islamaumaroc

مالك بن المرحل: الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره.-3-

  دعوة الحق

155 العدد

مؤلفات ابن المرحل :
من خلال التأليف العديدة التي ذكرها كل من أرخ لابن المرحل في شتى فنون اللغة والأدب، ومن خلال ما تبقى منها، ومن خلال السلاسة والسهولة التي كان يجدها هذا الرجل في فن القول شعرا ونثرا، ومن خلال الحكام التي خلفها عنه والشهادات التي رسمها له كل من عرفه، نستطيع القول أن ابن المرحل ذا قلم سيال في كثير من فنون الأدب شعرا ونثرا، فهذا كتاب الأدب المغربي يذكر عنه أنه كان إلى جانب كونه شاعرا من الدرجة الأولى، عالما مشاركا في علوم شتى (1). ووصفه غيره بأنه كان شاعرا رقيقا مطبوعا سريع البديهة رشيق اللفظ ذاكرا للأدب واللغة وغيرها، وأنه استعان على ذلك بالمقاصد اللسانية من علم العربية والحفظ الجيد من الشعر والبصر بمعانيه. ونترك الآن الأحكام والشهادات وأصحابها إلى أماكنها في غير هذا المكان.
وقد ضاع القسم المهم من انتاجه مع عاديات الزمان وتقلب الأوضاع المختلفة التي سبق أن أشرنا إلى بعضها في الحلقة الأولى، أما ما بقي فلا يعطينا مع الأسف الصورة الحقيقية لمعارف هذا الرجل وشاعريته وفقهه وكل ما يمكن أن نستنشقه من الباقي، هو السيولة التي عرف بها هذا الرجل في التأليف شعرا ونظما ونثرا، وهي أشياء شهدت بها كل المصادر التي أرخت له، ورغم تعدد هذه المصادر مع الأسف فإن الأخبار ولفوائد التي تمدنا بها عن شاعرنا تكاد تكون متشابهة مما يدل على أنها أخذت عن بعضها كالإحاطة في أخبار غرناطة وفتح المتعال في مدح النعال وأزهار الرياض والذخيرة السنية ودرة الحجال وجدرة الاقتباس وغيرها، وتنقسم تآليفه إلى ثلاثة أصناف : التعليمية أو النظم والنشر والشعر.
أما المنظوم من شعره وهو غالب تآليفه فهو تعليمي ويتجلى في النحو والفقه واللغة، ومنها الكتب التالية :
1 – ارجوزة في نظم غريب القرآن لابن عزيز.
2 – نظم اختصار إصلاح المنطق لابن عربي.
3 – التبيين والتبصير في نظم كتاب التسيير. وهي قصيدة طويلة في علم القراءات عارض بها الشاطبية وزنا وقافية.
4 – الواضحة وهي قصيدة في الغرائض.
5 – ارجوزة سماها اللؤلؤ والمرجان.

