islamaumaroc

القرآن الكريم في مجال الطبع والترجمة والنشر -2-

  دعوة الحق

155 العدد

تحدثنا في المقال السابق عن أهمية القرآن الكريم والإقبال على طبعه وترجمته ونشره، وبدأنا باسبانيا لأنها كانت البلد الأوربي الأول الذي تصدى لترجمة القرآن، وتتبعنا تاريخ ترجمته هناك حتى السنوات الأخيرة، واليوم نواصل رحلتنا في بلدان أوربا المهمة لنعرف مدى عنايتها وإقبالها على ترجمة الكتاب العزيز وطبعه ونشره.

ثانيا – في ايطاليا
1- اصدر أندريا أوفاييني سنة 1547م ترجمته ايطالية للقرآن عنونها هكذا : L’Alcorano di Maometto
وقدم الترجمة بنبدة عن حياة محمد (ص) وتاريخ ابتداء نشر الإسلام، وكان الترجمة مصحوبة بتعليقات وشروح على سور القرآن وآياته.
ويظهر من العنوان الفرعي للترجمة، أنها كانت من العربية مباشرة. وهذا يعني أن المترجم كان يعرف العربية، وإنه كان استفاد من طبعة القرآن الكريم التي سبق أن عرفتها مدينة البندقية على يد بكانيني.
2- وجاء ايطالي آخر هو القس لويجي مراكسي  Luigi Marracci (بعضهم يكتبه : Maracci  وبعضهم الآخر يكتبه Marraccio ) فجمع ترجمات القرآن التي كان الحافز على إنجازها روح الجدل والخصومة الدينية، والتي كان أصدرها أشخاص لا يعرفون العربية، متعاونين مع من لا يعرف اللاتينية، فنشرها في بادوا بايطاليا في طبعتها الأولى سنة 1698م.
وطوال القرن الثامن عشر كان المؤلفون الكاتوليك يأخذون عن مراكسي تهجماته على الإسلام، ويهتدون بروح الجدل والدحض المزعوم التي كتب بها مراكسي ترجمته، تلك الروح لم يكتمها أو يخفها، بل صرح بها في ترجمته، خاصة في كتابته التي أرخ بها حياة النبي محمد (ص).
وقد أثارت كتابات مراكسي ردود فعل قوية بين القرآن والمترجمين، وما نزال للآن نجد في أوساط المترجمين المغرضين من يعتدو برأيه، ويعتمد عليه في ترجمته وتعليقاته، وقد كان من أشد أنصار ماركسي، المدافعين عن وجهة نظره، المتحمسين له القسيس فليكس دي المين، مدريد 1717، والقسيس مانويل دي سانتوا طوماس دي أكينو، بلنسية 1793.
وقد دافع هذا الأخير بصفة خاصة، ونافح بحماس عن مراكسي، محاولا رد الهجمات التي تعرضت له كتاباته أثناء القرن الثامن عشر، من طرف الفرنسي كانيي :  Gagnier  مترجم سيرة النبي التي ألفها أبو الفداء إسماعيل بن كثير، إلى اللغى اللاتينية، وقد كان كانيي يمثل حركة موالية للنبي العربي والقرآن الكريم في أوساط المثقفين بفرنسا، تلك الحركة التي كان يتزعمها الكونت Baulainvilliers الذي يرى فيه ريجي بلاشير انه « نصب نفسه مدافعا عن الإسلام من أجل تحطيم خير للكاثوليكية».
ويرى القس مانويل الأنف الذكر أن النقاد الحاسدين الرئيسيين لمراكسي هم ثلاثة :
أ- مؤلف المسائل حول الأنكسلوبيديا وهي واحدة من المؤلفات الأكثر لؤما وتشنيعا.
ب- كانبي المذكور الذي- كما أشرنا-  ترجم إلى اللاتينية السيرة النبوية التي الفها أبو الفداء (ابن كثير).
ج- مؤلف مجهول طبع بمدريد 1788 كتابه المسمى « الملخص التاريخي لحياة محمد».
هؤلاء الثلاثة عادوا القس الإيطالي مراكسي، وحجبوا ثقتهم عن ترجمته، ووصموها بالتحيز وبأنها حرفية أكثر من للازم، وبأنها- كعمل أدبي- قليلة الجدوى إلى حد كبير. ومن وضعوها في مرتبة أدنى ترجمة الفرنسي دو ربي التي سنشير إليها بعد قليل.
