islamaumaroc

في تأبين د. طه حسين كلمة لابد منها

  دعوة الحق

158 العدد

تمهيد :
حياة العظماء دائمة ما دامت السماوات والارض ، والموت بعث جديد لهم ، وامتداد روحي لحياتهم .
فقد مات الانبياء والرسل عليهم السلام ، اصحاب الشرائع والرسالات ، وبقيت اسماؤهم خالدة بخلود شرائعهم وانتشار رسالاتهم عليهم الصلاة والسلام .
ومات العلماء وذوو النباهة والصيت الذائع من رحالات الادب والفكر، وبقيت اسماؤهم لامعة بما تركوه من آثار جليلة فى حقول العلم ورياض الآداب .
ومات ائمة البلاغة وارباب الاقلام الذين وضعوا للكتابة العربية انظمة واصولا ، ودبجوا فى الادب ابوابا وفصولا ، وابتكروا للتعبير اساليب سارت على نهجها جمهرة الادباء ونخبة الكتاب فى المشرق والمغرب قرونا واجيالا ، الى ان بزغت شمس النهضة الادبية الحديثة ، وظهرت افلام جديدة مجددة ، اعادت للادب العربي مجده ، وحررت الكتابة من قيود التقليد ، فانطلقت منسجمة مع التيارات الفكرية والادبية المعاصرة . وفرضت لغة الضاد وجودها بين اللغات الانسانية الحية ، كلغة قادرة على مسايرة موكب الحضارة الانسانية فى كل زمان ومكان .

موعظة :
مات اولئك جميعا ، وصدق الله العظيم اذ قال فى سورة الانبياء : "  كل نفس ذائقة الموت ، ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، والينا ترجعون " .
وقال جل شأنه فى سورة الرحمن : " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام " .
مات اولئك الافذاذ ، وبقيت اسماؤهم لامعة خالدة بما تركوه من آثار جليلة اصيلة ، وبما اسدوه الى اللغة العربية من خدمات مجيدة مفيدة .
تلك آثارهم تدل عليهم    فانظروا بعدهم الى الآثار
ماتوا رحمة الله عليهم ، وغادروا الى الابد هذه الحياة الفانية مأسوفا على ثقافتهم الزاخرة ، وعلى اقلامهم السيالة التى ملأت صدور المجلدات والصحف ، فاستنارت بها الافكار ، وانجلت بأنوارها الابصار ، وكانت وستبقى مرجعا للدارسين والباحثين ، والمجدديون والحافظين ، وجزاهم الله عن العلم وعن لغة القرآن بما هم اهله . وصدق الله العظيم اذا قال فى سورة غافر على لسان رجل مؤمن يعظ فومه : " يا قوم انما هذه الحياة الدنيا متاع ، وان الآخرة هي دار القرار ، من عمل سيئة فلا يجزى الا مثلها ، ومن عمل صالحا من ذكر او انثى وهو مومن فاولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب " .

فقيد القلم والفكر :
وكان فى طليعة الرعيل الاول من المجددين البارزين الدكتور طه حسين فقيد القلم العربي المتحرر ، وفقيد الفكر الجديد المتفتح ، الذى ودعه القلم والفكر مأسوفا على ادبه الغزير ، وعلى فكره النابض الرافض لكل القيود الحدود !

مدرسة طه حسين :
كان الدكتور طه حسين مفكرا لامعا ، وكاتبا بارعا ، استطاع ان يحدث انقلابا فكريا خطيرا فى مفهوم الادب وتاريخه ، واستطاع ان يكون مدرسة فكرية وتعبيرية جديدة فى تاريخ الادب العربي .
ونحن ان كنا لا نتفق معه فى بعض الافكار الجامحة والآراء المتمردة على ما نعتبره مقدسا ومنزها من الناحية الدينية ، فنحن لا ننكر زعامته الفكرية ، ولا نجحد فضله على اللغة العربية ، ككاتب وناقد وصاحب اسلوب جديد يمتاز بالسهولة والعذوبة والوضوح والادراك العميق ، والتصوير الفني الدقيق .

الايام :
وتجد خصائص هذا الاسلوب واضحة فى كتاب الايام ، تجد فيه صورا فى غاية الدقة والابداع لمجتمع طه حسين فى فترة تاريخية هامة ، بأسلوب ممتع فصيح متحرر ، يثير الاعجاب ويغري بالقراءة ، ويعطي للبلاغة العربية مفهوما جديدا ومنطوقا جديدا فى العصر الحديث .

