islamaumaroc

من ثمرات الحرية

  الحسن بوعياد

1 العدد

1. في فترة النكسة

منذ اللحظة الأولى التي فكر فيها فريق من شباب هذه الأمة الكريمة، أن يهب لفك أسرها وكسر القيد الثقيل الذي تنوء بحمله، هذا القيد الذي يعوقها عن السير ضمن ركب الحضارة، وضمن مواكب العاملين الجادين لخيرأوطانهم وخير شعوبهم كنا نتلفت يمينا وشمالا، فنرى الأمم الحرة في الشرق والغرب تعيش عيشة رضية في هناء، كلما وجدت للهناء سبيلاً، وكنا ونحن نفكر في طريق الخلاص التي يجب أن نسلكها، نستوحي من تاريخنا ومن أمجادنا ومن مبادئ ديننا، ما يدفعنا للعمل من أجل الانعتاق. وهكذا كنا نستعرض حالنا، وما يعانيه شعبنا، فكنا نرى المحتل الغاصب يعمل في غير كلل و لا ملل، لمحو شخصيتنا والقضاء عليها، باذلاً كل جهوده لتشويه تاريخنا، بل ومحقه من عقولنا، ومسخ مظاهر ديننا، متخذاً أذنابا من المشعوذين والخرافيين والجامدين تكئة يتكئ عليها، ومن المؤسف حقا أن نرى خصوم المغرب توصلوا لنتيجة في غير صالحنا كأمة لها تاريخ مجيد، وكشعب له دين يحض على مكارم الأخلاق وعلى سامي الخصال. هذه النتيجة كانت متجلية في برامج التعليم الرسمي للبلاد، فقد كانت هذه البرامج تهدف أول ما تهدف إليه تجهيل الشباب في شؤونهم الدينية، وتجهيل الشعب في آن واحد، وكنا كلما حاولنا كشف الغطاء عن أسرار هذه البرامج الجهنمية، نحارب في غير هوادة، وتحت أسماء مستعارة ليتستر بها الخصم؛ ورغم كل العراقيل التي كان ينصبها لنا الاستعمار، ما كنا لنلين ولا لنخضع ولكن من طبيعة ظروف الاحتلال الأجنبي، كانت جهودنا محدودة، كما كانت لها نتائج محدودة، وكان أن جنينا الشوك والقتاد؛ لقد أصبحنا أمة كادت تفقد تقاليدها الكريمة، وكادت تضيع عقائدها الإسلامية الرفيعة، ولغتها العربية الصحيحة – وأقولها صراحة – إذ لا أجدى لنا كمخلصين لديننا ووطننا ومواطنينا من الصراحة – فأينما اتجهنا نجد ما يؤلم ويؤسف، فالمعاملات بيننا أصبحت مادية صرفة تسيرها المصلحة الذاتية، فلا شعور بالمصلحة العامة، ولا عطف يدفع صاحبه لمساعدة المحتاج، ولا وازع ديني يقي المرء من التردي في مهاوي الرذيلة، ولا حياء يمنع من المباهاة  بالمخازي، وإذا حاولنا الاستقراء والاستقصاء، فلا نقع إلا على ما يكاد يدفعنا لليأس، فالبادية مثلا نرى سكانها على أسوء حال، يمكن أن تصل إليها أمة فقدت المرشد الرشيد، فالجهل ضارب أطنابه بها، وإذا قلنا الجهل فنعني به الجهل العام، سواء من الناحية الدينية أو من الناحية الدنيوية، وهذا يصدق على الأغلبية الساحقة  من سكان البادية، وإن كان فيهم أمل فذلك من حيث كونهم لا يزالون... الفطرة الدينية، إنهم سريعو الاستجابة لواعظ أو مرشد ومن هنا بقي عندنا أمل في إصلاحهم.

أما سكان المدن فالأمر فيهم أشد وأنكى؛ فعوامهم تركوا كالسائمة فلا مرشد ولا واعظ ولا ناصح، وكان أن ترك الميدان للأفكار الفجة تصول وتجول، وما وسع العامة إلا أن يفرغوا أنفسهم لشؤونهم المعاشية، وبيدهم مقياس واحد وهو المصلحة المادية؛ فالتاجر والصانع كل منهما له هدف واحد؛ هو أن يربح، وإذا فتلك غايته. ولكن الداهية القاصمة جاءت لأمتنا في خفاء أسرار الشريعة الإسلامية، وسماحة مبادئها وتاريخ الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وتاريخ الإسلام ممثلا في دوله ورجاله وعظمائه، خفاء كل ذلك على كثير من شبابها يتكلمون عن الدين الإسلامي كأجانب عنه، بل يتعجبون من كثير من مظاهره، كالصوم والصلاة، أما إذا اتجهت للناحية التشريعية قي شؤون المرأة والأحكام الجنائية وغيرها فلا تسمع إلا العجب العجاب.

فنحن بهذا الاستعراض الموجز أمكننا أن نضع أصابعنا على مواطن الداء في كيان أمتنا. وكل ما ذكرناه لا يشمل إلا نواحي قليلة، فتتبع الحالة من سائر النواحي ليس بممكن في عجالة قصيرة كهذه، وكل مغربي له شعور بمصلحة الأمة يعلم الكثير ويرى الكثير، فما وقع لنا في فترة نكستنا لو لم تحطنا الألطاف الخفية، وتشملنا رعاية الله، كان كافيا لأن يذهب بنا مع الذاهبين.

