islamaumaroc

سماء الخريف في لبنان

  دعوة الحق

158 العدد

قوافل على مفترق الطرق تحمل امتعتها وخيامها.
قبائل مهاجرة ، يصرخ فيها الصبيان وتعوي الكلاب وتتلكأ العجائز والحوامل وتتساقط الاوعية وتتكسر الاواني فتلمع شظاياها ويصم دويها الآذان.
عربات يقطر بعضها بعضا ، يجرها بائع مخلفات الحروب . تحرن بغالها فتعترض وسط الطريق، ويرتفع صوت زاجرها ثم يهدر فمه بصرخات السباب.
تتنائر الحشايا فيسقط ما فى بطنها من صوف وقطن وتندب النساء بشعورهن المنفوشة وقمصانهن المهلهلة.
وعلى بعد خطوات يتبختر رجال  مفتولو الاذرع والشوارب يضعون غلابينهم الضخمة على افواههم ويعتمرون خوذات الحرب وتردد الاصداء وعيدهم واناشيدهم .
وفرسان من سلالة العبقرية المنقرضة يمتطون جيادا ضافية اللجم رائعة السرج حوافرها اجنحة وارجلها اعمدة وآباطها هياكل واعرافها مآذن وصهيلها اذان نواقيس .
وحبال متصلة هنا وهناك سرعان ما تنقطع ثم تتصل بمهارة حمقاء ، ثم تتداخل فيها اشباح القوارب والبواخر والجمال وقطعان الضان والجواميس.
وقطارات بعضها معاكس للبعض الآخر ، مداخنها متطايرة ، وخطوطها آيلة للسقوط ، وركابها يصعدون ويهبطون ، ماشمون يقتلعون كل قضيب وينهالون على الركب المتقدم باخشاب وجذوع وعصي وبنادق وزجاجات ومكانس وثياب وحيوانات ..
انه زمن يسير ، يتحرك بطاقاته الكبيرة وامكاناته المتلاحمة .. انه زمن الخريف !
- ولكن ، من صنع الخريف ؟
- الغوغاء ، دون شك .
الغوغاء قدرة الزمن الكبرى يثور بها على النظام والحكمة والجمال والاستقرار والارتباط والقانون .
ولا بد لحضارة الصيف من غوغا تنقم ، وتهدم .
فقد استفحل الهدوء ، وتأنق الجمال ، وسجا البحر ، وتألقت الكواكب ، وتناغمت الانسام استقرت الاوضاع . فأحقد ذلك كله وهطا لا يصبر على جمال ولا يتحمل وطاة نظام ولا يندمج فى حياة ، فاذا هو يتسلل من الزوايا وينطلق من الجحور ويتسرب من المغاور ، حتى بات جمهورا صاخبا تلاقى فى مصادفة باغتة.
فاخذ يتقلب ، ويتسكع .. ثم يتحرش ، ثم ينجرا على حرس ذاهل وجد نائم وسلطان آمن ، ثم ينتشر فى كل مكان فيصرخ ويزعق ، ويخبط ويضرب ، ويكسر ويفجر .. فهل ينتصر الخريف ؟
- الطبيعة اضعف من ان تثبت على نظام ، واقوى من ان تنتظم على ضعف . الطبيعة تزلزل النظام لانها تريد المحافظة على النظام.
الطبيعية تنشيء الصيف ، لتسجل به عصرها الذهبي .
ان سر الطبيعة فى اعماق الغوغاء . فالروح الغوغائية هي موجة الاختيار المريرة ، ارادة التحدي ، والمناجزة ، فلو استمرت لزال النظام ، ولو تجاهلها لزال ايضا ! .
طابت الثمار فى الصيف واعتدلت الاهوية ، وتعرت الشطآن وتبخرت الآفاق ، فتطلعت روح التغاير الى هذا المشهد الخلاب . وادركت الطبيعة ان قدرتها العميقة يجب ان تستمر – أي يجب ان تقدم الثمار دائما . وهذا يقتضيها عملا ثوريا جذريا مرتبطا بالحقيقة المتكاملة.
فالصيف جزء من حقيقة الطبيعة . وفى عقلها الواعي ان المائدة لا بد لها من اعداد ، وفى عقلها الباطن وغبة ملحة فى التغيير . ذلك ان باطنها يحوي بدور الانتفاض – وسطحها الظاهر يتقبل عناصر المائدة خارجة من الاعماق .
يصرخ الخريف : الى متى تستمر الغصون الجافة والاوراق المصفرة ، والسيقان المرتعشة ؟
ويطلع علينا الجواب : حفنة من الاوباش : تبرطم ، وتهمهم ، وتخرب وتدمر ، ان الاوباش معول الطبيعة نستنبت به الاخيار . فلا بد لنا من غيوم زاخرة سوداء ، ترتكب السماء ، وتستبد بها صباح مساء ، وتلقي علينا قيثها واحقادها واضغانها وتهددنا كل لحظة بالدمار .
الغيوم رسائل من جوف الطبيعة . معناها سيتضج !
تسمع هديرها وصراخها فنعلم اننا لا بقاء لنا افرادا وان البقاء لحقيقتنا الكلية . فنحن شعوبا وأمما ودولا وحضارات معرضون للحركة الكبرى : حركة التغيير والتطور.
فما معنى تشبثنا بالقشور الوادعة ؟
يقول الخريف : لا بد لكم من ملاقاة الحقيقة بمعولها المخرب . ومعولها المخرب هذا قد لا نلحظه فى كل وقت لاننا لا ننتظر الا الى الثمرات والزهور والجمال والنظام .
نحن ننظر الى الينابيع الصافية العذبة ، نرتشف منها بأيدينا ونحتسبها بأقداحنا . ولا نتذكر ان زلزلة الخريف هي التي مهدت لهذه الخيوط الرقراقة . ونحن ننظر الى البساتين ببرتقالها وتفاحها ، ولا نتذكر ان الشتاء قام بالدور الاكبر ، وان شراسة العواصف اعطتنا فصل الربيع ، ثم فصل الصيف ، بعد ان استمر العمل الشاق اسابيع رهيبة ، قامت خلالها عناصر الطبيعة بالتفاعل والتجانس ، ثم تآخت وترابطت فى خضرة زاهية . فمددنا ايدينا حين قطفنا الثمرة الى الظاهر ، ولم نتحسس حقيقة الباطن الفاعل .
يفعل الغيب عالم الحقيقة . أما العالم الحاضر ، فانه يطفو على سطح التصورات . لكن ، سرعان ما تعتريه نهايته المتربصة فتذهل العيون وترتعد الفرائص .
يلطمنا الخريف بقبضته القوية ، وينذرنا بالشتاء ، فماذا ترانا نفعل ؟
- نخلع عربنا ، ونرتدي ملابسنا ، وننحدر من رؤوس الجبال ، وناوي الى التيوت والمدافيء . وشعورنا المباشر يقول : اسرعوا ، اسرعوا ، فالحقيقة وراءكم ! وشعورنا الخفي يهمس فى حيرة :
- لماذا تلزمنا الطبيعة بقوانينها ؟ السنا سادة الطبيعة وقاهريها ؟ ركبنا الجو ، وحملنا الحديد كالريشة التافهة ، وحفرنا الانفاق ، وبنينا المدن ، وفجرنا الذرة ، وبلغنا فى طوافنا بحر الغيوم ، فكيف ترتعد اجسادنا امام غضبة الخريف الجادة ؟ هل انتصرنا نحن البشر حقيقة ؟ ولكن – لماذا تنتصر علينا الطبيعة اربع مرات كل عام ؟
وقد يطل راكب سيارة على طريق ممتد من طرابلس الى بيروت فتلتقط عيناه تلك المشاهد البائسة التى التقطها جده الاعلى فى العصر الفينيقي :

