islamaumaroc

[كتاب] أديب (لطه حسين ) بين الترجمة الذاتية وفنية القصة -1-

  دعوة الحق

155 العدد

قد يتبادر إلى ذهن الكثرين أن تناول عمل من أعمال كتابنا الكبار أو عمالقة أدبنا العربي في العصر الحديث- كما اعتاد البعض أن يقولوا- قد يتبادر إلى  أذهانهم للوهلة الأولى أن مثل هذا الصنيع مجازفة يقحم المتناول للعمل الأدبي نفسه بها في أمر جد خطير، ويخيل  إليه أن جرأته في هذا المضمار جرأة من نوع خاص، ذلك أنه يتخيل- إذا ضربنا لذلك مثلا سريعا- يتخيل نفسه أمام صرح قائم منيع قد أحكمت أبوابه وقد جرى بداخله كنوزا نفيسة ليس من اليسير بلوغها أو علة الأقل الإطلاع عليها، ولتأكيد هذا الإدعاء أسوق هنا- على سبيل المثال- الكلمات التالية لناقد شاب صرح بها عندما امتدت يداه لأول مرة لتتناول أحد أعمال كاتبنا الكبير الذي نحن بصدده، إلا وهو عميد الأدب العرب الدكتور طه حسين، لقد كانت هذه الكلمات بمتابة تبرير لجرأة الكاتب وتبديد لغمامة من الإرتباك والحيرة أحاطت به من حيث لا يدري، يقول : « قبل أن أبدأ حديثي عن هذا الكتاب لدكتور طه حسين لابد من كلمة سريعة أنفي بها عن نفسي فكرة قد تخطر بأذهان بعض القراء، وهي أنني بكتابتي عنه أحاول أن أجترئ على عمل من أعمال عملاق أدبنا العربي وأنا الذي لا أزال نكرة في عالم الأدب بالقياس إليه على الأقل لعل هذا الاجتراء يفيدني شهرة وصينا ...» (1) وكان في إمكان الناقد ـن يغض الطرف عن صاحب العمل لينعم فيه بكيفية أوسع وأدق في العمل الأدبي نفسه.
ولا أنكر على نفسي أنني ألقيتها كحال صاحبنا، ذلك أنها تعلم جيدا من هو طه حسين وما مكانته، وتتلمس بوضوح الأثر البليغ الذي ما زال يفعل فعل فعلته بين أوساطنا الأدبية حتى اليوم .. حقا انه عملاق شامخ الفكر، ثاقب النظر، واسع الخيال يطل علينا بهامته العالية ليحدث في حياتنا الفكرية والأدبية بدراساته الجريئة حركة وانبعاثا جديدين مختلفا من ورائه ثورة فكرية لن يخمد لها أجيج ... ولكن على الرغم من ذلك كله دعنا نتحايل على هذا العملاق الكبير ونسرق من جعبته ما لنتمعن في أصالته ومدى عمق محتواه، وليكن- هذه المرة- كتابه أو قصته أو أحاديثه التي تحت عنوان : « أديــب».
أديب هل هو ترجمة ذاتية مواراة أم عمل فني متكامل ؟؟
إنه ليطيب للإنسان في كثير من الأحيان أن يعبر عن نفسه ومشاعره وأحاسيسه أو عن أحداث  مرت به في حياته وكان لها بليغ الأثر عليه.
والإنسان نزاع، بطبعه، إلى الماضي، باك عليه، ذاكر له شاك من الزمان لضياعه وفقده، ولما تبين  للإنسان أن رجعته إلى الماضي رجعة مستحيلة الحدوث فغنه صار يبحث له عن أساليب أخرى ليعيش « وهما» ذلك الماضي الغابر ومن ثم كان يكثر التحدث عنه حتى ولو كان الكلام في غير مواطن التعبير عن الذات، ولكن هل يحدث هذا مع كل الناس؟ هل أي إنسان تخدعه مشاعره وأحاسيسه فينسى أو يتناسى ما كان يتوخاه من فعل أو صنيع لينطلق مع موجات الذكرى التي يقربه ما بها من منع روحية تغدي نفسه وتسيطر عليها ويأبى هو بالتالي إلا أن ينقلها للآخرين بكيفية مباشرة أو العكس ؟ في يقيني أن الإجابة عن هذا السؤال بالنفي ..
