان يوزع على مدينة دمشق من هذه الطريق ، والبريد يعني الترتيب فى احد معانيه وربما كانت هذه التسمية راجعة الى ان البرد كانت تنطلق من هذه الجهة الى المدن الاخرى تحمل الرسائل والامانات ، وان ننسى بهذه المناسبة البيت المشهور :
ما بين جابيها وباب بريدها  قمر يغيب والف شمس تطلع
والجابي هنا هو ( باب الجابية ) احد ابواب دمشق المعروفة .
فاذا سار السائر فى طريق باب البريد وقف بعد قليل بين بوابتين كبيرتين بلفتان النظر بارتفاعهما وهندستهما كتب على احداهما ، وهي الواقعة الى ( المدرسة العدلية ) اما المدرسة الظاهرية فسميت بهذا الاسم نسبة الى الملك الظاهر بيبرس ، واما المدرسة العادلية فأخذت اسمها من الملك العادل اخي السلطان صلاح الدين الايوبي قائد الجيش العربي فى الحروب الصليبية.
وفى الظاهرية تقوم الآن (دار الكتب الوطنية) كما يوجد فى المدرسة العادلية المجمع العلمي العربي الذى نحن بصدد الحديث عنه فى هذا المقال.
وكلمة ( المجمع ) ترجمة لكلمة ( اكاديميا ) اليونانية وهذه الكلمة ذاتها نظر فى وضعها الى ما فى تأسيس حديقة كان الفلاسفة يجتمعون فيها ومن بينهم سقراط وافلاطون وغيرهما – فيتذاكرون الامور ويناقشون الموضوعات ، ومنذئد سمي كل مجتمع يجري فيه حديث متبادل او نقاش مشترك ( اكاديمية ) على ان هذه المجامع اختلفت تسمياتها حسب الظروف والازمنة وكانت المدارس هي التى تدعى بالمجامع ، على ان هذه المدارس لم تكن كما هي فى عهدنا الحاضر ، وربما جرى التدريس فى المساجد فجلست كل جماعة الىاستاذ يدرس افرادها وهو متكيء الى سارية من ساريات المسجد ثم تطورت فكرة المدارس فاصبحت دورا يقيمها اولياء الامور فتسمى باسمائهم او تنسب الى قادتهم كما سميت المدرسة العادلية والمدرسة الظاهرية .
ولقد دعي مجمعنا السوري ب ( المجمع العلمي العربي ) لان العرب كانت تطلق كلمة ( العلوم ) على البحوث اللغوية الادبية ولم يقصد العرب بهذه الكلمة الى العلوم الطبيعية فحسب من كيمياء وفيزياء ورياضيات وذلك ، وسمي هذا المجمع ب ( العربي ) لانه اسس فى فجر النهضة العربية وعند تكوين الحكومة الفيصلية فى دمشق.
نشأ المجمع العلمي العربي فى دمشق – كما هو اسمه – نتيجة لبعض التطور فقد احدثت فى سوريا عقيب تشكيل الدولة العربية فى دمشق عام 1918 شعبة للترجمة والتأليف مهمتها النظر فى المصطلحات التركية الرسمية التى كانت تسود دوائر الدولة فى سوريا وترجمتها الى مصطلحات عربية ، واستعين لاجل تحقيق هذه الفكرة ، بعدد من الاساتذة والادباء والشعراء ورجال السياسة المثقفين ومن اشهرهم – أمين سويد وانيس سلوم وعز الدين علم الدين وعيسى اسكندر المعلوف والشيخ سعيد الكرمي وسليم الجندي وخليل مردم بك وغيرهم ، كما كلفت الحكومة هؤلاء العلماء الاعلام تدريس الموظفين اللغة العربية واحياء تراثها وصدر امر حاكم سوريا العسكري العام بتأسيس هذا المجمع وبوثيقة تاريخها 8 – 6 – 1919 ورقمها 5698 / 42347 واصبح هذا المجمع مستقلا وعهد برئاسته الى الاستاذ محمد كرد علي وكان اعضاؤه هم الذين اشتركوا بلجنة الترجمة وبديوان المعارف اللذين اشرنا اليهما آنفا .
ولقد استقر المجمع العلمي فى المدرسة العادلية الكبرى – كما كانت توصف – واول من فكر ببناء هذا الصرح هو نور الدين زنكي عام 568 للهجرة ولكنه توفي قبل ان يتمها وجاء بعده الملك العادل اخو صلاح الدين الايوبي فازال البناء الاول الذى بداه نور الدين وشاد بناء جديدا واسعا جعل منه مدرسة كبرى دعيت باسمه ولكنها لم تكتمل بنيانا الا فى عهد ابنه الملك المعظم الذى اضاف الى بنائها قبة فخمة جعلها مدفنا لابيه نقل رفاته م القلعة الى هذه القبة عام 619 ه وفى هذه السنة تم بناء المدرسة وما زال قبر الملك العادل موجودا فى هذه القبة التى اصبحت منذ تاسيس المجمع مكتبة خاصة بأعضائه ، ومن الخير ان نذكر لك عددا من كبار رجال التاريخ العربي والاسلامي ممن درسوا فى هذه المدرسة او درسوا فيها مثل ابن خلكان والجلال القزويني وابن مالك النحوي ، فهي تحمل فى طياتها ذكريات عريقة وامجادا سحيقة  وربما وقف الزائر المتفرج مكان وقوف ابن خلدون يوم زار هذه المدرسة فى رحلته المعروفة ، بل ربما جلس القادم لجديد مجلس ابن خلكان وهو يكتب تاريخه ويدون آراءه وافكاره.
