islamaumaroc

التعصب للمذاهب -1-

  دعوة الحق

158 العدد

خطر لي ان اكتب فى هذا الموضوع ، لما رأيت من الجمود المعيب فى فتاوي بعض الفقهاء ، يسأل العامة عن مستحبات ، او هيئة من هيئات الصلاة ، فيسمعون اجوبة مختلفة ، ويقعون فى بلبلة واضطراب ، فمن ذلك واجبات فى مذهب بينما هي فى مذهب آخر سنة ، ومن هذا القبيل فى مفسدات الصوم ، وفى بعض اعمال الحج ، بل وفي الوضوء ، والامثلة على ذلك كثيرة ...
والمذاهب كلها ترجع الى اصل واحد ، هو ما جاء عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونقله اصحابه الانجاب ، الذين اخذ عنهم الائمة رضي الله عنه اجمعين ، فالمذاهب كلها معتمدة ، اجمع السلف والخلف على العمل بها ، من غير تعصب ، ولا تفرقة ، ولا تفضيل مذهب على مذهب ...
وقد ورد – ان الدين يسر والا عسر ، وورد – سددوا وقاربوا ويسروا ولا تعسروا ..
فلا حرج على من راى سهولة فى مسألة من المسائل الشرعية ، على مذهب من المذاهب – ان يتبعه ، مادام صاحب المذهب من الائمة الذين اجمعت الامة على تقليدهم ، واتباع آرائهم ، لان رأيه مبني عنده على اصل من كتاب او سنة ، وقام لديه الدليل نتيجة بحثة بحثه واجتهاده .. وقد نسب الشاطبي رحمه الله الى عمدة اهل التحقيق – محي الدين بن العربي الاندلسي الحاتمي انه قال : ان سنة الله تعالى جرت – انه اذا اعطى نبيا شيئا ، اعطى امنه منه ، واشركهم فيه . وذكر الشاطبي من تلك المزايا – الوراثة العامة فى الاستخلاف على الاحكام المستنبطة .
وكان من الجائز ان يتعبد الله الامة بالوقوف عندما شرع من الاحكام بالنص من غير استنباط ، باعتبار ان عموم النصوص واطلاقها كاف فى معرفة التشريع .. لكنه سبحانه تفضل على هذه الامة بالخصوصية التى خص بها نبيه سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم .
فقد قال الله سبحانه " انا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله " وقال تعالى فى هذه الامة " ولو ردوه الى الرسول والى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " ..
وهاتان الآيتان من سورة النساء ، وبمقتضى هذه الأية الثانية ، كان للعلماء ان يستنبطوا الاحكام من معاني النصوص ، وطرق دلالتها المتعددة ، ورأيهم بعد ذلك صحيح ، تعمل به الامة . كما ثبت لرسولنا صلى الله عليه وسلم ان يحكم بين الناس بالرأي الصحيح الذي اقره الوحي .
وكانت الاحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ذرونى ما تركتكم ) اي لا تسألوا ..
روى مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى عليه وسلم فقال " يا أيها الناس ، قد فرض عليكم الحج فحجوا " فقال رجل افي كل عام يا رسول الله ؟ فسكت الرسول حتى قالها ثلاثا . ثم قال :
ذروني ما تركتكم ، ولو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، وانما اهلك من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم ، اذا امرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ، واذ نهيتكم عن شيء فاجتنبوه" .
وقد قال الله تعالى " يا ايها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم " اي ان تظهر وتبين لكم تسؤكم ان امرتم بالعمل ، فان من سأل الحج ، لم يأمن ان يؤمر به فى كل عام فلا يقدر عليه، فيسوءه ذلك ، وكذلك الرجل الذى قال : من ابى يا رسول الله ؟ فقال له : حذيفة : لا يأمن ان يلحقه النبي صلى الله عليه وسلم بغير ابيه فيوءه ذلك ايضا ، ويفتضح بين الناس ، وتمام الآية " وان تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ".
في ان صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض او نهي، او غيره، وليس فى ظاهره شر ما تحتاجون اليه، ومست حاجتكم اليه، فاذا سألتم عنه فحينئذ يبدى لكم".