فلا شك أن كلا منا له ماض منقض وذكرى أو ذكريات عاشها في طور الطفولة أو في شرخ الشباب ولكن ليس كل منا يجره الحديث عنها في كل حين، صحيح أنها جزء من حياتنا قد تولى أو شطر من عمرنا قد انقضى ولابد أن ينعكس على ما يصدر عن أنفسنا من أعمال فنية هي المرأة التي نرى فيها أنفسنا والتي نصوغها في قوالب مختلفة لها مسمياتها المعروفة في ميدان الخلق الفني، ولكن طريقة هذا الانعكاس غالبا ما لا يكون- أو ينبغي له ألا يكون- مباشرا تقريريا لا يكلف القارئ كبير عناء في استكناه خفاياه ومعرفة حقيقته فيحرم بالتالي- من متع شتى قد يجدها فيما يقتنيه من أعمال الآخرين، أما إذا كان ما يقدمه لنا الكاتب شيئا يعود عليه بالمتعة هو .. قبل أن يعود علينا نحن، ويترك في نفسه من الأثر أبلغ ما يتركه في أنفسنا فغن ذلك لا يعدو أن يكون فنا ناقصا أو غير ناضج، ونعني بهذا الكاتب الذي يزج بنفسه في عالم التجربة للترجمة عن مشاعر الآخرين دون أن يعيش هذه التجربة معايشة حقيقية كما يوجد من الكتاب من يتعذر عليه التعبير بوسائل فنية دون أخرى كالقصة أو الرواية على سبيل المثال، ولست أزعم هنا البتة أن الجوانب الأخرى من التعبير التي تعتمد على السرد (عن طريق التقرير المباشر) دون اللجوء إلى استعمال الرمز أو الإشارة .. الخ. ليست فنا أو على الأقل لا يدخل في إطاره، بل إنه فن ولا شك ولكن تحقيقه هو الآخر يحتاج إلى مهارة فائقة وجرأة خاصة ليندرج تحت ما نسميه بالمذكرات أو الاعترافات أو التراجم الذاتية، وهذا اللون من الكتابة لون جميل وشيق ومغر في نفس الوقت، غير أنه لكي يرقى إلى المستوى اللائق به أو ليكسب قيمته الفنية الحقيقية، فإنه يتطلب من صاحبه أن يكون صادقا فيما يكتب أو يترجم، أمينا في نقل الأحداث أو الوقائع، إذ عليه أن يصور لنا كل ما مر به في رحلته الحياتية الشاقة من أحداث أو صادفته من مباهج ومسرات أو أحزان وآلام، وهنا رأس الرمح في رفع قيمة هذا الفن .. هنا يمكن السر الذي حبب هذا الفن إلى نفوس الناس ذلك لأنهم يبحثون دوما عن « المتناقض» من الذات نفسها، وعما خفي منها، لهذا السبب لم يكن من الغرابة في شيء أن تحظي- على سبيل المثال- مذكرات الأديب الروسي العظيم ماكسيم غوركي التي ضمتها في كتابه « حياتي» بنجاح كبير، ولم يكن غريبا أيضا أن تنال اعترافات جان جاك روسو أو اندريه جيد و غيرهما من الأدباء الذين خاضوا غمار هذا الفن، من ذيوع الصيت والشهرة الشيء الكثير غير أن الجرأة لا تواتي جميع الكتاب، وربما اعترف البعض منهم بأن ما قاله في قصة مثلا أو مسرحية يعبر بالتحديد عم يشعره أو يحس به ويلقي بذلك مزيدا من الأضواء على أعماله، والأمثلة من هذا القبيل كثيرة جدا، فالكاتب الفرنسي « غوستاف فلوبير» كان يقول في أخريات أيامه : « أن مدام بوفاري هي أنا » كما أن الكاتب الإسباني المعروف سرفانتس أجاب حينما سألوه وهو على فراش الموت : من الذي تقصد بدون كيخوته بطل قصتك الرائعة؟ قال «لا أقصد أحدا غيري» الخ.
فالأدب إذن إنما هو تعبير عن الذات في حالاتها المختلفة وهو في الوقت نفسه تعبير عن أشياء أخرى ترتبط بهذه الذات أو تحيط بها .. وطريق التعبير الذاتي أو الترجمة الذاتية طريق سهل واضح عند البعض كما انه طريق غامض وصعب عند الآخرين، وكلا التعبيرين له مستواه الفني وله مزاياه وعيوبه التي تحدد قيمته التي تضمن له الخلود أو الزوال، لذا لم يكن من باب الصدفة أن تخلد أعمال أدبية مثلما خلدت أخرى أو أن ينال بعضها من الشهرة والذيوع ما لم تحظ به غيرها : عند هذا الحد- يمكن القول- بأن الأديب مسئول عما يقدم أو ينتج من أعمال، وما يقدمه أو ينتجه هو الذي يقرر وجوده ويثبت ذاته دون دخل لصاحبه أو ذيوع صيته وشهرته فيه، لأنه ربما كانت هذه الشهرة في مجال غير الذي نحن بصدده، وكم من أديب لم يظفر رواياته بالنجاح بقدر ما ظفرت واحدة أو اثنتان منها جميعا.
