islamaumaroc

ضوء كاشف على الفكر الإسلامي والثقافة العربية المعاصرة

  دعوة الحق

155 العدد

أولا : (الرافعي بين العقاد وطه حسين )
 من الحق أن يقال أنه قد مضى وت طويل قبل أن نفهم حقائق كثيرة : كان زيف المسلمات الوافدة قد سد الطريق دون وضوح الرؤيا، وما زال، بحيث يمكن القول أن الأدب العربي المعاصر في حاجة ماسة إلى كشف كثير من الحقائق وإزالة كثير من العوائق.
لقد كانت مدرسة اليقظة العربية الإسلامية تعمل وهي عزلاء من سلاح النشر وسلاح المظهر القوي الذي كان جميعه في يد مدرسة أخرى تحاول أن تفرض مفاهيم وافدة وتغير واقعا حيا وترسي قيما جديدة تتعارض مع طابع أدبنا وفكرنا وقيمنا أساسا.
وحين نرى الرافعي عام 1911 يهاجم دعوة لطفي السيد إلى تفصيح العامية أو تعمية الفصحى ندهش لهذا الفهم الباكر لخلفيات المعركة الكبرى التي استقطبت الأدب العربي كله من كولون في المغرب إلى ويلكوس في مصر: لقد تنبه الرافعي رحمه الله فجأة إلى ذلك الحصار الضخم الذي يريد أن يحتوي لغة القرآن فانتقض لذلك وجرد نفسه لعمل كبير وبنى لبنة أساسية في حركة اليقظة التي قومت الغزو: كانت هذه اللبنة هي إعجاز القرآن والبلاغة النبوية.
فإن من يقرأ هذا الكتاب مجردا من سياقه وعصره وتحديات جيله لا يستطيع أن يصل إلى فهم الغاية التي قصد به إليها. ولقد رأى الرافعي لطفي السيد رائد المدرسة الحديثة والذي أطلق عليه من بعد (أستاذ الجيل) يحمل نفس اللواء الذي كان يحمله ويلكوس وولمر وغيرهم من المبشرين فأزعجه ذلك لأنه رأى أن المعركة قد نقلها النفوذ الأجنبي بذكاء وخفة إلى الأقلام العربية لتدافع عنها.
وفي هذه الفترة الباكرة، أعطى الرافعي مفهوما لم يصل إلينا سره إلا في السنوات الخمسين، حين انكشفت الغايات ووضحت الأخطار.
ذلك السر هو ما كشف عنه الرافعي حين قال أن اللغة العربية مرتبطة بالقرآن لا تنفصل عنه وأن في فصلها عن مستواه البياني أولى علامات الخطر.
لقد تبين لنا بعد كثير من الزمن أن الهدف كان هو إقامة لغة أخرى : تحاول أن تحل بين اللغة القرآنية الفصحى لتقيم حاجزا بين المسلمين والعرب وبين فصاحة القرآن فتعزلهم عنه.
ذلك كان أعظم ما أعطى الرافعي في أوائل هذا القرن. وهو ما ألب عليه هؤلاء الخصوم إلى اليوم وإلى بعد اليوم.
                                    ـــ * ــــ
أما معطياته الأخرى فهي كتابه «الأدب الإسلامي» : تلك الفصول التي نشرها في الرسالة يربط بها النفس العربية الإسلامية في حاضرها بأمجادها، لقد جاء الرافعي ليهز النفس هزا ويكشف عن مكنون ذلك النور الرباني القرآني فيها فينشيء ذلك الجيل الجديد الذي سرعان ما أشرقت آثاره في الرسالة وغيرها : علي الطنطاوي ومحمود محمد شاكر وسعيد العريان وكامل محمود حبيب وكثيرون.