ومثال ذلك : ان الله تعالى لما بين عدة المطلقة والحامل والمتوفى عنها زوجها ولم يكن فى هؤلاء عدة التي ليست ذات قرء ولا حامل ، فسألوا عنها فأنزل الله تعالى جوابهم فى قوله " واللاتي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر واللائي لم يحضن "  ثم تقول الآية بعد ذلك " عفا الله عنها " يعني عن مسألتكم عن الاشياء التى نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتي كره لكم السؤال عنها ، فلم يؤاخذكم بها ، ولم يعاقبكم عليها .
عن سعد بن ابي وقاص رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قــــــــال : " ان اعظم المسلمين فى المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته " . وعن سلمان رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشياء فقال : الحلال ما احل الله فى كتابه ، والحرام ما حرم الله فى كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه فلا تتكلفوا " والمراد بالسكوت هنا فى كلمة " سكت عنه " اي لم يحكم فيها بحل ولا حرمة فان السكوت مستحيل على الله تعالى .
وروى الدارقطني وغيره عن ابي ثعلبة الخشني ان رسول الله صلى الله وسلم قال : " ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد وحدودا فلا تعتدوها ، وحرم اشياء فلا تنتهوكوها ، وسكت عن اشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " ويؤخذ من هذا ان الامل فى الاشياء الحل والاباحة ، وقوله " لا تبحثوا عنها " اي احكموا بالحل فى المنافع ، والحرمة فى المضار ..
وكان غرض النبي صلى الله عليه وسلم ان يمتنع الناس عن السؤال ، ويجرون مع طبعهم ، حتى يكون الحق سبحانه والذى يتولى من تنزيل الاحكام ما شاء ، فكانت الواجبات تقل ، والمحظورات تقل ، وتبقى الكثرة فى المباحات التى لا يتعلق بها اجر ولا وزر ...
فأبت النفوس قبول ذلك ، وان تقف عند الاحكام المنصوص عليها ، فأثبتت لها عللا، وجعلتها مقصودة الشارع وطردتها ، والحقت المسكوت عنه فى الحكم بالمنطوق به ، بعلة جامعة بينهما ، اقتضاها نظر الجاعل المجتهد ، ولو لم يفعل ذلك ليقى المسكوت عنه على اصله من الاباحة والعافية ، فكثرت الاحكام بالتعليل ، وطرد العلة ، والقياس ، والرأي ، والاستحسان ، وما كان ربك نسيا ..
قد جعل الله فى ذلك رحمة بنا ، لولا ان الفقهاء حجرت هذه الرحمة على العامة ، بالزامهم اياها بمذهب شخص معين ، لم يعينه الله ولا رسوله ، ولا دل عليه ظاهر كتاب ، ولا سنة ، صحيحة، ولا ضعيفة ، ومنعوه ان يطلب رخصة فى نازلته فى مذهب عالم آخر اقتضاه اجتهاده ، وشددوا فى ذلك ، وقالوا هذا يفضي الى التلاعب بالدين ، وتخيلوا ان ذلك دين ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : " ان الله تعالى تصدق عليكم فاقبلوا صدقته " فالرخص مما تصدق الله بها على عباده . وقد اجمعوا على تقرير حكم المجتهد ، على تقليد العامي له فى ذلك الحكم ، لانه عنده عن دليل شرعي ، سواء كان صاحب قياس او غير قائل به .
وهكذا راينا ان الفقهاء ربطوا العامي بمذهب خاص ، لا يعدل عنه الى غيره ، وبذلك حجروا عليه ما لم يحجر الشرع عليه ، ولا شك ان هذا من اعظم الطوام ، واشق الكلف على عباد الله .

فالذي وسع الشرع بتقرير حكم المجتهدين من هذه الامة ، ضيقه عوام الفقهاء . واما الائمة مثل ابي حنيفة ، ومالك ، وابن حنبل والشافعي فحاشاهم من هذا – مافعله واحد منهم قط ، ولا نقل عنهم انهم قالوا لاحد – اقتصر علينا ، ولا قال احدهم – فلدني فيما افتيتك به ، بل المنقول عنهم خلاف هذا – رضي الله عنهم اجمعين.
وهذه الخلافات الفقهية : ترجع الى تفاوت العقول والافهام ، واختلاف البيئات والمجتمعات .