7 – سلك لمسالك بن المرحل.
8 – نظم فصيح تعلب سماه الموطلة يستهله بفاتحة تبين بعد الصلاة والسلام على الرسول الكريم، ما عزم على تنفيذ من تفسير وشرح ولهذا الكتاب عن طريق النظم يقول :
حمدا الهي واجب لذاته
             وشكره على علا صباته
نحمده سبحانه ونشكره
             ومن ذنوب سلفت نستغفره
ثم نوالي أفضل الصلاة
             على الرسول الطاهر الصفات
محمد ذي الكلم الفصيح
             والفضل التقديس والتسبيح
 وبعد هذا ما جرى في خاطري
             في غير ندب نادب أو آمر
أن أنظم الفصيح في سلوك
             من رجز مهذب مسبوك
وبعض ما لابد من تفسيره
            وشرحه والقول في تقديره
ثم ينتقل إلى الباب الذي يريد تناوله، ففي باب فعلت يقول :
ورعدت سماؤنا وبرقت
                كأنها قد بسمت ونطقت
كذلك الإنسان في الوعيد
                 وفي المخيف منه والتهديد
وقد يقال في الوعيد أوعدا
                 وأبرق الإنسان أن تهددا
قال الكميت بعد كسر السجن
               وهرب صار به في أمن
أبرق وأرعد يا يزيد أننى
                ليس الوعيد ضائري فامعن
هذا يزيد وأبوة يشهر
               بخالد  القسري ليس ينكر
 وفي باب فعلت بفتح العين يقول :
وقد أغبطت المرء في أحواله
                    أغبطه بالكسر في استقباله
أعني تمنيت لنفسي مثل ما
                   له ولا يسلب تلك النعما
وهكذا يغضي كما يقول الأستاذ كنون مسترسل النفس ناظما رهاء ألف وثلاثمائة بيت يتقطع ولا ينبهر، ويكون نظمه مع ذلك أنما هو خاطر يخطر في صدق ودون تكلف (2).
9 – أرجوزة في النحو، وتوجد منها نسخة في الخزانة العامة في ثمان وثمانين صفحة.
10 – نظم الثلث من كتاب أدب الكاتب لابن فنيب بعد ترتيبه (3).
ويظهر أن هذه المنظومات جاءت متأخرة في مراحل عمر شاعرنا إذ نجد كتاب «الأدب المغربي» يذكر أن ابن المرحل قد استغل قدرته على النظم في نظم كثير من العلوم التي لا تهمنا بقدر ما تطلعنا على مرحلة الشيخوخة في التأليف (4). ومع تأييدنا لهذا الرأي فإننا نجد ما يبرره في عصر ابن المرحل وظروفه. بينما يلاحظ الأستاذ كنون الأمر من زاوية أخرى فيرى في نظمه قوة وانسجاما وخلوا من الحشو والتكلف كدليل على صدوره عن قريحة شاعرة وملكة قادرة جعلت الكفيف الانفاسي يضرب بها مثلا يتجلى في الأبيات التالية والأول ليس له يقول :
لقد مزقت قلبي سهام جفوتها
             كما مزق اللخمي مذهب مالك
وصالت على الأوصال بالقد والبها
            فأمست كأبيات بتقطيع مالك
وملكتها رقي لرقة عطفها
            وان كنت لا أرضاه ملكا لمالك  