مشاهد الخريف التى لا تتغير : غصون ذابلة ، واوراق متساقطة ، وسحب متهدلة ، وقرى تحتضن الناس فى اكسار بيوتهم .
حقا ، لقد تبدلت مقاعد الناس وملابسهم وادواتهم – ولكن – لم يتبدل شعورهم ، فاين جبروتهم ؟
- انه القدرة على التطور ، والتطور شيء لا يملكه الفرد ، مهما ملك من اسباب الرفاهية . اننا ننحدر ، او ننصعد ، وارادتنا تفعل لنا كل ما كانت تفعل لاسلافنا ، فنحن ما نزال فى قوالب البشرية ، رجالا ونساء ، ذكورا واناثا ، اننا نريد البقاء ونخشى الفناء ، ونرتعد امام انتفاضات الارض والسماء ، نتنقل بالطائرة كما كان يتنقل اسلافنا بالدابة . ماذا حدث ؟ ما الفائدة من الطائرة او الصاروخ ؟ فنحن فى حاجة الى الانتقال على اية حال ، ونحن فى خوف دائم من الهلاك والانمحاق ، ونحن جنسان : قوي وضعيف ، ونحن فريقان : عدو وصديق ، ونحن عالمان : حاضر وغائب – فهل تغير شيء ؟
اما سائق السيارة فقد انغمس فى دوره الجديد ، القديم ، وتطلع الى الافق الملبد بالغيوم .
منذ ثلاثة آلاف عام ، كان سائق الركب القديم ، يتطلع الى الأفق ايضا ، فى رحلة مشابهة من طرابلس الى بيروت ، وكان الخريف يرسم تلك الافاتين العجيبة على جوانب الافق .
لقد امسك سائقنا بمقود سيارته واداره بسهولة دون ان يفارقه ذلك الشعور القديم . شعور الخوف من الاصطدام بسيارة او منزل او دابة .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here