islamaumaroc

طارق بن زياد…والمسلمون في الأندلس

  دعوة الحق

158 العدد

ان انطلاق طارق بن زياد الشاطيء الاوربي عام 93 هجرية قبل ثلاثة عشر قرنا يبدو الآن فى نظر الباحثين والمؤرخين حدثا جليل الشان جدير بالنظر فيه والتعرف الى ابعاده وآثاره ، ذلك ان عبور طارق بن زياد المسلم المغربي الاصل ومعه سبعة الاف مقاتل من البربر الى اوربا قبل ان يمر قرن واحد على بزوغ فجر الاسلام من شانه ان يلقي الضوء على مدى قوة هذه الدعوة التى استطاعت ان تمد جناحيها مشرقا ومغربا فتقف على ابواب الصين فى نفس الوقت الذى كانت تزحف فيه نحو نهر اللوار فى قلب فرنسا.
فاذا راعينا كيف حاصر المسلمون القسطنطينية سنوات وسنوات فى محاولات واسعة لاقتحام اوربا من ناحية المشرق قبل ذلك بسنوات عرفنا كيف امكن ان تذل الجبهة الغربية للمسلمين الى قلب اوربا وكيف كان موسى بن نصير يخطط لا قتحام اوربا حتى يعود الى الشام من القسطنطينية .
ولم يكن ذلك غريبا فى ذلك الوقت ، بل كان هو من طبيعة الامور ، ولولا بعض الظروف السياسية لاسلامية العامة وحرص الخلفاء على ان لا يزجوا بجند المسلمين فى متاهات قاسية ، لولا ذلك لانفذ موسى بن نصير مشروعه واقتحم اوربا التى لم تكن فى ذلك الوقت قادرة على مواجهة المسلمين ، والتي كانت فى نفس الوقت متطلعة الى ذلك الضوء اللامع الذي يحمل معه الذى يحمل معه الحضارة الانسانية ، ولقد اشار كثير من المؤرخين الغربيين الى مدى الاثر الذي احدثته معارك كارل مارتل فى توقيف المد الاسلامي عند حدود اسبانيا الاسلامية وكيف كان اثر ذلك فى تأخر سير الحضارة سبعة قرون ، فلو ان المسلمين استمروا فى طريقهم الى قلب فرنسا دون ان تعوقهم هذه القوى التى تجمعت لصدهم فى تعصب وعناد ، لولا ذلك لبلغ العالم الغربي نهضته قبل سبعمائة عام ممابلغها بعد ذلك ، ولكن اوربا كانت منذ بزوغ الاسلام على موقف العداء وقد عملت على ان تغلق اوربا فى وجه هذا الدين الكريم وتحول دون نفاذه اليها ، وكانت مقاومة اوربا لحكم المسلمين فى الاندلس خلال سبعة قرون كاملة علامة على ذلك الخوف البالغ من خطر الدعوة التى يحملها الاسلام .
ولذلك فان عبور ( طارق بن زياد ) الى العدوة الغربية بجيئه المغربي كان علامة هامة فى تاريخ الاسلام كله تدفعنا اليوم الى مراجعة صفحات التاريخ ودراسة ذلك الحدث الذى بدا منذ تلك اللحظة واستمر فى تدافعه وفعله حتى نهاية القرن التاسع الهجري ( الموافق للقرن الخامس عشر الميلادي ) وكيف تكونة فى هذه المنطقة الشاسعة من اوربا امة اسلامية كبرى فضلا عن الدولة الاسلامية التى حملت مستحدثات العلوم والتى كانت مصدرا للعلم والنور فى الغرب كله، وكانت جامعاتها فى اشبيلية وقرطبة وطليطلة منائر المنهج العلمي التجريبي الذى تلقاه اولئك الاعلام الذين عرفتهم اوربا فى اوائل عصر النهضة وفى مقدمتهم بيكون وغيره من الافذاذ الذين شهدوا بانهم تعلموا على ايدي المسلمين وانهم حملوا معهم المنهج التجريبي الذى لم تعرفه اوربا ولم يعرفه الغرب من قبل والمخالف لمنهج اليونان القائم على المنطق .