لقد عارض وطه: ذلك الأدب الإسلامي الذي كتبه الرافعي ورموه بالقصور ثم لم يلبثوا أن كتبوا هامش السيرة والعبقريات في محاولة للسيطرة على هذا النبع الذي فجره قلم أمين، فما استطاعوا أن يذهبوا مذهبه ولا أن يبلغوا غايته، وكان لهم من مفاهيمهم وأهوائهم، ما تكشف حقائقه من بعد. فقد ذهب طه حسين يثير الأساطير القديمة من حول سيرة النبي ويحييها بعد أم أماتها وقضى عليها علماء المسلمين، وحاول العقاد أن يفسر النبوة وبالعبقرية والزعامة وأن يرد ذلك الجيشان الذي حول به الإسلام والعقول والقلوب إلى أثار الغرائز والأجناس والموروقات. لقد كان كل ما كتبه هؤلاء أشبه بما يقال في دوائر التغريب « البديل قبل أبعاد الأصيل» لقد كانت كتابات العقاد وطه حسين وهيكل (علي الرغم مما فيها من صور جديد) لا تحمل الإبريق الفن، وتخضع في مجموعها للمناهج الغربية الوافدة، ولكنها لم تكن تحمل الإيمان الذي يهدي إلى مفهوم الإسلام الحق. مفهوم الإيمان بالإسلام دنيا ودولة ونظام مجتمع ومنهج حياة.
ولذلك فقد عجز الكثيرون عن فهم الرافعي لأنهم كانوا قد تحركوا في دوائر المناهج الغربية وقصروا عن فهم أصالة البيان العربي صفوة من الشباب لم يعجزوا عن فهم الرافعي، فظل الرافعي درة مجالسهم، سواء في صالونات الأدب أم في المعاقل والمنافي والسجون.
لقد كانت قصص (الأيدي المتوضئة والسمكة والله أكبر) زادا طيبا المقاوب ولقد كان العقاد وطه حسين يعرفان أنهما مهما كثيرا عن الإسلام فليسا ببالغين ما بلغه الرافعي ثقة من الناس أو عمق فهم للإسلام.
والناس كانوا يعرفون أن طه حسين كتب (هامش السيرة) متمثلا ما كتب كتاب الغرب عن الأساطير والسخرية بادية في سطوره، وكانوا يعلمون أن العقاد كتب (العبقريات) من أجل معارضة منهج الانتقاض للفردية والبطولة البشرية.
إن المذاهب التي اعتمد عليها لم تكن في مفاهيم الإسلام، ولكنها كانت عن طه حسين هي مفاهيم (دور كايم) في التفسير الاجتماعي والمادي للتاريخ وكانت عند العقاد مفاهيم المبروزو.
لقد عجز كلا المنهجين عن تقديم التفسير الإسلامي الأصيل للتاريخ الإسلامي أو البطولة الإسلامية، فليس الصحابة أبدا سياسيون معاصرون، يتقاتلون على الأطماع كما صورهم طه حسين في الفتنة الكبرى، وليس مرد عظمة أبي بكر وعلي، إلى التكوين الموروث وطبائع النفس وملكاتها (وحدها) كما حاول العقاد أن يقول ذلك. ولا ريب أن الاعتماد على الملكات النفسية وحدها يحجب جانبا هاما هو دور العقيدة والتربية وينكر أثرها في توجيه الأشخاص، ولا شك أن التربية الإسلامية التي أقام الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وأتباعه عليها : هي مصدر التشكل النفسي والعقلي الجديد وليست الموروثات والطبائع الأولية (1).
ومعنى هذا أن البديل لم يكن في درجة الأصيل، ولا من بحره وورده، ولكنه كان شيئا آخر : كان محاولة لتقديم تفسير وافد غربي مستمد من فكر له طبائعه ومقوماته وعقائده، في رغبة واضحة لإطفاء طابع العقل الفلسفي البارد بديلا للنفس الإسلامية والروح والمادة.