في فجر الاستقلال:

والآن وقد من الله جلت قدرته علينا بنعمة الاستقلال واسترجعنا حريتنا المغصوبة، تعين علينا أن نتيقن أن هذا الاستقلال ليس له من معنى في ظرفنا الحاضر إلا فك القيد عنا وقدرتنا على العمل لرفع كل ضرر أحاط بنا من جراء الخمسين عاما التي مرت بنا وكلها ضنك وآلام وحرب على مقوماتنا ومقدساتنا. لقد ترك لنا الاستعمار الظلوم تركة عفنة ثقيلة، فلكي ننظف، ولكي نزيح عنا هذه الأثقال، يجب أن نتكاثف ونعمل في اتحاد ووئام ونتوزع العمل كل في ميدان يظن أن ينتج فيه، وهذه أول ثمرة من ثمرات الحرية ولاشك. إن أول مرحلة للعمل هي البيان والشرح، ولقد كان من توفيق الله لإمامنا الفذ نصره الله وأدام عزه وتوفيقه. أن أصدر أمره الكريم إلى وزارة الأوقاف لإصدار مجلة تقوم بـ (دعوة الحق) بين المواطنين المتعطشين لبيان العلماء، وخطابة الخطباء، وإرشاد المرشدين. وليست هذه أولى الأعمال الصالحة لجلالة ملكنا المؤمن، فجلالته خير من يعرف أن الشعب المغربي شعب مسلم، شعب مومن، شعب له مجده  في التاريخ، شعب مرت به محنة فظيعة تناولت كيانه من الأساس، ولا يمكن أن يسترجع مجده، ولا أن يكون عضوا عاملا في الحقل الدولي، إلا إذا طهر كيانه من الأدران التي علقت به، وإلا إذا توفر على رجال وشباب لهم معرفة بالدين وحقائقه، واطلاع واسع على قوانينه وأحكامه وأهدافه، يعتزون بهذا الدين، ويفخرون بعروبتهم وعربيتهم، وهذا لا يتأتى إلا بنشر الحقائق المستورة، وشرح ما هو مستغلق على شبابنا، وبيان الأغراض الدنيئة التي يرمي إليها أعداء هذه الأمة من وراء بث الشبه عن هذا الدين السمح بين شبابنا المثقف، باسم العلم والبحث. والقيام بهذه المهمة على أحسن وجه، لا يكفي فيه تحبير المقالات ونشرها، بل يجب تنظيم محاضرات بعموم المغرب مدنه وقراه مداشره وصحراه، لإطلاع عامة الشعب وخواصه، ممن لم يمكن لهم الاطلاع على شؤونهم الدينية، على كل ما من شأنه أن ينير الأفكار والعقول ويهدئ القلوب الفزعة. فنحن وإن سررنا بهذا المشروع الجليل الذي نؤمل من ورائه الخير الكثير لنا ولناشئتنا، فنرجو أن يتسع أفقها لأبحاث نراها مهمة ونحن في أشد الحاجة إليها، أبحاث تتعلق بالتشريع في البلاد ومعالجة هذه المشكلة بروح إسلامية نيرة خالية من التعصب والجمود، ونحن إذا ما عالجنا هذه المواضيع  علاجا يتفق وروح ديننا، وروح عصرنا، وروح عهدنا الجديد، نكون قد أسدينا لأنفسنا ولشعبنا وللعلم خدمة نرجو الله أن يجازينا عنها جزاء العاملين المخلصين.
ولنتصور أننا نعمل هكذا:

كتاب يكتبون، يشرحون ويبينون، ليدفعوا زيغ الزائغين ويظهروا المستور المجهول لدى الشعب من تاريخ مشرف ودين سمح ومبادئ سامية  مستلهمة من الوحي السماوي المنزه عن العبث والمجون، خطباء محاضرون في المدن والبوادي دعاة للحق، السنة للصدق، يسألون فيجيبون بما يزيح العلة، ويشفي الغلة، بالمساجد، والدور، والأندية، والمدارس، ومحطة الإذاعة الوطنية، والسجون، إذ هذه الأخيرة في غاية الاحتياج إلى من يلتفت إليها، ولنا في الميدان الاجتماعي مجال واسع كمحاربة الرذائل والحض على الفضائل بأساليب مقنعة، وحجج دينية وعلمية سليمة مسلمة، رجال خصصوا أنفسهم  للنواحي القانونية من مدنية وجنائية يمدون وزارة العدل بمادة تعينها فيما هي بسبيله في التنظيم القضائي سواء من ناحية شكله أو من ناحية موضوعه، ووزارة التعليم ليست في غنى عن رجال الفكر والدين لتسترشد بآرائهم وتستعين ببحوثهم. ونحن على يقين من أن إخواننا العلماء والكتاب والباحثين، لو خصصوا وقتا من أوقاتهم لهاته النواحي، فلا يمر غير وقت قصير، إلا ويظهر أثر ذلك من ناحية الثقافة العامة، ظهورا يسر كل غيور على هذه الأمة، ويجب أن يعلم كل مغربي ومغربية أن شعوب العالم كلها تتطلع إلينا ترقب سيرنا في عهد الاستقلال، وهل نحن نسير سير رشيد مجد، أم نلهو ونلعب ونعبث. وعلى قدر رجولتنا وشهامتنا يتوقف اعتبارنا بين الأمم.

فالشكر لله ثم لجلالة ملكنا المفدى على هذا المشروع الجليل، أعان الله الهادين إليه والقائمين عليه، وهو سبحانه ولي العاملين المخلصين والمسؤول وحده للتوفيق والرشاد.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here