خلاصة حياته :
ولد الدكتور طه حسين سنة 1889 ونشأ فى اسرة قروية متدينة محافظة ، وفقد حاسة بصره فى طفولته المبكرة ، وتلقى دروسه الاولى فى كتاب قريته بصعيد مصر ، ثم هاجر الى القاهرة والتحق بجامعة الازهر الشريف ، وكان ميالا الى دروس الادب ومجالسه ، واشتهر بين زملائه بأفكاره الجريئة التى كانت تقابل بالسخرية تارة وبالاستنكار تارة اخرى من عامة الازهريين ، ويروى ان علماء الازهر امتنعوا من اجازته بسبب آرائه التى كانت تعتبر تهديما للاصالة الاسلامية والعربية . ثم التحق صاحبنا بالجامعة المصرية غداة تأسيسها ، فوجد فيها بغيته من دروس الادب والنقد والفلسفة ، فتابع فيها دراسته الى ان قدم لها رسالة فى ذكرى ابي العلاء نال بها لقد الدكتوراه سنة 1914.
ثم ارتحل الفقيد الى فرنسا وانتسب الى جامعة السوربون حيث واصل دراسته بها الى ان قدم لها رسالة عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية نال بها درجة الدكتوراه بتفوق . وهكذا جمع الدكتور طه حسين الى ثقافته العربية الاصيلة ثقافة غريبة عصرة رفيعة .
ثم عاد صاحبنا الى مصر ، فتقلب فى عدة وظائف سامية ، ابتداء من كرسي الاستاذية بكلية الآداب بالجامعة المصرية .

فى الادب الجاهلي :
ولكنه ابعد عن كرسي الاستاذية بسبب مجاهرته بالآراء المنشورة فى كتابه المسمى " فى الشعر الجاهلي " وتعرض لنقد لاذع وحملة صاخبة الشيء الذى دفعه الى اعادة النظر فى الكتاب المذكور ، فلقحه وحذف منه وزاد فيه ، واصدره باسم جديد هو " فى الادب الجاهلي " وهو لا يختلف فكرا وروحا عن سابقه . ونحن لا نتفق مع الكاتب الراحل فى بعض آرائه المنشورة بكتابيه المذكورين ، وله رأيه ولنا راينا، الا ان هذا لا يمنعنا من ابداء تقديرنا لتلك الابحاث والاستنتاجات الجريئة والفريدة من نوعها فى تاريخ الادب العربي . والمثقف الحق ينبغي ان يتسع صدره لسماع جميع الآراء ، للانتفاع بها ، او للاحتياط منها ، او للاطلاع عليها على الاقل .
هذا وقد ساعدت الظروف صاحبنا على العودة الى كرسيه بالجامعة ، ثم الى عمادتها وقد تألق نجمه وذاع صيته .

منهج ديكارت :
ويقول الكاتب الراحل بانه اصطنع منهج ديكارت فى البحث العلمي للتوصل الى النتائج المنشورة بكتابه " فى الادب الجاهلي " ومنهج الفيلسوف الفرنسي الشهير يقوم على الشك ، فهو يشك فى كل شيء ، ولا يسلم شيئا الا اذا علم بالعلم انه حق . وقد عرفنا فى تاريخ الادب العربي والفكر الاسلامي بعض الادباء والمفكرين استحوذ عليهم الشك او اصطنعوه قبل ديكارت بخمسة قرون او تزيد ، كأبي العلاء المعري الذى خلف فكره وآراءه ووجدانه فى اللزوميات وفى رسالة الغفران وغيرهما من انتاجه الغزير ، وكأبي حامد الغزالي الذى ترك علمه وفلسفته وآرائه فى عدة مؤلفات اشهرها " احياء علوم الدين " فاستحق بذلك لقب حجة الاسلام .
فمنهج ديكارت ليس جديدا فى تاريخ الفكر الانساني . ولكن الجديد هو التستر وراءه لاعلان آراء متطرفة دخيلة لوضع الادب العربي والفكر الاسلامي فى قفص الاتهام .
ولعل الدكتور طه حسين لم يأت بجديد فى بعض الآراء التى انتحلها واثبتها فى كتابيه المذكورين، وتعرض بسببها للنقد والتجريح ، فقد كانت تلك الآراء شائعة بين المبشرين والستشرقين الطاعنين فى الاسلام ، ولعل الميزة التى امتاز بها الكاتب الراحل هي قدرته على الاقتباس وحذاقته فى التصرف فيه ، ثم جراته فى عرض انطباعاته ، وصموده فى الدفاع عنها .

