islamaumaroc

المكي الكتاني

  دعوة الحق

158 العدد

بدعوة من رابطة علماء المغرب اقيم بمسرح محمد الخامس مساء يوم الجمعة 22 محرم 1394 جفل تأبيني بمناسبة الذكرى الاربعينية لفضلية الشيخ محمد الكتاني رئيس رابطة علماء سورية وأستاذ المسجد الاموي بدمشق ، ومفتي السادة المالكية بالجمهورية السورية الشقيقة رحمه الله الذي التحق بربه فى شهر ذي القعدة 1393، وقد القيت فى حفل التأبين عدة كلمات وقصائد كلها اشادة بمواقف الفقيد الاسلامية ، وفضائله ومناقبه .. وشارك فى هذا الحفل فضيلة الاستاذ العالم الشريف سيدي عبد الهادي بوطالب بكلمة قيمة احببنا ادراجها فى هذا العدد شاكرين للاستاذ بوطالب عنايته ووفاءه واخلاصه لاصدفاته من رجال العلم والمعرفة ..

أيها السادة :
لست ادري ما الذي جعلني اندفع وبدون ادنى تردد لتلبية الدعوة الكريمة التى وجهتها الي اللجنة الموقرة لتأبين فقيدنا العظيم فضيلة المرحوم الشيخ المكي الكتاني.
اذ لا اذكر اني ساهمت فى تأبين ، رغم ما تزخر به حياتي السياسية والفكرية من نشاط اكثر من ثلاثين سنة ، اذا استثنيت مشاركتي بقصيدة شعرية فى تأبين المرحوم عبد الرحمن ابن القرشي مع زمرة من زملائي الطلبة . وقد كان ذلك التأبين فى حقيقته مظاهرة سياسية او اسلوبا من اساليب عملنا السياسي ، اردنا به تحدي السلطات المتحكمة آنذاك لفرض وجودنا كمناضلين ، ولابراز معالم شخصية بلادنا التى كان لمستعمر يعمل لمحوها واذابتها فى ذاتيته ، ولاظهار مدى تعلقنا نحن الشباب الصاعد بقيمنا الروحية متمثلة فى امثال المرحوم ابن القرشي بوصفه منكرا للوجود الاستعماري ومناضلا لتقويضه.
ولعل مما جعلني اعرض على المشاركة فى مهرجانات التأبين النزعة التى تسود عادة جو  تلك التجمعات ، حيث ينطلق الخطباء فى مدح الفقيد واطرائه مدحا واطراء تطبعهما المبالغة ، مما اصبحت معه احاديث التأبين – الا القليل – احاديث مناسبات ، وادبه نوعا من الادب الذى لا يسمو الى ذروة التميز بالموضوعية والاصالة ، بل ان اصحابه لا يتجاوزون ما توخاه النبي عليه السلام من حديثه :

