islamaumaroc

لن أراك بعد اليوم

  دعوة الحق

158 العدد

سمعت السيدة اوبريان نقرا ناعما على باب المطبخ فلما فتحته رات امامها السيد رامريز ، احسن المستأجرين الذين يقيمون فى منزلها ، وقد وقف الى جانبيه ضابطان من رجال الشرطة .
فقالت السيدة اوبريان :
ما هذا يا مستر رامريز ؟ هل حدث لك شيء ؟
وكان يبدو على السيد رامريز انه مغلوب على امره ، وليست له الفاظ يعبر بها عن حقيقة الموقف .
وقد قدم الى منزل السيدة اوبريان منذ سنتين قبل ذلك ، وعاش فيه منذ ذلك الحين فى حجرة استأجرها منها ، يوم كان قد ركب الحافلة من مدينة مكسيكو قاصدا مدينة سان دياجو ثم العثور على هذه الحجرة الصغيرة الانيقة فى منزل السيدة ، وكانت حجرة لطيفة مشمعة الارض مزخرفة الحيطان بالزهور والصور ، والى جانب ذلك السيدة اوبريان راعية المنزل التى كانت لها شخصية تتحلى بالصرامة والرافة فى ذات الوقت ، وكان يعمل خلال الحرب فى مصنع المطار حيث يصنع قطع الغبار للطائرات التي تحلق فى السماء طريقها الى امكنة لا يعلم عنها شيئا ، حتى اذا ما انتهت الحرب احتفظ بعمله ، واستطاع منذ اليوم الاول الحصول على مقادير كبيرة من المال ادخر بعضا منها . ولم يكن يشرب الا مرة واحدة فى الاسبوع وهو الامر الذى ترى السيدة اوبريان انه من حق كل عامل مخلص لما يقوم به ، دون جدال .
وكانت الفطائر تسوى فى فرن السيدة اوبريان بالمطبخ ، وسوف تستخرج من الفرن بعد قليل محمرة لامعة هشة ، وكانت للمطبخ رائحة طيبة بحيث ان الشرطيين مالا الى الامام وقد جذبتهما الرائحة ، وكان السيد قاداه الى الوقوع فى كل المتاعب...
سألته السيدة اوبريان :
- ماذا حدث ياسيد راميزيز ؟
ولما رفع عينيه الى السيدة اوبريان راى خلفها المائدة الطويلة يغطيها المفرش الابيض الناصع ، والابريق تطفح غوق مائه مكعبات الثلج ، وقد صفت فوقها الاكواب لامعة الزجاج ، وقدح مترع بالسلطة الشهية ، وقدح آخر تكوم فيه الموز والبرتقال ، وكان يجلس الى هذه المائدة اطفال السيدة اوبريان وهم يتحدثون – اولادها الثلاثة الكبار وكانوا منهمكين فى تناول الطعام ، وبنتاها اللتان كانتا تحملقان فى الشرطيين وهما تمضغان .
قال السيد رامريز فى هدوء وهو ينظر الى يدي السيدة اوبريان المنتفختين :
- لقد قضيت هنا ثلاثين شهرا .
فقال احد الشرطيين :
وهذا يعني انه اطال الاقامة المسرح له بها ستة اشهر ، فلم تمنح له غير تأشيرة مؤقتة ، ولذلك فقد كنا نبحث عنه.