حديث الاربعاء :
وكما اتهم صاحبنا غفر الله له بالالحاد والتضليل بسبب كتابه " فى الادب والجاهلي " فقد اتهم ايضا فى كتابه " حديث الاربعاء " بالدعوة الى الانحراف والزندقة ، وهي تهمة التصقت كذلك بكثير من الادباء والمجددين ، ولكن الكاتب الراحل يقول فى مقدمة حديث الاربعاء ما يلي :
" حياة القدماء ملك للتاريخ ، ودرس هذه الحياة نافع للمؤرخ والاديب بل واجب عليهما ... وما كان لي ولن يكون لاحد من الباحثين الذين يقدرون العلم وكرامته ان نغير التاريخ ... واعتقد ان العلم خير من الجهل ، وان الصواب خير من الخطأ ، وان الشجاعة فى التاريخ خير من الجبن فيه ، ونحن نعلم حق العلم ان ليس على عقول الناس ولا اخلاقهم خطرا من مثل هذه المباحث الادبية ، فالناس لم ينظروا لهو ابي نواس واصحابه ليعرفوا اللهو ، والناس لم ينتظروا هذه الفصول وامثالها ليعرفوا العبث . ونحن لم نكتب هذه الفصول وامثالها لنحيب الى الناس ونرغبهم فيه ..؟؟. هذا نموذج من اسلوب الدكتور طه حسين فى الدفاع عن نفسه وآرائه . ولسنا بصدد التعليق عليه .

تحفظ :
ولا يفوتنا بهذه المناسبة ان نذكر ان البرنامج الجديد للتعليم الثانوي المغربي قد قرر دراسة الكتابين الخطيرين " فى الادب الجاهلي " و " حديث الاربعاء " فى الدراسات الادبية ( دراسة المؤلفات ) واننا لنتحفظ من ذلك لاسباب تربوية وجيهة . فعقلية الطلاب فى هذا الطور سواء من الناحية البيداغوجية او الفزيولوجية او السيكولوجية قد تسيء هضم تلك المعلومات . ويمكن تعويضهما بكتابي " الايام " و " اديب " مثلا .
وللدكتور طه حسين مؤلفات عديد وجليلة الفائدة ، وقد اكتفينا بالاشارة الى ما كان منها مصدر شهرته فى ربيع حياته ، وقد مال فى خريف حياته الى الاعتدال واضفاء الروح الاسلامية على انتاجه الغزير .

القضية الفلسطينية :
ولكننا لم نقرا للكاتب الراحل شيئا عن القضية الفلسطينية ولا عن العدوان الاسرائيلي، ولم نسمع عنه انه حدد موقفه من هذه القضية كمفكر له وزنه فى منزان الفكر الانساني عامة والعربي خاصة . ولا يسعنا الا ان نؤاخذه على ذلك السكوت العجيب ، كماآخذ مؤرخو الفلسفة الاسلامية الامام الغزالي على موقفه السلبي من الحروب الصليبية التى كانت فى عهده .

اعجاب وتقدير :
ومن هذا ، فنحن لا نخفي اعجابنا بالدكتور طه حسين لكفكر خطير واستاذ كبير ، وكاتب بارع ، ومحاضر لامع ، وصاحب مدرسة فكرية وادبية مرموقة ، وركن بارز من اركان النهضة الثقافية الحديثة ، شارك مشاركة فعالة فى اوجه النشاط الادبي والاجتماعي والسياسي فاحتل مكان الصدارة فى عصره وبين انداده ، ونال عن جدارة واستحقاق لقب عميد الادب العربي .
هذه كلمة رأيت من الواجب ان اكتبها تقديرا للفقيد الكبير الدكتور طه حسين ، بعد ان  عشت معه سنة كاملة فى دراسة بعض كتبه وابحاثه ، وقرأت له وعنه ما دفعني – بالرغم من نقده ومؤاخذته -  الى اكبار تلك الشخصية الموهوبة الملهمة التى خاضت معارك ادبية عنيفة ، فلم تنهزم ابدا ، ولم تستسلم ابدا ، ولم تيأس ابدا ، وهي صفات كافية لتمجيد صاحبها واكباره .
غفر الله له !.. وعزاء للادب العربي فى عميده ، وللقلم العربي فى فقيده ، وانا لله وانا اليه راجعون !.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here