ولربما كان أحدهما صادقا في محاولته ولكنه عجز عن تمثل روح الإسلام، وهضم طابعه ومزاجه النفسي، فلقد باعد بينه وبين ذلك، هذا التكوين الذي بدأ مع الصبا واستمر أكثر من ستين عاما في دروب الفلسفات الغربية وتمحلاتها وصراعها وبعدها عن اليقين الصافي المؤمن الذي يقدمه القرآن لصدر رجل افتتح به حياته وعايشه حتى ختمها : ذلك هو الرافعي القرآني.
لم تكن هذه المعاني واضحة في الثلاثينات حين كانت الصهيونية التلمودية من وراء التشكيك في حقيقة إبراهيم ووجود إسماعيل وعلاقتهما بالجزيرة العربية لأنها كانت تحاول أن تجعل من إبراهيم ميراثا خاصة لشعب الله المختار، ولم نكن نعرف أن الشعر الجاهلي وهل هو أصيل أم زائف ليس هو القضية الأساسية وإنما القضية أثارة الشبهات حول القرآن والنبي وحول الرابطة الأصيلة الجذرية بين الأدب العربي والفكر الإسلامي : تلك التي لا تنفك قائمة في محاولة لإخراج الأدب العربي من نطاق القرآن والإسلام لدفعه إلى أدب أبي نواس وبشار من ناحية وقصص بودلير وأناتول فرانسس م ناحية أخرى. كل ذلك لم يكن واضحا في الثلاثينات والأربعينات، حتى كشف عنه الرافعي من ناحية الخلفيات وكشف عنه الرجل الكريم المرحوم الدكتور محمد أحمد الغمراوي : الذي سوف يكتب له التاريخ الأدبي أنصع صفحة : والذي جاهد في الميدانين : أولا حين كشف زيف دعوى طه حسين في فهم ديكارت فهما كان يقول أن الأزهريين لا يصلون إليه، فأعلن أن ما نشره طه حسين عن ديكارت ليس هو الحقيقة. وحين كشف حقيقة الأدب الذي كان العقاد وطه حسين (وهم أصحاب التبعية الكبرى للأدب الغربي : الإنجليزي والفرنسي) إنه ليس الأدب العربي الإسلامي الذي قام عليه الرافعي، المتصل بالقرآن والتوحيد والأخلاق، وإن يسعى هؤلاء المجددون إليه هو القضاء على هذا واحتوائه في ثوب جديد له بريقه وليس له قلبه وروحه، ولقد ظل الدكتور الغمراوي حتى أيامه الأخيرة يواجه هذا التيار في قوة فكشف زيف زكي مبارك في كتابه النثر الفني والتصوف الإسلامي، ثم عاود الحديث في السنوات الأخيرة عن أخطاء العقاد في كتابه (الله) وفي العبقريات عن مفهوم التوحيد ومنهج دراسة الإعلام وأبان أن البشرية بذات موحدة ولم تتطور من الوثنية إلى التوحيد كما قال العقاد وإن النبي صلى الله عليه وسلم لا يوصف بالعبقري وإنما بالنبوة.
تلك حقائق سريعة خاطفة نضعها أمام الباحثين ونردهم إلى مصادرها لينظروا إلى أي حد كانت تلك المسلمات الخاطئة قد بلغت صورة الحقيقة المجردة، جريا على كل لسان وكل قلم. ونحن الآن في مرحلة تصحيح المفاهيم وتحرير القيم وتلك رسالة العاملين في هذا المجال.

1) راجع كتابنا : مشكلات الفكر المعاصر في ضوء الإسلام.

 

المراجــــع :
1مقالات العقادين والرافعيين في الرسالة 1937 ومقالات الغمراوي  في الرد عليها، وفي الرد على  (أحد أساطين الأدب الحديث) وهو عبد الرحمن شكري أوائل عام 1938 .
2 مجلة البيان 1911.
3 ما دار حول ( على هامش السيرة ) 1933 ورأي الدكتور محمد حسنين هيكل (ملاحق السياسة)
4 كتابينا (المعارك الأدبية) و (المساجلات والمعارك الأدبية).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here