وكان كانبي أثر الثلاثة ضراوة فقد : نفى أن تكون لمراكسي كفاءة في معرفة اللغة العربية، واتهمه بأنه «  ترجم حياة محمد (ص) إلى لغة لاتينية فجة قاسية، غير متبع في ذلك لا نظاما ولا ذوقا ولا نقدا نزيها، وقد اقتطف أجزاء  من مؤلفين مختلفين لم يكونوا يعرفون المصادر الصالحة الموثوق بها، لدرجة أن تأليفه- علاوة على أنه تاريخ- يمكن أن يسمى خرافة مثيرة للضحك ألفها لتزجية أوقات فراغه، شاحنا إياها بألوان السباب والشتم في محمد (ص) والمدافعين عنه».
3- وظهرت في مدينة ميلان بايطاليا سنة 1913 ترجمة للقرآن أنجزها فراكاسي  Fracassi  
4- وظهرت في المدينة ذاتها (ميلان) ترجمة أخرى للقرآن الكريم سنة 1929 قام بها بونيالي Bonelli

ثالثا – في فرنسا :
عاش الديبلوماسي الفرنسي أندري دو ربي  A. Du Ryer  فيما بين سنتي 1580 و 1660. وقد قضى من عمره هذا وقتا طويلا في مصر والقسطنطينية تمكن من خلاله من معرفة المفتين العربية زالتركية.
ترجم القرآن تحت عنوان L Alcoran de Mahomed
ونشر ترجمته في باريس سنة 1647 فكان لها من الرواج في العالم الأدبي ما جعلها خلال خمسة أعوام تطبع خمس مرات بعضها في باريس نفسها، وبعضها في أمستردام بهولندة. وخلال ما يقرب من قرن من الزمان ظلت هذه الترجمة يعاد طبعها المرة تلو المرة، كما كانت محورا تدور حوله الاقتباسات والانتقادات في فرنسا وانكلترا والأراضي المنخفضة، وكانت آخر طبعة لها بالفرنسية سنة 1770 م.
وقد أرفق المترجم بشروح مسهبة مأخوذة من كتب المفسرين المسلمين، وذلك بقصد توضيح الغوامض من كتاب الله ومتشابهاته.
2- وفي سنة 1782 ظهرت في باريس الترجمة الفرنسية للقرآن الكريم لصاحبها كلاوديو سفاري  C. Savary  المستشرق الفرنسي الذي تكون خلاله إقامته في مصر، والذي يعتقد فيه بعض النقاد أنه لم يكن متمكنا من العربية الفصحى، كما أن البعض الآخر من الباحثين يرون أن ترجمته رغم ما بها من قصور وعجز، ورغم أسلوبها الخطابي الفخم، تفضل ترجمة دو ربي التي سبق الحديث عنها. ويصف بلاشير هذه الترجمة في طرافة وطلاوة قائلا : «» إنها خائنة مليحة  Exquise Infidèle ويقول عنها الكاتب الفرنسي جان كروجان الذي ترجم معاني القرآن أيضا: أن ترجمة سافري تتميز « بسهولة متعالية، على أن فيها من المعلومات عن فرنسا القديمة أكثر مما فيها من معلومات عن الإسلام».
احتفظت هذه الترجمة بمميزاتها حتى دخول القرن التاسع عشر، وأعيد طبعها مرارا، ففي سنة 1821 طبعها المستشرق Garchin de Tassy  ومازالت تطبع وتترجم إلى لغات أخرى حتى أواسط هذا القرن، ففي سنة 1944 ترجمها إلى اللغة الاسبانية ونشرها في بوينوس أبريس الروائي الفونسو هرنانديث كانا A.H Cata                        
3- في سمة 1840 ظهرت ترجمة الفرنسي كاسيميرسكس Kasimirski  للقرآن الكريم، نشرت أولا ضمن مجموعة : « كتب الشرق المقدسة »، التي كان يشرف عليها Pauthier ثم في العام الثاني صدرت منها طبعة مستقلة ومصححة من طرف المترجم.