"اذكروا محاسن موتاكم"(1) و "من اثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة " الحديث (2).
واليوم اجدني علىالعكس من نظرتي هذه ، سعيدا كل السعادة بتلبية الدعوة الكريمة للاسهام فى تأبين فقيد عزيز علي ، حمعتني واياه روابط ، ظلت – على بعد المسافة بين المشرق والمغرب – روابط وثيقة العرى .
ويخيل الي ان لذلك سببين : اولهما سبب املك له تفسيرا ولا يسعفني فيه تحليل ، مرده الى ما حبا الله لفقيد – فى جملة ماجباه – من محبوبية وقبول ، وما وهبه من جاذبية روحية تشهد اليه منذ النظرة الاولى مخاطبه وجليسه ، وتعود كلما تجدد الاتصال ، بل ولعلها تقترن بذكر اسمه كلما ذكر.
ولعله – وهو فى العالم العلوي – ما يزال يحظى بهذه العطية الربانية او هو ينعم بها اكثر ، ولعلها هي التي تشدني اليه فى هذه المناسبة ، وتجعلني اسعد بهذه اللحظة التي نعيش فيها ذكراه وانني تتيح لي الفرصة لابراز بعض جوانبه التي ربما انفرد بمعالجتها . وسبب ثان وهو شعوري بأن للفقيد الكريم دينا علي لا يخلصني من أداء بعضه الا مساهمة متواضعة فى ذكراه.
لقد كنت اسمع الكثير الطيب عن فقيدنا قبل ان اتعرف عليه ، كان اتصالي الوثيق باسرته وخاصة رفيقي فى الدراسة بجامعة القرويين الاستاذ الاخ ادريس الكتاني يتيح لنا الحديث عن ذلك العالم الذي آثر الهجرة الى سوريا فرارا من الاستعمار ، والذي اصبح فى وطنه الثاني هذا قطبا من اقطابه ، وعلما مرموقا من شعبه .
بيد اني اتعرف على الفقيد مباشرة الا فى زيارتي الاولى لدمشق سنة 1950 . وكانت زيارة عابرة وحلقة فى سلسلة زيارتي للقاهرة وبيروت وعمان ، كنت خلالها اتقصى العوامل التى افضت الى نكبة فلسطين العزيزة ، وهي نكبة طبعت برد فعلها العنيف شباب العرب فى ارجاء الوطن العربي كله فى المشرق والمغرب على السواء .
وعندما حللت بدمشق وجدتني – وانا اتحث الى الشيخ المكي الكتاني فى اول لقاء عن نكبة فلسطين التى كانت تشغلني – لا امام شخصية تنبسب الى جيل طوحت به السنون ، يقال عنه عادة انه جيل فاته الركب ، ولكن امام شخصية وطنية تعيش واقعها ، واعية وعي الشباب لعنف النكبة وضراوتها ، مدركة لابعادها وانعكاساتها مما لا نزال نعيش مضاعفاته حتى الآن .
وقد سهل – اثابه الله – اتصالاتي بقادة سوريا وسوريا دائما قلب العرب النابض والوجه المشرق للنضال العربي وزودني بكتاب للملك عبد الله الذى استقبلني بقصر الرغدان بعمان محتفيا ومرحبا ، كما دلني على شخصيات مرموقة لها معرفة او صلة بتطور فلسطين فى ذلك الحين ، مما جعلني اعود من رحلتي لدمشق وعمان باستنتاجات عن القضية ضمنتها سلسلة مقالات تحت عنوان : " هذا الشرق ".
واذا كانت رحلتي الاولى هذه للمشرق قد فتحت عيني على جوانب خفية فى عالم المشرق العربي ، فان زيارتي لدمشق قد مكنتني اكثر من استكناه تلك الجوانب ، حيث كان الشيخ المكي رحمه الله من وراء كثير من الاتصالات التي ساعدتني فى تحرياتي عن الشرق عامة وقضية فلسطين خاصة.
ولقد شعرت خلال اتصالي به اني اصبحت منجذبا الى شخصه ، وان عاطفة التقدير المتبادل ترسخ هذا الانجداب.
ومن جهتي فان زيارتي التى اتحدث عنها لدمشق كانت فى خضم فترة حاسمة من كفاح وطننا ، اذ فى بداية الخمسينات اخذت تلوح ملامح الثورة العارمة التى فجرها الملك والشعب فى 20 غشت 1953.
ولقد تركت ورائي فى المغرب مؤامرة تدبر لاقبار ثورتنا الفتية فى مهدها يستقطب فيها الاستعمار ثلة من الخونة ، مما اقام بين الوطنيين واعوانه اولئك حاجزا سميكا هو الجدار الحصين الذى يفصل دائما بين الخيانة والاخلاص ، وبين ممن يبيعون ذمتهم الله مهما كلف الثمن، والذين يبيعون انفسهم وخيصة للشيطان بأدنى ثمن
اما فى دمشق ، فقد وجدت امامي عالما سلفيا يلقن اتباعه حقائق الاسلام الناصعة ، ويحرضهم على التمسك بالحق لا يخافون فيه لومة لائم ولا يخشون جزاء ، ويقوم برسالة اصلاح فى غير شعوذة ولا تدجيل ، ويتطلع – فى حنين وشوق – الى العودة الى وطنه الاول ، يوم يتحقق النصر للمكافحين على قوات الاحتلال.
ان لطريقة كانت فى مفهومه هي طريقة الكتاب والسنة التى لا يزيغ عنها الا هالك والزاوية كانت فى عقيدته وسلوكه زاوية رباط للعلم والدين والكفاح ، ومعسكرا لتدريب روادها من افواج المؤمنين على الاعتصام بحبل الله المتين ، وهكذا كان بيته ملتقى لمريديه ولجميع عناصر الشعب السوري من علماء وطلبة وساسة .
ثم عدت الى دمشق سفيرا سنة 1962 فتوثقت به صلتي ، وخلال السبعة اشهر التى قضيتها على راس سفارة المغرب ، كنا لا نفترق الا على موعد ، وكنت اجد فيه العون الصادق لي فى التعريف بالمغرب ولاشادة بشأنه فى كل ناد ومجمع.