ولقد كان هذا النبع الثر ، والضوء الساطع الذى استمكن فى الاندلس هو الذى عم اوربا من بعد فكشف عنها عصر الظلمات والجهالة والرهبانية المتخلفة عن صناعة الحياة وكان الاسلام بحقيقته القائمة على التوحيد من وراء كل ما دفع اوربا الى النهضة والى الحياة من جديد وان لم تاخذ اوربا الاسلام نفسه كعقيدة فقد اخذت اصوله ممثلة فى اعادة بناء الارادة الفردية الحرة ذات المسؤولية الذاتية والالتزام الاخلاقي.
وكان للفكر الاسلامي آثاره البعيدة فى التحرر من كثير من القيود التى فرضتها تفسيرات الكتب المقدسة مما اعلته لوثر وكلفن ، وكان للفكر الاسلامي على النحو الذى قدمه ابن رشد ابعد الاثر فى تغيير العقل الغربي على نحو جديد جعله اهلا لحمل امانة الحضارة العلمية المادية والسير بها .
ان الباحث المؤرخ يستطيع ان يستكشف آثار الاسلام عقيدة وفكرا وحضارة فى كل ما تحولت اليه اوربا منذ عهد النهضة ويعرف ان الطريق الاول والاوسع والاعمق انما كان من الاندلس الاسلامية التى اقامت فى ارضها تلك المؤسسات العلمية القادرة ، هذه المؤسسات التى اجتاحتها قوى النفي بعد ذلك واخرجت اهلها منها وحكمت على الامة الاسلامية التى قامت على الاسلام سبعة قرون ان تقتل او ترتد او تهاجر.
وقد احصى المؤرخون عدد المسلمين والعرب المهاجرين فى الفترة ما بين 1492 م الى 1609 م نحوا من ثلاثين مليونا من العرب كانوا قادة العلم والفكر والصناعة والتجارة فى هذه الارض التى اخرجوا منها .
وكان موقف الفرنجة من المسلمين فى هذا الاخراج غاية فى التعصب والعنف فقد احتوى على القتل والتشريد والابادة وسفك الدماء بعد ان خدعوهم بالعهود والمواثيق والامان.
وستظل هذه الصفحة السوداء قائمة فى وجه التاريخ الغربي تشهد لاصحابه بروح الظلم والاستبداد فى مواجهة صفحة المسلمين البيضاء النقية التى قدمت عصارة جهدها الحضاري والانساني للبشرية كلها ولاوربا جميعا دون ان تبخل به او تجعله خاصا بها .
لقد قدم المسلمون حين اقتحم طارق بن زياد العدوة الى اروبا ، قدموا الضوء والخير وفتحوا لاوربا طريقا من النور ، فقدموا العلوم وقدموا ثمار المزروعات ، وقدموا الارقام والحروف ، وقدموا اسماء النجوم ، وقدموا عصارات التجارب العلمية في الفلك والطب والرياضة والطبيعة.
قدموا ذلك كله حسبما يأمرهم الاسلام به ، دون مقابل ، ودون ان يضنوا او يبخلوا وقدموا معه ما هو خير منه : ذلك المثل الاعلى للخلق الاسلامي الرفيع ، ونبالة الرجل المسلم وديته وسماحته ، وفروسيته التى ترتفع على الصغائر .
وقدموا اعظم مقدرات الاسلام : الاخاء الانساني ولارتفاع عن العبودية وتحرير النفس من عبادة الفرد وتحرير العقل من عبادة الاوثان.