وإذا نحن ألقينا المسئولية كلها على الكاتب أو الأديب بصفته صانعا لهذا الأدب فذلك لأنه إليه يؤول الفخر والإعجاب أو النقيصة والصغر فيما ينتجه .. إذا اتفقنا على هذا كله آن لنا أن نتساءل عن هذا العمل الذي بين أيدينا الآن الذي تحت عنوان : «أديب» لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
فهل أديب هذا إلا صورة واضحة صريحة لطه حسين نفسه في فثرة معينة من فترات حياته التي بسط فيها الحديث في أعمال أخرى غير هذا العمل ؟ هل «أديب» هذا إنما هو امتداد لعمل مشهور ترجم فيه طه حسين لحياته- دون شك- وهو «الأيام» أم « أديب» هذا عمل قائم بذاته كتبه مؤلفه بدافع ما ؟ هل هو قصة لم تخضع للمقاييس المتعارف عليها في هذا الباب أم هو سلسلة أحاديث ورسائل متلاحقة .. أم ماذا ؟؟
كل هذه التساؤلات- أنها تواجه القارئ المجد عند قراءته لهذا الكتاب، لأنه واجد فيه (طه حسين) الرجل لا المؤلف وهو يفصح عن نفسه دون خوف أو تردد في بعض المواطن وببعض التحفظ في أخرى ..
فإذا إذن في « أديب» هذا وماذا عن كاتبه ؟!
يصور لنا الدكتور طه حسين في هذا الكتاب شطرا من حياة شخصين متاحبين، كلاهما منحدر من أقاصي الصعيد .. إلى المدينة العامرة (القاهرة) ليلتحقا بالأزهر الشريف قم بالجامعة المصرية وبعد مدة سيحظى أحدهما وهو الأديب المتوخى الحديث عنه، سيحظى بفرصة سفر إلى فرنسا ليواصل تعليمه هناك غير أنه قيبل سفره يواجه بعض المشاكل التي سرعان ما يتغلب عليها بسهولة، وعند وصوله إلى فرنسا نجده يعتاد منذ الوهلة الأولى على الحياة الجديدة التي لا عهد له بها من قبل، هذه الحياة التي قوامها اللهو والمرح والمجون، وقبل أن يصل إلى باريس عند نزوله بمدينة مرسيليا يلتقي بأحد الفنادق بفتاة تعمل في هذا الفندق ويتعلق بها تعلقا شديدا، وينسى زوجته المطلقة في مصر « حميدة» ويهيم هوى وصبابة بهذه الفتاة «فرنند» ثم نجده سرعان ما يقتنع بأن الماء فعلا إنما هو شراب الحمير وأن النبيد المعتق والجعة الجيدة خير شراب للإنسان وتمتد يداه إلى الكأس منذ الأيام الأولى ل إنه لا يتورع أت يسكر حتى الثمالة وهو بعد حديث العهد بالوصول إلى هذه البيئة المنحلة الماجنة من بيئة محافظة كالقاهرة حيث الوقار والحشمة والنهي عن الفحشاء والمنكر، وما أن يصل باريس حتى يعود إلى مرسيليا من جديد ومنها إلى كان صحبة فرنند .. وأثناء أسفاره أو مغامراته هذه اعتاد على مراسلة صديقه الذي ظل في القاهرة، وبعد أن يختلف إلى السربون ويجتهد اجتهادا لا نظير له نراه ينقلب فجأة دون مسببات : «  يكفي أن تعلم أن صديقك الذي كان جادا كل الجد، متصرفا إلى الانصراف، قد فارق اللذة والحب وقطع الأسباب كلها بينه وبين حميدة وفرنند ويكفي أن تعلم أن صديقك هذا قد فارق الجد وقطع الأسباب كلها بينه وبين الدرس ووصل الأسباب بينه وبين « الين» ... وداعا أيها الصديق إن « الين» تضيق بانصرافي عنه إليك، ولكن مضيت في هذا الحديث لتمزقن كتابي إليك تمزيق فلا نصرفن عنك إليها ولا ستقبلن معها حياة المساء في باريس المضطربة فمن يدري عم يسفر لنا الصباح؟!(2)
على هذا النحو أصبحت حياة «أديبنا» في باريس حياة لهو وعبث ومجون متواصل حتى يصل به الأمر في النهاية إلى جنون مطبق يعترف به في أسطر قليلة لصديقه ويؤكد له أنه مقبل على هذا الجنون : «وداعا يا سيدي إني لأرى شبح الجنون بغيضا مزعجا ولكني مع ذلك لا أهابه ولا أتأخر عنه، وإنما أقدم عليه أقدم المحب الجريئ» ثم يضيف : « وكيف أحجم عن الجنون وقد اتخذ لنفسه صورة إليه ؟».
