islamaumaroc

ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله

  دعوة الحق

158 العدد

لئن كان للسنة الماضية مدلول خاص بها ، وشعار مميز لها ، تجلى اثره في الانطلاق الاجتماعي والاقتصادي الذى نادى به سيد البلاد مولانا الحسن الثاني نصره الله وايده وبناه على الاشتراكية الاسلامية التى تعتمد على قاعدة متينة ، وتفتقر الى اطر قويمة وشباب متحمس ، واعضاء مفتولة ، وسواعد مجدولة ، تعمل على ايجاد الثروة لتوزيعها توزيعا عادلا بين افراد المجتمع فان سنتنا الحالية قد طبعها ، ايضا ، صاحب الجلالة الذي ملكه الله مفاتيح التغيير ، ووسائل الخلق والمبادرة ، وزمام الدعوة والاصلاح بطابع يقوم على بعث اسلامي جديد ذي سياسة مرسومة ، وغاية معينة ، يتفيا دراسة الناحية الفلسفية والناحية المذهبية تجاه الحضارة الحديثة ومعطياتها حتى لا نطعم ابناءنا فى الكليات بالخصوص بطعمة غير لا ئقة بهم ، ولا بأي مجتمع كان ، وحتى لا يكونوا اجانب فى عواطفهم وعقليتهم وثقافتهم ، وذلك بتصحيح المفاهيم اولا ، وبمراجعة القواميس ثانيا .. فلو اخذ ، مثلا ، كما قال جلالته ، اي عربي عربي ، ان يراجع القواميس السياسية يجد ان لفظة اشتراكية لا تؤدي المعنى للفظ العربي ، ومن ثم يمكن ان نرى المضاعفات فى الاغلاط ، وفى سوء المفاهيم حينما ننطلق من سوء الفهم الذى يؤدي بنا الى سوء التصرف ، وبالطبع الى سوء الهضم ..
وحتى نتزود بأسلحة الموجهة فى البناء النفسي ونكون على كثير من الوعي فى حكمنا على الاشياء ، وننطلق من التوجيه الرشيد الذى بلوره سيد البلاد فى خطابه الاخير الذى وجهه لشعبه الشكور الفخور بمناسبة عيد المولد النبوي ، فقد امتازت سنتنا هذه بحركة فلسفية اسلامية موحدة مؤلفة سمحة ، لا نبغي عنها حولا ، تدفع بالهمم الوانية الى اللحاق بالصفوف الاولى ، وتنشيء امة صحيحة الكيان ، قوية البنيان ، سليمة الوجدان ، ذات عقيدة سليمة ، طابع خاص ، وتاريخ ممتاز ، ووحدة كاملة ، ومدنية اصيلة وحضارة ناضرة لا تدع ميدانا من ميادين الخير الا ووضعت بصماتها وآثارها على ارجائه ورحابه ، وتعيد تلك 
الامجاد التى ارتفعت ، منذ الفتح الاول للاسلام ، على رباها راية التوحيد ، وتسنمت ذراها امجاد امة انبثق وجودها من كتاب ، فنزل على حكمهم الدهر ، ودخل فى ملكهم العالم ، وصنعوا ، فى عزمة لا تسعها قدرة ، وطموح لا تحده غاية ، احداثا ما زال التاريخ يتحدث بها اناشيد واشعارا .