اما مهمة المجمع العلمي فى هذه الايام فيحسن توضيحها لان هناك اناسا يخطئون تحديد هذه المهمة وربما رجوا من المجمع امورا وموضوعات لا تدخل فى اختصاصه ، فمن اعظم اعمال المجمع اجياء التراث العربي القديم فى العلم والادب والتاريخ كما يقوم احيانا بطبع الكتب الحديثة مما له فائدة لغوية او ادبية وخاصة المعاجم التى يحتاج اليها قراء العربية فى كل الاقطار ، وليس من اختصاص مجمع دمشق وضع المصطلحات او الالفاظ الجديدة وقد ترك هذا لامر الى مجمع اللغة العربية فى القاهرة ولجنة الاصول المنبثقة عنه (1) ، ولكن مجمع دمشق لا يمتنع عن بحث الكلمات والمصطلحات التى يضعها مجمع القاهرة فيناقشها ويدلي برايه فيها ويرسل بالمقترحات الى القاهرة لدرسها فى جلساته ولجانه كما حدث فى الاقتراح الذى قدمه بشأن جواز تأنيث وتذكر صيغة ( فعول ) ومن اجل كتابه الاعلام الاجنبية بحروف عربية مناسبة لها فى اللفظ وقد اعترض مجمع دمشق على مجمع القاهرة لانه اعتبر الحرف (ج) فى المعربات مقابلا للحرف g  اللاتيني وراى ان هذا الاعتبار غير صحيح لان معظم البلاد العربية ينطلق الحرف (ج) العربي مخففا وان مصر وحدها هي التي تنطقه بطريقتها الخاصة كحرف الكاف التركي ( ك) .
ولا يستنكف المجمع بدمشق ايضا عن الاجابة على كل سؤال لغوي يرد اليه بما يمكن ، وقد بلغ عدد الكتب التى احياها المجمع وطبعها بنفقته منذ تأسيسه مائة وعشرة كتب وهي كما يرى القاريء ثروة ضخمة كانت منسية او مهملة .

ومن اعمال المجمع التى تذكر بالاعتزاز مجلته التى تصدر منذ اربعين سنة كل ثلاثة اشهر وتضم المقالات العلمية الرائعة لاكبر الكتاب من عرب ومستشرقين.
وينبتق عن المجمع دار الكتب المعروفة بالظاهرية نسبة الى المدرسة الظاهرية ، وللظاهر مدرستان : البرانية وهي تقع على نهر بانياس ، وهذه التى تسمى بالجوانية تمييزا لها عن تلك ، وهذه تقع قبالة المدرسة العادلية وبفصل بينهما طريق (باب البريد ) وقد بناها الملك الظاهر بيبرس البندقداري عام 620 – 676 وجعل منها مدرسة ودار حديث ومدفنا له كما دفن فيها ابنه الملك السعيد وقبراهما كائنان فى القبة التي تحتوي اليوم على المخطوطات التى جمعتها دار الكتب .
ولقب ( الظاهر ) غلب على كثير من الاشخاص البارزين فى تاريخنا ومن اهمهم صاحب مدرستنا هذه ( الظاهرية ) واسمه المفصل بيبرس العلائي البندقداري الصالحي ركن الدين الملك الظاهر ، وقد ولد فى ارض القبجاق ثم اسر وبيع ببلدة سيواس فى الاناضول التركي ثم نقل الى حلب ومنها الى القاهرة فاشتراه الامير علاء الدين ايدكين التندقدار وانتهت به الحال الى ان صار ( اتابك ) اي قائد العسكر بمصر فى ايام الملك المظفر قطز ، ثم تآمر مع القواد الآخرين فقتلوا الملك وتولى بيبرس السلطنة بمصر والشام سنة 658 ثم توفي بدمشق.