وناديتها يا بغيتي يدل مهجتي
                وما لي قليل في بديع جمالك (5)
والشاهد عندنا في البيت الثاني.
ونظم فصيح ثعلب مثال كامل على هذه القدرة التي يباشر بها حتى جاء من السهل الممتنع لا تكاد نعثر فيه على معجم من اللفظ رغم ما ضمته من شرح للغريب وتفسير للمشتبه من المعاني. وهذا واقع واضح لكل من قرأ منظوماته التي تأتي على خلاف المنظومات التي كثيرا ما يطيعها التكلف والحشو والجفاف لتؤدي سبغتها التعليمية التي وضعت لها، وقد بلغت به دقة الصنعة وسلاسة اللفظ وسهولته إلى تجميل منظوماته بالمحسنات البديعية من جناس وطباق، وإلى استغلال التشبيهات والاستعمارات في سهولة ويسر دون تعمل أو تكلف مما يشهد بقدرته على الأخذ بناصية اللغة، ومثل هذه الصنعة لن تجدها في شعره الذاتي كالغزل مثلا، حين يتعلق الأمر بأحوال نفسه وحين يتطلب الأمر صدق التعبير، مما لا يدع مجالا للصنعة والتزويق، وهو ما ستلاحظه حين نتناول شعره بالشيء من الدرس والتحليل.
كتبه النثرية : ليس لابن المرحل من كتبه النثرية التي بقيت أو عناوينها ما يثير الفضول لغرابته أو طراقته أو دسمه فأغلبها شروح لكتب أخرى أو إعادة تنظيمها، وبسرد عناوينها بتجلي ذلك في وضوح فمن كتبه النثرية :
1- شرح نظمه للفصيح ويوجد مع النظم في مجلدي.
2- ترتيب كتاب الأمثال لأبي عبيدة على حروف المعجم.
3- كتاب الحلى وقد ذكره صاحب جذوة الاقتباس.
4- شرح أرجوزة في العروض ذكره القاضي في درة الحجال.
5- كتاب الرمي بالحصا والضرب بالعصا كما سماه المقري.
وهذا الكتاب الأخير هو الذي قد نستثنيه من الحكم السابق. إذ يمتاز بطرافة موضوعه وبتوفر الحجج والاستدلالات الفقهية والأحاديث المروية والقصص الإخبارية والنوادر الأدبية وأكاد أقول أنه يمثل أين المرحل في ثقافته وإطلاعه وموسوعيته ومحفوظه في مختلف ثقافات عصره، ويمثل باعه الطويل في تناول الموضوع مهما تافها من جميع أوجهه في الشعر والنثر والفقه واللغة وكان أثر الجاحظ العظيم يطل علينا بذلك الخليط الزاخر من المعلومات الشبيهة بدائرة المعارف وهذا الكتاب عبارة عن مناظرة بينه وبين أبي الربيع المذكور آنفا حول كلمة « كان ماذا» هل يعمل في ماذا الاستفهامية ما قبلها. وإذا كان ابن المرحل يجيز ذلك فإن ابن الربيع النحوي أحد معاصريه قد أنكر عليه ذلك الاستعمال وغلطه وقال : الصواب ( ماذا كان) فأجابه ابن المرحل بالبيت التالي :
عـاب قــوم ( كــان مــاذا)
                 ليث شعـــــري لــم هــذا ؟
الــخ (6).
وظل النزاع بينهما، فألف أين المرحل في المسألة والاحتجاج لها من كلام العرب والرد على المنتقد كتابا كان ماذا أو كما سماه المقري كتاب الرمي بالحصا والضرب بالعصا. ومن كلامه في ذلك قوله :
أيهــا القـائل :
كــان مــاذا ليتــها عـدم
             جنبــوها قــربها عـــدم
ليتنــي يا مال (7) لــم أرها
              إنهــا كالنـــار تضطـرم
يقول لك مالك : لابد أن تصيح من تحت طبق على طبق نيران كان ماذا ؟ « ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك، قال أنكم ماكثون، لقد جئناكم بالحق، ولكن أكثركم للحق كارهون، إلى كم في كان ماذا تقييدا بعد تقييد ؟ لقد حصلت منها في أمر شديد، إلى كم تعبد فيها وتبديء وتنظم وتنشيء، أغرك احتمالي لقدحك ومزحك، وصبري على ألم جرحك حتى قلت : ما لجرح بميت إيلام، انتهزت الفرصة في أذية صبور ودلاك حلمه بغرور حتى قلت :
كل حلــم أني بغير احتمــال
            حجة لاجـيء إليهــا اللئـــام
تالله لو نهيت الأولى لانتهت الآخرة، ولم تكن الفاقرة تتبعها الفاقرة، ولكن أغضبت على القذى، وصبرت على الأذى حتى قيل : لو قدر لانتصر، وانصل لأمر فصار ديدنا، فلا جرم أن أتعقبت كلامك وألفت عليك كلامك فأقول: وإنما أخاطب من سمع خطابي ونظر في كتابي : أعلم أعزك الله أن هذا الرجل المشار إليه وهو الذي أثار نار كان ماذا التي أحرقته حتى صاح : ليتني يا مال لم أرها .. البيت. وذلك لله سمع رجلا ينشد في قصيدة في محفل كريم جمعني وإياه، وكان فيها : وإذا عشقت يكون ماذا؟ على أنه دين علي فيغتدي يروح ؟