                                       - * -
ففي مطلع هذه السنة نظم اسبوع للشباب المسلم تحت اشراف مديرية التعليم الاصيل القيت اثناءه محاضرات ، وعقدت ندوات ومناظرات ونظمت خلاله معارض للكتاب الاسلامي بيغة توعية الشباب المسلم الذى يراد له ان يحمل عبء التغيير الى الافضل ، والاستشراف الى الامثل ، ويعرف الدور الذي يجب ان يضطلع به لمحاربة الميع والفساد والانحراف حتى لا يبقى معصوب العينين ، مغلق الفكر والعقل عن حضارة امته الماجدة ، وتاريخها الحافل ، ويعمل ، ايضا ، على نبذ النظريات الفلسفية المستوردة الاجنبية عن مبادئنا وتقاليدنا وحضارتنا وتراثنا وعبقريتنا وحتى يسهم فى بناء حضارة راقية عصرية تضع يد اجيالنا الطالعة على الواقع التاريخي الذي اثبت صدق علاقة هذه الحضارة بالمعرفة والفكر والاخلاق ، ويشيد بماضي الاسلام الذي حرر الرؤوس ، وطهر القلوب ، واصلح الارض ، وشنع على طغاة الاستعمار الذى كان سببا فى فساد التعليم ، وضعف التربية ، وعلقا سخره الشيطان لافساد الكون ، والعبث بالاذهان ، فسخر العلم لاستغلال الطبيعة ، وسخر الطبيعة لاستبعاد الناس ، فحكمهم بالعسف والقهر ، واذلهم بالجهل والفقر ، وختلهم بالحيلة والمكر ، وفرق بين اجزائهم بالعزل والقطيعة ..
ونحن لا نملك ان نبقى امة اسلامية الا ان يبقى النشء الاسلامي فى ديار الاسلام متمسكا بحضارته ، حاملا لواءها داعيا اليها ، وهذا يعتمد كليا على سعي الجيل الحاضر لنقل الحضارة والتمدن الاسلامي فى منهجه الرباني الراشد الذي توارثناه عن اسلافنا الكرام ، وتميزنا به لننقله فى صدق وامانة الى الاجيال الصاعدة التي تلتهب فى نفوسها جذوة الشوق الى معرفة ما هو المنهاج الذى يضمن لهم البقاء وما هي الخصائص البارزة المميزة للامة الاسلامية التى تحقق اشواقها وتطلعاتها .. فالذي تتوقف عليه حياة شعب من الشعوب ويرجع اليه بقاؤه واستمراره هو عنايته باعداد جيل قادم على مستوى يجعله كفؤا للمحافظة على شخصيته القومية .
واذا لم تقدر الامة على ابقاء الخصائص الحضارية المميزة لها ، والتى تطبعها بطابعها الخاص ، واصبحت اجيالها الناشئة تصطبغ بالحضارة الاجنبية التى تبدو هزيلة شاحبة فى ساحة الافكار السليمة والنظريات الصائبة ، وتفتن ببريقها الخلاب الكاذب افتتنانا ، وتنزل على امرها ، وتنصاع فى قالبها بدلا من مقدساتها وحضارتها ومشخصاتها فعليها العفاء ..
ومما لا مشاحة فيه انه لا اضر على امة عقيدة اغلبية مثقفيها واهية مهلهلة ، ومبادئهم ضعيفة مهزورة ، باتوا عبيدا لثقافة ضحلة تلقوها من وراء البحار وخلف السهوب فسيطرت على اذهانهم وعقولهم وعواطفهم ، لان العبودية العقلية اسوا اثرا ، واشد خطرا من العبودية الجسيمة .. فاي شيء نملكه بعد هذا لنجعلهم
قائمين على الميادين الصحيحة ، والقيم الخلقية،والدين المتين حتى يستطيعوا ان يتحملوا الرسالة المقدسة التى تعاقبت الاجيال الصالحة على ائتمانها والحفاظ عليها ، ويعرفوا واجبهم ، ويؤدونه بوعي ونشاط لتتكون منهم مجموعة طيبة تستنير قلوبها بنور العقيدة وتقدر مسؤوليتها كمسلمين ، وتبذل قصارى جهدها فى بعث الروح الاسلامي فى المعاهد التعليمية والحقول التربوية للقضاء على كل حركة معادية ، او دعوة تدعو الى الالحاد والمادية ، وتعمل للتشكيك فى العقائد الاسلامية، وتوهن الايمان بها ، فلا يسمحون لحركة هدامة من شأنها القضاء على هذه العقائد ان ترفع رأسها ، وتزهر وتشق طريقها الى قلوب الشباب والايفاع .. اننا اذا اخذنا بهذه الحضارة الفاجرة التى طلعت علينا ، فى ركاب الاستعمار والتبشير والتغريب ، واتبعناها وترسمنا خطاها فانها تعود على عقيدتنا ومبادئنا بالاضرار ، وتزلزل دعائمها ، وتضعف اصولها فى قلوبنا ، وتثير فى نفوسنا اسباب التمرد على الله ورسوله وتبعثنا على الخروج عن الدين الحنيف ، والمحجة البيضاء ..
