islamaumaroc

نظرية سيادة الأمة والإسلام

  دعوة الحق

158 العدد

تباعا للدراسة التي نشرتها مجلة ( دعوة الحق ) الغراء بتاريخ اكتوبر 1972 حول الحريات العامة والاسلام اضيف اليها هذه الدراسة الموجزة حول نظرية او مبدأ الامة والاسلام اسهاما فى البحث السياسي المقارن والتعريف برؤيا الفقهاء الدستوريين المحدثين ورؤيا الاسلام للمبادئ الدستورية التي نعثر عليها فى كثير من الدساتير الحديثة . واذا كانت رؤيا الفقهاء الدستوريين المحدثين ينبثق معظمها من القوانين الوضعية فان رؤيا الاسلام تستمد مصدرها الاسنى من الوحي الالهي الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومن بيان الرسول عليه السلام لهذا الوحي وهو ما يعبر عنه فقهاء الاسلام بالسنة النبوية . واذا كانت الامم الغربية لم تعرف متدا سيادة الامة الا فى القرون الاخيرة بعد ان ذاقت الامرين من الاضطهاد والاستبداد سواء على الصعيد السياسي او على الصعيد الاجتماعي فاننا نجد الاسلام يقر هذا المبدأ الهام منذ عدة قرون ويجعل لامة الاسلام الشأن الاول والتمتع بكامل السيادة . واستدعى القاريء الكريم لامعان نظره واعمال فكره حتى يتأمل معي فى مبدأ سيادة الامة كما تصوره الفقهاء الدستوريون وكما تصورته الشريعة الغراء مرتلة اياه ترتيلا استمراء بالنشيد السماوي الخالد وهو يغمر اجواء المعمور ويعطر قلوبا تسمع فتعي وتخشى فتتقي . واود ان اقسم هذه الدراسة الى قسمين اخصص اولهما لدراسة تطور مبدا سيادة الامة فى الفقه الدستوري الحديث واخصص ثانيها لمفهوم المبدا فى الاسلام واذن فستكون الدراسة محاولة للمقارنة بين المبدا كما تراه التشريعات الحديثة وكما تؤسسه الايديولوجية الاسلامية .

اولا : تطور مبدا سيادة الامة فى الفقه الحديث :
تأتي اهمية مبدا سيادة الامة من كونه اصبح من الحقوق السياسية التي ناضلت الجماعة الانسانية من اجلها نضالا مريرا حتى اصبح مثلها الاعلى فنالته بعد عناء وعراك طويلين ولذا اصبح تقرير هذا المبدا والاعتراف به عنوان تقدم فى الميدان السياسي .
ولا ريب ان اغلبية الدساتير الحديثة وعلى رأسها الدستور المغربي تقر هذا المبدأ وتوفر له الضمانات اللازمة لدوامه واستمراره.
وقد كان المفهوم الكلاسيكي لمبدأ السيادة هو ان سلطات الدولة لها كامل الصلاحيات وجميع الاختصاصت لتسن من القوانين ما يحلو لها باسم الجماعات التي تخضع لنفوذها . وبعد مرحلة تاريخية طويلة تطور مفهوم السيادة هذا واخذت الشعوب تسهم فى تسيير شؤونها بنفسها وتأخذ مثل السلطات سابقا زمام المبادرة فى الحياة السياسية واصبح لها من الوزن مثل ما كان للدولة بمفهومها العتيق .
واذا كان مفهوم السيادة فى اللغة يسير الفهم قريب الادراك حيث نفهم منه سيطرة المتصف به وسيادته وتسلطه ، فالسيادة كمصطلح حقوقي اصبح لها معنى خاص ومدلول مدقق . ولذا نجد الفقهاء الدستوريين يعرفونها كل من زاويته الخاصة ، فاتت تعاريفهم لها متفاوتة التحديد من حيث الظاهر ، ولكنها تتجه فى الواقع اتجاها واحدا هو الاتجاه بمعنى السيادة الحقوقي .
فقد عرفها زهدى يكن " بوجوب توفر سلطة عليا يخضع لها جميع الافراد " كما عرفها الفقيه الفرنسي لافويير : " من الضرورة المطلقة ان توجد فى كل دولة سلطة متفوقة وقوة امرة مفروضة على جميع العناصر فى المجتمع تملك وسائل الضرورية لضمان تنفيذ اوامرها " .