وحينما يزوره صاحبه في فرنسا لا يحظى بلقائه وتضيع منهما فرصة غالية طالما ترقباها معا، ويعود الصاحب إلى مصر من غير أن يراه، ويكتب إليه مرة وهو في مصر قائلا : « الين فرنسية لا تريد أن تهجر وطنها ولا أن تفارق باريس وأن أعطيت ملء الأرض ذهبا، فإقامتي في فرنسا قضاء محتوم لا مندرحة لي عنه، وشهد الله ما أجد لذلك ألما، وإنما أجد فيه اللذة كل اللذة».
وبعد ثلاثة أشهر يعود فيلتقي بصديقه وينكر هذا الأخير عليه صورته غير أن صوته وضحكاته العراض لم تتغير، يجده غارقا في المجون والسكر يشرب ويجد في آن واحد فهو « إن حزن لا يعدل بالكتاب شيئا، وصاحبي إن مر لا يعدل بالشراب شيئا، وهو مسرف في صحبة الكتاب، يأخذ المجلد الضخم فلا يكاد ينصرف عنه حتى يزدرده ازدرادا، وصاحبي مسرف في الشراب إذا أقبل الليل عليه لم تكفه »
الزجاجة أو الزجاجتان من معتق النبيذ وإنما يشرب حتى يعجز عن الشرب وهو لا يعجز عن الشرب إلا حين يعجز يده عن تناول الزجاجة وصب شيء من روحها في القدح، وإذا انتهى العجز بصاحبي إلى هذا الحد ليث مكانه لا يريم، نائما كالمستيقظ ومستقيما كالنائم .. »
ويقضي صديقه في باريس زهاء سنة ولكن الحال تغيرت عن سابقتها في مصر .. أين المناقشات الجادة الهادفة .. أين السهرات اللطيفة، كل ذلك لم يعد له وجود إلا غرارا، ذلك لان صاحبنا ينقطع إلى « الين» دون غيرها.
وأخيرا يصاب صاحبنا بالجنون وتخيل إليه أوهام غريبة بعد أن يطرح على فراش المرض قم الموت يتخيل نفسه بأنه بألمانيا، إنه النازي الغادر وأن الصحف الفرنسية مجتمعة على طرده من باريس المدينة التي وقف بجانبها وساندها وساعدها ما هوجمت، وهم أيضا أن الحلفاء أجمعوا على نفيه إلى المغرب الأقصى، بعد أن انقلب عليه أهل باريس جميعا من سكان وصحف وأساتذة.
ثم نستنتج من إحدى الرسائل التي كتبها في شهر نوفمبر انه كان قد خطب فتاة من أستاذ من أساتذته بالسربون، وهذا ما غاظ الين التي طالما تغنى بحبها والتي انصرفت عنه بعد أن علمت بأمر هذه الخطبة ونصل إلى نهاية هذا العراك عندما تحمل- ذات مساء صاحبة البيت الذي كان يقيم فيه صاحبنا حقيبة ومعها خطاب من صديقه الأديب خلاصته انه لن يعود إليه يرده.
بعد أن بلغ به الجنون مداه، وبعد أن أصبح لا أمل بتاتا في علاجه، فقدمت له الحقيبة وأوصته بغرفة مغلقة منذ عام، بها كتب كثيرة. ولما أطلع صاحبنا على كل ذلك إذا به يقف على أدب حزين رائع صريح لا عهد للغتنا بمثله فيما يكتب أدباؤنا الشبان، ومن ثم هم بنشره، ومن بينه كان هذا الكتاب.


1) « في القصة القصيرة» للأستاذ داوارة، الصفحة الأولى، نشر « الألف كتاب» القاهرة.
2) « أديب» صفحة 163.
                                                      

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here