ولقد حدث ذلك فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما الناس الا يصلوا العصر الا فى بني قريظة ، وادركهم العصر فى الطريق ، فانقسموا فريقين ، فريق اخذ بالباطن فصلى ، وفريق اخذ بالظاهر فلم يصل ، ولما وصلوا اخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فاقرهم جميعا .
ولما اتسعت رقعة الاسلام فى عهد الخلفاء الراشدين ، وانتشر الدين ، فاختلطت العناصر ، وراى الصحابة ان هناك امورا جدت لم يرد فيها نس فى الكتاب اوالسنة، فقاسوها مجتهدين فى دقة واعية ، وفهم وبصيرة على ضوء الشريعة الغراء ، وكان كل منهم ينسب الرأي لنفسه ، وبترك للناس حرية العمل به ، ولا يعتبر فاعله آثما.
فالخلاف فى الرأي وجد ، وكاد لا يثير عصبية ، ول يدعو الى جاهلية ، ولكل رأيه ما دام لا يمس العقيدة ، او اصول الدين ، او يتعارض مع الكتاب او السنة ، واستمر الفقهاء فى اجتهادهم الرزين المستقيم ، لا يعرفون الزيغ والهوى ، ولا ينزلون الى بعدهم خلف فى عصور الضعف ، فأثاروا فتة المذاهب للائمة ، وتعصبوا لها تعصبا اعمى ، اوقف الافكار الهادفة البانية عن انطلاقها ، وحكم على كل رأي يخالف المذهب السائر بالعدم ، علما بان امام المذهب لم يأمر بهذا، ولم يدع اليه .
فهذا ابو حنيفة : يسأله احد تلاميذه : يا ابا حنيفة : اهذا الذي تعني له ، هو الحق الذي لا شك فيه، فيرد عليه ابو حنيفة قائلا : والله لا ادري ، فقد يكون هو الباطل الذى لا شك فيه " .
وهذا الشافعي يقول : يا ابا اسحاق : لا تقلدني فى كل ما اقول ، وانظر فى ذلك لنفسك فانه دين .
وجاء فى الجزء الرابع من التمهيد لابن عبد البر :
قال ابن وهب : قال مالك : الحكم حكمان . حكم جاء به كتاب الله ، وحكم احكمته السنة ، ومجتهد رأيه ، فلعله يوفق ، قال : ومتكلف فطعن عليه ، وبعبارة اخرى : قال لي مالك : الحكم الذي يحكم به الناس حكمان : ما فى كتاب الله ، او احكمته السنة ، فذلك الحكم الواجب ، وذلك الصواب . والحكم الذى يجتهد فيه الحاكم برايه فلعله يوفق  . وثالث متكلف . فما احراه الا يوفق .
قال ابن وهب : وقال لي مالك : الحكمة والعلم . وقال مرة والفقه نور يهدي به الله من يشاء من خلقه ، ويؤتيه من احب من عباده ، ليس بكثرة المسائل .
وكان كل واحد من الائمة يقول ناصحا متبعيه " رايي وفقهي غير ملتزم ولا يجب اتباعه " .
فاذا كان الائمة على هذا الخلق العالي ، والسماحة النادرة ، فما كان اجدر باتباع كل مذهب ان يكونوا على هذا الخلق ، وان يقلدوا ائمتهم فى الذوق والنبل والعمل ..
ان الاسلام لا يوجب على احد من اتباعه اتباع مذهب معين .
فكل مسلم الحق فى ان يقلد اي مذهب من المذاهب ، وله ان ينتقل الى اي مذهب كان ، ولا حرج عليه فى ذلك ..
فينبغي للمسلمين ان يتخلصوا من العصبية بغير حق لمذهب معينة ، فما كان دين الله، ولا كانت شريعته تابعة لمذهب ، او مقصورة على مذهب ، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى .
والاحكام الشرعية نوعان : احدهما قطعي لا يسوغ فيه الخلاف مثل : وحدانية الله تعالى ، واركان الاسلام ، وغيرها من العقائد والاحكام التى تجعل من المسلمين امة واحدة ذات اهداف ثابتة لا تتغير الزمان والمكان .