ونستخلص من هذين التعريفين ان السيادة تتصف بها الجماعة الحاكمة وان ارادة هذه الجماعة نافذة فى كل امورها ولهذه الجماعة سلطة سن القونين وتنفيذها ولو بالقوة . وقد اجمع الفقهاء الدستوريون على ان الهيئة الحاكمة فى شعب من الشعوب تمتلك نوعين من السيادة ، سيادة داخلية وتتمثل فى سن القوانين واصدار الاوامر لجميع افراد الامة وسيادة خارجية وتتضمن حق امتلاك الهيئة الحاكمة تمثيل الامة والتصرف باسمها مع بقية الدول الاخرى .
وللسيادة عند هؤلاء الفقهاء خصائص لازمة لها هي الاطلاق والعموم والدوام وعدم القابلية للانقسام ومن لوازم العمل بمبدا سيادة الامة ان تصبح الحياة السياسية متبلورة فى العمل بالنظام الديمقراطي حتى صار بعض الفقهاء يجعلون من مصطلح سيادة الامة ومصطلح الديمقراطية مترادفين لمدلول واحد ، وهكذا يكون الاخذ بمبدا سيادة الامة مؤديا الى العمل بحكم الاغلبية باسم المجموع ولمصلحته حتى يتحقق بذلك الصالح العام . وقد خطت نظرية سيادة الامة خطوات الى الامام خلال القرن الثامن عشر على يد مفكرين كبار سخروا لها صاحبتهم الطبيعة به من حرس سياسي نادر وبراع ساحر مبين . ونذكر من هؤلاء الاعلام جان جاك روسو حينما دعا لفكرة سيادة الشعب فى كتابه العقد الاجتماعي حتى اصبح مبدا السيادة هذا قاعدة قانونية بعد ان كانت مجرد نظرية فلسفية واصبح رجال القانون ينظرون لمبدأ السيادة ايضا كمبدا علمي قانوني رغم ما وجهه بعضهم اليه من انتقادات .
وهكذا نجد عددا كثيرا من الدساتير الحديثة تحت على مبدا سيادة الامة وضرورة الاخذ به ، فنجد مثلا الدستور الالماني لسنة 1949 ينص فى المادة العشرين منه على " ان الجمهورية الاتحادية الالمانية جمهورية ديمقراطية اشتراكية وان كل سلطة مصدرها الشعب " . ونجد الدستور البلغاري الصادر لسنة 1947 ينص فى المادة الثانية منه : " ان كل سلطة فى الجمهورية البلغارية مصدرها الشعب " . كما نجد الدستور المغربي يحدو حدو هذه الدساتير وينص بصراحة فى الباب الاول منه على " ان السيادة للامة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة بواسطة المؤسسات الدستورية ".
والآن بعد ان القينا نظرة موجزة عن مفهوم السيادة وتطوره عبر التاريخ وصداه فى مختلف الدساتير نحاول ان نبين بايجاز كيفية ممارسة مبدا السيادة من الناحية الواقعية ، وكيف يترجم العمل هذه القاعدة الحقوقية ويبلورها على الصعيد السياسي الملموس .
لقد عرفت الدول الديمقراطية ثلاثة انواع من اشكال ممارسة سيادة الامة ، اولها هو ما يسمى بالديمقراطية المباشرة وتقتضي اشراك الامة فى اصدار القوانين تنفيذها تحت رقابتها . وهذا الاسلوب فى الحكم نادر فى عصرنا نظرا لصعوبة الاخذ به حيث اصبحت الدول الحديثة متسعة الرقعة وفيرة السكان ونظرا كذلك للاعمال المنوطة بالدول الحديثة حيث غدت اكثر تعقيدا من الماضي وصارت تتطلب خبرة فنية متعمقة ومستوى معينا من المعرفة والمؤهلات ما لا يمكن توفره لمجموع المواطنين الذين عليهم ابداء وأيهم فى كل شاذة وفاذة من الشؤون العامة .
والشكل الثاني لممارسة السيادة يتمثل فى نظام التمثيل او النيابة وفى اطار هذا النظام تختار الامة نوايا عنها لتولي الحكم مدة معينة باسمها ونيابة عنها ويقتصر عمل الامة او الشعب هنا على انتخاب من ينوب عنه وتكون ارادة النواب تعبيرا عن ارادة الناخبين . ويرتكز هذا الشكل على ركائز ثلاث : اولا برلمان منتخب بواسطة الامة ، وثانيا يكون النائب ممثلا للامة باسرها ، وثالثا استقلال البرلمان عن هيئة الناخبين ورابعا انتخاب البرلمان لمدة معينة .
