islamaumaroc

[كتاب] السحر وما حوله (رشدي فكار)

  دعوة الحق

158 العدد

صدر مؤخرا عن مطبعة جامعة الخامس بفاس كتاب هام للدكتور رشدي فكار وهو عبارة عن دراسة انثريولوجية اجتماعية تتعلق بالسحر وما حوله وما له وما عليه ، وقد اضاف المؤلف كتابه هذا ملحقا عن انسان القرآن من خلال ابعاده الاجتماعية .

التعريف بالمؤلف
الدكتور رشدي فكار باحث اجتماعي متخصص صدرت له عدة مؤلفات ودراسات سوسيولوجية وانثريولوجية عالج فيها موضوعات علمية كثيرة تهم الاسرة والمجتمعات مما مكنته ان ينال سمعة طيبة وثقة كبيرة عند قرائه بالعربية والفرنسية ولعل هذا هو السر فى ظفره بأعلى المراتب الجامعية والعضوية فى عدة اكادميات ، فالعالم فكار دكتور من جامعة باريس ودكتور الدولة فى الآداب من جامعة جنيف مشارك فى اكادمية العلوم Ae. Se . o . M وهو يتولى منصب التدريس بجامعة محمد الخامس بالرباط.

تقديم لكتابه
أول ما يطالعنا فى هذا الكتاب الآية القرآنية الكريمة : " فاذا حبالهم وعصيهم يخيل اليه من سحرهم انها تسعى".
وهي الآية السادسة والستون من سورة طه ، وقد اختارها المؤلف كدليل على ان القرآن الكريم لم يغفل السحر اذ ورد ذكره فى عدة آيات من الكتاب العزيز ، ولذلك فان الدكتور فكار اراد فى كتابه ان يبرز موقف العلم والاديان من السحر.
                                 - * -
فى المبحث الاول من هذا الكتاب يقدم المؤلف لمحة تاريخية عن السحر فيقول : "من المسلم به، ان الغوامض والاسرار والغيبيات ، والخفايا ، كانت تسيطر بصفة عامة على معرفة الانسان فى فتراته الاولى ، وامتصت المجتمعات القديمة من بين ما امتصت سيطرة هذه المعطيات التي كانت فى بدايتها على مستوى الطوطمية ، والوثنية ، والتجسد ، والتقمص الاحيائي .. ولقد نشأ السحر فى مظاهره الاولى عبر هذا الاطار ، اطار الخفي والغامض والسري والغيبي .. لقد حاول بعض المؤرخين ان يعطي تواريخ محددة ما امكن ، فمنهم من ذهب به الى ما قبل طوفان نوح ، ومنهم من ارتفع به الى تسعة آلاف عام الاساطير وضباب الرواة ينظر اليه بتحفظ وحيطة ان لم يدعم بالوثائق والوقائع الاترية الملموسة .
فالفراعنة – مهما كان التحديد وتموجه – عرفوا السحر قطعا على مستوى بين محدد اذ كانت له قواعد وانسقة سحرية بمعنى يشتمل على طقوس وشعائر معينة ، أعطتنا دراسة الاثر الفرعونية صورة واضحة عنها كمثال كتاب الموتى ، وأسرار الاهرام واسطورة " أوزيريس – ايزيس "  Osiris – Isis . ولقد لعب السحر دورا هاما لدى الفراعنة بما فى ذلك الناحية الطبية ، حيث الجسم يقسم الى جزيئات ، كل جزيئة تخضع لقدرة سحرية معينة ، وكان السحر نوعين ، سحر رسمي Licite وهو سحر الكهنة ووصلت قدرته وفعاليته – على حد اعتقادهم انذاك – الى الاحياء والاماتة ، والسحر السري Illicite وهو يلجأ الى الطلاسم والسموم ، وقد جورب فى عهد " رمسيس الثالث " وكانت توقع اقسى العقوبات على السحرة السريين الذين كانوا يزاولون نشاطهم السحري غير المشروع.
والبابليون والآشوريون والكلدانيون ، عرفوا السحر ... ويذكر بالنسبة للبابليين ان الآلهة كان لهم اسمان : اسم ظاهر ، واسم خفي باطني له قدرة طلسمية سحرية ، ولقد تفشت فى ارض بابيلون ظاهرة " الارواح الجائلة الباطنية " وكانت هناك طقوس خاصة لحصرها والتغلب عليها ، كما عرفوا بعض الظاهرات التي تسير فى فلك السحر كالتنجيم والشيطنة ، وقد كان للشياطين تصانيف ، منهم من يعمل بالليل فقط ، ومنهم من كانوا يسجدون له ، واشهر نوع الطاغوت من الشياطين الصارفة عن الخير ... وعند اليهود فى المجتمعات الهامشية المعاصرة لهذه المجتمعات القديمة وصل السحر الى قمته ، عرفته مملكة سليمان ، كما تفشى فى عهد موسى ... والاغريق والرومان وعبر العصور الوسطى كان للسحر عندهم مكانة لا