islamaumaroc

مساهمات إسلامية في الثقافة الإنسانية -1-

  دعوة الحق

155 العدد

جل ما نرمي إليه من وراء هذه النظريات العابرة في هذه المساهمات الإسلامية التي تولينا تبيانها هو إبراز الحركة الفكرية المباركة التي حمل لواءها جهايذه الفكر الإسلامي، موضحين ما كان للمسلمين من فضل في حفظ الثقافة اليونانية- اللتينية وتوسيع آفاقها بما أضافوه من شروح وما ابتدعوه من مناهج. واستشهدنا لذلك بأقوال المستشرقين الذين انصرفوا للتراث الإسلامي دراسة وتحصيلا وتحليلا فجاءت نتائج مباحثهم تقريضا للجهد الإسلامي مما سنعرض له فيما بعد.
لقد برع العرب والمسلمون في العلوم الشرعية واللسانية والطبيعية والرياضية والحكمية والفلسفية بما يبرز نشوء الثقافة الإسلامية وتطورها على الوجه الذي عرفته الأزمنة الزاهرة من تاريخ الحضارة الإنسانية في عهد الدولة العباسية وكان لها وما يزال الفضل في توجيه العقل الإنساني والبلوغ إلى ما سائر نحوه ن تقدم مطرد وذلك بالخطوات الثابتة الأولى التي كشفت له عن المنطق والتي أمنت معه المزالق، إذ كانت الثقافة الإسلامية في طلبها للدنيا خاضعة للدين وفي بحثها عن الحق وأخذها بآداب الشريعة غير معرضة عن الدنيا ولا منصرفة عما حول الله لها من خير وأفاض على عباده من نعمة.
ولعل هناك ركيزة أكثر رسوخا هي الحضارة الإسلامية التي أنارت شموسها الآفاق وجابت تياراتها الإلهامية الألوان ودخلت تحت سلطانها الأمة العربية بأسرها والوحدات الثلاث الأخرى من العوالم الإيرانية والطورانية والهندية. فكانت آداب وفنون ومعالم ومآثر وعادات وسلوك مع رقة مشرقية وفلسفات عمرانية وإشراق نور، حيث لا إشراق ولا نور تشهد لذلك نظم الحياة وأسباب العيش والمؤسسات والأجهزة المتوفرة، بحسب ذلك الزمان للحياة المدنية، وما كان يحتاجه المرء وما يشرف به حتى اليوم بما تطورت أشكاله ونمت طاقاته واختلفت هياكله، وإن كان مرده إلى أصل ثابت انكشف من قبل للفكر الإسلامي وانتسب منذ قرون للحضارة الإسلامية. ولذلك كتب في التعريف بذلك القدامى والمحدثون من أهل الملة وغيرهم فلم يتركوا لقائل مقالا وأغنوا بما ضبطوا وحرروا عن مواصلة الدرس والتنقيب عن أصول تلك الحضارة الشامخة التي قامت كما يقولون بدورها وأدت للإنسانية رسالتها ومضت في الخالدات كغيرها من الحضارات.
والحقيقة أن هذه الحضارة قد بدأت انتفاضات محلية كالموجة اليونانية اللاتينية حتى إذا انفجرت رسالة إيمان، ووعي عقل، وضعت مشاعلها نبوات الأنبياء كما وضعت مشاعل الحضارة اليونانية فلسفات الفلاسفة. وتجاوزت هذه الموجة حدودها المحلية وانطلقت عبر الجزيرة العربية تقدم إلى الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه والأرض التي يدرج فوقها عقيدة يؤمن بها ونهجا يتوسله في تنظيم شؤون عيشه، وزحما روحيا يدفعه إلى اكتناه أسرار الوجود.

هذه الموجة نطلق عليها اسم « حضارة الإنسان» تمييزا لها عن الحضارة اليونانية اللاتينية.
وإذا كنا قد خصصناها بهذه التسمية فلانها لم تتوسل أسلوب الحضارة اليونانية اللاتينية ونهجها. إنها لم تكتف بالعقلنة وسيلة للمعرفة. ولم تقتصر على المنطق التجريبي قاعدة لتفسير الوجود، بل جعلت من الإنسان طاقة إيمان وعقلنة.