اما الشكل الثالث فهو ما يدعى بالديمقراطية نصف المباشرة وهو مزيج من الشكلين السالفي الذكر . وقد اخذت به كثير من الدول لما له من محاسن عديدة . وقوامه وجود برلمان منتخب مع الرجوع الى الامة صاحبة السيادة للفصل فى الامور العامة ويتمثل ذلك فى استشارة الامة بواسطة الاستفتاء وفى اعطائها حق الاعتراض على بعض القوانين او مشروع قانون .
هذه هي الاشكال الثلاثة التي يمكن بواسطتها ممارسة مبدا سيادة الامة تلك السيادة التي اصبحت متداولة على السنة الفقهاء الدستوريين والصحافة السياسية المتخصصة . وكما وجد المبدا مناصرين تشيعوا له وميدانا فسيحا فى التطبيق ، كما شاهدنا لك فى النصوص الدستورية التي تعرضنا لها فقد وجد كذلك ناقدين من الفقهاء وبالاخص منهم : اسمان ودوجي وبارتلمى .
وصفوة القول انه رغم ما وجه لمبدا سيادة الامة من انتقادات لاذعة واعتراضات شديدة اللهجة والتي من بينها انه يؤدي الى استبداد السلطة التشريعية فقد ابان هذا المبدا عن حدوه وفائدته لمثلى وآية ذلك انه يرن صداه فى اغلبية الدساتير المعاصرة لنا .

ثانيا : مبدا سيادة الامة الايديولوجية الاسلامية :
اذا كان مبدا سيادة الامة فى التشريعات الحديثة يتمثل فى ما اومانا اليه فى القسم الاول من هذه الدراسة فيفهم من استقراء التاريخ السياسي الاسلامي ان الامة الاسلامية مصدر السيادة وان الخليفة ينوب عنها فى ممارسة هذه السيادة بحكم الله وشريعته ويدير شؤونها بأمانة وعدل تأمين ، ويعتبر نفسه فردا من افراد الامة الا انه اثقلهم حملا نظرا للامانة المنوطة به والواجب الملقى على عاتقه ، وليس للحاكم المسلم ان يستبد بالامر دون امته ، فالله يخاطب نبيه الكريم بقوله : " فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر " والنبي عليه السلام يقول لرجل اخذته الرهبة منه حتى  تعثر لسان هذا الاخير : " لا تخف فلست ملكا ولا جبارا " ويخاطب عمر الفاروق جماعة من المسلمين وقد شعروى بشيء من غلظته وشدته فى الحق " والله ما انا بملك فأستعبدكم بملك او جبرية ، وما أنا الا أحدكم منزلتي منكم كمنزلة والى اليتيم منه ومن ماله "
فهذة السنة النبوية وبدورتها فى ملوك الخلفاء الراشدين تبين بوضوح ان الاسلام اقر مبدا سيادة الامة وان الخليفة المسلم وكيل عن امته فى ادارة شؤون الدين والدنيا وفقا لشريعة الله وؤسوله ، وهكذا فهو يستمد سلطانه منها وملتزم باعتبار صالحها . وقد اخذ جمهور الققهاء والعلماء من المسلمين بتأييد مبدأ سيادة الامة واعتبارها مصدر السلطان والحكم مستدلين علاوة على عمل النبي وافتداء الخلفاء الراشدين به بادلة صريحة فى القرآن والسنة .
أ – فالقرآن فى كثير من الاحيان يتوجه بالخطاب فى الامور العامة للجماعة الاسلامية باعتبارها صاحبة الحق فى تنفيد الاوامر والرقابة على القائمين بها ، ومن هذه الآيات : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم او الوالدين والاقربين ، ان يكن غنيا او فقيرا فالله اولى بهما فلا تتبعوا الهوى ان تعدلوا " والآية الكريمة " يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " والآية الكريمة : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنان قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بماتعملون " وهناك آيات اخرى كثيرة تخاطب المومنين وتامرهم بأداء الامانات الى اهلها والحكم بالعدل والوفاء بالعهد والتواصي بالحق والصبر فىاعلاء شانه ورفع رايته والامر بالمعروف والنهي عن المنكر الخ . ففي هذه الآيات التي تخاطب الامة الاسلامية جمعاء برهان ساطع على ان الامة هي التي تتحمل مسؤولية اقامة الدين وشرائعه ورعاية المصالح العامة فتكون هي مصدر السيادة العليا ويكون لها اختيار الرئيس الاعلى للدولة .