وقد صدرت الطبعة الثانية لهذه الترجمة، بنبدة عن حياة محمد (ص) مستقاة معظمها من « مقالة عن تاريخ العرب » لصاحبها   Caussin de perceval  وقد استحقت ترجمة كاسيميرسكس للقرآن التقدير الاجتماعي من المستشرقين. وهي الآنت تعتبر أكثر الترجمات شعبية في فرنسا وفي خارجها، وآخر طبعة لها صدرت بباريس سنة 1970 بعنوان :
Le Coran Traduit de l arabe par Ksimirski. Choronologie et préfacé par Mohammed Arkoum                     

4- وفي سنة 1925 ظهرت بباريس ترجمة   Mardrus   للقرآن، كما ظهرت بعد ذلك في باريس أيضا ترجمة  Mardus  . وتتفق ترجمة   E. Moute.  وتتفق ترجمة هذا الأخير للقرآن مع النص العربي للمصحف الذي طبع ونشر في القاهرة طبقا لقراءة حفص رواية عاصم بن أبي النجود، وذلك بالمقارنة مع النص القرآني الذي نشره  Fluegel الألماني سنة 1833. وقد رتب مونتي سور القرآن طبقا لنظام خاص وترتيب زمني « كوثولوجي» يختلف عن الذي اقترحه نوالدكه.
وجدير بالبيان أن المستشرقين الأوربيين بدأوا يشتغلون في وضع ترتيب زمني للسور القرآنية منذ أواسط القرن الماضي، ولكنهم لم يصلوا إلى نتيجة اجماعية مرضية، ولم يتوصلوا إلا إلى فروض مختلفة متباينة وغير مجدية، ما كان أغناهم عنها ! ولا أدري كيف  كيف أقدموا  على هذا البحث الذي لا يعنيهم إلا من ناحية التشويش على المسلمين وكتابهم الأقدس، ولم يلتفثوا – مثلا- لبحث عن الإنجيل الأصلي الموحى به لعيسى بن مريم، قلم يهتموا أدنى اهتمام بالكشف عنه بله وترتيبه الزمني !
إن مهمتهم كمستشرقين تتناول كل ما هو شرقي من لغات سامية وغيرها، ومعلوم أن الإنجيل الأصيل نزل باللغة السريانية لا الإغريقية، والثوراة الأصلية نزلت بالعبرية، فلم لم يسلطوا الأضواء على هذين الكتابين المقدسين، وعلى مدى أصالة ما يوجد بين أيدي الناس من أناجيل وثوراة ؟ أم أنهم يخشون غضبة الكنيسة وحرمانها، ولا يخشون غضبة ملايين المسلمين وخالقهم الذي يشجب كل مماحكة أو تخرص ؟!
5- وفي سنة 1947 ظهرت لريجي بلاشير ترجمة للقرآن صدرها بمقدمة طويلة تكون هي وحدها كتابا. وقد اهتمت المقدمة فطرحت- كما يقول خوان فرنيت- ودرست وحلت في نطاق الممكن، مشكلات التاريخ وعلم اللغة والتفسير وغيرها مما ينبعث من خلال البحث في نصوص القرآن. ويصف هذا المستشرق الإسباني المعجب ببلاشير ترجمة هذا الأخير بأنها جد علمية، بينما يقول عنها جان كروجان أنها أثر علمي أمين لن يقع تجاوزه إلا بعد زمن طويل آخر. لقد سخر المترجم كل عبقريته اللغوية لإتقان ترجمة كتاب سحر الناس بنصه الأصلي.
وقد تكررت طبعات الترجمة، فصدرت طبعتها الثانية في عام 49-56- 1966. وجدير بالملاحظة أن بلاشير في بادئ الأمر كان اتبع في ترجمته نظاما كروتولوجيا خاصا به، ثم عدل عنه في الطبات التالية، فرجع إلى الترتيب التقليدي الذي ورد بالمصحف العثماني (الإمام). وفي هذا العدول دليل قاطع على عدم جدوى التفكير في تغيير الترتيب الذي ورد به المصحف الشريف.