تلك هي الصورة التى نراها اليوم من وراء ثلاثة عشر قرنا ونحن نشاهد مراكب طارق بن زياد حاكم طنجة وهو يتقدم الى العدوة الغربية فى جنوده فاذا وقع فى المحظور واحس بالخطر حرق مراكبه واندفع من رجاله فى كلمة ليس بعدها من قول يقال :
(البحر وراءكم والعدو امامكم)
ولم يتوقف طارق بن زياد عند هذا بل بدا بنفسه وقدم روحه خالصة فى سبيل الحق ، فحمل على قائد العدو فقتله وبذلك فتح الطريق امام الآلاف السبعة من رجاله المؤمنين الاشداء الى ان يقتحموا المفازات فى ارض لم يكونوا يعرفونها ، ولكنهم بالايمان والصبر كانوا قادرين على ان يجوسوا فيها وبقيوا كلمة الله بها.
انتصر طارق بالمسلمين فى 28 رمضان 92 وهزم القوط شر هزيمة وغرق ملكهم فى النهر وكانت موقعة ( شدونة ) هذه هي موقعة الفصل التى دالت بعدها دولة القوط وغنم المسلمون ملك اسبانيا.
وقامت كلمة الله مدوية فى ارجاء هذه الارض من شدونة الى طليطلة عاصمة المملكة القوطية ومنها الى غرناطة وقرطبة والبيرة ومالقة ومرسية ثم الى قشتالة وليون.
هذه هي الصفحة الضخمة المشرقة من تاريخ الاسلام التى فتحها طارق بن زياد فى مثل هذا العام من قبل الف وثلائمائة سنة تكشف لشباب المسلمين اليوم صورة اجدادهم الذين لم يكونوا غزاة بل ابطالا يحملون رسالة وعقيدة ويدفعونها فى كل ارض ويقدمونها لكل شعب ولا يجعلون الدنيا ولا مطامعها اكبر اهدافهم ، ولكنهم ياخذون منها ما يمنحهم الله ويجعلون ذلك فى سبيل الرسالة الكبرى .
لقد عبروا فى قوة الايمان وقدموا ارواحهم خالصة لله ونبتوا دعوتهم وركزوا رايتهم فوق ارض اوربا سبعمائة سنة يحمونها ويدافعون عنها ويشاركهم فى ذلك اخوتهم مسلمي المغرب فيعبرون اليهم عاما بعد عام.
وتلك هي عبرة التاريخ اليوم حين يحتفل المغرب بذكرى عبور طارق بن زياد نلتمس منها قوة على ان نعيد مرة اخرى ذلك التاريخ ، وان يتاح لنا مرة اخرى ان نقدم الاسلام للعالمين والغرب اليوم يعرف اكثر مما يعرف الناس فى اي مكان ان الانسانية قد عجزت عن ان تجد فى ايديولوجيتها المحدثة مايعطيها الضياء والنور وسكينة القلب وسعادة الروح . وانه لا سبيل اليها بعد ان جربت كل شيء ، لا سبيل لها الا ان تلتمس هذا الضياء الذي ازورت عنه طويلا وسوف تجد انه هداها ونورها . ان القوى الصهيونية العابثة تحاول اليوم ان ترد البشرية عن نور الاسلام بما تقدمه لها من ايديولوجيات اثبتت فشلها وعجزها واحدة بعد اخرى ، وسوف لا تجد البشرية امامها الا التجربة الاخيرة التى هي التجربة الاولى التى قدمها لها ( طارق بن زياد ) منذ الف وتلاثمائة سنة فاخذت منها وعجزت عن ان تلتمس روحها واعماقها .
ولكنها اليوم سوف لا تجد لها سبيلا الا فى الضياء الذى حمله طارق بن زياد الى اوربا فى مثل هذا العام منذ امد طويل .
وسوف يعرف شبابنا ان هذا النور هو الحق الذي يهدي البشرية كلها والذى لا محيص لامة من التماسه اذا ارادت الحياة الحق الخالصة والحضارة الانسانية المثلى .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here