التعلق والمنطق التجريبي أسلوبان وحيدان لاكتشاف قوانين الوجود والتعرف إلى أسراره. والإيمان أسلوب وحيد للاتصال بالمجهول المطلق الذي هو الله.
الإنسان في نظر هذه الموجة الحضارية ليس من العلاقات الكادية وحسب، إن فيه امتدادا لهذا المجهول وجوهرا مصنوعا على صورته. وبعبارة أخرى، أن فيه معنى إليها لا يطمع عقله إلى وعيه وتوضيح أبعاده، وإن كان يحس بأنه مشدود إليه بأصابع خفية.
والإسلام الذي هو قمة الانتفاضة العربية الحضارية، هو الصيغة التي ظهرت بها رسالة العربي إلى العالم.
وليست الحضارة الغربية الحديثة التي تبلورت قممها في موسكو وواشنطن نهجا وأسلوبا وطريقة تفكير ومحتوى توجيه غير صورة جديدة للحضارة اليونانية اللاتينية.
رب قائل : وما هو دور ما يسمى بالحضارات الشرقية ؟ إلا تستطيع أن تسهم هذه الحضارات في قيادة الإنسان ؟ وأن تمثل الدور الذي مثلته كل من الحضارتين العربية واليونانية – اللاتينية ؟
الجواب عن ذلك أنه لم يحدث في تاريخ الهند والصين اللتين سجلتا عصورا ذهبية، إن في الدين أو الفن أو الفتوحات العسكرية إن استطاعتا أن تمارسا دورا قياديا في مستوى عالمي.
لقد خرجت من هذين البلدين الضخمين موجات عسكرية وتمخض كل منهما عن رسالات دينية. ولكن موجاتها العسكرية لم تلبث بعد عمليات الاكتساح التي قامتا بها عبر العالم، إن تفتت أجزاؤها وضاعت طاقاتها في كل مكان مرتا به، أو استقرتا فوقه.
أما فلسفاتهما ورسالاتهما الدينية فقد بقيت كلها ناجات قومية محلية ضيقة عجزت عن أن تتجاوز الحدود فتقدم إلى العالم العقيدة والنهج والأسلوب التي تستوعب نشاطه الإنساني.
إذا صحت هذه التقديرات وجدنا أنفسنا نحن العرب الأمة الوحيدة المهيأة بفعل ما نملك من التراث وتحمل من الرسالة وتنطوي عليه من الكفاءات ونمثله من الأدوار التاريخية لمواجهة أزمة القيادة الحضارية التي سيمر بها العالم في يوم قريب أو بعيد.
لذا جاز لنا القول بأن القومية الإسلامية أن يكون دورا سياسيا أو قوميا ضيقا بالمعنى الذي تفهمه النخبة الإسلامية الواعية بل سيكون دورا قياديا حضاريا يستوعب الجهد البشري وينهض لمسؤولياته الإنسانية.
وقبل أن نستعرض أهم المساهمات الإسلامية في الثقافة الإنسانية فإننا نرى لزاما علينا أن نشير إلى أن الدور القيادي الذي عرضنا له فيما سلف قد تولته الثقافة العربية منذ أقدم العصور، يوصفها الأداة الفعالة التي اعتمدها الفكر الإسلامي في إغناء الثقافة الإنسانية بروافده التي يحفظها التاريخ ولا تجدي معها محاولات المبشرين والمفتئتين والمتحاملين. فالثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين كما يؤكد ذلك الفقيد العزيز عباس محمود العقاد في إحدى رسائله، ذلك أن الجهل بهذه الحقيقة مفاجأة مستغربة، لأن الإيمان بهذه الحقيقة التاريخية لا يحتاج إلى أكثر من الإطلاع على الأبجدية اليونانية وعلى السفرين الأولين من التوراة التي في أيدي الناس اليوم، وهما سفر التكوين وسفر الخروج. فالأبجدية اليونانية عربية بحروفها وبمعاني تلك الحروف وأشكالها، منسوبة عندهم إلى « قدموس» الفينيقي وهو في كتاب مؤرخهم الأكبر « هيردوت» أول من علمهم الصناعات. وسفر التكوين والخروج صريحان في تعليم الصالحين من العرب لكل من إبراهيم وموسى عليها السلام. فإبراهيم تعلم من ملكي صادق، وموسى تعلم من يثرون أمام مدين، وشاعتفي السفرين رسالة « الآباء» قبل أن يعرفوا باسم الأنبياء، لأن العيرانيين عرفوا كلمة « النبي» بعد وصولهم إلى أرض كنعان واتصالهم بأئمة العرب بين جنوب فلسطين وشمال الحجاز.