                                       - * -
ان حرص المسؤولين فى هذه البلاد الاسلامية على تقويم الشباب ، والنهوض بالتعليم ، وتصحيح المفاهيم والمحافظة على القيم الخالدة لهذه الامة واعطاء الحياة الاجتماعية طابعها الاخلاقي ، لضمان اكيد بأن دين الله له حماة فى كل مكان ، وسدنة فى كل بيت ، ودعاة فى كل الارجاء يحفظونه من التيارات الوافدة ، والمباديء الهدامة ، والحضارات الماجنة ، والفلسفات المائعة التى تعمل على افساد القلوب وتخريب الافئدة ، والتشكيك فى العقائد ، وهذا ما دفع سيد البلاد ليعلنها صريحة واعية الى مراجعة البرامج العليا للتعليم حتى نجعل من هذا البلد ، كما كان، دائما يصدر الفقهاء والعلماء والمحدثين والمفسرين وبمختلف اللغات .
                                       - * -
ان الفراغ الذى حدث فى قيادة الانسانية اليوم ، فراغ رهيب مخيف .. وهو فراغ لا يستطيع ان يملاه احد الا العالم الاسلامي وتعاليم محمد عليه السلام ، فالعالم الاسلامي هو وحده مصباح الهداية والارشاد والنور فى بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، لانه يحفظ فى وعائه ايمانا افلس فيه الغرب والشرق ، ودستورا لا يقبل النسخ والنقد ، وحضارة ما زال اثرها مشهودا له لدى الخاص والعام ....
ولعل من اسباب ذلك الفراغ الذى حدث فى قيادة الانسانية اليوم يعود الى الجهل التام ، والعلم الناقص ، ونشاط دعوات الالحاد الجماعي فى بعض الشعوب التى تحمل فى طياتها السخرية بالاديان ، ورسالات الاديان ، ورب الاديان ، والى جانب ذلك دعوات الحرية الفكرية والحرية العقائدية ، فانفلتت الاقلام من اعنتها تقول فى القيم الدينية ما تشاء ، وفى الاقلام طائش وزائغ ، وفيها مغرض وماجور ، وفى الاديان قيم يعسر على العقول الغضة ، والافهام الضحلة ان تستكنه السر فيها ، فتقف منها موقف الحيرة والتردد ، او موقف الرفض والانكار ان لم تعتصم بالتسليم والقبول لتشعر بحرارة الايمان وسلامة اليقين ..

كل هذا كان سببا فى ان يتغير الجو الديني فى المنزل وفى المدرسة وفى المجتمع وفى الكليات ، وان تنشا الاجيال خاوية النفوس من الدينية والروحية ، واصبحنا من جراء ذلك نشكو الغدر والاستغلال فى المعاملة ونشكو الذاتية والجفاف فى المعاشرة، ونشكو التخاذل والتقاعس عن البر ، ونشكو الخيانة والمجاملة فى المصالح العامة ، ونشكو فقدان الغيرة والاعتداء على الحرمات ، ونشكو الاستهانة والاستهتار بالتقاليد والمقومات مما آل بالحالة الى هذه الصورة الطامسة والحال البائسة ...
ان العالم اليوم يشعر بهذه المجاعة الروحية ، لذلك نرى مؤتمرات عديدة تنعقد فى مختلف انحاء العالم ، ورقاع الدنيا لتدارس الحالة النفسية والخلقية والوجدانية لكثير من الشعوب بمختلف الدعوات والمعارف .