يستهان بها ودور برز لها على مستوى " مديس وسيرس :( MEDEES et CIRCE ) فى " الاودسة " الا انه كان كثيرا ما يحدث خلط والتباس بين السحر وما حوله ، خصوصا العرافة بين الساحر والعراف ، ورغم التنقية الفكرية التي قامت بها الفلسفة الاغريقية لمواجهة التغميض ، ومحاولة الفهم للقوة الغير المرئية المؤثرة فى الانسان وتحقيق رغباته ، وتحكيم المنطق ، الا ان الاساطير والخفايا ومسيرة التغميض عاشوا جنبا الى جنب مع الصفاء الفكري السقراطي الافلاطوني ، والارسطي ، والرؤيا الاصيلة آنذاك ... وسيطر السحر عند الرومان فى بعض عصور روما ، خصوصا علىعهد الامبراطور " حوليوس سيزار اوجستوس Augustus واتجه السحار الى روما من كل صوب ، امانيرون Neron فقد حارب السحر رغم انه كثير ما كان يلجأ الى السحرة خفية لمساعدته ، وعرفت بيزنطة اشكالا متعددة من السحر...
وهكذا استمر موكب السحر عبر العصور الوسيطة فى اوربا خصوصا الظواهر الخاصة " بأسرار الحياة وطاقتها (Elexir de la vie) ، وسحر الآبار وتسميمها ، وجاءت النهضة العلمية فى اوربا فحدت نسبيا وتدريجيا من هذه الظاهرة ...
وفى الهند والصين وشرق الاقصى عاشت ظاهرة السحر وتعايشت مع هذه المجتمعات بدورها . وجدير بالذكر انه فى فترة من الفترات كانت هناك علاقة قوية بين " البوذية " و " الغيبية " Oeeultisme وارتباط ذلك بنظرية الاحلال وتناسخ الارواح ، وبالتالي كان يصعب فى هذه الفترة عزل الدين عن السحر عندهم ...
والمجتمع العربي ، منذ القدم وعصور الجاهلية ، وهو يتعايش مع هذه الظاهرة وما حولها كالتنجيم والعرافة ... وورث من المجتمعات المجاورة ، كما ورتوا من غيرهم ، ضروبا كثيرة من ضروب السحر ووسائله وتعرض الكثير من الرحالة والمؤرخين والكتاب لهذه الظاهرة بالوصف والتصنيف والتبويب ، حتى ابن خلدون نفسه فى مقدمته ...
وما زالت اقطار كثيرة من العالم العربي تعيش هذه الظاهرة خصوصا فى مناطقها المختفية الفقيرة ، وتجد من يمارس السحر ويستمع اليه ويلجا الى وسائله لمواجهة مشاكل الحياة .
اما الاسلام كدين فقد كان له موقف واضح حول السحر.
                                 - * -
فى المبحث الثاني حلل المؤلف فى دراسة عميقة مدلول السحر وما ذا يعني به ؟ وهكذا قدم تعريفا اصطلاحيا للسحر : " هو فن يزعم الاتيان بخوارق القوانين المتعارف عليها وذلك بفضل الغاز ووصف ووسائل ، كثيرا ما تكون غريبة " ، هذا التعريف نجده يشمل ضمنيا رؤية السحر على مستوا " عالم الطبيعة " وهو عالم مادي Monde matériel " وعالم ما فوق الطبيعة " وهو عالم الارواح فوق الطبيعة عالم الخوارق والالغاز والاسرار ،والخفايا ، والغيبيات بصفة عامة ، لكن المؤلف يرى بأن هذا التعريف لا يفي بالمراد اذ انه لم يحدد متى ينتهي عالم الطبيعة ويبدأ عالم ما فوق الطبيعة والخوراق ، ولذلك فهو يريد ان يتجاوز هذا التعريف الاصطلاحي التقريب الى ما هو اعمق رغبة منه فى تحديد المدلول والمنطوق على مستوى التعميق والتخصيص فيركز بحثه – فى هذا الصدد – على اتجاهين رئيسيين : اتجاه نظر الى السحر نظرة تقنية رافضة اساسا ، واتجاه نظر اليه نظرة تقريرية تعتمد على الملاحظة ، واستقراء الابعاد دون ان ترفع به الى مرحلة الاعجاز والخوارق ... وقد تولى المؤلف تحليل مفهوم الاتجاهين معا . (1)
                                       - * -