وإذا كانت الثقافة العربية قد حملت لواء القيادة قبل أن تتعزز مكانتها بالدين الإسلامي الحنيف، فإنها اضطلعت طيلة القرون الوسطى بعبء التنوير والتوجيه والحفاظ على النتاج الإنساني في مختلف ميادين العرفان، تحدوها حمية العقيدة الصامدة التي ملأت الدنيا نورا وسلاما وعلما وأمانا. ولقد بلغ من قوة هذه العقيدة وأصالتها إنها كانت السند الأكبر الذي يستمد منه المسلمون مناعتهم وقوتهم في طي المراحل وسباق الزمن لبناء حضارة عتيدة لم يشهد تاريخ الإنسانية مثيلا لها في العمق والأصالة والإبداع. فلم يمض قرن واحد على وفاة الرسول الأكرم حتى كانت الحضارة العربية قد أرسلت دعائمها على أمتن الأسس وغدت محط اهتمام الشعوب الأخرى على اختلاف الألسنة والأوان والمعتقدات. والكل يعلم أن قرنا واحدا ليس بالشيء الذي يذكر في تاريخ الحضارات الإنسانية.
يقول أحد الكتاب الغربيين : لم تنصرم ثلاثة قرون على الهجرة المحمدية حتى كان العرب قد قدموا بعد عشرة قرون من معاناة وتدارس الإنجيل، إلى الغرب المتوحش، عصارة الفكر العلمي بعد أن تمثلوا وصنفوه وشرحوه وأضافوا إليه إضافات جليلة. وتألقت في دنيا العرب أسماء لامعة كان لإنتاجها أبلغ الأثر على الفكر الغربي كالمعري وابن خلدون الذي وضع أسس علم الاجتماع وخرج على القواعد العنيفة في تفسير أحداث التاريخ. ويضيف الكاتب : إنه لمن المفيد أن نذكر الجاحدين لفضل الثقافة الإسلامية إننا لم نكن لنخرج من دباجير الجهالة العمياء التي سيطرت على الغرب في العصر الوسيط ولا ما قدمه من خدمات جلى في شتى مجالات العلم والمعرفة. فالمسلمون لم يقفوا عند حد تبليغ التراث اللاتيني- الإغريقي، بل تعدوه إلى التعريف بكشوفهم الشخصية ومحاولاتهم الناجحة في ابتداع أساليب جديدة للعمل والتصنيف كانت منهجا ومطية للباحثين والعلماء والشعراء والفلاسفة والجراحين والمؤرخين.
ولقد لعب المغاربة والمستعربون من الإبان دورا حاسما في هذه الحركة المباركة، إذ الكل يعلم- كما يقول دير منجم- أن الفلاسفة المسلمين قد حملوا مشعل المعرفة في مراكش وقرطبة واشبيلية واحتك بهم الأوربيون المجاورون فاستفادوا من الشروح والترجمات التي عرفتها طليطة.
كما أبان جوستاف لوبون بأن مدينة فاس كانت تنافس بغداد في القرن العاشر الميلادي وكانت تحتضن 500.00 ساكن و 800 مسجد وخزانة ضخمة وتزخر بالمخطوطات الإغريقية واللاتينية.وانفردت جامعة القرويين وحدها بـ 300.000 مجلد. وكانت مدينة فاس مقصد الباحثين عن نوادر المخطوطات. والذي لا جدال فيه إن أثر القرويين على الغرب كان كبيرا، فقد قصدها رهبان وقساوسة من اسبانيا وتتلمذوا على أساتذتها وتخرجوا منها بألقاب مختلفة. وقد كان من جمة الدين كرعوا من فيضها البابا سلفستر الثاني الذي درس بها وتعلم فيها استعمال الأرقام العربية لينشرها فيما بعد بالقارة الأوربية. وقد صرح جلالة الملك الحسن الثاني- وهو بعد ولي للعهد- إن المغرب بلاد النزعة الإنسانية، ذلك أن أوربا قد تعرفت على الحكمة السقراطية والفلسفة الأفلاطونية بفضل ترجماتنا. وقد عمل العصر الوسيط مستندا إلى القواعد والأسس التي أعددناها له والتي كانت تحمل آثار شخصيتنا ».