فقال : لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا ولا يكون ماذا ولا فعل ولا ماذا ؟ ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة ولا سمع، فاستشهدت عليه ببيت الجارية وهو :
فعــاتبوها فــذاب شوقا
              ومات عشقــا فكــان ماذا؟
ويقول الشــاعر :
فعــدك قد ملكــت الأرض طرا
              ودان لك العبـاد فكــــان ماذا؟
فقال : هذا لحن، ولا يحتج بمثل هذا. فقلت له : إيراد العلماء لهذا الشعر وقبولهم له حجة على جوازه، وهذا كثير. ذكر أبو علي البغدادي في الذيل من النوادر انبانا الزبير أخي هارون بسنده عن وهبب بن مسلم عن أبيه قال : دخلت مسجد النبي صلى الله عليه وسلم مع نوفل بن مساحق فمرونا بسعيد بن المسيب فسلمنا عليه فرد ثم قال : يا أبا سعيد من أشعر؟ أصاحبنا أم صاحبكم، يريد عمر بن أبي ربيعة وقيس الرقيات. فقال له ابن مساحق : حين يقولان ماذا؟ قال : حين يقول صاحبنا :
خليلي ما بـــال المطـايا كأننــا
               نراهـــا على الأدبــار بالقــوم تنكص ..
لأبيــات .
ويقول صاحبكم ماذا؟ فقال له وهب .. الخ.
وحكى أبو علي قال : قرع باب ابن الرقاع فخرجت بنية به صغيرة فقالت من هاهنا فقالوا : نحن الشعراء، قالت وتريدون ماذا؟ قالوا : نهاجي أباك.  فقالت : تجمعتهم من كل ارب ووجهة على واحد. لازلتم قرن واحد، قال فاستحيو ورجعوا واستشهدت بحكاية أخرى أخرجها ابن قيبية في عيون الأخبار قال : من أعرابي بمؤذن وهو يقول : أشهد أن محمدا رسول الله، بنصب رسول الله. فقال الأعرابي ويحك يفعل ماذا؟ وبحكاية أخرى من الكتاب المذكور قال : وصعد اليربوعي فخطب وقال : أما بعد فإني والله ما أدري ما أقول ولا قيم أقمتموني أقول ماذا؟ فقال بعضهم : قل في الزيت، فقال : الزيت مبارك فكلوا منه وأدهنوا .. (8).
ما شعر ابن المرحل فيتجلى في الدواوين التالية :
1- الجوالات أي المختارات، وقد جمع فيها ما اختاره لنفسه من شعره وقد ضاع.
2- الصدور والمظالع وقد ضاع أيضا.
3- مدائحه النبوية وقد اعتبرها كتاب الأدب المغربي غرضا من أغراض التصوف ومنها:
أ- الوسيلة الكبرى المرجو نفعها في الدنيا والأخرى وهي تحتوي على قصائد في مدح النبي وذكر ميلاده وغزواته أي السيرة النبوية وقد رتبها  على حروف المعجم ولزم افتتاح أبياتها بحرف الروى، وقد شرحها المؤلف، ويوجد فيها ديوان مع شرحه في خزانة الرباط العامة مخطوط رقم ج 89 وهذه صورة الصفحة الأولى منها يقول فيها :
إلى المصطفى أهديــت غـر ثنائي
               فيا طيب إهدائي وحسن هـدائي
أزاهر روض تجتنــى بعطــارة
              وأســـلاك در تصطفــى لصفاء
أكاليل من مـــدح النبــي محمد
               بهــا حازت الآداب كــل بهـاء
أضفــت إلــى ميلاده غـزواته
               ومــا عن لي من آيــة وأيـاء
أردت رضــى ربي بها فهو ارنجي
              وربي كريم لا يضيــع رجائــي
[- المعشرات النبوية في المديح أيضا وتوجد منها حسبما ذكر الأستاذ كنون نسختان بالأسكوريال وهي مجموعة من نمط الوسيلة في كل حرف منها عشرة أبيات.
ج- المعشرات الزهدية وهي على نمط ما قبلها في عدد الأبيات والتزام البدء بحرف الروي وتختلف عنها في الموضوع الذي هو الزهد والترغيب عن الدنيا.
د- ديوان « دوبيت» صغير والدوبيت كلمة مركبة من دو الفارسية بمعنى اثنان وبيت العربية، وهي من نوع استعمل في المشرق واستعمله المغاربة ويكون غالبا في النسين أو الهجاء. وديوان أين المرحل في الدوبيت يوجد بالاسكوريال أيضا في كراس، ومعه قصائد أخرى (9).
وفي حلقتنا المقبلة، بحول الله سنتعرف على أغراض شعره وسنتناولها ببعض من التحليل والرأي. وسنرى كيف أنها أقدر على إبراز ملامح هذا الأديب.


1 ) الأدب المغربي : للأستاذين محمد بن تاويت ومحمد الصادق عفيفي ص 221.
2 ) ذكريات مشاهير رجالات المغرب  ( ابن المرحل ) الأستاذ عبد الله كنون.
3) ذكريات مشاهير رجالات المغرب  ( ابن المرحل ) الأستاذ عبد الله كنون.
4) ص 221.
5 ) نفح الطيب الجزء 2 ص 432.
6) بغية الوعاة للسيوطي ص 384- سلوة الأنفاس ج 3 ص 100- النفح ج 5 ص 279.
7) مال : ترخيم مالك.
8 ) نفح الطيب ج 2 ص 520 ليدن- وقد أوردها النبوغ المغربي كاملة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here