المبحث الثالث خصصه المؤلف لموضوع ما حول السحر من ظاهرات شبيهة به مثل : " الشعودة " Soreellerie وهي فى مظاهرها وجوهرها لا تشكل الا نوعا من المزاولة المنحطة لدعاة السحر وادعيائه لدى الشعوب المتخلفة ، ثم " الشيطنة" . Satanisme ou Diabolisme وما حولها كالعفاريت والاشباح والجن ، والمسخرين من الوكلاء والخدم لدعاة الشيطنة ، فما هي الا ضرب من ضروب الرؤية الخلفية لمساوئ النفس الدونية ، وانطباعاتها التحتية ، ترمز أساسا الى الجانب الشرير عند المخلوقات ، اما " اللا منظور او الخفي " Oeeultisme فهو من اسرار الطبيعة والنفس مما لازال مجهول الاسباب كليا او نسبيا. " التنويم " Hypnotisme وهنا يجب التمييز بين التنويم الاصطناعي والتنويم الطبيعي ، فالتنويم الاصطناعي عرفه الانسان منذ القدم مارسه كهنة مصر الفرعونية فى علاج بعض الامراض كما مارسه كهنة الاغريق وعرفه الهنود الاقدمون ، ولقد استعمل فى التحليل النفسي ...
                                 - * -
أما المبحث الرابع فقد قدم فيه المؤلف تحليلا مركزا لعلاقة السحر بالدين ، ونظرا لاهمية هذا المبحث فى الكتاب ولتماسك الموضوع فاننا نحيل القارئ الذى يهمه هذا الجانب الى الكتاب نفسه لتحصيل الفائدة المرجوة ...
                                 - * -
فى المبحث الخامس يبرز الدكتور فكار موقف الاسلام من السحر فيقول بشكل مختصر ان القرآن يكذب السحر ولا يصدقه ، ويسفه السحر ... والقرآن لم يعط للسحر على مستوى جوهره، قدرة اعجازية خارقة وانما هو مجرد " تقليد مكتب وصناعة " تقول الآية " انه لكبيركم الذي علمكم السحر " وفى آية اخرى " وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم "
اما الملحق الذي تناول فيه المؤلف انسان القرآن من خلال ابعاده الاجتماعية فانه عبارة عن دراسة مقارنة حلل فيها الدكتور فكار وضع الانسان المسلم فى بيئته والجتمعه فقدم لنا فى تصور سوسيولوجي انسان القرآن ، ولكي نبرز – يقول المؤلف – أصالة (سوسيولوجية ) او اجتماعية انسان القرآن لا بد لنا من تحديد ابعادها على ضوء المقارنة باجتماعية انسان ما قبل القرآن فى الجاهلية ومعطياته الانثربولوجية اولا ، وعلى ضوء المقارنة باجتماعية الاديان الاخرى تانيا ، وقد دحض المؤلف مزاعم بعض المستشرقين امثال القس (لامناص ) الذي وضع دراسات عدة عن بيئة الاجتماعية للتدليل بشكل غير مباشر على سلبية القرآن الروحية فى حين ان انسان القرآن – اجتماعيا – جاء نموذجا مستوعيا لما صلح بما يتمشى ومتطلبات الحياة الاجتماعية المتجددة ، نموذجا خرج بالانسان من نمط المجتمعات المحلية ، الى نمط المجتمع العالمي ، شرع " للانسان الشامل " فى كل زمان ومكان ، تاركا لمبادئه ابعادا مرنة ، مبسطة ، هي مصدر قوته الاجتمعاعية ، واصالته التشريعية تعتمد على التعليل للظاهرة ، والتخريج لها اكثر ما تعتمد على الالتزام الملقن والحتمية المجردة ، وقف القرآن فى تصوره للانسان اجتماعيا – يقول المؤلف – موقفا وسطا بين " الحتمية السوسيولوجية " وبين " الحرية الانسانية " فكان فى ذلك خير تشريع جسد الحقيقة الاجتماعية للانسان فى شكل واقعي ملموس مؤكدا معالم " قارية المجتمع " و " مظاهر حركيته " عبر روح عملية رائعة .

وما علينا الا ان نتدبر – يقول المؤلف – فيما جاء به القرآن الكريم من مبادئ تحدد مدلول الطبيعة الاجتماعية البناءة للانسان ، وتكيفها سواء على مستوى الاسرة او الجماعة ، والمجتمع العام .
بالنسبة للاسرة اجاز القرآن ما هو صالح من قواعد السلوك والعلاقة وعالج ما يمكن اصلاحه بشكل واقعي عملي وردع ما هو غير قابل للاصلاح دون تردد او مراوغة .
وقدم الدكتور فكار امثلة كثيرة فى هذا الباب مستدلا بآبات قرآنية.
أما بالنسبة لموقف القرآن مما فيه خطر على الاسرة وبنيانها واستمرارها فكان موقف الرادع المحذر دون تردد موقفه من واد البنات ، من الزنى ، وموقفه من رمي المحصنات وشيوع الفاحشة وخطر ذلك على الامة برمتها .
وباختصاران ملحق انسان القرآن تناول دراسة قيمة وعميقة تعتبر تجديدا وخروجا عن التقليد الذي طبع امثال هذه الموضوعات .


(1)راجع الكتاب ابتداء من الصفحة 26 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here