واليهود مدينون- إلى أبعد حد- للمسلمين في معركة أحقاب كثيرة من تاريخهم، ولا أدل على ذلك من تاريخ اليهود في شمال الجزيرة العربية، على عهد الرسول وخلفائه، الذي تحفظه الكتابات العربية القديمة في كثير من النزاهة والأمانة العلمية. فإذا قارنا هذه الكتابات التي تتسم بالصدق والأمانة الفكرية واليت تعتمد المستندات والوثائق التاريخية بما خلفه الإغريق والرومان من أساطير وخرافات لا تمت إلى العلم بصلة، أركنا أن المسلمين قد فاقوا كل القدامى في تفهم الإيديولوجيات الأجنبية ووصفها.
والذي يمكن أن نقوله هو أن اليهود قد عرفوا في القرن العاشر الميلادي ليس له نظير في كافة أرجاء الإمبراطورية العربية الإسلامية. وإذا كنا لا نتوفر على إحصائيات مدققة حول عدد اليهود في كل إقليم من أقاليم الإمبراطورية، فإن مما لا شك فيه أنهم قد كونوا جماعات مزدهرة من اليمن إلى إفريقيا الشمالية حيث اختفت أقليات مسيحية عديدة وهامة.
لقد أسهم المسلمون بصورة ناجعة في الفكر الإنساني، بيد أن أحد لم يهتم بالخاصيات التي تميزت بها المساهمات الإسلامية ذلك أن لفيفا من المستشرقين نختص منهم بالذكر بلاشير وماسينيون وأبيل قد أجمعوا على أن الدور الحضاري الإسلامية لا ينحصر في القيام بدور الوسيط بين الحضارة الإغريقية والحضارة العصرية ولا في الحفاظ على الرصيد الثقافي الذي خلفه الإغريق أو الرومان أو ابتدع أشكال جديدة في الأدب، فالمساهمة الإسلامية الحق تبتدئ في الفكر الجديد والديناميكية التي طبعت العمل الإنساني أي في روح البحث العلمي والطريقة التجريبية. ويقول جيب :
« إن الاهتمام بالأحداث قد دفع بالمسلمين إلى تعمق الطريقة التجريبية أكثر من علماء اليونان والإسكندرية. والواقع أن الفضل يرجع إليهم في إدخال وبث المنهج التجريبي في أوربا إبان العصر الوسيط».
ويرى غيره أن المسلمين يمثلون في العصر الوسيط الروح العلمية والحضارة التقنية التي يعرف بها الفرد اليوم. وعلى نقيض الإغريق فإن العلماء المسلمين لم ينفروا من المختبرات العلمية والتجارب التي تستلزم الصبر وطول الأناة.
كما كتب « سيديو» سنة 1854 : إن ما تمتاز به المدرسة الإسلامية هي الروح الحق التي تهيمن عليها، وتتجسد هذه الروح في السير من المعروف إلى المجهول، واستكناه الظاهر بدقة للارتقاء من الأسباب إلى المسببات، تلك كانت المبادئ التي نادى بها قادة الفكر الإسلامية وألفوا منها طريقة خصبة اقتبسها عنهم المحدثون في أروع كشوفهم واختراعاتهم.