ب – كما استدل علماء المسلمين على سلطة الامة واعتبارها مصدر السيادة بعدة احاديث ومنها حديث " لا تجتمع امتي على ضلالة " او كما فى رواية اخرى " سألت ربي الا تجمتع امتي على ضلالة واعطانيها " ، ومعنى ذلك انه متى اجتمعت الامة الاسلامية على رأي كان هذا الرأي هو الحق وصار العمل به واجبا لانه صدر عمن له حق السيادة .
وقد ساير راي العلماء المسلمين القدامى فى ذلك بعض الفقهاء الدستوريين المسلمين فى العصر الحديث ومن بينهم الدكتور عثمان خليل .
وبخلاف ما يحتويه مفهوم الامة فى العصر الحديث حين نتحدث عن مبدا سيادة الامة فى الدساتير الحديثة ، فالامة الواردة فى حديث لا تجتمع امتي على ضلالة ، تتمثل فى اولى الامر الذين تجب طاعتهم بامر القرآن او فى أهل الحل والعقد كما يعبر عنهم الفقهاء ، فما هي حقيقة هذه الطائفة ومميزاتها الرئيسية ؟ ، فى الواقع ان الفقهاء لم يحللو هذا الموضوع بما ينبغي تحليله من تدقيق فقد اقتصروا على انه يجب ان تتوفر فى اهل الحل والعقد بعض الصفات ، وهذه الصفات كما ذكر الماوردي فى الاحكام السلطانية هي العدالة والعلم والرأي والحكمة كما بين الشيخ الامام محمد عبده فى تاويل المراد بأولى الامر الواجبة طاعتهم فى سورة النساء " يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم .. " ونقل عنه تلميذه الشيخ محمد رشيد رضا انه فكر فى هذه المسألة وقتا طويلا وانتهى به الفكر الى ان المراد باولي الامر جماعة " أهل الحل والعقد " من المسلمين وهم الامراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع اليهم الناس فى الحاجات والمصالح العامة اذا اتفقوا على امر او حكم وجب ان يطاعوا فيه بشرط ان يكونوا مسلمين والا يخالفوا امر الله ولا سنة رسوله عليه السلام ، وان يكون اتفاقهم على ما فيه خدمة الصالح العام .
وعلى ذلك يستنتج دارسو النظام السياسي الاسلامي على ان اهل الحل والعقد فى الجماعة الاسلامية هم اصحاب الرأي والعلم وموضع الثقة من طبقات الامة وانه لا يوجد فوق كبير بينهم وبين اعضاء البرلمان فى الدساتير الحديثة ، كما استنتجوا ان الاسلام لم يحدد نظاما خاصا فى هذه الناحية بل ترك للامة الاسلامية تكييف المبدا والظروف المستجدة العارضة من جراء التطور الذى يكتنف مسيرة المسلمين .
ومن الواضح ان الايديولوجية الاسلامية فى الحكم السياسي سارت على هذا المنوال حيث اقرت مباديء عليا كالشورى وسيادة القانون واختيار الحاكم المسلم عن طريق مبايعته والعدل والمساواة بين افراد الجماعة الاسلامية وتركت للمسلمين اختيار احسن المناهج والاساليب لتطبيقها حسب ما تقتضيه حاجيات عصرهم وحسبما يحقق للامة الاسلامية صالجها ونهضتها فى كافة الميادين وطبقا لما تمليه تعاليم الشريعة الغراء والاسلام السمح .
هذه المامة سريعة عن درسة مبدا سيادة الامة والاسلام ، ارجو ان اكون قد وفقت فى اجلاء بعض غموضها ورسم قليل من معالمها بعد مقارنة المبدا فى القانون الوضعي وقانون الوحي المنزل والاسترشاد بكثير من النصوص المتباعدة فى الزمن والمتقاربة فى الموضوع وما توفيقي الا بالله .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here