على أن ترجمة بلاشير للقرآن الكريم لا تخلو من ماحكة وتعسف وتدخل فيما لا يعني صاحبها وهو غريب عن اللغة العربية، ويعيد عن تفهم أسرارها وأسرار القرآن المعجز، ففي هذه الترجمة نجده يتجرأ على وضع ترتيب خاص  للآيات القرآنية، فيزعم أن هذه الآية أو الآيات مزحلقة مزحزحة عن مكانها، وإنها كان ينبغي أن تكون سابقة أو لاحقة لتلك الآية أو الآيات !؟
6- وفي سنة 1967 ظهرت ترجمة فرنسية للقران الكريم، لصاحبهـا D. Masson الذي وضع  لها مقدمة وتعليقات، كما قدم لها جان كروجان J. Grosjean الذي أجرت معه جريدة لوموند الباريسية استجوابا سألته فيه عن أهم الترجمات الفرنسية للقرآن وعما تتميز به. فقال بخصوص ترجمة ماصون ما يلي :
ومع ماصون ( سنة 1967) نجد العودة إلى وضح الكلمة، وهذا أيضا شكل من أشكال الوفاء للقرآن، فقد كان محمد لا يريد الكلام  إلا بلسان عربي مبين.
7- ولجان كروجان هذا ترجمة للقرآن تعتبر احدث ترجمة فرنسية له. سألته لوموند بصددها قائلة : وأين تضع ترجمتك بالنسبة لسابقاتها ؟ وأية مساهمة أردت أضافتها إلى البناء السابق ؟
فأجاب : إن الترجمات السابقة لا توضح بما فيه الكفاية القوة الخلافة الأساسية ... يجب أن نحقق الإحساس بهذا العالم الذي كل ما فيه مدنس ومقدس معا ... وبالتالي وحتى باللغة الفرنسية يجب أن يبقى القرآن- والقرآن يستطيع- بقدرة الله في كل لحظة. ومن هنا تنبع حياته وذلك الخليط المعقد من الروعة والمهارة، من الثورة والرقة، من الحركة والعناد. (من ترجمة نشرت في « العلم» الرباطية عدد يوم 19- 12- 1972).

رابعا – في انكلترا :
  1-أول ترجمة انكليزية للقرآن كانت عن الفرنسية لا عن العربية، فقد قام اليكساندر روس سنة 1649 بترجمة الفرنسية للقرآن التي قام بها أندري دو راي سنة 1647 كما تقدم القول.
  2- وبعد نحو قرن من صدور ترجمة دي راي الفرنسية وترجمتها أو نسختها الإنكليزية، صدرت بلندن في نوفمبر 1734 ترجمة المستشرق الإنجليزي جودج سيل G. Sale  للقرآن ترجمة مباشرة من العربية، وكان ذلك من حسن حظ عالم المثقفين آنذاك، فقد عوضت الترجمة الفرنسية التي عرفها الإنكليز زهاء قرن من الزمان.
وقد وضع جورج سيل لترجمته خطبة تمهدية أو مقدمة عوض فيها- بطريقة علمية تبين عن هدفه- تاريخ ميلاد الإسلام ونموه ومبادئه الرئيسية، وبترجمة سيل هذه، وبكلمته التقديمية خاصة، خرجت مسألة محمد (ص) وكتابه القرآن الكريم من الجو الديني إلى الجو الفلسفي الذي كان يتشبع به أهل القرن الثامن عشر وخاصة في فرنسا حيث كان فولتير والموسوعيون وأمثالهم ممن يسعون للبحث عن مصادر الأخبار والبيانات التي تدعم محاولاتهم بصدد تاريخ الأديان المقارن.
وبلغ من إقبال المستشرقين على ترجمة سبل ما جعلها تطيح بمكانة ترجمة دي راي حتى في فرنسا نفسها. وهكذا لم تعد تطبع ترجمة دو راي إلا في البلدان المنخفضة مصدرة بمقدمة المترجم الإنكليزي جورج سيل، وذلك كما يتضح من خلال طبعتها الأخيرة التي صدرت سنة 1770 بأمستردام.
ويرى فرنت أن أول محاولة جدية لفحص غير متحيز للتعاليم الإسلامية هي ترجمة ج سيل التي عرفت حظا عظيما، : فقد ترجمت إلى الفرنسية وإلى الألمانية وأعيد طبعها مرارا وتكرارا بلا انقطاع حتى أواسط القرن التاسع عشر، ولم يحل محلها حتى ترجمة سفاري الفصيحة.
صدرت الطبعة الثانية لهذه الترجمة سنة 1764، وفي سنة 1825 أعيد طبعها مشتملة على ملخص لحياة سيل بقلم ريتشارد أفريد دافينانت   R.A. Davenant  الذي كان قد نشره في مقال له بعنوان «سيل في المعجم الوطني لتراجم الحياة». وطبعت ترجمته سيل للقرآن كذلك سنة 1877.