والمجال هنا أضيق من أن يسمح لنا بأن نعدد باسهاب أفضال المسلمين على العلم سواء في ميادين علم الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء أو الأشياء أو الطب، وحسبنا أن نلمع إلى إدخال العرب لطريقة الصقر في علم الحساب بما ينطوي عليه من آفاق شايعة مع التخلص تدريجيا من الطريقة الرومانية التي كان يتأفف منها العلماء ويبرمون بها. لقد حقق علة الرياضيات وثبة رائعة بفضل الخوارزمي (سنة 820) وعمر الخيام ( المتوفى سنة 1124) اللذين وضعا أسس الجر. ولابن سينا يرجع الفضل في توسيع آفاق الهندسة. وجدير بالذكر أن حساب المثلثات قد دفع كثيرا بعلم الفلك إلى الإمام. والمعروف أن الصوفي قد وضع سنة 964 أكمل فهرس للإجرام عرفه العالم حتى اليوم. لقد كتب أحد ألمع المستشرقين أن العرب يعتبرون بحق مؤسسي العلوم الفيزيائية وأكد آخر أن أثرهم علة العلوم الطبيعية والكيميائية والطبية لا يقل عن أثرهم على العلوم الرياضية. أما عن العلوم الكيميائية، فإننا نعثر عند أبي بكر الرازي- الذي عاش من سنة 850 إلى 923- على أول وصف لتحضير مادة الكحول. وجدير بالذكر أن المسلمين قد طبقوا الكيمياء في الصيدلة، وتلك أقل مبادراتهم في هذا الميدان. أما عن العلوم الزراعية فقد استوردوا المواد الفلاحية من آسيا وعلموها بصورة منهجية للبلاد الأوربية كالأرز وقصب السكر والرمان والقطن والصوف والموز وحب الملوك والبرتقال والليمون والخوخ والتمر وغيرها كثير. وفي ميدان العلوم الطبيعية فإنهم أغنوا الأعشاب بألفي نوع. وهناك العديد من الأعشاب والمواد الطبية لم يكن يعرف الإغريق عنها شيئا البتة. أما جهود المسلمين في ميدان الطب فنقتصر منها على مؤلفات الرازي التي نقلت إلى اللاتينية وأعيد طبعها عدة مرات. كما أن « القانون» لابن سينا نشر بروما سنة 1593 وأعيد نشره عدة مرات باللتينية. والذي يبين عن النزعة التجريبية في الحضارة الإسلامية، هو التقدم الهام الذي حققه الأطباء في علم الجراحة. ولا مفر هنا من الإشارة إلى ابن زهر الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي والذي كان له فضل إخضاع الطب لقوانين الملاحظة. وله بالإضافة إلى ذلك مصنفات قيمة في هذا المجال.
وقد كان ابن النفيس المتوفى بدمشق سنة 1289 م سباقا إلى عرض طريقة الدورة الدموية، قبل أن يكشفها البرتغالي « سيرفي» بثلاثة قرون. حتى أمراض العيون كان لها نصيبها من شواغل العلم الإسلامي. فقد كان المسلمون يقومون بجراحة العيون منذ القرن الحادي عشر. وقد احتدى الأوروبيون طريقتهم حتى مطالع القرن التاسع عشر.
والذي يمتاز به كبار المفكرين المسلمين عن غيرهم هو اتساع معلوماتهم وتوافرها ونجاحها في ميادين متباعدة وحاسمة في آن واحد.
ولقد بدأت عهود الانحطاط وأضواء الفكر الإسلامي ما زالت مشعة في كل مكان بفضل ما خلفه علماؤنا الأفذاذ من أمثال أبي حامد الغزالي المتوفى  سنة 111 ن وابن خلدون (المتوفى بالقاهرة سنة 1406). فإن أبا حامد قد سما بالتصوف الإسلامي ولم يجعل من الدين منهجا جدليا أو تقريضيا ولا مجموعة من الطقوس الاجتماعية وإنما اعتبره تجربة يستشعرها المرء في دخيلة نفسه ومجهودا شخصيا يبذله بسخاء. كما إن ابن خلدون كان رائد فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع في القرن الرابع عشر. لقد أماط اللثام عن المسوغات العميقة للأحداث التاريخية وحلل تكوين المجتمعات بوصفها معطيات تتفاعل مع الحياة وتعرف الحياة والفناء. كما عاصر كثيرا من الدول والأحداث وكان أشهر المؤرخين في المغرب العربي على الإطلاق.
والموضوع في حد ذاته يستلزم المجلدات الطوال. لذلك آثرنا أن نورد هنا هذه الشواهد على سبيل المثال لا الحصر، وقد جاء بعضها على لسان الأجانب والمستشرقين ليكون الحق ما شهدت به الأعداء. ولنا عودة إلى الموضوع بحول الله.

 


المصــادر :
            ---   Les très riches heures de la civilisation arabe. Par jean Wolf et pierre Heim
               ---   الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين تأليف عباس محمود العقاد.
               ---    مجلة الوعي – يناير 1971 – صفحتا 3 – 5.
               ---    مجلة المعرف – العدد الثالث – سنة 1961 صفحتا 12- 13 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here