islamaumaroc

طه حسين

  دعوة الحق

158 العدد

فى الاسبوع الاخير من شهر اكتوبر للعام الماضي استأثرت رحمة الله سبحانه وتعالى بالدكتور طه حسين عميد الادب العربي بجمهورية مصر بعد عمر طويل تجاوز أربعة وثمانين عاما قضاها فى صراع مع الحياة والناس لم يكف فيها الدهر عن عنته وايلامه . فقد ابتدا حياته – وهو وذوي قرباه ، ويحس ببعد المسافة بينهم وبينه ، فى الماكل والمشرب ، والنوم واليقظة ، واللهو واللعب ، والاختلاط بالرفاق والزملاء ، والحظوظ والارزاق ، وكان كتاب " الايام " الذى سجل فيه حركته وسكونه ، واقباله وادباره ، وسخطه وراضاه ، وحبه وبغضه ، ووحشته وانقباضه ، وخياله وتصوره ، رسما دقيقا لشعور انسان كان فى حرب ضروس لا تكف عنه الا بمقدار ما تتهيأ لاستئناف القتال مرة اخرى واخرى وهكذا دواليك من غير مهادنة ولا غفوة.. وقد كان من حظه ان ينتهي اليها تفكير عامة المصريين اذا ارادوا ان يرسلوا بأبنائهم الى المدرسة التى ترفع عنهم غشاوة الجهل ، وتصلهم بمعرفة الحلال والحرام ، فى امور دينهم الذي يحرصون عليه ، ويعينهم الى حد بعيد ان يحصلوا منه على رصيد من الفقه يستطيعون ان ينقلوه فى القرى الى من قعدت بهم الظروف عن طلبه ، وحالت بينهم وبين الحصول عليه ، والدراسة فى الازهر حينئذ على الرغم من انها كانت غير مقسمة الى مراحل – كما هي الآن – ابتدائية وثانوية وعالية ، لم تكن خالية من العمق ، مجردة عن الاستقصاء ، فان الذين عاصروها ، وتحدثوا عنها ، وارخوا لها ، يصفون اهلها بالاستاذية ، وينعتونهم بالاحاطة والتحصيل ، والجمع والتقصي ، والادراك والوعي ، وربما كان فيهم من يدخل المسجد الى حلقات الدرس فلا يخرج الى اهله او بلده الا بعد مضي زمن يتراوح بين خمسة عشر او عشرين عاما ينتهي منها بالحصول على الشهادة ، ولجنة الامتحان كانت تقطع الشهور الطويلة فلا ينجح ممن جلسوا بين يديها الا عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ... وفى هذا المضمار الصاخب ، والميدان الذى تسوده الهيبة والخوف ، دخل الامتحان الدكتور طه ، لكنه كبابه جواده ، الا انه كان قد قطع شوطا من الدراسة فى الجامعة الاهلية التى تحولت بعد ذلك الى الجامعة المصرية – القاهرة الآن – وبعد ان انتهى منها ذهب الى فرنسا وعاد منها بشهادة الدكتوراه فى الادب التى افسحت له الطريق ليكون استاذا ثم عميدا لكلية الآداب وفيها القى على الطلاب محاضرات " فى الشعر الجاهلي " صرح فيها بأفكار كانت صدى لافكار المستشرقين الذين كان همهم ان يعملوا مع الاستعمار – جنبا الى جنب – للكيد للاسلام والطعن عليه ، ليساعدوا بذلك على تمكين الدخلاء ، وبلبلة افكار المستوطنين  ، وانتهت تلك المحاضرات او ذلك الكتاب بضجة عارمة طالبت بمحاكمة المؤلف ، وهي الخطوة الاولى نحو الشهرة – او الثانية على الاصح - وقد كان قبل ذلك بمسافة من الزمن يجعل اسمه فى ذيل مقالات نشرها له استاذه لطفي السيد – لكاتب آخر – فى نقد كتاب النظرات للمنفلوطي .