والنوع الثاني : هو الاحكام التى جاءت بها الشريعة بأسلوب قابل للنظر والفكر ، وهو الغالب من الاحكام الفقهية – وهذه مسائل مختلف عليها ، وهي الفروع .

وهذه الفروع قابلة دائما للنظر والتجديد – حيث جدت فى العصور الاخيرة معاملات لم تكن ، وحالات اجتماعية لم توجد ، فيجب على اهل العلم الديني ان يدرسوا هذه الحالات الجديدة ، وان يطبقوا عليها مبادئ الشريعة ، ويستخرجا احكامها من الادلة .
ونعود فنقول : ان الائمة الذين نتعبد الله تعالى على مذاهبهم – لم يكن بينهم من التنافر او الاخلاف ما هو بين اتباعهم اليوم .
لقد كان الامام مالك شيخا للشافعي ، تتلمذ عليه الشافعي ، ولم يصطدم به ، بل كان يجله وحترمه، وكان الشافعي شيخا لاحمد به حنبل ، واتصل بالامام مالك وهو بالمدينة – ابو الحسن الشيباني من اصحاب ابي حنيفة فروى عنه كتاب الموطأ ، وهكذا كانوا اخوة متضامنين ، لم ينقل عن وحد منهم انه تعصب لمذهبه ، بل كان من اهم ما يحرصون عليهم فهم القرآن الكريم ، والاستنباط منه، والقرآن الكريم لم يذكر احكام الجزئيات الا قليلا منها ، وانما ذكر الاصول والقواعد العامة، وترك الجزئيات والفروع للاجتهاد . اذ هي عادة تختلف باختلاف العصور ، والاقوام ، والبيئات .
ولا ريب ان هذه الخلافات المذهبية قد تقادم عليها الزمن ، وتعتبر من رواسب الماضي ، ويجب ازالتها ينشر الوعي الاسلامي الصحيح ، والعمل على تركيز القاعدة المشهورة – ان الدين يسر لا عسر – وهذا التعريف يهدف الى جمع الكلمة، وتوحيد الخط الفكري ، والشريعة الاسلامية مرنة ، تتكيف بمقتضيات ظروف البيئات الاجتماعية .
وقد كلفت الشريعة الاسلامية تكيفها بالبيئات الاجتماعية المتباينة فى مستوياتها ، لان احكامها صالحة للتطبيق العملي فى مختلف المجتمعات ، على اساس انها صادرة من طبيعتها الانسانية ، وانها منظمة للبشرية .
وخلاصة القول فى هذا الموضوع : ان الجامدين تقع عليهم تبعة هذه التفرقة البغيضة ، وبالتالي تقع عليهم تبعة تاخر المسلمين وجمود قراحهم ، وتقييد الحركة الفكرية فيهم . ولقد قال الشيخ محمد عبده رحمة الله تعالى عليه فى المرض الذى مات فيه :
ومات كنت اخشى ان يقال محمد      قد اعتل او ناحت عليه المآتم
ولكن دينا قمت ابغي صلاحه         اخاف بان تقضي عليه العمائم
والشريعة الاسلامية تستهدف مصالح الافراد والجماعات ، ولابد لشريعة تتجه الى هذه الغايةالكبرى فى عمر الدنيا الطويل ، وآفاقها الرحبة ، من ان يكون فى نصوصها ومصادرها ما يتسع لحاجات الناس المتعددة والمتجددة ، واغراضهم الصحيحة فى شتى بقاع الارض جيلا بعد جيل ، مهما تعددت الحضارات ، واختلفت البيئات .
ولابد ان تكون من المرونة والسعة والشمول – بحيث تتسع للحرية الفكرية الرشيدة، والرأي النزيه الامين .
ولهذا جاءت آيات القرآن الكريم ، وبيانها من السنة النبوية – بالاحكام مفصلة فيما لا يتغير بتغير الزمان والمكان ، كالمحرمات فى الزواج ، وانصبة الوارثين . وجاءت بالاحكام مجملة فى قواعد كلية بالنسبة لما يتغير ويتطور ، ويختلف باختلاف البيئات فى جوانب الدنيا الواسعة ، وتتابع العصور فى مدى الزمن الطويل ، تاركة تفصيلها واختيار ما يتلاءم من احكامها الجزئية – لاهل الذكر واولي الامر فى كل زمان ومكان .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here