ما كاد السيد رامريز يصل ويستأجر الحجرة الصغيرة حتى اشترى آلة راديو ليضعه فيها ، واصبح يديره عاليا كل مساء ويتمتع بذلك ، ثم اشترى ساعة معصم واستمتع بذلك ايضا ، وكان يخرج فى كثير من الليالي ليتجول فى الشوارع الصامتة ويشاهد الثياب الزاهية المعروضة فى واجهات المتاجر ويشتري بعضا منها ، وكان يقف امام متجر الجواهر ثم يدخله ليشترى منه بعضا منها لتقتديمها هدايا الى صديقاته ، وكن قلة من النساء ، وكان يغشى دور السينما خمس مرات فى الاسبوع فى اول عهده بالاقامة فى المدينة ، ويمتطى الترام طوال الليل فى بعض الاحيان ، وهو يتلذذ بشم رائحة الكهرباء وهو ينقل عينيه الداكنتين بين الاعلانات المضاءة ويستشعر دمدمة العجلات تحت قدميه ، ويشاهد الدور الصغيرة النائمة ، والفنادق الكبيرة وهي تمرق حواليه فى سرعة ، وكان يقصد الى جانب ذلك المطاعم الكبيرة ليتناول وجبات عشاء كاملة ، كما كان يغشى دور الاوبرا والمسارح ، وكان قد اقتنى سيارة حتى اذا ما نسي ان يسدد اقساطها قدم الرجل الذى باعها له ذات ليلة الى هذا المنزل الذي يقيم فيه ثم امتطاها واختفى بها فى غضب .
قال السيد رامريز :
وها انذا جئت لاقول لك ، يا سيدة اوبريان انه اصبح علي ان اتنازل عن حجرتي ، وقد جئت لآخذ امتعتى واسير فى رفقة هذين الرجلين .
- لتعود الى مدينة مكسيكو ؟
- نعم الى لا يجوس وهو حي صغير يقع فى شمال مكسيكو.
- اننى آسفة يا سيد رامريز .
قال السيد رامريز بصوت ابح ، وهو يطرف بعينيه السوداوين فى سرعة ويفع يديه امامه فى يأس : " لقد شددت امتعتى وانا على استعداد " . فلم يمسسه الشرطيان ، اذ لا حاجة الى ذلك.
قال السيد رامريز : ها هو ذا المفتاح يا سيدة اوبريان لقد اعددت حقيبتي بالفعل " .
وهنا لا حظت السيدة اوبريان الحقيبة بالقرب منه على الارض لاول مرة.
وعاد السيد رامريز ينظر داخل المطبخ الضخم الى الادوات الفضية اللامعة والى السادة الصغار وهم يتناولون طعامهم ، والى ارض المطبخ البراقة ، ثم استدار يتأمل العمارة المجاورة وهي تشمخ عاليا بأدوارها الثلاث الجميلة وشرفاتها ومداخنها وسلالمها والخلفية والاحبال التى برفرف الغسيل عليها فى مهب الريح .
قالت له السيدة اوبريان :
لقد كنت احسن سيرة من جميع الذين اقاموا عندي.
فأجابها فى نعومة :
" شكرا لك يا سيدة اوبريان شكرا لك " ثم اغمض عينيه ، وقال لها احد ابنائها ان طعامها يبرد ، ولكنها هزت له رأسها وعادت تستدير الى السيد رامريز زتذكرت الزيارة التى قامت بها ذات يوم الى بعض مدن المكسيك الواقعة على الحدود ، وتلك الايام الملتهبة والحشرات التي لا نهاية لها وهي تثب او تستقر ميتة على الارض ، والقنوات التي تتسرب من خلالها مياه النهر الى الحقول ، والشوارع القذرة ، وتذكرت الاحياء الصامتة والجعة الساخنة ، والاكل الغليظ على توالي الايام ، وتذكرت الجياد البطيئة والارانب وهي تجري فى الطرقات ، وتذكرت مناظر الجبال الحديدية والوديان التي يكتسحها النقع ، وشواطئ المحيط التي تمتد لآلاف الاميال دون ان يسمع غيها صوت آخر غير الامواج ، لا سيارات لا عمارات ، لا شيء .
قالت :
انني آسفة حقا يا سيد رامريز .
فقال فى وهن : لا أريد ان اعود الى المكسيك ، انني احب الحياة هنا واريد ان ابقى هنا ، كنت اشتغل وعندي ما يكفي من المال ، وليس بي ما يشين ، اليس كذلك ؟ لا اريد ان اعود الى المكسيك .
قالت :
انني جد آسفة يا سيد رامريز وبودي لو كان فى استطاعتي ان افعل شيئا .
وترقرقت الدموع فى عينيه ، ومد يديه ليأخذ يدها فى حرارة وهو يصافحها ويضغط عليها ويتشبث بها ، ويقول : تصوري يا سيدة اوبريان اننى لن اراك بعد اليوم ، لن اراك بعد اليوم.
فابتسم الشرطيان لما رايا ، ولكن السيد رامريز لم يلاحظ ذلك ، وسرعان ما اقلعا عن الابتسام.

الوداع يا سيدة اوبريان لقد كنت معي لطيفة المعشر جدا ، اوه ! الوداع يا سيدة اوبريان ، تصوري انني لن اراك بعد اليوم " .
ووقف الشرطيان فى انتظار ان يستدير السيد رامريز ويلتقط حقيبته ويذهب معهما ! حتى اذا ما فعل تبعاه بعد ان حركا قبعتيهما للسيدة اوبريان ، فراقبتهم وهم ينحدرون مع السلم ثم اقفلت الباب فى هدوء ، ثم عادت الى كرسيها عند المائدة وشدته اليها وجلست عليه ثم التقطت السكين اللامعة والشوكة وعادت تواصل تناول طعامها .
فقال لها احد ابنائها : اسرعي يا اماه قبل ان يبرد الاكل ، فتناولت لقمة وضعتها فى فمها ومضغتها فى بطء لفترة طويلة ثم حملقت فى الباب المقفل ثم وضعت السكين والشوكة .
وعندما سألها ابنها : هل هناك شىء على غير ما يرام يا اماه ؟ اجابته وهي تضع يدها على وجهها : كيف استطيع ان تصور اننى لن ارى السيد رامريز مرة اخرى بعد اليوم !؟

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here