وآخر طبعة- فيما أظن- من هذه الترجمة التي تمتاز بالجدية والموضوعية، صدرت الترجمة التي تمتاز بالجدية والموضوعية، صدرت بانجلترا خالية من تاريخ النشر وهي بعنوان : « القرآن مترجما إلى الإنكليزية من النص العربي الأصلي، بقلم جورج سيل مع تعليقات شارحة مستقاة من أكثر المفسرين نجاحا، ومع مقدمة بقلم سير ادوارد دينيسون روس».
وقد أطلعت على هذه الترجمة مع تعليقاتها ومقدمتها فرأيت في ذلك عملا علميا نزيها، ومثال لذلك ما قاله روس في مقدمته التي عزز بها الترجمة- وقد أشرنا إلى هذا القول من قبل- : « أنه لمن الخير لمن يدرسون القرآن أن يتحققوا أن النص الحالي لم يكن البتة من تأليف النبي، ولكنه كلمة الله خاطب بها النبي». ومعلوم أن هذه المسألة شغلت بال كثير من المستشرقين، ومنهم من لا يستطيع ابتلاعها وهضمها.
3- وظهرت في لندن سنة 1861 ترجمة رودوي  Rodwell  للقرآن.
4- ثم ظهرت في اكسفورد سنة 1880 ترجمة باالمر  Palmer  للقرآن.
5- وصدر لأول انكليز مسلم اسمه محمد مارماديوك بيكتال ترجمة للقرآن بعنوان «معنى القرآن العزيز : ترجمة تفسيرية بقلم ...» وقد أهداها إلى صاحب السمو نظام حيدر أباد بالهند (قبل التقسيم والاستقلال) . وقد طبعت هذه الترجمة للمرة الرابعة عشرة، وهي مسبوقة بتصدير للمترجم وبمقدمة تعالج حياة النبي محمد (ص) في مكة أولا ثم في المدينة ثانيا. وعلاوة على ذلك جعل كل سورة مسبوقة بنبدة تحمل أهم أفكارها وأحداثها.  
وتمتاز هذه الترجمة بتبنيها للمبادئ الإسلامية وبالتالي للترتيب التقليدي للسور القرآنية، كما تمتاز بترقيم الآيات- الذي تخلو منه ترجمة سيل وترجمة داوود التي سنتحدث عنها- مما يسهل على الباحث المراجعة والمقارنة .. الخ .. وتتسم أيضا بلغتها الكلاسيكية- فهي لم تكتب كترجمة سيل- بإنكليزية اليوم.
 6- وفي أدنبرة بأسكتلندة أصدر   Bell بتاريخ 37- 1938 ترجمة للقرآن تعتبر في نظر المستشرقين المهمتين بالإسلاميات من أحسن الترجمات. ويقول عنها فرنيت أنها « تتميز باجتهاد صاحبها في إقرار تاريخ واضح لنزول الوحي، كما تتميز بتحليل تراكبات السور وتداخلاتها وحلقاتها ». وفرنيت في هذا التقريظ لم يزد على أن جعل « ألقيء» « مجاجا» على حد تعبير الشاعر العربي الأصيل :
تقول : هذا مجاج النحل تمدحه
                    وإن دممت فقل: قيء الزنابير
7- وفي منتصف هذا القرن أصدر المستشرق الإنجليزي آرتر ج. أربري ترجمة للقرآن، نشرت لأول مرة سنة 1955. ثم أعيد طبعها سنوات 64- 69-71-1972. وهذه الطبعة الخامسة صدرت عن مطبعة جامعة أكسفورد بانكلترا، وهي ترجمة موضوعية خالية من التعاليق المفردة وقد اتخذ صاحبها الترتيبين التقليدين للسور والآيات معا، مما يسهل على القارئ الإطلاع والمراجعة والمقارنة. وجدير بالذكر أن البروفيسور أربري ترجم عن العربية مباشرة، معتمدا في ذلك- كما قال- على مصحف قديم موجود بالمتحف البريطاني.