والذى يتابع الدكتور طه حسين – حتى فى الشعر الاسلامي – يجد ان طابع الشك وانكار الحقائق يلازمه ، وفى حديث الاربعاء الذى كان ينشره فى السياسة الاسبوعية كثير من ذلك كله، ومن طريف ما يقوله ان مجون ابي نواس كان انعكاسا لروح الخلافة الاسلامية فى ذلك الوقت، ولهذا لم يكن الرشيد كما يقول عنه المؤرخون من الطهارة والوقار ، والاستقامة والتدين ، وفى رد الاستاذ الكبير " رفيق العظم " عليه ما يدل على انه قد خانه التوفيق فى كثير من الآراء والاتجاهات .. والطابع الذى كان يغلب على الدكتور طه انه يتعجل الشهرة ، ويسرع اليها الخطى ، متذرعا بالخلاف لا اكثر ولا اقل ، ولذلك زلت قدمه كثيرا ، ولم يصل فى التقدير والاحترام فى نفوس المتأدبين والمثقفين اكثر من زملاء كانوا معه فى كلية الآداب  كانوا يأتون البيوت من أبوابها امثال احمد أمين وأمين الخولي وعبد الوهاب عزام الذين تركوا بعدهم دويا من الاجلال والاكبار ، وربما كان من اسباب ولعه – او ولوعه – بالشهرة ، وعمله لها ، تنقله فى الاحزاب السياسية ، واحدا فى اثر آخر ، وهو الامر الذى عرف عنه ، ولازم حياته الطويلة ، ونحن نترك ذلك كله للتاريخ ، ونود ان ننبه مع هذا وهذا الى ان التاريخ انما يحاسب عليه صاحبه اذا كان من رجال الحكم والسلطان ، اما حين يكون محسوبا على العلم والادب فاننا نزنه من هذه الزاوية ، ونحاسبه بهذا الاعتبار ، فهل كان الرجل فى ميدان الادب شيئا نادرا ، اذكر ان أحمد حسن الزيات بعد موت مصطفى صادق الرافعي نشر فى مقاله – الافتتاحي – فى مجلة الرسالة رأيه فى ادب طه حسين ، فقال انه ادب يأخذ من كل شيء بطرف ، وربما كان هذا بحق رأي الرافعي لان فى كتابه الذى سماه " تحت راية القرآن " ما يؤيد ذلك تأييد صحيحا ، اذ انه كان سطحيا الى أبعد حد ، وكان يبتدئ المعنى فلا يزال يردده ويعيده حتى يأخذك الملل ، ويحيط بك السأم اللهم الا حين يلتزم بالاسلوب القصصي كما فى الايام وهامش السيرة والوعد الحق والمعذبون فى الارض .. وعلى الجملة فليس هو بالرجل الذى يضعه المؤرخ للادب فى مرتبة العقاد الذى اثرى المكتبة العربية برصيد من العقل والرأي ، والتفكير والبحث ، ما كان يمكن لجيل بأكمله على غرار الدكتور طه حسين ان يخلفه لمن بعده من الاجيال .. واذا كانت الشهرة المغتصبة ، وذيوع الصيت المنتهب ، اشبه بفقاعات الماء التى لا تلبث – بعد قليل – ان تختفي ، فان الميزان الصحيح لرجال الفكر والرأي ، والبلاغة والادب ، انما هو خلودهم على الزمن، وبقاؤهم مع تطاول الايام ، من خلال الدراسات التى يثيرها التاحثون فى قاعات الدراسة ، او بطون المؤلفات، ولهذا فاننا نترك ذلك كله لمن يجيء بعدنا ونرجو ان يكون من وعي الحقائق ، وعدالة الحكم ، وانصاف التاريخ ، ما يساعدهم على احقاق الحق ، وابطال الباطل ، ورحم الله عبدا قال فغنم ، وسكت فسلم ، وتلك الايام نداولها بين الناس ، ولنا مع ذلك عود آخر ان شاء الله .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here