صحيح ان شبابنا اليوم يعيش صراعات داخلية وتمزقات فى بنيانه النفسي والروحي كادت ان تودي به بين الذوبان والضياع سواء فيما يتلقاه فى الجامعات التى تتسم دراساتها بروح من البحث جديدة وطرق من الاستقصاء مستجدثة عن سبيل التجربة والملاحظة والمقاييس ، وفيما تلقاه فى بيته او مدرسته الاولى التى غذته بعقيدة سليمة صحيحة تخضع للايمان المطلق ، وحضارة تنبع من حضارة التوحيد وتؤمن بالعلم الصحيح ، وتحارب التقليد الاعمى ، وتفتح اما العقل آفاقه ورحابه ...
لقد ادرك " دريير " الاستاذ بجامعة نيويورك فى كتابه : " النزاع بين العلم والدين " تحقق علماء المسلمين من ان الاسلوب العقلي النظري لا يؤدي الى التقدم ، وان الامل فى وجدان الحقيقة يجب ان يكون معقودا بمشاهدة الحوادث ذاتها ، ومن هنا كان شعارهم فى ابحاثهم الاسلوب التجريبي والدستور العملي الحسي ، ان نتائج هذه الحركة العملية تظهر جلية فى التقدم الباهر الذى نالته الصنائع فى عصرهم ، واننا لندهش حين نرى فى مؤلفاتهم من الاراء العلمية ما كنا نظنه من نتائج العلم فى هذا العصر .. "
ان للمعرفة فى التربية الاسلامية طبيعة فريدة متميزة تشمل السمع والبصر والفؤاد ، وهذا المعنى يشير اليه القول الله تعالى :
" ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا " .
يقول الشيخ الامام ابو الاعلى المودودي فى شرح هذه الاية :
" ان السمع هنا يرمز الى استعماله فى  احراز المعرفة التى اكتسبها الآخرون ، وخصوصا ممن سبقنا من أجيال البشرية ، والبصر يعني تنمية هذه المعرفة بما يضاف اليها من ثمرات الملاحظة والبحث والتجريب ، والفؤاد ويرمز الى تنقية هذه المعارف من ادراتها واوثانها ثم استخلاص النتائج منها واستخدامها فى اسعاد الفرد والمجتمع وفى كل غرض بناء .
وهكذا ، وتختلف التربية الاسلامية والدعوة الى الله عن سائر الدعوات فى التفكير والمنهج والعمل حيث انها تجمع بين الشعور والوجدان والعقل والعاطفة ، وتهتم بالفرد الواحد مثلما تهتم بمجموعة الافراد ..

فهي ليست ، كما يزعمها بعض المسحورين المبهورين الذين يخافون على انفسهم تهمة الرجعية فى كل حين ، ضرورية خلقية ، وحاجة اجتماعية ومصلحة بشرية بل انها قبل كل شيء الطريق الى الآخرة .. وان الدار الآخرة .. وان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون .
وانها لدعوة صادقة الى الله ورسوله من سيد البلاد الذى يجدد لهذه الامة امر دينها وحياتها ويبصر هذا الشباب المسلم بما يحيط به من تيارات جارفة ودعوات باطلة وعقليات آفنة ، فيدعوه مرة اخرى لتدارس مباديء الاسلام الصحيح والبحث عن فلسفته السامية ، وقيمة الخالدة ، واصوله العامة ، ومبائه القويمة خلال هذه السنة حتى تكون منطلقا ، باذن الله ، لمجتمع فاضل تطبع حياته بالصفاء والطهر ، وتنزع ما فى صدره من سخيمة وغل ، وتفتح امامه آفاقا رحبة من السعادة الراضية والرضى والامن .
وانها لدعوة الى الله ..
ومن احسن قولا ممن دعا الى الله ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here