8- وبعد صدور طبعة أربري الأولى بسنة صدرت ترجمة  ن. ج. داود N.J. Dawood وتكررت طبعاتها سنوات 59-61-64-66-67-68-70-1971. وهذه الترجمة حرة إلى أقصى حد، وفيها تقديم وتأخير للمفردات أو الجمل أحيانا. وتخلو من ترجمة بعض الكلمات أو الآيات- مثل الآية 27 من السورة العاشرة ( يونس )، فإذا لم يكن الخطأ خطأ مصففي حروف الطباعة، فإنه خطأ ناشيء في الغالب عن السهو.
وتمتاز هذه الترجمة بأنها كتبت بلغة انكليزية معاصرة، فهي في هذه الناحية تختلف عن ترجمتي سيل وبيكتال كما اختلفت عنهما من حيث ترتيب السور، ولكنها متفقة مع ترجمة سيل من حيث عدم ترقيم الآيات.
وإذا كان بلاشير قد عادل عن الترتيب الزمني (المزعوم) لسور القرآن الكريم، فإن داود مصر على إتباع ترتيب زمني خاص لم يذكر مستنده فيه، وإن كان يختلف عن ترتيب بلاشير ونولدكه. ولننصت إليه في مقدمته التي يقول فيها (ص 10)؛ « إن محاولات قد بدلت من طرف نولدكه، وكريم، ورودويل، وبيل لتنظيم السور في ترتيب زمني، ولكن العلماء متفقين على أن تنظيما « كرونولوجيا» دقيقا مستحيل بدون استعمال الميضع في بعض السور وتشتيت آياتها تشتيتا ناشئا عن تداخل الوحي المنزل بالمدينة في سور سبقت أن نزلت بمكة ».
ثم يقول في الصفحة التالية: « وقد وقع في هذه الطبعة – يقصد طبعة 1961 وكذا تالياتها- إهمال الترتيب التقليدي للسور، وذلك لسببين :
أولهما : أن الترتيب التقليدي لم يأذن به محمد (ص).
وثانيهما : أنه يعوزه الاستمرار أو الالتحام.
ونجد هنا تعارضا بين ما ذكره داود في الصفحة العاشرة وبين ما ذكره في الصفحة الحادية عشرة. فإذا كان العلماء متفقين على استحالة ترتيب السور القرآنية حسب النزول، فكيف خول لنفسه أن يقوم بهذا المستحيل ؟ أم كيف تمكن من تدليله والتغلب عليه ؟.
ولا يمكن أن نختم حديثنا عن ترجمة داود للقرآن، دون أن نقول أن ترتيب السور- مثل ترتيب الآيات- كان توقيفيا. فقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت سورة دعا بعض من يكتب، فقال : ضعوا هذه السورة في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، فكان القرآن مرتب الآيات والسور ترتيبا توقيفيا بإرشاد وإقرار من النبي (ص). وحتى على فرض أن ترتيب السور كان وضعيا واجتهادا من المسلمين الأوائل، وعلى التسليم بصحة ما قيل من أن بعض الصحابة كانوا يملكون مصاحف يختلف ترتيب سورها، فإن هذا اجتهاد كان خاصا بصحابة الرسول. على أن الترتيب الذي اختاره الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قد نسخ أي ترتيب سواه، ووقع عليه الإجماع منذ مئات السنين، فلا يمكن والحالة هذه أن يأتي السادة المستشرقين المشار إليهم ومن ضمنهم داود، فيحيوا ما اندثر، يريدون بذلك أن يوقظوا الفتنة باسم البحث العلمي، مع أن المسألة مفروغ منها، وقتلت بحثا وتمحيصا منذ قرون وقرون. أما الاستمرار والالتحام فما أحرى داود أن يبحث عنهما في إنتاجه هو لا في القرآن الكريم الذي « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه، تنزيل من حكيم حميد».

خامسا –في ألمانيا :
كان للترجمة اللاتينية التي تحققت في أرض اسبانيا نتيجة اقتراح بطرس المحترم ومجهوداته، أثر كبير في دنيا الترجمات القرآنية في أوربا الغربية، فقد ظلت تلك الترجمة المعين الذي يستقى منه الجميع، وكانت تنتقل من يد إلى يد بين المبشرين ورجال اللاهوت، وحسب عبارة بلاشير فإنها ظلت خلال خمسة قرون تستعملها المسيحية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المجادلات الدينية الحادة وغير المجدية مع الإسلام.
1-ومن هذا القبيل ذلك الملخص القرآني الذي اقتطف من الترجمة المشار إليها، ووجهه جوان ويدمستاد سنة 1543 إلى الأمير لويس ألبرت، أمير بفاريا.