هذا الملك المقدام دخل فى التاريخ العربي كمحارب ضد الغزوات الصليبية بل ان منهم من يضعه الى جانب صلاح الدين الايوبي من حيث الايقاع بالغزاة والقضاء عليهم بثدة وباس عرف بهما الظاهر حتى دعي ( ابا الفتوحات ) ودخل فى القصص الشعبي كشخص اسطوري عزيت اليه الفضائل ونسبت اليه التطولات وقراء هذا القصص يذكرون ( سيرة الملك الظاهر ) وأصحابه المشهورين من مثل معروف بن جمر وابراهيم بن حسن وسعد ابن دبل وشيحا جمال الدين . وقد رأى جماعة من الطائفة الاسماعيلية ان هؤلاء الاشخاص وعلى رأسهم الملك الظاهر من الاسماعيليين الابطال الذين دعوا بالفدواية نسبة للفداء وتنويها بشجاعتهم وما زالت الطبقات غير المثقفة تتناقل هذه السيرة وتقراها ولكن التاريخ يفصل فصلا تاما بين الظاهر والاسماعيليين ويقرر ان الظاهر حارب الاسماعيليين وفتك بهم وكاد يقضي عليهم ، وهذا التناقض لا ينقص كثيرا من قيمة القصة من الناحية الفنية فان فيها خيالا حلوا وتصويرا بديعا لكثير من المعارك المصطنعة والموافق المختلفة كما ان فيها لونا من الخرافة الحلوة والاسطورة السائغة التي تشبه الاساطير التى عرفناها فى آداب الامم الاخرى وخاصة ادب اليونان ، وارى من الخير ان يصار الى كتابه هذه القصة من جديد وبلغة صحيحة حتى يتيسر لكل اديب ان يطلع على صورة الجيل الذى كتبت فيه .
ويرجع تأسيس دار الكتب الظاهرية الى عام 1295 رومي وقد كان ذلك بأمر من الوالي التركي حمدي باشا والكتب التى تحتويها هذه المكتبة جمعت من المكتبات القديمة التى عرفت فى دمشق كمكتبة العظم ومدرسة الخياطين والمرادية والسميساطية والباغوشية وغيرها واضيف الى الكتب المجموعة كتب حديثة عن طريق الشراء وما زالت دار الكتب تبتاع الكتب فى سبيل جعل المكتبة عامة ضخمة وقد بلغ عدد هذه الكتب حتى الآن قرابة مائة الف كتاب مطبوع واحدى عشرة الف مخطوطة ، اما مكتبة المجمع الخاصة باعضائه فتحتوي على سبعة آلاف كتاب تقريبا يضاف اليها عدد من الكتب المصورة المنقولة عن مخطوطات هامة موجودة فى المكتبات العالمية.
ولابد فى نهاية التحث من بيان اهمية المكتبة الظاهرية وشهرة المجمع العلمي العربي بدمشق واحترام العلماء له من شرقيين وغربيين ذلك ان فى هذه المكتبة مخطوطات نادرة جدا فهي بذلك مرجع كبير من مراجع البحث ، واما المجمع فهو فى رئيسه واعضائه الاساتة يعتبر مصدرا من مصادر العلم وموئلا للعلماء فى الشرق والغرب . بقي ان نهمس همسة ناعمة فى اذن الشباب المثقف وان نعاتب هؤلاء عتابا لينا يسيرا على اهمال الكثرة الكاثرة منهم دار الكتب الظاهرية والانصراف عنها انصرافا يكان يكون تاما ولو سألت احد هؤلاء عن مكان دار الكتب لاجابك كتلجلجا محتارا على حين ان العلماء والمستشرقين والسياح يفدون اليها من اقصى الارض ، واني لاذكر يوما من ايام الشتاء القارس منذ ثلاثة اعوام وقد اطللت من غرفتي على صحن دار المجمع فرأيت شيخا هما يكاد لا يستطيع المشي وعرفت للوهلة الاولى انه غريب اجنبي فانحدرت اليه مسرعا واخذت بيده الى غرفتي وكان يرتجف من الشيخوخة والبرد وكم دهشت حين اخذ يحدثني بالعربية الفصيحة ويسألني عن بعض المقالات التى وردت فى مجلة المجمع سؤال الرجل المطلع المتتبع واعلمني انه استاذ سابق للادب العربي فى جامعة (اوبسالا ) من بلاد النرويج ، اما سبب مجيئه فهو انه دعي الى الهند لتمثيل النرويج فى الذكرى المائوية لميلاد شاعر الهند الكبير طاغور وقد اضطرت طائرته للبقاء ليلة واحدة فى بيروت فاغتنم الفرصة ليأتي الى دمشق فيزور المجمع العلمي ومكتبته الظاهرية .
هذا مثل من اولئك العلماء الاعلام قدمته للقاريء ليطلع على اهمية دار الكتب والمجمع العلمي ولقد سمعت احد المستشرقين الكبار يقول امامي بالحرف الواحد : لقد زرت سفارة دولتي فور وصولي الى دمشق وها انئذ ازور المجمع بعدها مباشرة ، فهاذان المكانان اولى باحترامي من كل مكان آخر فى المدينة الخالدة .
وقد تأسف لان من دواعي تقاعس القراء وطلبة العلم عن زيارة هذه الدار العظيمة وجودها فى هذا الحي الذي يكتنفه الباعة وتحدق به العربات الخطرة والطنابر والدرجات المؤذية ، ولعل فى هذه الكلمة تذكرة لمن بيدهم تنفيذ المخطط الهندسي الموضوع لتنظيم هذه المنطقة الاثرية الهامة التى تغص بالزوار والسياح والعلماء الاعلام عسى ان يزول من حولها ما يمنع الافادة منها .


(1)وهذا لا يمنع من القول بأن رئيس المجمع السابق الامير مصطفى الشهابي كان  من اكبر العلماء المختصين فى وضع معاجم اللغة والمصطلحات فى هذا العصر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here