ومرة اخرى وجدت ان ارتساماتي عنه منذ الزيارة الاولى لم تخطيء فهو في بيته المضياف محفوفا بتلامذته وانصاره عالم مرشد متواضع لا يبطل عمله بالمن والدعوى ، متفتح على العصر الا عندما تتجافى مقتضيات العصر مع لخلق الاسلامي.
وهو مرشد داعية ، ولكن لا يقصر رسالته على بث اصول الدين وقواعد العلم ، لا ينغلق على يفسه انغلاق الحلزون تخوفا من عواقب المسؤولية كما فعا آخرون فى فترات الامتحان العصيب من كفاح شعوبهم ، وانما يلج فى جراة باب السياسة على مصراعيه مؤديا بذلك دوره فى حظيرة المجتمع السياسي الذى جعل منه القرآن امة متميزة حين قال : " ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" .
وهو اذ يدخل السياسة من بابها الواسع غير متهيب لا ينتظر من وراء ذلك طمعا ماديا او شأنا دنيويا وانما يقوم برسالة هي من صميم عمله كرجل له وزنه فى مجتمعه فالسياسة عنده ليست انتهازية ولا تزلفا وانما هي اداة لخدمة فكرة واداء رسالة .
والذين تتبعوا مراحل الاحداث فى سوريا قبيل استقلالها وبعده الى الفترة الاخيرة من عمر الراحل الكريم لابد وانهم وجدوا بصماته فى الاحداث التى طبعت ذلك القطر العربي الشقيق وميزته بالاضطرابات والتقلبات .
فحركة العلماء التى كان رائدها ظلت عنصرا ساسيا فى تكييف الاحداث السياسية ، وكان لها تأثير قوى على الاختيارات السياسية الكبرى لسوريا ، ولا اذكر منها على سبيل المثال الا فرضها – بعد كفاح مرير ومعركة سياسية صاخبة – للاسلام كدين للدولة فى صلب الدستور وانتصارها على معارضيها الذين تستروا وراء وضعية الاقلية التى لا تدين الاسلام فى محاولة – لقصتها الجريئة – لفرض لائكية الدولة .
ولقد ظلت حركة العلماء فى سورية تقوم بمهمتها هذه فى معترك الاحداث السياسية المتعاقبة ، وتحملت فى سبيل صدعها برسالتها بعض المضايقات التى نال منها الراحل الكريم بنصيبه فى جلد وصبر ولكنها ظلت باستمرار على تعاقب الانظمة واختلاف مشارب الحكومات قطب الرحى فى تركيز المشروعية كلما خفض حكم وانتصب آخر.
وظل فقيدنا يزاول نشاطه الحافل هذا فى ميدان الارشاد والسياسة طيلة مقامه بذلك القطر العربي فى زيه التقليدي مغربي فى عاداته فى بيته ومع اصدقائه ، سني اشعري العقيدة ، مالكي المذهب كالمغاربة رغم ما تتميز به سوريا من فسيفساءات عقائدية ومذهبيه .
ومن هنا فان نشاطه فى سوريا لصالحها وصالح جميع القضايا العربية الكبرى ولاسيما لقضية الام قضية فلسطين لم يحل بينه وبين اهتماماته بقضايا المغرب العربي الكبير ووطنه المغرب بصفة اخص ، وهكذا بادر للاتصال بالمجاهد عبد الكريم الخطابي واخويه اول ما حلو : بالقاهرة، وكانت صلاته لا تنقطع مع احفدة المجاهد عبد القادر الجزائري المقيمين بدمشق ، وكان بيته ملتقى للمهاجرين من ابناء تونس الشقيقة ، وطلاب المغرب العربي على اختلاف انتماءاتهم السياسية ، وكان يراسل قادة الحركة الوطنية المغربة امثال الاستاذين علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني .
ولابد ان اذكر ان صلته بالمغرب قد اصبحت اوثق منذ دعاه جلالة الملك الحسن الثاني لزيارة المغرب زيارة رسمية حملتها له وانا سفير بدمشق ، تلك الزيارة التى تحققت بها امنية كانت من اعز امانيه ، والتى كان خلالها موضع الاكرام والحفاوة من لدن جلالته ، كعادة جلالته مع رجال العلم والاصلاح فى العالم العربي والاسلامي .
وعندما ودعت دمشق فى نهاية سفارتي اليها كنت مقتنعا بان للمغرب فى سوريا فى شخص الراحل العظيم ما يعين سفراءنا على اداء مهمتهم اذا عرفوا كيف ينسجمون معه فى دائرة السلوك الاخلاقي الذى كان يعتبره المقياس لكل تقدير بضفيه على من يتعاملون معه .
وفي رمضان من عام 1392 ، شاء حظي ان التقي به فى الذكرى بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة ، قشملني بافضاله وزودني امام القبر الطاهر بدعائه كعادته . واشتبكت يدانا على العهد انى لقاء الله يغمرنا جلال الموقف وهيبة المشاعر القدسية التى يعيشها من يرتادون باخلاص وصدق نية تلك البقاع الزكية الطاهرة.
ولم نكن لندري ونحن فى ذلك المشهد الرائع اننا فى آخر لقاء ، وان يدينا تشتبكان فى وداع اخير، وان القدر قد احتسب لي ان يكون وداعا فى ذلك المقام .
فاثبه اللهم عن صالحات اعماله فى جنات الخلد ، ووفقنا لنفي له بالعهد ، وادخلنا فى زمرة الذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون ، وانا لله وانا اليه راجعون .


(1) رواه ابو داوود والترمذي والحاكم والبيهقي فى السنن.
(2) رواه البخاري ومسلم واحمد والنسائي عن انس رضي الله عنه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here