2- ونقل Schweiger إلى الألمانية، الترجمة الإيطالية التي قام بها أريفابيني، وذلك في سنة 1616 ونشرت في نورمبرك بعنوان « في القرآن التركي!؟». وفي سنة 1641 ترجمت هذه الترجمة الألمانية إلى اللغة الهولندية، وبهذه اللغة (الهولندية) ثم نشرها أيضا في هامبورك.
3- وفيما بين سنة 1650 وسنة 1665 قام الفرنسيسكاني جيرمان دي سليزيا- الذي سبق له أن رحل إلى المشرق وتعلم فيه العربية- قام بترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية، ولكن هذه الطبعة لم يكتب لها أن تطبع فظلت مخطوطة للآن، وتحتفظ كلية الطب في مونيليه بنسخها منها، كما تحتفظ مكتبة الأسكوريال بنسخة أخرى.
ولعل هذه الترجمة كانت- مثل ترجمات أخرى عديدة- رد فعل لترجمة دو راي الفرنسية الموالية للإسلام والمادفعة عن نبي المسلمين.
4- وصدرت في هال Halle بألمانيا سنة 1826 ترجمة للقرآن موقعة باسم وهل Wahl وهذه الترجمة لا تفضل في شيء ترجمة جورج سيل الإنكليزية التي نوهنا بذكرها فيما سبق.
5- وظهرت في كريفليد سنة 1840 ترجمة أولمان Ullman الألمانية.
6- وحتى إذا أقبل القرن العشرون نجد كريكول يصدر ترجمته الألمانية للقرآن، وذلك في هال سنة  1901.
7- وفي نفس السنة صدرت في ليبزيك ترجمة للقرآن ممضادة باسم Henninng.

سادسا – في سويسرة :
في سنة 1543 وفي مدينة « باسيليا» أو « بال» نشر العالم اللاهوتي السويسري Buchmann ترجمته القرآن إلى اللغة الاتينية. ولكنه أصدرها حينئذ باسم مستعار هو Bibliander ويظهر أنه كان مضطرا أن يعلن عن مصدر ترجمته وهو الترجمة اللاتينية الأولى التي تمت بأرض اسبانيا.
وفي سنة 1550 صدرت لهذه الترجمة اللاتينية طبعة ثانية في بلاد سويسرة.

سابعا – في هولندة :
تقدم لنا أثناء الحديث عن الترجمات القرآنية في ألمانيا وفرنسا وغيرهما إن ذكرت بلاد هولندة أو الأراضي المنخفضة، فلا حاجة بنا الآن لإعادة القول أو تكراره في هذا الموضوع.

ثامنا – في السويد :
1- في بلاد السويد من اسكندنافيا ظهرت باستوكهلم (عاصمة السويد) سنة 1913 ترجمة للقرآن الكريم إلى اللغة السويدية، وذلك بقلم : Zettersteen
2- كذلك ظهرت في بلاد السويد ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة السويدية بقلم صاحبها بوهل  Buhl    
وقبل أن أختم هذا الحديث أود الإشارة إلى أمور ثلاثة :
أولها :  أن ترجمة القرآن إلى اللغات الأجنبية ضرورية لنشر مبادئ الإسلام بين العالمين. وكل ما يمكن أن نحرص عليه أن نوفر لتلك الترجمات مترجمين نزيهين متفقهين في اللغة العربية إلا جانب تفقههم في اللغة التي يريدون أن ينقلوا القرآن إليها. وحبدا لو تنازل هؤلاء المترجمون فعرضوا مترجماته على مسلمين عرب أو على هيئات عربية إسلامية قبل طبعها ونشرها. وبذلك تسلم من هفوات عديدة.
وثانيها : أن الترجمة تتناول في الغالب معاني القرآن لا ألفاظه، لأن هذه الألفاظ لا تمكن ترجمته أحيانا إما لبلاغتها وإما لعدم وجود مقابل لها في اللغات الأخرى.
وثالثها : إن القرآن المترجم ليس قرآنا في الواقع، بل هو عبارة عما فهمه المترجم من القرآن، فقد يكون هذا الفهم خاطئا كما قد يكون التفسير كذلك، ويترتب على هذا نتيجتان هامتان :
عدم الاستشهاد بالترجمة، وعدم الأخذ بأحكامها.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here